مَحَبَّةٌ إِلَى الْمُنْتَهَى

أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. (يوحنا ١:١٣)

إذ اجتمع يسوع مع تلاميذه لتناول عشاء الْفِصْحِ الأخير، كان يعلم أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ. فقد عاش يسوع حياته وهو يترقب هذه السَّاعَةَ. وكان يعلم من قبل أن تلك الساعة لم تأتِ بعد (يوحنا ٤:٢). وحتى تلك اللحظة، تمتع بحماية خاصة لأنسَاعَتَهُ لم تكن قد جاءت بعد  (يوحنا ٣٠:٧، ٢٠:٨). ‌أما الآن، فَقَدْ جَاءَتْ سَاعَتُهُ. وقد عبّر يسوع عن معرفته بذلك في يوحنا ٢٣:١٢-٢٧، حتى إنه قال: «لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ».

وبالفعل، كانت سَاعَتَهُ قد جاءت. فقد انتهت خدمة يسوع العلنية. وفي غضون نحو أربع وعشرين ساعة، كان يسوع سيُعلَّق على الصليب. كانت هذه بداية النهاية، وقد استخدم يسوع هذه الساعات الأخيرة الثمينة ليخدم تلاميذه ويُعِدَّهُم.

لا يُذكَر الصليب صراحةً في يوحنا في ١:١٣، لكنه يُلقي بظلِّه على كل كلمة تقريبًا. نرى ظلَّ الصليب في عبارة «أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ». ونرى ظلَّ الصليب أيضًا
في عبارة «أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى».

لكننا نرى أيضًا ظلَّ الصليب في عبارة «يَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ». فالصياغة رقيقة، غير أن تحت هذا الغطاء الرقيق حقيقةً صلبةً كالفولاذ. لم يكن يسوع سيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إلا عن طريق الصليب.

واللافت أنه كان سيترك العالم بعدما أَحَبَّ خَاصَّتَهُ. ولا شك أن يسوع كان قد أَحَبَّ تلاميذه. فقد قادهم، وعلّمهم، واعتنى بهم، وحماهم. وما منحه يسوع لهم كان بالفعل أكثر مما يستطيع أي معلّم أو قائد آخر أن يقدّمه لأتباعه.

كان هؤلاء التلاميذ، بل كلُّ التلاميذ، حقًا خَاصَّتَهُ، فهم مُلكٌ ليسوع.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه اختارهم.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه وهب نفسه لهم.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأن الآب أعطاهُم له.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه كان سيفتديهم قريبًا.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه غَلَبَ، فسلّموا أنفسهم له.

كان يسوع قد أَحَبَّ خَاصَّتَهُ، لكنه لم يكن قد أظهر لهم بعد ملءَ مَحَبَّتِهِ، إذ كان سيُحِبُّهُم إِلَى الْمُنْتَهَى.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى»: إلى نهاية حياة يسوع الأرضية. فمع أن التلاميذ تخلوا عنه، لم يتخلَّ يسوع عنهم أبدًا. لقد توقفوا عن التفكير في يسوع، ولم يعودوا يفكرون إلا في أنفسهم، أما هو فلم يتوقف قط عن التفكير فيهم. لقد أحبَّهم إِلَى الْمُنْتَهَى.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى» أيضًا محبةً لا تنتهي أبدًا. فلن يتوقف يسوع قطّ عن محبة خَاصَّتِهِ. فمحبته ليست محبةً متقلبة، تظهر اليوم وتغيب غدًا.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى» أيضًا أن محبة يسوع بلغت كمالها في العطاء. تستخدم بعض الترجمات تعبير: «أحبَّهم إلى أَقْصَى حَدٍّ». لقد سكب يسوع كأس محبته لنا حتى آخر قطرة.

هل تنتمي إلى يسوع؟ هل أنت من خَاصَّتِهِ؟ إنه يُحِبُّكَ، وسَيُحِبُّكَ إِلَى الْمُنْتَهَى.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك