حقيقة القيامة

وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا». وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ». (يوحنا ٢٠:٢٠-٢٢)

ظهر يسوع للتلاميذ الخائفين على نحو عجيب، وهم قابعون خوفًا وراء أبواب مغلقة، فوقف في وسطهم وقال: «سَلاَمٌ لَكُمْ!». وكبرهان ملموس على صدق ما رأوه، أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ. أراد يسوع أن يعرفوا أن قيامته حقيقة واقعة، وأن يفحصوا الأمر بأنفسهم. ومنذ ذلك الحين، ما زالت رسالته للبشرية واضحة: “لا بأس بأن تفحصوا الأدلة. بل أريدكم أن تفحصوها.” أراد لهم أن يعرفوا أن الأمر حقيقي.

ومع ذلك، لم يخلُ التاريخ من أناس شككوا في حقيقة القيامة. غير أن كثيرين من هؤلاء المتشككين، حين عزموا على فحص الأدلة بإنصاف، اقتنعوا بأن روايات الأناجيل صادقة، وأن أدلتها تثبت أمام التمحيص، وأن يسوع الناصري قام فعلًا من بين الأموات.

ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك محامٍ يُدعى سايمون غرينليف، أحد أبرز مؤسسي كلية الحقوق في جامعة هارفارد. كان هدفه في البداية أن يدحض شهادة الكتاب المقدس بشأن قيامة يسوع المسيح. كان واثقًا من أن الفحص الدقيق لروايات الأناجيل نفسها سيُثبت أن ما تقوم عليه المسيحية ليس إلا أساطير مزعومة. وهكذا أجرى هذا المحامي والباحث القانوني بحثه، ووزن الأدلة كما تُوزَن في قاعة المحكمة، فخلص إلى أن الشهود موثوقون، وأن قيامة يسوع المسيح قد حدثت فعلًا. وبعد أن اقتنع بحقيقة القيامة، آمن بالرب يسوع المسيح.

واليوم يدعوك يسوع إلى أن تقبل هذه الحقيقة كواقع يخصك أنت: حياته، وموته، وكونه حيًا وقائمًا من بين الأموات. فالقيامة، كأي حدث تاريخي، لا يمكن تكرارها في مختبر. ولا يمكننا أن نتخيل يسوع داخل مختبر، يحيط به علماء يريدون أن يكرروا موته وقيامته مرة بعد أخرى ليدرسوا هذه الظاهرة. فليست أحداث التاريخ مما يُعاد في المختبرات، لكنها مع ذلك وقائع حقيقية، وقيامة يسوع واحدة من تلك الوقائع التي حدثت فعلًا.

فليست القضية هنا قضية مختبر، بل قضية شهود، تمامًا كما في قاعة المحكمة. وبناءً على شهادة هؤلاء الشهود الموثوقة، يمكنك أن تضع إيمانك في شخص يسوع المسيح، وبما صنعه لأجلك لكي تصير مبررًا أمام الله، عن اقتناع قائم على الدليل. والحقيقة هي أن يسوع المسيح القائم من بين الأموات حقيقة واقعة. وهو كذلك سواء آمنت بذلك أم لم تؤمن. كانت القيامة حقيقة واقعة قبل أن يظهر يسوع لتلاميذه في يوحنا ٢٠، لكنهم لم يكونوا قد اختبروا قوتها بعد. فإيمانك بيسوع لا يجعله حقيقيًا، لكنه يجعلك تختبر قوة يسوع الحي والحقيقي، القائم من بين الأموات. وهكذا تصير شريكًا في أعظم حدث في التاريخ.في ذلك اليوم العظيم، كان يسوع المسيح في الوسط. فهل هو في وسط حياتك؟

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٢٠

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

يَسُوعُ فِي الْوَسْطِ

فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»، حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ. (يوحنا ١٧:١٩-١٨)

في ذلك اليوم في الجلجثة، لم يكن يسوع وحده مَن مات مصلوبًا، إذ يقول يوحنا إنهم «صَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ».

نعم، كان يَسُوعُ فِي الْوَسْطِ. وكان هذا صحيحًا بالمعنى الحرفي، فمن بين الصلبان الثلاثة، كان يسوع في الوسط. لكن المعنى لا يقف عند هذا الحد، فهناك أكثر من طريقة نرى بها أن يسوع كان حقًا فِي الْوَسْطِ.

كان يسوع في الوسط، بين البشر. فمنذ تجسّده، وطوال حياته كلها، دخل يسوع واقعنا البشري، وعاش بيننا، وشاركنا طبيعتنا البشرية. مات يسوع وهو في الوسط، بين رجال ونساء، وبين يهود وأمم، وبين أغنياء وفقراء، وبين أصحاب مكانة ومن لا مكانة لهم في نظر الناس، وبين المتعلمين وغير المتعلمين، وبين المتدينين وغير المتدينين، وبين المذنبين والأبرياء، وبين الباكين والساخرين، وبين من تأثروا بعمق ومن بقوا غير مبالين، وبين من أبغضوه ومن أحبوه.

كان يسوع في الوسط، بين الخطاة. فقد ظن أعداؤه أن وجوده بينهم سيهينه ويزيد معاناته، وتوهموا أن المخلّص سينزعج حين يجد نفسه في صحبة كهذه. لكن حتى في موته، ظل يسوع في الوسط بين الخطاة إلى النهاية: سخر منه المتدينون الذين حسبوا أنفسهم أبرارًا، وتخلّى عنه تلاميذه.

كان يسوع في وسط الارتباك وسوء الفهم. تخبرنا الآيات في متى ٤٦:٢٧-٤٩ أنه عندما صرخ يسوع إلى أبيه السماوي من شدة ألمه، لم يفهم الناس من حوله ما قاله، بل تعامل بعضهم مع صرخته باستخفاف ساخر.

كان يسوع في الوسط، بين الإيمان والرفض. يخبرنا متى ٤٤:٢٧ أن اللصين كانا يعيّرانه، لكن لوقا ٣٩:٢٣-٤١ يكشف لنا أن أحدهما تغيّر. وقبيل موت يسوع، كانت آخر شهادة حق عنه من مذنب تاب وآمن في اللحظة الأخيرة.

كان يسوع في الوسط، بين المخلَّصين والهالكين. كان اللص على الصليب آخر من رافق يسوع على هذه الأرض قبل موته، فقاده يسوع إلى الإيمان. لم يفعل ذلك بعظة ألقاها في تلك اللحظة، بل بكل عظة سبق أن علّمها، وبكل عمل بار سبق أن صنعه. وربما كان هذا هو العزاء الوحيد ليسوع على الصليب. غير أن أحد اللصين خَلُص، والآخر هلك، وكان يسوع في الوسط بينهما. فإن أردت أن تنتقل من الهلاك إلى الخلاص، فلا بد أن تمرّ بيسوع.

كان يسوع في الوسط، بين الله والإنسان. فعلى الصليب، حمل يسوع عقاب خطايانا كله. وهناك، عند الصليب، كان يسوع هو الكاهن والذبيحة معًا.

كان يسوع في وسط كل ما عمله الله عبر التاريخ. ونحن لا ننظر إلى يسوع في هذا المشهد نظرة شفقة، وكأن علينا أن نرثي لحاله. فقد كان يسوع هو المنتصر على الصليب، وكان ما جرى هناك أعظم انتصار في التاريخ.

في ذلك اليوم العظيم، كان يسوع المسيح في الوسط. فهل هو في وسط حياتك؟

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

المعركة في بستان جثسيماني

فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ (يوحنا ٤:١٨-٦)

لم يتفاجأ مخلّصنا عندما جاء الجنود للقبض عليه في بستان جثسيماني؛ إذ كان عالمًا بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ. كان يهوذا يأمل أن يفاجئ يسوع، لكن ذلك كان مستحيلًا. فقد كانت حياة يسوع كلها معدّة لهذه الساعة، وكان مستعدًا لها.

لم ينتظر يسوع أن تأتي المبادرة منهم، بل تقدّم هو وسألهم: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» وقد فعل ذلك لسببين على الأقل. أراد أولًا أن تتجه الأنظار إليه وحده، وألا يصاب تلاميذه بالأذى. كما أراد أن يُفصح يهوذا وفرقة الجند عن نواياهم الشريرة.

عندما قالوا إنهم جاؤوا يطلبون «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ»، أجابهم يسوع ببساطة: «أَنَا هُوَ». غير أن كلمة «هُوَ» ليست موجودة في النص اليوناني، فقد أضافها المترجمون لتوضيح المعنى. وبهذا كان يسوع يعلن هويته الإلهية، رابطًا كلماته بتصريحات «أَنَا هُوَ» الكثيرة المسجلة في إنجيل يوحنا، ولا سيما في يوحنا ٥٨:٨ (وأيضًا في يوحنا ٤٨:٦، ١٢:٨، ٥:٩، ٩:١٠، ١١:١٠-١٤، ٣٦:١٠، ٢٥:١١، ٦:١٤).

عندما أعلن يسوع ألوهيته بقوله: «أَنَا هُوَ»، تراجع يهوذا والجنود جميعًا وسقطوا على الأرض. فقد كان في هذا الإعلان القصير حضور إلهي وجلال وقوة، ما جعل أعداءه عاجزين حتى عن الوقوف أمامه.

يكشف هذا المشهد أن يسوع لم يكن عاجزًا ولا مغلوبًا على أمره، بل كان هو صاحب السلطان الكامل. ففي الواقع، لم يكن مضطرًا إلى أن يسلّم نفسه لهم. فلو شاء، لاستطاع بالقوة الإلهية التي ظهرت في تلك الكلمات أن يغلبهم وينصرف من المكان بكل سهولة.

وهكذا قَبِلَ يسوع، وهو في ملء سلطانه، أن يضع نفسه في أيدي الذين جاءوا للقبض عليه. وكثيرًا ما تجلّى في حياته هذا التلاقي العجيب بين الاتضاع وجلال ألوهيته.

– وُلد يسوع طفلًا وديعًا، ومع ذلك أعلنت الملائكة ميلاده.

– أُضجع يسوع في مذود، ومع ذلك دلّت عليه نجمة.

– اعتمد يسوع كأنه واحد من الخطاة، ثم جاء صوت من السماء معلنًا رضا الآب عنه.

– نام يسوع حين أضناه التعب، لكنه استيقظ ليهدئ العاصفة.

– بكى يسوع عند القبر، ثم نادى الميت فأعاده إلى الحياة.

– سلّم يسوع نفسه طواعية، ثم قال: «أَنَا هُوَ»، فتراجعوا جميعًا وسقطوا أرضًا.

– مات يسوع على الصليب، وهناك بالذات هزم الخطية والموت والشيطان.

وفي هذا كله، كان يسوع، الإنسان الكامل الذي بلا خطية، في البستان الذي عيّنه الله، مُقبلًا على معركة مع ممثّل الشيطان، أي يهوذا، كما نقرأ في لوقا ٣:٢٢. ففي المرة الأولى التي حدث فيها أمر كهذا، سقط آدم الأول، مع أنه كان بلا خطية (تكوين ٣). أمّا يسوع المسيح، آدم الثاني، فلم يكن ليسقط. لقد حسم يسوع المعركة في بستان جثسيماني.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

المُرسَل الأعظم

«كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ». (يوحنا ١٨:١٧)

نقرأ في يوحنا ١٧ واحدة من أعظم الصلوات التي رفعها يسوع إلى الله الآب، قبل ساعات قليلة فقط من القبض عليه ومحاكمته وضربه وصلبه. فقد صلّى يسوع من أجل نفسه (الآيات ١-٥)، ثم من أجل تلاميذه (الآيات ٦-١٩)، ثم من أجلنا نحن الذين سنؤمن به من خلال كرازة تلاميذه وشهادتهم (الآيات ٢٠-٢٦).

تُبرز لنا الآية ١٨ حقيقة ذكرها يسوع في صلاته، وهي أن الآب أَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ. ثم أعلن أنه أَرْسَلَ تلاميذه هم أيضًا إِلَى الْعَالَمِ.

لنتأمل في هذا الجانب الأول: يسوع المسيح هو المُرسَل الأعظم، وقد أرسله الآب ليأتي بالخلاص إلى البشرية الهالكة المحتاجة. لذلك فهو أول وأعظم مُرسَل عرفه الكون. فالمُرسَل هو من يُرسَل في مهمة، ويسوع قد أُرْسِلَ إِلَى الْعَالَمِ.

لاحظ كيف أَرْسَلَ الآب الابن إلى العالم:

– لم يُرسَل يسوع فيلسوفًا مثل أفلاطون أو أرسطو، مع أن حكمته تفوق حكمتهم جميعًا.

– لم يُرسَل يسوع مخترعًا أو مكتشفًا، مع أنه كان قادرًا على أن يخترع أشياء جديدة، وأن يكتشف أراضٍ لم تكن معروفة لدى شعبه.

– لم يُرسَل يسوع قائدًا عسكريًا منتصرًا، مع أنه كان أقوى من الإسكندر الأكبر ومن يوليوس قيصر.

– أُرسِلَ يسوع ليعلِّم.

– أُرسِلَ يسوع ليعيش بيننا.

– أُرسِلَ يسوع ليتألم لأجل الحق والبر.

– أُرسِلَ يسوع ليُنقِذ البشرية الضالة.

وكان إرسال يسوع لتلاميذه على النحو نفسه. فكما أَرسَلَ الآب الابن إِلَى الْعَالَمِ، أَرسَلَ يسوع تلاميذه هم أيضًا إِلَى الْعَالَمِ. وقد قال ذلك بوضوح: «كَمَا أَرْسَلْتَنِي… أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا». ولا شك أن المؤمنين بالمسيح يمكن أن يكونوا فلاسفة عظماء، ومخترعين بارعين، بل وحتى قادة عسكريين. لكن هذه الأوصاف لا تعبّر، في جوهرها، عن طبيعة عمل شعب الله بوجه عام.

إن أعظم ما يمكننا تقديمه للعالم، نحن تلاميذ المسيح، هو أن نعلِّم إنجيل يسوع المسيح ونكرز به، وأن نقترب من البشرية الضالة ونحمل همّها، وأن نتألم لأجل الحق والبر بحسب ما يعيّنه الله لنا، وأن يستخدمنا في إعلان خلاصه للعالم. وليس خطأ أن نخدم البشرية بطرق أخرى، لكن دعوتنا الفريدة، نحن شعب الله، هي أن نُرسَل كما أُرسِل يسوع.

واللافت أن يسوع قال في موضع سابق من هذه الصلاة إنه لا يسأل من أجل العالم، بل من أجل شعبه (يوحنا ٩:١٧). ومع ذلك، نلمس في صلاته اهتمامًا حقيقيًا بالعالم. فقد أراد أن يسمع العالم رسالته، لكنه اختار أن يتم ذلك من خلال تلاميذ غيّرهم من الداخل، ليخرجوا إلى العالم كما أُرسِل يسوع.

قال يسوع لتلاميذه إنه سيتركهم ويمضي قريبًا إلى أبيه الذي أرسله (يوحنا ٥:١٦). لكنه لم يكن يتخلى عنهم، بل كان يرسلهم. والفرق كبير بين الأمرين.

وكما أَرْسَلَ الآب يسوع، يُرْسِلُنا يسوع نحن أيضًا.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٧

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

اِنتِظَار المُعَزِّي

«لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ». (يوحنا ٧:١٦)

هل تشعر أن كل شيء صار صعبًا، وأن لا شيء يسير بسهولة؟ قرأت مؤخرًا قصة غريبة عن طائرة كانت تغادر أحد مطارات روما. فقد رفض عمال الخدمات الأرضية المضربون سحب طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية بعيدًا عن مبنى الركاب، فلم تتمكن من الإقلاع. لذلك نزل خمسة عشر راكبًا ودفعوا الطائرة إلى الخلف مسافة كافية، لتتمكن من تشغيل محركاتها والإقلاع. وفي النهاية، لم تتأخر الرحلة إلى لندن إلا ساعة واحدة فقط.

لا أستطيع أن أتخيل رحلة جوية كهذه، تضطر فيها إلى دفع الطائرة التي كان يفترض أن تحملك. لكن كثيرين من المؤمنين بالمسيح يشعرون أن عليهم أن يدفعوا حياتهم الروحية بأنفسهم، بينما قصد الله لحياتنا أن ’تحلّق‘ بقوة الروح القدس. أكاد أرى الركاب وهم يدفعون الطائرة الضخمة بكل ما أوتوا من قوة، ولسان حالهم: أليست الطائرة هي التي يفترض أن تحملنا ونحن جالسون مستريحون في مقاعدنا؟ يريد الله لنا علاقة حقيقية بروحه، نسلّم فيها أنفسنا له، وندعه يحملنا بقوته بدلًا من أن نظل نحاول بقوتنا.

وتتعمق هذه العلاقة عندما نتعلم كيف ننتظر الرب. ويظن كثيرون أن ’انتظار الرب‘ ليس إلا موقفًا سلبيًا، أشبه بالجلوس ساكنًا في غرفة انتظار الطبيب حتى يحين دورهم. ونتخيل أنه حين يأتي دورنا، سينادي الله أسماءنا! لكن هذه ليست الطريقة الصحيحة لفهم انتظار الرب.

دعك من صورة عيادة الطبيب، وفكر بدلًا منها في مطعم. فانتظار الرب يشبه بالأحرى ما يفعله النادل حين يخدم زبونًا. يقف النادل بصبر ليرى كيف يمكنه أن يخدم الزبون ويرضيه. وكما ينتظر النادل وهو مستعد للخدمة، يقضي المؤمن وقتًا مع الله في الصلاة والعبادة وقراءة كلمته والتأمل فيها، حاضرًا أمامه، مصغيًا إلى صوته، ومستعدًا لخدمته.

وعندما نقف أمام الرب بهذه الروح، مصغين إليه ومستعدين لخدمته، فإنه يرشدنا، فلا نعود نشعر أننا بحاجة إلى دفع الأمور بقوتنا.

متى كانت آخر مرة وقفت فيها أمام الرب كما يقف النادل، حاضرًا بقلبك، مصغيًا إليه، ومستعدًا لخدمته؟ أي أن تطلب إرشاد الله لتعرف ما يريده لك، وأن تظل يقظًا حين يبيّن لك كيف ترضيه. فلا توجد طريقة أفضل من هذه لنختبر قوة الله في حياتنا. ولا تنسَ ما قيل في إشعياء ٣١:٤٠ «وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ».

انتظر الرب اليوم، ودع روحه يحملك على أجنحة قوته.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

فَرَحُ يَسُوعَ

«كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ». (يوحنا ١١:١٥)

مَرَّ زمنٌ كان الناس فيه أكثر انشغالًا بسلامة علاقتهم بالله، وباليقين من الحياة الأبدية. أما في عصرنا الحاضر، فيبدو أن اهتمام الناس بهذه الأمور قد تراجع، وصار انشغالهم الأكبر هو أن يكونوا سعداء فحسب.

صحيحٌ أن ما نعنيه عادةً بالسعادة ليس هو الْفَرَحَ نفسه الذي تكلّم عنه يسوع هنا، غير أنهما متصلان. فقد يبدو الإنسان ’سعيدًا‘ من الخارج، من دون أن يتمتع بفرح يسوع. أما إذا كنت تتمتع بفرحه، فستكون عمومًا سعيدًا.

ربط يسوع هذا الفرح بما كان قد قاله لهم في الآيات السابقة (كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا)؛ فقد تكلّم فيها عن الثبات في محبته وحفظ وصاياه. فعندما لا يثبت التلميذ في محبة يسوع، فإنه يعجز عن حفظ وصاياه، ولا يختبر ملء الفرح الذي وعد به يسوع أولئك الذين يثبتون في محبته وطاعته.

فالمؤمن الذي لا يعيش في محبة يسوع ولا يسلك في طاعته، لن يختبر فرح يسوع اختبارًا حقيقيًا راسخًا. وأحيانًا أشد الناس بؤسًا هم المؤمنون العصاة الذين ينأون بأنفسهم عن اختبار محبته.

أما عندما يعيش التلاميذ حياة منسجمة مع ما تكلّم عنه يسوع، فإنهم ينالون فرحه: «لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ». والْفَرَح الذي يتكلم عنه يسوع أعمق بكثير من مجرد الشعور بالسعادة أو الحماسة كما يتصوّر الناس عادةً. إن فرح يسوع لا يقوم على متعة الحياة السهلة، بل هو بهجة تنبع من علاقة صحيحة مع الله، ومن السلوك في محبته ورعايته يومًا بعد يوم. ويمكننا أن ننعم بهذا الْفَرَح، بل بفرحيسوع نفسه، فرحًا يلازمنا ويثبت فينا.

عندما تكلّم يسوع عن فرحه، فَهِمَ التلاميذ ما قصده. فلم يقولوا: “يا يسوع، أنت لا تبدو لنا سعيدًا. لذلك لا نظن أننا نريد فرحك.” بل كانوا يعرفون أن يسوع عاش بفرح حقيقي، ورأوا هذا الفرح ظاهرًا في حياته يومًا بعد يوم. وما كان يسوع ليعدنا بالفرح الكامل لو لم يكن هذا الفرح حاضرًا وحقيقيًا في حياته أولًا.

قدّم يسوع وعدًا عظيمًا لكل من يتبعه. فإن عشنا كما علّم في هذا المقطع الرائع (يوحنا ١٤-١٦)، وثبتنا في محبته، فلن ننال الفرح فحسب، بل ملء الفرح. ولا يعني هذا أن تمتلئ كل لحظة من كل يوم بضحكٍ خالٍ من الهموم، ولا أن تلميذ يسوع الثابت في محبته موعود بحياة تخلو من الحزن أو الضيق. وهذا يعني أننا نتمتع في يسوع المسيح بسلامٍ ثابت، وقلبٍ راضٍ، ورجاءٍ حي، وفرحٍ لا يمنحنا إياه العالم، ولا يستطيع أن يسلبنا إياه. اليوم، يمكنك أن تنال فرح يسوع.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الحرية الحقيقية في المسيح

أَجَابُوهُ: «إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لِأَحَدٍ قَطُّ! كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟». أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الْأَبَدِ، أَمَّا الِابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الْأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الِابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا.» (يوحنا ٣٣:٨-٣٦)

قد يجيد الإنسان الكَذِبَ على الآخرين، لكن أخطر الأكاذيب هي التي يقولها لنفسه. خِدَاعُ النَّفسِ أمرٌ حقيقيٌّ، وله قوَّةٌ مخيفةٌ. هُنا قدَّمَ يسوعُ للقادة الدينيين حريةً حقيقية، حرية كائنة في شَخصِهِ هو. لكنهم أجابوه قائلين: «لَمْ نُسْتَعْبَدْ لِأَحَدٍ قَطُّ!». زَعَمُوا أنهم أحرارٌ، وأنهم كانوا دائمًا أحرارًا، لكنهم، فيما يبدو، نسوا عبوديتهم للمصريين والفُرس والسوريين والرُّومان. وهذا يُظهر أن الإنسان قد يكون أسيرًا وهو يُوهِمُ نفسَهُ أنَّهُ حُرٌّ.

لكن استِعبادهم الحاضر للخطية كان أسوأ بكثير من عبوديتهم السابقة لحكوماتٍ أجنبية. فالخطية تُوقِع الإنسان في أقسى أنواع العبودية، لأنه لا يستطيع أن يهرب من نفسه. لا يمكنك أن تنتقل إلى مكانٍ جديد لتتخلص من سلطانِ الخطية، فأينما ذهبت، تأخُذُ نفسَكَ معك! ولا مهرب إلا أن يحررك ابن الله، يسوع المسيح.

في هذا المقطع، قارن يسوع بين حرية بالاسم فقط، والحرية الحقيقية التي لا توجد إلا فيه. فبعض الناس يتحدثون عن الحرية، ويفهمونها كفكرة، لكنها عندهم ليست إلا كلمة، لا حقيقة.

قبل سنوات، روت امرأة مسيحية مسنَّة من هونغ كونغ ما عاشته سابقًا في الصين، ومع ذلك ظلَّت متأثرة بلغة الشيوعيين ومصطلحاتهم. فقد كان الشيوعيون يطلقون على ثورتهم القامعة اسم ’التحرير.‘ وسُئِلت ذاتَ مرة: ’عندما كُنتِ في الصين، هل كُنتِ حرة في أن تجتمعي مع مؤمنين آخرين للعبادة؟‘ فأجابت: ’كلا. فمنذ التحرير، مُنِعَتِ الاجتماعات المسيحيَّة.‘ فسئلت: ’ألم تكونوا تجتمعون في مجموعات صغيرة للشَّرِكة والحديث عن الإيمان؟‘ فأجابت المرأة: ’كلا. فمنذُ التحرير، مُنِعَتْ كُلُّ هذه الاجتماعات.‘ ثم سُئِلَت: ’هل كان بإمكانِكِ قراءةُ الكتاب المقدس بحرية؟‘ فأجابت: ’منذ التحرير، لم يعد أحدٌ حُرًا في قراءة الكتاب المقدس.‘ فأيُّ تحريرٍ هذا!

والمعنى واضح: ليست الحرية في كلمة ’الحرية،‘ ولا في مجرد ألفاظ، بل على علاقةٍ بيسوع المسيح، من خلال الثبات في كلامه. عندما يحررك يسوع، تكون حرًّا بالحقيقة.

هل الحرية من الخطية واقِعٌ حقيقيٌّ في حياتك، أم ما زِلتَ مُستَعبدًا لها؟ اقترب من يسوع اليوم، فهو وَحْدَهُ قادرٌ على أن يحررك. لن تُحَرِّرَ نَفسَكَ بِنَفسِك، ولن تحررك أيُّ حكومةٍ من الخطية، ولن يفعل ذلك أيُّ برنامجٍ.

يَسُوعُ وَحْدَهُ يجعلنا أحرارًا بالحقيقة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

فِي بَيْتِ أَبِي

«فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا، وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ». (يوحنا ٢:١٤-٤)

قبل ذهابه إلى الصليب بساعاتٍ قليلة، قضى يسوع أمسيته الأخيرة مع تلاميذه. وكان من بين كلمات يسوع المُعزِّية أن طمأنهم إلى أن لهم مكانًا معه في السماء، «فِي بَيْتِ أَبِي».

تكلَّم يسوعُ عن السماء بثقة تامة. فلم يتكلم عن الحياة بعد هذه الأرض كمن يتساءل عنها، بل كمن يعرفها يقينًا. لذلك أخبر تلاميذه أن في السماء مكانًا يتسع للجميع: «مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ». ومع أن العبارة تشير في أصلها إلى أماكن سُكنى، فإن كلمة «مَنَازِل»، كما وردت في ترجمة فان دايك، تبقى أنسب عند التأمل في طبيعة الله. فأيًّا كان المكان الذي يعدّه لنا في السماء، فسيكون مجيدًا يليق بكرمه ومجده.

ستكون هناك مَنَازِل كَثِيرَة حقًا. فقد كان يسوع يرى ما لم يكن التلاميذ قادرين على رؤيته: ملايين فملايين، بل ملياراتٍ، من كل قبيلةٍ ولسانٍ وأمةٍ في بيت الآب. ولعله ابتسم وهو يقول: «مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ»، نعم، كَثِيرَةٌ حقًا!

قال يسوع: «أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا»، لأن المحبة تُعِدُّ ما يليق باستقبال من تُحِبُّهُ. فبالمحبة، يُعِدُّ الوالدان غرفةً لاستقبال المولود الجديد. وبالمحبة، تُعِدُّ المُضيفة كل ما يلزم لاستقبال ضيوفها. وهكذا يُعِدُّ يسوعُ مَكَانًا لشعبه، لأنه يحبهم ويعلم أنهم سيأتون إليه.

ولأن المكان كان مُعَدًّا لهم، أكّد يسوع أيضًا لتلاميذه أنه سيعود ليأخذهم إليه: «آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ». ولم يكن يقصد بهذا قيامته القريبة فقط، أو مجيء الروح القدس، بل كان يقصد أيضًا ذلك الجَمْعَ العظيم لشعبه في نهاية الدهر.

وأعظم ما في هذا الرجاء أننا سنجتمع مع يسوع نفسه: «حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا». ومحور السَّماءِ كلها هو الوجود مع يسوع. فالسَّمَاءُ ليست سَمَاءً بسبب شوارع الذهب، أو أبواب اللؤلؤ، أو حتى حضور الملائكة. السَّمَاءُ هي السَّمَاءُ لأن يسوع هناك.

كتب جيمس باري (James Barrie)، مؤلف قصة “بيتر بان” (Peter Pan)، أعمالًا أخرى كثيرة. وكان من بين كتبه كتابٌ يحكي عن والدته، مارغريت أوغليفي، وعن نشأته في اسكتلندا. فقد عانت والدته كثيرًا في حياتها، بما في ذلك الموت المأساوي لأحد أبنائها. وكتب باري أن الإصحاح المفضل لدى والدته في الكتاب المقدس كان يوحنا ١٤. وكانت تقرؤه كثيرًا، حتى إن كتابها المقدس، إذا فُتح ووُضع جانبًا، كانت صفحاته تنفتح تلقائيًا عند هذا الموضع. وقال باري إنها، حين تقدّمت في السن ولم تعد قادرة على قراءة هذه الكلمات، كانت تنحني نحو كتابها المقدس وتقبّل تلك الصفحة.

إن كانت هذه المواعيد تستحق كل هذه المحبة والتعلّق، فكم بالحريّ المخلّص الذي أعطاها ويحفظها!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

مَحَبَّةٌ إِلَى الْمُنْتَهَى

أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. (يوحنا ١:١٣)

إذ اجتمع يسوع مع تلاميذه لتناول عشاء الْفِصْحِ الأخير، كان يعلم أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ. فقد عاش يسوع حياته وهو يترقب هذه السَّاعَةَ. وكان يعلم من قبل أن تلك الساعة لم تأتِ بعد (يوحنا ٤:٢). وحتى تلك اللحظة، تمتع بحماية خاصة لأنسَاعَتَهُ لم تكن قد جاءت بعد  (يوحنا ٣٠:٧، ٢٠:٨). ‌أما الآن، فَقَدْ جَاءَتْ سَاعَتُهُ. وقد عبّر يسوع عن معرفته بذلك في يوحنا ٢٣:١٢-٢٧، حتى إنه قال: «لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ».

وبالفعل، كانت سَاعَتَهُ قد جاءت. فقد انتهت خدمة يسوع العلنية. وفي غضون نحو أربع وعشرين ساعة، كان يسوع سيُعلَّق على الصليب. كانت هذه بداية النهاية، وقد استخدم يسوع هذه الساعات الأخيرة الثمينة ليخدم تلاميذه ويُعِدَّهُم.

لا يُذكَر الصليب صراحةً في يوحنا في ١:١٣، لكنه يُلقي بظلِّه على كل كلمة تقريبًا. نرى ظلَّ الصليب في عبارة «أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ». ونرى ظلَّ الصليب أيضًا
في عبارة «أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى».

لكننا نرى أيضًا ظلَّ الصليب في عبارة «يَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ». فالصياغة رقيقة، غير أن تحت هذا الغطاء الرقيق حقيقةً صلبةً كالفولاذ. لم يكن يسوع سيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إلا عن طريق الصليب.

واللافت أنه كان سيترك العالم بعدما أَحَبَّ خَاصَّتَهُ. ولا شك أن يسوع كان قد أَحَبَّ تلاميذه. فقد قادهم، وعلّمهم، واعتنى بهم، وحماهم. وما منحه يسوع لهم كان بالفعل أكثر مما يستطيع أي معلّم أو قائد آخر أن يقدّمه لأتباعه.

كان هؤلاء التلاميذ، بل كلُّ التلاميذ، حقًا خَاصَّتَهُ، فهم مُلكٌ ليسوع.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه اختارهم.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه وهب نفسه لهم.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأن الآب أعطاهُم له.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه كان سيفتديهم قريبًا.

التلاميذ خَاصَّتُهُ لأنه غَلَبَ، فسلّموا أنفسهم له.

كان يسوع قد أَحَبَّ خَاصَّتَهُ، لكنه لم يكن قد أظهر لهم بعد ملءَ مَحَبَّتِهِ، إذ كان سيُحِبُّهُم إِلَى الْمُنْتَهَى.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى»: إلى نهاية حياة يسوع الأرضية. فمع أن التلاميذ تخلوا عنه، لم يتخلَّ يسوع عنهم أبدًا. لقد توقفوا عن التفكير في يسوع، ولم يعودوا يفكرون إلا في أنفسهم، أما هو فلم يتوقف قط عن التفكير فيهم. لقد أحبَّهم إِلَى الْمُنْتَهَى.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى» أيضًا محبةً لا تنتهي أبدًا. فلن يتوقف يسوع قطّ عن محبة خَاصَّتِهِ. فمحبته ليست محبةً متقلبة، تظهر اليوم وتغيب غدًا.

تعني عبارة «إِلَى الْمُنْتَهَى» أيضًا أن محبة يسوع بلغت كمالها في العطاء. تستخدم بعض الترجمات تعبير: «أحبَّهم إلى أَقْصَى حَدٍّ». لقد سكب يسوع كأس محبته لنا حتى آخر قطرة.

هل تنتمي إلى يسوع؟ هل أنت من خَاصَّتِهِ؟ إنه يُحِبُّكَ، وسَيُحِبُّكَ إِلَى الْمُنْتَهَى.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

أَنهَارُ مَاءٍ حَيٍّ

وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قِائِلًا: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». (يوحنا ٣٧:٧-٣٨)

يصفُ هذا ما فعله يسوع فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ من عِيدِ المَظَالِ، الذي كان يستمر ثمانية أيامٍ. ففي الأيامِ السبعة الأولى، كانوا يأخذون ماءً من بِرْكَةِ سِلْوَامَ في إبريقٍ من ذهب، ويصبّونه على مذبحِ الهيكل، تذكيرًا بالماء الذي قدَّمَهُ اللهُ بمعجزة لشعب إسرائيل العطشان في البرية. أما في اليوم الثامن، ويبدو أنه لم يكن هناك سكبٌ للماء، بل كانت تُرفَعُ صلواتٌ فقط، تذكيرًا لهم بأنهم دخلوا أرض الموعد.

تذكَّر يوحنا ذلك المشهد حين وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قائلًا: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ». وكان عيد المظال يركّز على تمجيد الله لأجل الماء الذي أعطاه لإسرائيل في البرية، في طريقهم إلى أرض كنعان. وفي هذا السياق، دعا يسوعُ الناسَ بجرأةٍ أن يُقبِلُوا إليهِ فيشربوا، فيرتووا من أعمق عطشِهم، أي عطشهم الروحي.

كانت الدعوةُ شاملةً، لأن يسوعَ قال: «… أَحَدٌ». فلا يحدُّ هذا العرض ذكاءٌ ولا عرقٌ ولا طبقةٌ اجتماعيةٌ ولا جنسيةٌ ولا انتماءٌ سياسيٌّ. وفي الوقت نفسه، كانت الدعوةُ ضيّقةً، لأنها اشترطت: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ». فلا بُدَّ أن يُدرِكَ الإنسانُ حاجتَهُ؛ فالعطشُ ليسَ شيئًا في ذاته، بل هو إحساسٌ بالعَوَزِ. إنه فراغٌ داخليٌّ واحتياجٌ صارخ.

يوجدُ خلافٌ بين المفسّرين حول ما إذا كان يسوعُ قال هذا أثناء سَكْبِ الماءِ، أم في اليوم الذي لم يكن فيه سكبٌ للماء. وقد يكون من المستحيل الجزمُ بذلك، غير أن تركيز يوحنا على الْيَوْمِ الأَخِيرِ يُشير على الأرجح إلى أن يسوعَ أرادَ أن يُبرز تباينًا واضحًا: “لم يعُد هناك ماءٌ في الهيكل ولا في الطقوس التي نُحبها. أنا أُعطي الماءَ الذي تبحثونَ عنه.”

«مَنْ آمَنَ بِي» تشرح ما قصده يسوع بمجاز الشُّرب. فالمجيء إلى يسوع والشُّرب منه يعنيان في الأساس الإيمان به؛ أي أن نثق به، ونعتمد عليه، ونتمسّك به الآن وإلى الأبد.

أما من يُؤمِنُ بهِ، فيَعِدُهُ يسوعُ بأن تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. وكان عيد المَظالِ يشير أيضًا إلى النبوّات التي تتحدث عن جريان الماء من العرش ومن أورشليم حيثُ سيملكُ المسيح. وبكلماتٍ أُخرى، قال يسوع: ضعوا ثقتكم فيَّ، وأجلسوني على عرش قلوبكم، فتفيضُ منكم الحياة والوفرة.”

لم يتكلم يسوع عن شيءٍ يدخلُ إلى الإنسانِ فحسب، بل عن شيءٍ يَفِيضُ مِنهُ أيضًا. فليس الأمر بركةً تُنال، بل أن يصيرَ الإنسانُ بركةً للآخرين. وفي الآية التالية، ربط يوحنا هذه الأنهار من الماءِ الحيِّ بفيضِ الروح القدس الموعود.

اِقْبَلْ هذا الفيض من الماءِ الحيِّ، الذي هو عملُ روح الله. إنَّهُ عطيةُ اللهِ لكلِّ مَن يُؤمنُ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٧

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك