فَرَحُ يَسُوعَ

«كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ». (يوحنا ١١:١٥)

مَرَّ زمنٌ كان الناس فيه أكثر انشغالًا بسلامة علاقتهم بالله، وباليقين من الحياة الأبدية. أما في عصرنا الحاضر، فيبدو أن اهتمام الناس بهذه الأمور قد تراجع، وصار انشغالهم الأكبر هو أن يكونوا سعداء فحسب.

صحيحٌ أن ما نعنيه عادةً بالسعادة ليس هو الْفَرَحَ نفسه الذي تكلّم عنه يسوع هنا، غير أنهما متصلان. فقد يبدو الإنسان ’سعيدًا‘ من الخارج، من دون أن يتمتع بفرح يسوع. أما إذا كنت تتمتع بفرحه، فستكون عمومًا سعيدًا.

ربط يسوع هذا الفرح بما كان قد قاله لهم في الآيات السابقة (كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا)؛ فقد تكلّم فيها عن الثبات في محبته وحفظ وصاياه. فعندما لا يثبت التلميذ في محبة يسوع، فإنه يعجز عن حفظ وصاياه، ولا يختبر ملء الفرح الذي وعد به يسوع أولئك الذين يثبتون في محبته وطاعته.

فالمؤمن الذي لا يعيش في محبة يسوع ولا يسلك في طاعته، لن يختبر فرح يسوع اختبارًا حقيقيًا راسخًا. وأحيانًا أشد الناس بؤسًا هم المؤمنون العصاة الذين ينأون بأنفسهم عن اختبار محبته.

أما عندما يعيش التلاميذ حياة منسجمة مع ما تكلّم عنه يسوع، فإنهم ينالون فرحه: «لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ». والْفَرَح الذي يتكلم عنه يسوع أعمق بكثير من مجرد الشعور بالسعادة أو الحماسة كما يتصوّر الناس عادةً. إن فرح يسوع لا يقوم على متعة الحياة السهلة، بل هو بهجة تنبع من علاقة صحيحة مع الله، ومن السلوك في محبته ورعايته يومًا بعد يوم. ويمكننا أن ننعم بهذا الْفَرَح، بل بفرحيسوع نفسه، فرحًا يلازمنا ويثبت فينا.

عندما تكلّم يسوع عن فرحه، فَهِمَ التلاميذ ما قصده. فلم يقولوا: “يا يسوع، أنت لا تبدو لنا سعيدًا. لذلك لا نظن أننا نريد فرحك.” بل كانوا يعرفون أن يسوع عاش بفرح حقيقي، ورأوا هذا الفرح ظاهرًا في حياته يومًا بعد يوم. وما كان يسوع ليعدنا بالفرح الكامل لو لم يكن هذا الفرح حاضرًا وحقيقيًا في حياته أولًا.

قدّم يسوع وعدًا عظيمًا لكل من يتبعه. فإن عشنا كما علّم في هذا المقطع الرائع (يوحنا ١٤-١٦)، وثبتنا في محبته، فلن ننال الفرح فحسب، بل ملء الفرح. ولا يعني هذا أن تمتلئ كل لحظة من كل يوم بضحكٍ خالٍ من الهموم، ولا أن تلميذ يسوع الثابت في محبته موعود بحياة تخلو من الحزن أو الضيق. وهذا يعني أننا نتمتع في يسوع المسيح بسلامٍ ثابت، وقلبٍ راضٍ، ورجاءٍ حي، وفرحٍ لا يمنحنا إياه العالم، ولا يستطيع أن يسلبنا إياه. اليوم، يمكنك أن تنال فرح يسوع.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الحرية الحقيقية في المسيح

أَجَابُوهُ: «إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لِأَحَدٍ قَطُّ! كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟». أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الْأَبَدِ، أَمَّا الِابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الْأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الِابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا.» (يوحنا ٣٣:٨-٣٦)

قد يجيد الإنسان الكَذِبَ على الآخرين، لكن أخطر الأكاذيب هي التي يقولها لنفسه. خِدَاعُ النَّفسِ أمرٌ حقيقيٌّ، وله قوَّةٌ مخيفةٌ. هُنا قدَّمَ يسوعُ للقادة الدينيين حريةً حقيقية، حرية كائنة في شَخصِهِ هو. لكنهم أجابوه قائلين: «لَمْ نُسْتَعْبَدْ لِأَحَدٍ قَطُّ!». زَعَمُوا أنهم أحرارٌ، وأنهم كانوا دائمًا أحرارًا، لكنهم، فيما يبدو، نسوا عبوديتهم للمصريين والفُرس والسوريين والرُّومان. وهذا يُظهر أن الإنسان قد يكون أسيرًا وهو يُوهِمُ نفسَهُ أنَّهُ حُرٌّ.

لكن استِعبادهم الحاضر للخطية كان أسوأ بكثير من عبوديتهم السابقة لحكوماتٍ أجنبية. فالخطية تُوقِع الإنسان في أقسى أنواع العبودية، لأنه لا يستطيع أن يهرب من نفسه. لا يمكنك أن تنتقل إلى مكانٍ جديد لتتخلص من سلطانِ الخطية، فأينما ذهبت، تأخُذُ نفسَكَ معك! ولا مهرب إلا أن يحررك ابن الله، يسوع المسيح.

في هذا المقطع، قارن يسوع بين حرية بالاسم فقط، والحرية الحقيقية التي لا توجد إلا فيه. فبعض الناس يتحدثون عن الحرية، ويفهمونها كفكرة، لكنها عندهم ليست إلا كلمة، لا حقيقة.

قبل سنوات، روت امرأة مسيحية مسنَّة من هونغ كونغ ما عاشته سابقًا في الصين، ومع ذلك ظلَّت متأثرة بلغة الشيوعيين ومصطلحاتهم. فقد كان الشيوعيون يطلقون على ثورتهم القامعة اسم ’التحرير.‘ وسُئِلت ذاتَ مرة: ’عندما كُنتِ في الصين، هل كُنتِ حرة في أن تجتمعي مع مؤمنين آخرين للعبادة؟‘ فأجابت: ’كلا. فمنذ التحرير، مُنِعَتِ الاجتماعات المسيحيَّة.‘ فسئلت: ’ألم تكونوا تجتمعون في مجموعات صغيرة للشَّرِكة والحديث عن الإيمان؟‘ فأجابت المرأة: ’كلا. فمنذُ التحرير، مُنِعَتْ كُلُّ هذه الاجتماعات.‘ ثم سُئِلَت: ’هل كان بإمكانِكِ قراءةُ الكتاب المقدس بحرية؟‘ فأجابت: ’منذ التحرير، لم يعد أحدٌ حُرًا في قراءة الكتاب المقدس.‘ فأيُّ تحريرٍ هذا!

والمعنى واضح: ليست الحرية في كلمة ’الحرية،‘ ولا في مجرد ألفاظ، بل على علاقةٍ بيسوع المسيح، من خلال الثبات في كلامه. عندما يحررك يسوع، تكون حرًّا بالحقيقة.

هل الحرية من الخطية واقِعٌ حقيقيٌّ في حياتك، أم ما زِلتَ مُستَعبدًا لها؟ اقترب من يسوع اليوم، فهو وَحْدَهُ قادرٌ على أن يحررك. لن تُحَرِّرَ نَفسَكَ بِنَفسِك، ولن تحررك أيُّ حكومةٍ من الخطية، ولن يفعل ذلك أيُّ برنامجٍ.

يَسُوعُ وَحْدَهُ يجعلنا أحرارًا بالحقيقة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

فِي بَيْتِ أَبِي

«فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا، وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ». (يوحنا ٢:١٤-٤)

قبل ذهابه إلى الصليب بساعاتٍ قليلة، قضى يسوع أمسيته الأخيرة مع تلاميذه. وكان من بين كلمات يسوع المُعزِّية أن طمأنهم إلى أن لهم مكانًا معه في السماء، «فِي بَيْتِ أَبِي».

تكلَّم يسوعُ عن السماء بثقة تامة. فلم يتكلم عن الحياة بعد هذه الأرض كمن يتساءل عنها، بل كمن يعرفها يقينًا. لذلك أخبر تلاميذه أن في السماء مكانًا يتسع للجميع: «مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ». ومع أن العبارة تشير في أصلها إلى أماكن سُكنى، فإن كلمة «مَنَازِل»، كما وردت في ترجمة فان دايك، تبقى أنسب عند التأمل في طبيعة الله. فأيًّا كان المكان الذي يعدّه لنا في السماء، فسيكون مجيدًا يليق بكرمه ومجده.

ستكون هناك مَنَازِل كَثِيرَة حقًا. فقد كان يسوع يرى ما لم يكن التلاميذ قادرين على رؤيته: ملايين فملايين، بل ملياراتٍ، من كل قبيلةٍ ولسانٍ وأمةٍ في بيت الآب. ولعله ابتسم وهو يقول: «مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ»، نعم، كَثِيرَةٌ حقًا!

قال يسوع: «أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا»، لأن المحبة تُعِدُّ ما يليق باستقبال من تُحِبُّهُ. فبالمحبة، يُعِدُّ الوالدان غرفةً لاستقبال المولود الجديد. وبالمحبة، تُعِدُّ المُضيفة كل ما يلزم لاستقبال ضيوفها. وهكذا يُعِدُّ يسوعُ مَكَانًا لشعبه، لأنه يحبهم ويعلم أنهم سيأتون إليه.

ولأن المكان كان مُعَدًّا لهم، أكّد يسوع أيضًا لتلاميذه أنه سيعود ليأخذهم إليه: «آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ». ولم يكن يقصد بهذا قيامته القريبة فقط، أو مجيء الروح القدس، بل كان يقصد أيضًا ذلك الجَمْعَ العظيم لشعبه في نهاية الدهر.

وأعظم ما في هذا الرجاء أننا سنجتمع مع يسوع نفسه: «حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا». ومحور السَّماءِ كلها هو الوجود مع يسوع. فالسَّمَاءُ ليست سَمَاءً بسبب شوارع الذهب، أو أبواب اللؤلؤ، أو حتى حضور الملائكة. السَّمَاءُ هي السَّمَاءُ لأن يسوع هناك.

كتب جيمس باري (James Barrie)، مؤلف قصة “بيتر بان” (Peter Pan)، أعمالًا أخرى كثيرة. وكان من بين كتبه كتابٌ يحكي عن والدته، مارغريت أوغليفي، وعن نشأته في اسكتلندا. فقد عانت والدته كثيرًا في حياتها، بما في ذلك الموت المأساوي لأحد أبنائها. وكتب باري أن الإصحاح المفضل لدى والدته في الكتاب المقدس كان يوحنا ١٤. وكانت تقرؤه كثيرًا، حتى إن كتابها المقدس، إذا فُتح ووُضع جانبًا، كانت صفحاته تنفتح تلقائيًا عند هذا الموضع. وقال باري إنها، حين تقدّمت في السن ولم تعد قادرة على قراءة هذه الكلمات، كانت تنحني نحو كتابها المقدس وتقبّل تلك الصفحة.

إن كانت هذه المواعيد تستحق كل هذه المحبة والتعلّق، فكم بالحريّ المخلّص الذي أعطاها ويحفظها!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

مَحَبَّةٌ إِلَى الْمُنْتَهَى

أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. (يوحنا ١:١٣)

إذ اجتمع يسوع مع تلاميذه لتناول عشاء الْفِصْحِ الأخير، كان يعلم أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ. فقد عاش يسوع حياته وهو يترقب هذه السَّاعَةَ. وكان يعلم من قبل أن تلك الساعة لم تأتِ بعد (يوحنا ٤:٢). وحتى تلك اللحظة، تمتع بحماية خاصة لأنسَاعَتَهُ لم تكن قد جاءت بعد  (يوحنا ٣٠:٧، ٢٠:٨). ‌أما الآن، فَقَدْ جَاءَتْ سَاعَتُهُ. وقد عبّر يسوع عن معرفته بذلك في يوحنا ٢٣:١٢-٢٧، حتى إنه قال: «لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ».

وبالفعل، كانت سَاعَتَهُ قد جاءت. فقد انتهت خدمة يسوع العلنية. وفي غضون نحو أربع وعشرين ساعة، كان يسوع سيُعلَّق على الصليب. كانت هذه بداية النهاية، وقد استخدم يسوع هذه الساعات الأخيرة الثمينة ليخدم تلاميذه ويُعِدَّهُم.

لا يُذكَر الصليب صراحةً في يوحنا في ١:١٣، لكنه يُلقي بظلِّه على كل كلمة تقريبًا. نرى ظلَّ الصليب في عبارة «أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ». ونرى ظلَّ الصليب أيضًا
في عبارة «أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى».

لكننا نرى أيضًا ظلَّ الصليب في عبارة «يَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ». فالصياغة رقيقة، غير أن تحت هذا الغطاء الرقيق حقيقةً صلبةً كالفولاذ. لم يكن يسوع سيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إلا عن طريق الصليب.

واللافت أنه كان سيترك العالم بعدما أَحَبَّ خَاصَّتَهُ. ولا شك أن يسوع كان قد أَحَبَّ تلاميذه. فقد قادهم، وعلّمهم، واعتنى بهم، وحماهم. وما منحه يسوع لهم كان بالفعل أكثر مما يستطيع أي معلّم أو قائد آخر أن يقدّمه لأتباعه.

كان هؤلاء التلاميذ، بل كلُّ التلاميذ، حقًا خَاصَّتَهُ، فهم مُلكٌ ليسوع.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه اختارهم.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه وهب نفسه لهم.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأن الآب أعطاهُم له.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه كان سيفتديهم قريبًا.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه غَلَبَ، فسلّموا أنفسهم له.

كان يسوع قد أَحَبَّ خَاصَّتَهُ، لكنه لم يكن قد أظهر لهم بعد ملءَ مَحَبَّتِهِ، إذ كان سيُحِبُّهُم إِلَى الْمُنْتَهَى.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى»: إلى نهاية حياة يسوع الأرضية. فمع أن التلاميذ تخلوا عنه، لم يتخلَّ يسوع عنهم أبدًا. لقد توقفوا عن التفكير في يسوع، ولم يعودوا يفكرون إلا في أنفسهم، أما هو فلم يتوقف قط عن التفكير فيهم. لقد أحبَّهم إِلَى الْمُنْتَهَى.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى» أيضًا محبةً لا تنتهي أبدًا. فلن يتوقف يسوع قطّ عن محبة خَاصَّتِهِ. فمحبته ليست محبةً متقلبة، تظهر اليوم وتغيب غدًا.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى» أيضًا أن محبة يسوع بلغت كمالها في العطاء. تستخدم بعض الترجمات تعبير: «أحبَّهم إلى أَقْصَى حَدٍّ». لقد سكب يسوع كأس محبته لنا حتى آخر قطرة.

هل تنتمي إلى يسوع؟ هل أنت من خَاصَّتِهِ؟ إنه يُحِبُّكَ، وسَيُحِبُّكَ إِلَى الْمُنْتَهَى.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

أَنهَارُ مَاءٍ حَيٍّ

وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قِائِلًا: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». (يوحنا ٣٧:٧-٣٨)

يصفُ هذا ما فعله يسوع فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ من عِيدِ المَظَالِ، الذي كان يستمر ثمانية أيامٍ. ففي الأيامِ السبعة الأولى، كانوا يأخذون ماءً من بِرْكَةِ سِلْوَامَ في إبريقٍ من ذهب، ويصبّونه على مذبحِ الهيكل، تذكيرًا بالماء الذي قدَّمَهُ اللهُ بمعجزة لشعب إسرائيل العطشان في البرية. أما في اليوم الثامن، ويبدو أنه لم يكن هناك سكبٌ للماء، بل كانت تُرفَعُ صلواتٌ فقط، تذكيرًا لهم بأنهم دخلوا أرض الموعد.

تذكَّر يوحنا ذلك المشهد حين وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قائلًا: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ». وكان عيد المظال يركّز على تمجيد الله لأجل الماء الذي أعطاه لإسرائيل في البرية، في طريقهم إلى أرض كنعان. وفي هذا السياق، دعا يسوعُ الناسَ بجرأةٍ أن يُقبِلُوا إليهِ فيشربوا، فيرتووا من أعمق عطشِهم، أي عطشهم الروحي.

كانت الدعوةُ شاملةً، لأن يسوعَ قال: «… أَحَدٌ». فلا يحدُّ هذا العرض ذكاءٌ ولا عرقٌ ولا طبقةٌ اجتماعيةٌ ولا جنسيةٌ ولا انتماءٌ سياسيٌّ. وفي الوقت نفسه، كانت الدعوةُ ضيّقةً، لأنها اشترطت: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ». فلا بُدَّ أن يُدرِكَ الإنسانُ حاجتَهُ؛ فالعطشُ ليسَ شيئًا في ذاته، بل هو إحساسٌ بالعَوَزِ. إنه فراغٌ داخليٌّ واحتياجٌ صارخ.

يوجدُ خلافٌ بين المفسّرين حول ما إذا كان يسوعُ قال هذا أثناء سَكْبِ الماءِ، أم في اليوم الذي لم يكن فيه سكبٌ للماء. وقد يكون من المستحيل الجزمُ بذلك، غير أن تركيز يوحنا على الْيَوْمِ الأَخِيرِ يُشير على الأرجح إلى أن يسوعَ أرادَ أن يُبرز تباينًا واضحًا: “لم يعُد هناك ماءٌ في الهيكل ولا في الطقوس التي نُحبها. أنا أُعطي الماءَ الذي تبحثونَ عنه.”

«مَنْ آمَنَ بِي» تشرح ما قصده يسوع بمجاز الشُّرب. فالمجيء إلى يسوع والشُّرب منه يعنيان في الأساس الإيمان به؛ أي أن نثق به، ونعتمد عليه، ونتمسّك به الآن وإلى الأبد.

أما من يُؤمِنُ بهِ، فيَعِدُهُ يسوعُ بأن تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. وكان عيد المَظالِ يشير أيضًا إلى النبوّات التي تتحدث عن جريان الماء من العرش ومن أورشليم حيثُ سيملكُ المسيح. وبكلماتٍ أُخرى، قال يسوع: ضعوا ثقتكم فيَّ، وأجلسوني على عرش قلوبكم، فتفيضُ منكم الحياة والوفرة.”

لم يتكلم يسوع عن شيءٍ يدخلُ إلى الإنسانِ فحسب، بل عن شيءٍ يَفِيضُ مِنهُ أيضًا. فليس الأمر بركةً تُنال، بل أن يصيرَ الإنسانُ بركةً للآخرين. وفي الآية التالية، ربط يوحنا هذه الأنهار من الماءِ الحيِّ بفيضِ الروح القدس الموعود.

اِقْبَلْ هذا الفيض من الماءِ الحيِّ، الذي هو عملُ روح الله. إنَّهُ عطيةُ اللهِ لكلِّ مَن يُؤمنُ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٧

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الرَّاعِي الصَّالِح

«أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ». (يوحنا ١١:١٠)

كان هذا إعلانًا جميلًا، وقد قاله يسوع بوضوح شديد لا لبس فيه. فيسوع المسيح يجسد أسمى صورة لرعاية شعب الله، كما صورها العهد القديم وكما عرفتها الثقافة المحيطة. وبصفته الرَّاعِيَ الصَّالِحَ، يقف يسوع على النقيض تمامًا من ’اَلسَّارِقُ‘ (يوحنا 10:10) و’الأَجِيرُ‘ (يوحنا 12:10-13)، اللذين لا يهتمان بالخراف، بل بأنفسهما فقط.

إن الرَّاعِي الصَّالِحَ الذي وصفه يسوع هو راعٍ فريد حقًا. فقد يعرّض الرعاة أنفسهم للخطر من أجل سلامة الخراف، لكن من النادر جدًا أن نجد راعيًا مستعدًا أن يموت طوعًا لأجل خرافه.

ولأنه الرَّاعِي الصَّالِح، يَبْذِلُ يسوعُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. ومن اللافت أن الفعل ’يَبْذِلُ‘ جاء بصيغة الحاضر، فهو قال: ’يَبْذِلُ‘ لا ’بَذَلَ.‘ لأن يسوع لا يزال يَبْذِلُ نَفْسَهُ من أجل شعبه ولخير شعبه. وكان بَذْلُ حياته على الصليب أعظم صورة لعطائه لشعبه، لكنه ما زال يعطيهم، إذ هو حيٌّ في السماء لِيَشْفَعَ فِيهِمْ (عبرانيين ٢٥:٧).

الرَّاعِي الصَّالِح لا يكتفي بأن يقدم للخراف رأيًا، أو اقتراحات مفيدة، أو يشجعها. بل إن الرَّاعِي الصَّالِح يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. فالراعي السيئ لا يدافع عن الخراف، بل يرى أن القطيع موجود لمنفعته هو، بينما يحيا الرَّاعِي الصَّالِح ويموت من أجل خير الخراف.

– الرَّاعِي الصَّالِح يُضَحِّي من أجل الخِرَاف (يَبْذِلُ نَفْسَهُ).

– الرَّاعِي الصَّالِح يَعرِف خِرَافَهُ، إذ قال: «وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي» (يوحنا ١٤:١٠). قد نرى نحن أن الخِرَاف كلها متشابهة، لكن الراعي يعرف أن لكل واحدٍ منها طَبعه وسماته الخاصة.

– الرَّاعِي الصَّالِح تَعرِفُهُ خِرَافُهُ أيضًا، إذ قال: «وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي» (يوحنا ١٤:١٠).

اليوم، يُظهِر الراعي الأمين، بوصفه راعيًا خادمًا ليسوع المسيح، الصفات نفسها التي نراها في الراعي الصالح. فهو يضحّي من أجل الخراف، ويعرفهم، وهم يعرفونه. وهو راعٍ حقيقي، لا أجيرٌ لا يبالي بالخراف. ومع أن الرعاة الأمناء لا يستطيعون أبدًا أن يعكسوا هذه الصفات في كمالها كما فعل يسوع، فإن عليهم أن يعكسوا قلبه وقصده كما تجلّيا في حياته بصفته الرَّاعي الصَّالح.

إن لقب ’الرَّاعِي‘ يعود إلى الكلمة القديمة نفسها المستخدمة هنا بمعنى ’راعٍ.‘ وهو لقب لا يُمنَح ولا يَدَّعيه الإنسان لنفسه، بل يُكتسَب بحق. فلا يكفي أن يعلن أحد ببساطة أنه راعٍ حقيقي لشعب الله، بل لا بد أن تشهد حياته بأنه يسير حقًا على نَهْج الراعي الصالح، يسوع المسيح.

لسنا جميعًا رعاةً نخدم شعب الله، لكن كل واحدٍ منا، بما في ذلك الرعاة أنفسهم، يحتاج إلى راعٍ، وهذا الرَّاعِي الصَّالِح هو يسوع. فاقبل ما قدَّمه يسوع، وما لا يزال يقدِّمه لشعبه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٠

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

عَمَلُ يسوعَ غَيْرُ المَألُوفِ

قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا. (يوحنا ٦:٩-٧)

 

في الإصحاح التاسع من إنجيل يوحنا، رأى يسوع وتلاميذه رجلًا أعمى منذ ولادته. ورأى التلاميذ فيه لغزًا لاهوتيًا مُحَيِّرًا، فسألوا يسوع هل كان عماه بسبب خطيته هو أم بسبب خطية والديه. وكثيرًا ما نفترض أن مَن يعاني ألمًا غير عادي، لا بد أن يكون خاطئًا غير عاديٍّ. لكن يسوع لم يرَ أمامه لغزًا يحتاج إلى تفسير، بل إنسانًا يتألم ويحتاج إلى الرحمة والمعونة.

ثم شفى يسوع الرجل، لكنه فعل ذلك بطريقة غريبة وغير مألوفة: تَفَلَ على الأرض، وصنع من التُّفْل طينًا، وطلب من الرجل أن يذهب ويغسل عينيه في ماء بِرْكَةِ سِلْوَامَ. من الواضح أن يسوع هو الذي بادر، لكنه دعا الرجل ايضًا إلى أن يستجيب له بإيمان. ففعل الرجل ما قاله له يسوع، فشُفي وأبصر.

 

لا يذكر الكتاب المقدس أن نبيًا أو كاهنًا أو رسولًا فتح عيني أعمى قبل يسوع. ومن اللافت أن يسوع صنع هذه المعجزة بالذات أكثر من أي معجزة أخرى. وهذا يعلن شيئًا عن هوية يسوع: فهو يفعل ما ينسبه الربَّ إلى نفسه، إذ يفتح عيون العميان (مزمور ٨:١٤٦، إشعياء ٥:٣٥).

 

ولكن لماذا اختار يسوع، في هذه الحادثة، أن يشفي بهذه الطريقة غير المألوفة؟ لعله أراد أن ينوّع أسلوبه حتى لا يتحول الشفاء إلى نمطٍ ثابت أو وصفة جاهزة. فقوّته لم تكن في طريقةٍ يستخدمها، بل فيه هو. وهنا استخدم يسوع تراب الأرض ليصنع في الإنسان ما يشبه عمل الله في الخلق، كما في تكوين ٧:٢.

 

قد يعترض بعضهم على الطريقة التي استخدمها يسوع في هذه المعجزة. فمن المؤكد أن وضع التُّفل والتراب في عيني إنسان أمر غريب حقًا. وقد يقول بعضهم إن ما فعله كان مسيئًا، أو غير كافٍ، بل ربما ضارًا.

 

وبالطريقة نفسها، يرى بعض الناس أن الإنجيل مُسيء. وهذا صحيح بمعنى ما، لأن الإنجيل يصدم كبرياء الإنسان وحكمته البشرية، لكن «اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ». (١ كورنثوس ٢١:١)

 

وكذلك يرى بعض الناس أن الإنجيل غير كافٍ. لكن هل يستطيع أحد أن يقول إن كل البرامج النفسية والسياسية والاجتماعية في العالم صنعت خيرًا أعظم مما صنعه إنجيل يسوع المسيح الذي يغير الحياة؟ إن يسوع كافٍ حقًا.

 

وهناك من يقول إن الإنجيل ضارّ، وإن تقديم النعمة مجانًا في يسوع سيجعل الناس يخطئون لكي تزداد النعمة. لكن الإنجيل يغيّر حياتنا، فيجعلنا أكثر صلاحًا ونقاوة، لا أكثر خطيةً وشرًا.

 

دَعِ اللهِ يعمل فيك ويخلقك من جديد، حتى لو بدت طريقته غريبة وغير مألوفة.

 

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاء

وَأَخَذَ يَسُوعُ الْأَرْغِفَةَ وَشَكَرَ، وَوَزَّعَ عَلَى التَّلَامِيذِ، وَالتَّلَامِيذُ أَعْطَوْا الْمُتَّكِئِينَ. وَكَذَلِكَ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا. (يوحنا ١١:٦)

في ذروة خدمته في الجليل، كان يسوع يخاطب جموعًا غفيرة جاءت لتسمع تعليمه الفريد. وفي هذه المناسبة، الواردة في يوحنا ٦، لما رأى يسوع هذه الجُموع، قرر أن يفعل شيئًا ليأتي بطعام لهذه الجموع.

الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاء

لو طُلب منك أن تُعِدَّ وجبة غداء لآلافٍ من الناس، فمن أين كنت ستبدأ؟ بدأ يسوع بطرح سؤال على تلاميذه. كان يعلم، بالطبع، ما يريد أن يفعله منذ البداية؛ لم يكن بحاجة إلى اقتراحات من التلاميذ ليحُلَّ مشكلة لا يعجز عن حلها. كان جزءًا من هذا الامتحان دعوةً للتلاميذ ليشاركوا في عمله. فحتى عندما يكون قد رتّب كل شيء وخطّط له، فإنه لا يزال يريد من شعبه أن يشاركوه في العمل. أليس هذا مفرحًا؟

فَهِمَ التلاميذ (وبالتحديد فِيلُبُّس) حجم التحدي: من أين سيحصلون على خبزٍ يكفي لإطعامِ هذا العدد الكبير؟ كانت مشكلتهم تتكوَّن من جزأين على الأقل. أولًا، لم تكن لديهم الموارد لإطعام الجموع، لا الخبز نفسه ولا المال اللازم لشرائه. ثانيًا، وحتى لو توفر لديهم المال، لكان من المستحيل أن يجدوا ما يكفي من الخبز ليشتروه ويطعموا الجميع.

لم يفكر فيلُبُّس في ما يُمكن أن يفعله الله، بل فكر من منظور المال، وكم نحتاج منه لننجز عمل الله ولو بصورة محدودة. فقد حَسَبَ أن إطعامهم جميعًا، ولو بقدر يسير، يحتاجُ إلى أكثر من أجرة ستة أشهر. كان حسابه دقيقًا، لكنه لم ينفع في حل المشكلة. غالبًا ما نملأ أذهاننا بمعلوماتٍ لا فائدة منها، ولا تساعد على رؤية عمل الله يتحقق في وسطنا.

وجدوا خمسة أرغفة من خبز الشعير. كان الشعير يُعد طعامًا بسيطًا، يقدم للحيوانات أكثر منه للناس. لم تكن خمسةُ أرغفةِ الشعير شيئًا يُذكر، لكن الله لا يحتاجُ إلى كثيرٍ. فالقليلُ يصيرُ كثيرًا حين نضعهُ في يدي يسوع. ومع ذلك، انتظر يسوع حتى جاءوا بشيءٍ يضعونه في يديه. فالله لا يحتاجُ إلى مساعدةٍ، لكنه غالبًا ما يؤجل عمله عن قصدٍ حتى يُشرِكَنا فيه.

صنع يسوعُ المعجزة بيديه، أما الخُبز فيُصنع من الحبوب، التي فيها قوة النمو والتكاثر. لكن لكي يُصنع دقيقُ الخبزِ من الحَبِّ، لا بُدَّ أن تُسحق الحبوب، فتصير كأنها ’ميتة.‘ يمكنك مضاعفة الحبوب بزراعتها، أما بسحقها فلا يمكن أبدًا. لم يسبق أن ضاعف أحدٌ محصول القمح بزراعة الدقيق. تكمن عظمة يسوع في قدرته على أن يُخرج حياةً من الموت، بل ويُضاعفها أيضًا.

فكِّر ماذا يمكن أن يصنع يسوع بما تضعه بين يديه اليوم. حتى لو كان بسيطًا، مثل بضعة أرغفة من خبز الشعير، يستطيع يسوع أن يصنع به أمورًا عظيمة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

عِندما يُبَادِرُ يَسُوع

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ». فَحَالاً بَرِئَ الإِنْسَانُ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَمَشَى. وَكَانَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ سَبْتٌ. (يوحنا ٨:٥-٩)

بقايا بركةِ بيتِ حِسدَا (يوحنا ١:٥-٩) تقعُ اليومَ في أورشليم، شمالَ جبلِ الهيكل مباشرةً. وقد كشفت التَّنقيباتُ الأثريةُ أنها كانت تضم خمسةَ أروقةٍ، كما وصفها يوحنا (٢:٥). وكان يحيطُ بهذه البركة جمهورٌ كبيرٌ من الناس المتألمين، ينتظرون أن ينزل ملاكٌ ويحركَ المياه، معتقدين أن أول من ينزلُ إلى الماء بعد تحريكها يُشفى. لا نعلم إن كان وعدُ الشفاءِ حقيقيًا أم مجرد أسطورة تبعثُ على الرجاء، ومع ذلك كان الناس يؤمنون بذلك.

وعندما وصلَ إلى بئرٍ خارجَ سُوخَار، أرسلَ يسوعُ تلاميذهُ إلى القرية ليشتروا طعامًا. ولما مضى التلاميذُ، تحدثَ مع امرأةٍ سامريةٍ، وكان حديثًا مدهشًا. ثم سألَ الرجل المُقْعَدَ سؤالًا غير مألوفٍ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟» (يوحنا ٦:٥). كان يسوع يعلم أن ليس كل مريضٍ يريدُ أن يُشفى، وأن بعضهم قد بلغ به الإحباطُ حدًا جعله يفقد كل رجاءٍ. لذلك تعاملَ مع رجلٍ كان قلبهُ، على الأرجح، ذابلًا مثلَ ساقيهِ، فبدأ أولًا بشفاءِ إيمانه.

نظنُّ أحيانًا أنهُ، مهما ساءَ وضعُنا الحالي، فإنَّ الأمورَ قد تكونُ أَسوَأً. وقد يجعلُنا هذا التفكير أكثر ارتياحًا في شقائِنا الحالي من أن نُقدِمَ على خطواتٍ جريئةٍ قد تقودُنا إلى الحُرية.

لكن رواية يوحنا تُبيّنُ لنا أن الرجل كان يريدُ أن يُشفى. وكان جوابه (يوحنا ٧:٥) في جوهره: “نعم، أريدُ أن أُشفى، ولكني لا أرى كيف يمكن أن يحدث ذلك.” وفي تفسيره لإنجيل يوحنا، وصف كالفن ردَّ الرجلِ المُقعَدِ: “يفعلُ الرجل المريض ما نفعله نحن جميعًا تقريبًا. فهو يُقيِّدُ معونةَ اللهِ بأفكارهِ، ولا يجرؤُ أن يرجو لنفسهِ أكثرَ مما يتصورُهُ.” ومن السهل علينا أن نفعل هذا. وقد كتب جي. بي. فيلبس كتابًا مشهورًا عن هذه المشكلة، بعنوان: إلهك أصغرُ مما ينبغي. فكثيرٌ منا يصنعُ في ذهنهِ إلهًا صغيرًا، إلهًا مقيدًا بأنواع كثيرة من القيود، بينما الإله الحقيقي الذي يَملِكُ في السماءِ لا تُقَيِّدُهُ هذه القيود.

قال يسوع لهذا الرجل ببساطة: «قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ». ففعل الرجل ذلك. طلبَ منهُ يسوع أن يفعل أمرًا كان عاجزًا عنه، ولكن عندما بذل جهدًا – بطريقةٍ لا نعرفها – أصبح الرجل قادرًا على ذلك بأعجوبة.

ومع ذلك، لم يظنَّ أحدٌ أن الرجلَ شفى نفسه. في هذه المعجزة، كان يسوع هو المُبادِر. وفي هذه الحالة، لم يكن بإمكانه أن يقول ما قاله لكثيرين آخرين: إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ (متى ٢٢:٩).

عند بركةِ بيتِ حسدًا، كان يسوع هو المُبادر، وهو الذي أنجزَ العمل. فهل تستجيبُ لهُ عندما يأخذ زمام المبادرة في حياتك اليوم؟ اطلب من يسوع القوة والنعمة لتتبعه حيثما يقودك. ولكن أولًا، قرر أن تتحرَّرَ بنعمتهِ، ولا تقبل ألمك الحالي لمجرد أنك اعتدت عليه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

أَسْمَى طَعَام

قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ». (يوحنا ٣٤:٤)

في يوحنا ٤، كان يسوع يسير مع تلاميذهِ من أورشليم إلى الجليل. وكان اليهود، إذا سلكوا هذا الطريق، يتحاشون المرور في أرض السامريين، إذ كانوا لا يحبونهم ولا يأنسون إليهم. أمّا يسوع فاختار أن يمُرَّ عبر السَّامِرة، وفي الطريقِ بلغ مدينة سُوخَار، المعروفة أيضًا بِاسْمِ شَكِيم في العهد القديم.

أَسْمَى طَعَام

ولمّا وَصَلَ إلى بئرٍ خارجَ سُوخَار، أَرسلَ تلاميذهُ إلى القرية ليبتاعوا طعامًا. وبينما كانوا غائبين، دار بينه وبين امرأة سامرية حديث مميّز، يُعَدّ من أروع الأمثلة على الكرازة.

وعند رجوع التلاميذ بالطَّعام، مضت المرأة إلى القرية لتُخبِر أهلها عن لقائها المُدهش بالمسيح. وعندما ألحّ التلاميذ على يسوع أن يأكلَ مما جاؤوا به، قال لهم إن له طعامًا لا يعرفونهُ (يوحنا ٣٢:٤). فتحيّروا في قوله، وأخذوا يتساءلون عّما يعنيه، ومن أحضر له الطعام، لكن يسوعَ أوضح لهم أنه كان يتكلم بمعنى روحيّ، حين قال: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ».

كانَ عملُ مَشِيئَةِ الآبِ في السماءِ بالنسبة إلى يسوع كطعامٍ له؛ يُشبِعُهُ ويمنحُهُ قوة، كما تُشبِع وجبة طيّبة الجائع. ولم يقصد يسوع أن يقلل من شأن الطعامَ أو الشرابَ أو الراحة، بل أرادَ أن يرفع نظر تلاميذهُ إلى ما هو أعظم، وأن يعلّمهم أن الحياةَ أوسع من هذه الأمور، وأَنَّ الإنسانَ ليسَ بالخبزِ وَحدَهُ.

كانَ ليسوعَ ما يُشبِعُهُ ويَمنَحُهُ قوة أعظم من أي طَعَامٍ. ولهذا أوضح لتلاميذهِ أن شبعه الحقيقيّ هو أن يعمل مَشِيئَةَ أَبيهِ.

ولم يَقُل يسوعُ حتى: أن أعملَ مشيئةَ أبي. بل تكلَّمَ كخادم لا كابن. وهكذا انشغل كليًا بعمل مشيئة سيده، وكان ذلك يُشبِعه كما تُشبِع وجبةٌ شهيَّةٌ إنسانًا جائعًا.

وقد شهدت خِبرةُ أجيال لا تُحصى عبر القرون بصحَّةَ هذا الكَلامِ. فلا شيء يملأ قلب المؤمن ويشبعه مثل أن يعمل عَمَلَ اللهِ، أيًا كان. ومع أن هذا يُخالِفُ حدسِنا الطبيعي، ويتعارض مع مَيلِنَا إلى محبةِ ذواتنا، إلا أنه حق لا يتغير.

غير أن يسوع لم يكتفِ ببدء العمل، بل كان حريصًا أيضًا على أن يُكمِله. فلم يكن شِبَعَهُ في أن يبدأ عملِ اللهِ فحسب، بل في أن يُتمَّه إلى النهاية. وعندما قال على الصليب: ’قَدْ أُكْمِلَ‘ (يوحنا ٣٠:١٩)، استخدم التعبير نفسه الذي يدل على إتمام العمل. ففي هذا وجدَ يسوعُ شِبَعَهُ الكَامِل: أن يعمل مشيئةَ أبيه، وأن يُنجِز هذا العمل على الصليب.

فكَرِّس نَفسَكَ لِعملِ مشيئةِ الله في حياتكَ، وستختبر أنت أيضًا شبعًا وقوة، كما تُشبِع وجبة طيّبة الإنسان.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك