الرَّاعِي الصَّالِح

«أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ». (يوحنا ١١:١٠)

كان هذا إعلانًا جميلًا، وقد قاله يسوع بوضوح شديد لا لبس فيه. فيسوع المسيح يجسد أسمى صورة لرعاية شعب الله، كما صورها العهد القديم وكما عرفتها الثقافة المحيطة. وبصفته الرَّاعِيَ الصَّالِحَ، يقف يسوع على النقيض تمامًا من ’اَلسَّارِقُ‘ (يوحنا 10:10) و’الأَجِيرُ‘ (يوحنا 12:10-13)، اللذين لا يهتمان بالخراف، بل بأنفسهما فقط.

إن الرَّاعِي الصَّالِحَ الذي وصفه يسوع هو راعٍ فريد حقًا. فقد يعرّض الرعاة أنفسهم للخطر من أجل سلامة الخراف، لكن من النادر جدًا أن نجد راعيًا مستعدًا أن يموت طوعًا لأجل خرافه.

ولأنه الرَّاعِي الصَّالِح، يَبْذِلُ يسوعُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. ومن اللافت أن الفعل ’يَبْذِلُ‘ جاء بصيغة الحاضر، فهو قال: ’يَبْذِلُ‘ لا ’بَذَلَ.‘ لأن يسوع لا يزال يَبْذِلُ نَفْسَهُ من أجل شعبه ولخير شعبه. وكان بَذْلُ حياته على الصليب أعظم صورة لعطائه لشعبه، لكنه ما زال يعطيهم، إذ هو حيٌّ في السماء لِيَشْفَعَ فِيهِمْ (عبرانيين ٢٥:٧).

الرَّاعِي الصَّالِح لا يكتفي بأن يقدم للخراف رأيًا، أو اقتراحات مفيدة، أو يشجعها. بل إن الرَّاعِي الصَّالِح يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. فالراعي السيئ لا يدافع عن الخراف، بل يرى أن القطيع موجود لمنفعته هو، بينما يحيا الرَّاعِي الصَّالِح ويموت من أجل خير الخراف.

– الرَّاعِي الصَّالِح يُضَحِّي من أجل الخِرَاف (يَبْذِلُ نَفْسَهُ).

– الرَّاعِي الصَّالِح يَعرِف خِرَافَهُ، إذ قال: «وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي» (يوحنا ١٤:١٠). قد نرى نحن أن الخِرَاف كلها متشابهة، لكن الراعي يعرف أن لكل واحدٍ منها طَبعه وسماته الخاصة.

– الرَّاعِي الصَّالِح تَعرِفُهُ خِرَافُهُ أيضًا، إذ قال: «وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي» (يوحنا ١٤:١٠).

اليوم، يُظهِر الراعي الأمين، بوصفه راعيًا خادمًا ليسوع المسيح، الصفات نفسها التي نراها في الراعي الصالح. فهو يضحّي من أجل الخراف، ويعرفهم، وهم يعرفونه. وهو راعٍ حقيقي، لا أجيرٌ لا يبالي بالخراف. ومع أن الرعاة الأمناء لا يستطيعون أبدًا أن يعكسوا هذه الصفات في كمالها كما فعل يسوع، فإن عليهم أن يعكسوا قلبه وقصده كما تجلّيا في حياته بصفته الرَّاعي الصَّالح.

إن لقب ’الرَّاعِي‘ يعود إلى الكلمة القديمة نفسها المستخدمة هنا بمعنى ’راعٍ.‘ وهو لقب لا يُمنَح ولا يَدَّعيه الإنسان لنفسه، بل يُكتسَب بحق. فلا يكفي أن يعلن أحد ببساطة أنه راعٍ حقيقي لشعب الله، بل لا بد أن تشهد حياته بأنه يسير حقًا على نَهْج الراعي الصالح، يسوع المسيح.

لسنا جميعًا رعاةً نخدم شعب الله، لكن كل واحدٍ منا، بما في ذلك الرعاة أنفسهم، يحتاج إلى راعٍ، وهذا الرَّاعِي الصَّالِح هو يسوع. فاقبل ما قدَّمه يسوع، وما لا يزال يقدِّمه لشعبه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١٠

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

عَمَلُ يسوعَ غَيْرُ المَألُوفِ

قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا. (يوحنا ٦:٩-٧)

 

في الإصحاح التاسع من إنجيل يوحنا، رأى يسوع وتلاميذه رجلًا أعمى منذ ولادته. ورأى التلاميذ فيه لغزًا لاهوتيًا مُحَيِّرًا، فسألوا يسوع هل كان عماه بسبب خطيته هو أم بسبب خطية والديه. وكثيرًا ما نفترض أن مَن يعاني ألمًا غير عادي، لا بد أن يكون خاطئًا غير عاديٍّ. لكن يسوع لم يرَ أمامه لغزًا يحتاج إلى تفسير، بل إنسانًا يتألم ويحتاج إلى الرحمة والمعونة.

ثم شفى يسوع الرجل، لكنه فعل ذلك بطريقة غريبة وغير مألوفة: تَفَلَ على الأرض، وصنع من التُّفْل طينًا، وطلب من الرجل أن يذهب ويغسل عينيه في ماء بِرْكَةِ سِلْوَامَ. من الواضح أن يسوع هو الذي بادر، لكنه دعا الرجل ايضًا إلى أن يستجيب له بإيمان. ففعل الرجل ما قاله له يسوع، فشُفي وأبصر.

 

لا يذكر الكتاب المقدس أن نبيًا أو كاهنًا أو رسولًا فتح عيني أعمى قبل يسوع. ومن اللافت أن يسوع صنع هذه المعجزة بالذات أكثر من أي معجزة أخرى. وهذا يعلن شيئًا عن هوية يسوع: فهو يفعل ما ينسبه الربَّ إلى نفسه، إذ يفتح عيون العميان (مزمور ٨:١٤٦، إشعياء ٥:٣٥).

 

ولكن لماذا اختار يسوع، في هذه الحادثة، أن يشفي بهذه الطريقة غير المألوفة؟ لعله أراد أن ينوّع أسلوبه حتى لا يتحول الشفاء إلى نمطٍ ثابت أو وصفة جاهزة. فقوّته لم تكن في طريقةٍ يستخدمها، بل فيه هو. وهنا استخدم يسوع تراب الأرض ليصنع في الإنسان ما يشبه عمل الله في الخلق، كما في تكوين ٧:٢.

 

قد يعترض بعضهم على الطريقة التي استخدمها يسوع في هذه المعجزة. فمن المؤكد أن وضع التُّفل والتراب في عيني إنسان أمر غريب حقًا. وقد يقول بعضهم إن ما فعله كان مسيئًا، أو غير كافٍ، بل ربما ضارًا.

 

وبالطريقة نفسها، يرى بعض الناس أن الإنجيل مُسيء. وهذا صحيح بمعنى ما، لأن الإنجيل يصدم كبرياء الإنسان وحكمته البشرية، لكن «اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ». (١ كورنثوس ٢١:١)

 

وكذلك يرى بعض الناس أن الإنجيل غير كافٍ. لكن هل يستطيع أحد أن يقول إن كل البرامج النفسية والسياسية والاجتماعية في العالم صنعت خيرًا أعظم مما صنعه إنجيل يسوع المسيح الذي يغير الحياة؟ إن يسوع كافٍ حقًا.

 

وهناك من يقول إن الإنجيل ضارّ، وإن تقديم النعمة مجانًا في يسوع سيجعل الناس يخطئون لكي تزداد النعمة. لكن الإنجيل يغيّر حياتنا، فيجعلنا أكثر صلاحًا ونقاوة، لا أكثر خطيةً وشرًا.

 

دَعِ اللهِ يعمل فيك ويخلقك من جديد، حتى لو بدت طريقته غريبة وغير مألوفة.

 

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاء

وَأَخَذَ يَسُوعُ الْأَرْغِفَةَ وَشَكَرَ، وَوَزَّعَ عَلَى التَّلَامِيذِ، وَالتَّلَامِيذُ أَعْطَوْا الْمُتَّكِئِينَ. وَكَذَلِكَ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا. (يوحنا ١١:٦)

في ذروة خدمته في الجليل، كان يسوع يخاطب جموعًا غفيرة جاءت لتسمع تعليمه الفريد. وفي هذه المناسبة، الواردة في يوحنا ٦، لما رأى يسوع هذه الجُموع، قرر أن يفعل شيئًا ليأتي بطعام لهذه الجموع.

الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاء

لو طُلب منك أن تُعِدَّ وجبة غداء لآلافٍ من الناس، فمن أين كنت ستبدأ؟ بدأ يسوع بطرح سؤال على تلاميذه. كان يعلم، بالطبع، ما يريد أن يفعله منذ البداية؛ لم يكن بحاجة إلى اقتراحات من التلاميذ ليحُلَّ مشكلة لا يعجز عن حلها. كان جزءًا من هذا الامتحان دعوةً للتلاميذ ليشاركوا في عمله. فحتى عندما يكون قد رتّب كل شيء وخطّط له، فإنه لا يزال يريد من شعبه أن يشاركوه في العمل. أليس هذا مفرحًا؟

فَهِمَ التلاميذ (وبالتحديد فِيلُبُّس) حجم التحدي: من أين سيحصلون على خبزٍ يكفي لإطعامِ هذا العدد الكبير؟ كانت مشكلتهم تتكوَّن من جزأين على الأقل. أولًا، لم تكن لديهم الموارد لإطعام الجموع، لا الخبز نفسه ولا المال اللازم لشرائه. ثانيًا، وحتى لو توفر لديهم المال، لكان من المستحيل أن يجدوا ما يكفي من الخبز ليشتروه ويطعموا الجميع.

لم يفكر فيلُبُّس في ما يُمكن أن يفعله الله، بل فكر من منظور المال، وكم نحتاج منه لننجز عمل الله ولو بصورة محدودة. فقد حَسَبَ أن إطعامهم جميعًا، ولو بقدر يسير، يحتاجُ إلى أكثر من أجرة ستة أشهر. كان حسابه دقيقًا، لكنه لم ينفع في حل المشكلة. غالبًا ما نملأ أذهاننا بمعلوماتٍ لا فائدة منها، ولا تساعد على رؤية عمل الله يتحقق في وسطنا.

وجدوا خمسة أرغفة من خبز الشعير. كان الشعير يُعد طعامًا بسيطًا، يقدم للحيوانات أكثر منه للناس. لم تكن خمسةُ أرغفةِ الشعير شيئًا يُذكر، لكن الله لا يحتاجُ إلى كثيرٍ. فالقليلُ يصيرُ كثيرًا حين نضعهُ في يدي يسوع. ومع ذلك، انتظر يسوع حتى جاءوا بشيءٍ يضعونه في يديه. فالله لا يحتاجُ إلى مساعدةٍ، لكنه غالبًا ما يؤجل عمله عن قصدٍ حتى يُشرِكَنا فيه.

صنع يسوعُ المعجزة بيديه، أما الخُبز فيُصنع من الحبوب، التي فيها قوة النمو والتكاثر. لكن لكي يُصنع دقيقُ الخبزِ من الحَبِّ، لا بُدَّ أن تُسحق الحبوب، فتصير كأنها ’ميتة.‘ يمكنك مضاعفة الحبوب بزراعتها، أما بسحقها فلا يمكن أبدًا. لم يسبق أن ضاعف أحدٌ محصول القمح بزراعة الدقيق. تكمن عظمة يسوع في قدرته على أن يُخرج حياةً من الموت، بل ويُضاعفها أيضًا.

فكِّر ماذا يمكن أن يصنع يسوع بما تضعه بين يديه اليوم. حتى لو كان بسيطًا، مثل بضعة أرغفة من خبز الشعير، يستطيع يسوع أن يصنع به أمورًا عظيمة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

عِندما يُبَادِرُ يَسُوع

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ». فَحَالاً بَرِئَ الإِنْسَانُ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَمَشَى. وَكَانَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ سَبْتٌ. (يوحنا ٨:٥-٩)

بقايا بركةِ بيتِ حِسدَا (يوحنا ١:٥-٩) تقعُ اليومَ في أورشليم، شمالَ جبلِ الهيكل مباشرةً. وقد كشفت التَّنقيباتُ الأثريةُ أنها كانت تضم خمسةَ أروقةٍ، كما وصفها يوحنا (٢:٥). وكان يحيطُ بهذه البركة جمهورٌ كبيرٌ من الناس المتألمين، ينتظرون أن ينزل ملاكٌ ويحركَ المياه، معتقدين أن أول من ينزلُ إلى الماء بعد تحريكها يُشفى. لا نعلم إن كان وعدُ الشفاءِ حقيقيًا أم مجرد أسطورة تبعثُ على الرجاء، ومع ذلك كان الناس يؤمنون بذلك.

وعندما وصلَ إلى بئرٍ خارجَ سُوخَار، أرسلَ يسوعُ تلاميذهُ إلى القرية ليشتروا طعامًا. ولما مضى التلاميذُ، تحدثَ مع امرأةٍ سامريةٍ، وكان حديثًا مدهشًا. ثم سألَ الرجل المُقْعَدَ سؤالًا غير مألوفٍ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟» (يوحنا ٦:٥). كان يسوع يعلم أن ليس كل مريضٍ يريدُ أن يُشفى، وأن بعضهم قد بلغ به الإحباطُ حدًا جعله يفقد كل رجاءٍ. لذلك تعاملَ مع رجلٍ كان قلبهُ، على الأرجح، ذابلًا مثلَ ساقيهِ، فبدأ أولًا بشفاءِ إيمانه.

نظنُّ أحيانًا أنهُ، مهما ساءَ وضعُنا الحالي، فإنَّ الأمورَ قد تكونُ أَسوَأً. وقد يجعلُنا هذا التفكير أكثر ارتياحًا في شقائِنا الحالي من أن نُقدِمَ على خطواتٍ جريئةٍ قد تقودُنا إلى الحُرية.

لكن رواية يوحنا تُبيّنُ لنا أن الرجل كان يريدُ أن يُشفى. وكان جوابه (يوحنا ٧:٥) في جوهره: “نعم، أريدُ أن أُشفى، ولكني لا أرى كيف يمكن أن يحدث ذلك.” وفي تفسيره لإنجيل يوحنا، وصف كالفن ردَّ الرجلِ المُقعَدِ: “يفعلُ الرجل المريض ما نفعله نحن جميعًا تقريبًا. فهو يُقيِّدُ معونةَ اللهِ بأفكارهِ، ولا يجرؤُ أن يرجو لنفسهِ أكثرَ مما يتصورُهُ.” ومن السهل علينا أن نفعل هذا. وقد كتب جي. بي. فيلبس كتابًا مشهورًا عن هذه المشكلة، بعنوان: إلهك أصغرُ مما ينبغي. فكثيرٌ منا يصنعُ في ذهنهِ إلهًا صغيرًا، إلهًا مقيدًا بأنواع كثيرة من القيود، بينما الإله الحقيقي الذي يَملِكُ في السماءِ لا تُقَيِّدُهُ هذه القيود.

قال يسوع لهذا الرجل ببساطة: «قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ». ففعل الرجل ذلك. طلبَ منهُ يسوع أن يفعل أمرًا كان عاجزًا عنه، ولكن عندما بذل جهدًا – بطريقةٍ لا نعرفها – أصبح الرجل قادرًا على ذلك بأعجوبة.

ومع ذلك، لم يظنَّ أحدٌ أن الرجلَ شفى نفسه. في هذه المعجزة، كان يسوع هو المُبادِر. وفي هذه الحالة، لم يكن بإمكانه أن يقول ما قاله لكثيرين آخرين: إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ (متى ٢٢:٩).

عند بركةِ بيتِ حسدًا، كان يسوع هو المُبادر، وهو الذي أنجزَ العمل. فهل تستجيبُ لهُ عندما يأخذ زمام المبادرة في حياتك اليوم؟ اطلب من يسوع القوة والنعمة لتتبعه حيثما يقودك. ولكن أولًا، قرر أن تتحرَّرَ بنعمتهِ، ولا تقبل ألمك الحالي لمجرد أنك اعتدت عليه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

أَسْمَى طَعَام

قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ». (يوحنا ٣٤:٤)

في يوحنا ٤، كان يسوع يسير مع تلاميذهِ من أورشليم إلى الجليل. وكان اليهود، إذا سلكوا هذا الطريق، يتحاشون المرور في أرض السامريين، إذ كانوا لا يحبونهم ولا يأنسون إليهم. أمّا يسوع فاختار أن يمُرَّ عبر السَّامِرة، وفي الطريقِ بلغ مدينة سُوخَار، المعروفة أيضًا بِاسْمِ شَكِيم في العهد القديم.

أَسْمَى طَعَام

ولمّا وَصَلَ إلى بئرٍ خارجَ سُوخَار، أَرسلَ تلاميذهُ إلى القرية ليبتاعوا طعامًا. وبينما كانوا غائبين، دار بينه وبين امرأة سامرية حديث مميّز، يُعَدّ من أروع الأمثلة على الكرازة.

وعند رجوع التلاميذ بالطَّعام، مضت المرأة إلى القرية لتُخبِر أهلها عن لقائها المُدهش بالمسيح. وعندما ألحّ التلاميذ على يسوع أن يأكلَ مما جاؤوا به، قال لهم إن له طعامًا لا يعرفونهُ (يوحنا ٣٢:٤). فتحيّروا في قوله، وأخذوا يتساءلون عّما يعنيه، ومن أحضر له الطعام، لكن يسوعَ أوضح لهم أنه كان يتكلم بمعنى روحيّ، حين قال: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ».

كانَ عملُ مَشِيئَةِ الآبِ في السماءِ بالنسبة إلى يسوع كطعامٍ له؛ يُشبِعُهُ ويمنحُهُ قوة، كما تُشبِع وجبة طيّبة الجائع. ولم يقصد يسوع أن يقلل من شأن الطعامَ أو الشرابَ أو الراحة، بل أرادَ أن يرفع نظر تلاميذهُ إلى ما هو أعظم، وأن يعلّمهم أن الحياةَ أوسع من هذه الأمور، وأَنَّ الإنسانَ ليسَ بالخبزِ وَحدَهُ.

كانَ ليسوعَ ما يُشبِعُهُ ويَمنَحُهُ قوة أعظم من أي طَعَامٍ. ولهذا أوضح لتلاميذهِ أن شبعه الحقيقيّ هو أن يعمل مَشِيئَةَ أَبيهِ.

ولم يَقُل يسوعُ حتى: أن أعملَ مشيئةَ أبي. بل تكلَّمَ كخادم لا كابن. وهكذا انشغل كليًا بعمل مشيئة سيده، وكان ذلك يُشبِعه كما تُشبِع وجبةٌ شهيَّةٌ إنسانًا جائعًا.

وقد شهدت خِبرةُ أجيال لا تُحصى عبر القرون بصحَّةَ هذا الكَلامِ. فلا شيء يملأ قلب المؤمن ويشبعه مثل أن يعمل عَمَلَ اللهِ، أيًا كان. ومع أن هذا يُخالِفُ حدسِنا الطبيعي، ويتعارض مع مَيلِنَا إلى محبةِ ذواتنا، إلا أنه حق لا يتغير.

غير أن يسوع لم يكتفِ ببدء العمل، بل كان حريصًا أيضًا على أن يُكمِله. فلم يكن شِبَعَهُ في أن يبدأ عملِ اللهِ فحسب، بل في أن يُتمَّه إلى النهاية. وعندما قال على الصليب: ’قَدْ أُكْمِلَ‘ (يوحنا ٣٠:١٩)، استخدم التعبير نفسه الذي يدل على إتمام العمل. ففي هذا وجدَ يسوعُ شِبَعَهُ الكَامِل: أن يعمل مشيئةَ أبيه، وأن يُنجِز هذا العمل على الصليب.

فكَرِّس نَفسَكَ لِعملِ مشيئةِ الله في حياتكَ، وستختبر أنت أيضًا شبعًا وقوة، كما تُشبِع وجبة طيّبة الإنسان.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

العَجَائِبُ السَّبعُ في يوحنا ١٦:٣

لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يوحنا ١٦:٣)

لطالما اُحتُفِلَ بيوحنا ١٦:٣ باعتبارها إعلانًا قويًا وموجزًا لرسالة الإنجيل. من بين ٣١٬٣٧٣ آيةً في الكتابِ المقدس، قد تكونُ هي الآية الأكثرَ شُهرةً واستخدامًا في الكرازة.

العَجَائِبُ السَّبعُ في يوحنا ١٦:٣

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بمدى محبَّة الله: لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ. هذا يعني أن المحبة كانت محبةً عظيمةً. وفكرةُ ’هكَذَا أَحَبَّ‘ مرتبطةٌ بفكرةِ ’حَتَّى بَذَلَ،‘ فهناكَ علاقةُ سببٍ ونتيجةٍ بينهُما. فقد ’بَذَلَ‘ ما ’بَذَلَ‘ لأنه ’أَحَبَّ‘ كثيرًا.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بموضوع محبةِ الله: لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ. لم ينتظر اللهُ أن يتغيَّرَ العالمُ أو يَرجِعَ إليهِ قبل أن يُحبَّهُ، بل أحبَّ العَالَمَ وبَذَلَ ابنهُ الوحيدَ لهُ وهو لا يزالُ في حالتهِ الساقطة. لم يؤمن كثيرون من اليهود في ذلك الزمان بأن اللهَ أَحَبَّ الْعَالَمَ، بل ظنوا أنه أحبَّهم هُمْ فقط. لذلك كان عرضُ الخلاصِ والحياةِ في يسوع، المُقدم لجميع الناس، ثورةً حقيقيةً.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِتَعْبِيرِ محبةِ الله: حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ. لم تكن محبةُ اللهِ مجرَّد شُعُورٍ بمشاكلِ عالمٍ ساقطٍ، بل فعلَ اللهُ شيئًا، بَذَلَ أثمنَ ما يمكن أن يُبذَلَ: ابْنَهُ الْوَحِيدَ. المحبةُ الحقيقيةُ تتجلَّى في العطاءِ.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِقَصْدِ محبةِ الله: لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ. فمحبةُ اللهِ تُخلِّصُ المؤمنينَ حقًا من الهلاكِ الأبدي. لم يقدم اللهُ مجرد نصائحَ لتحسين الذَّات أو أفكارًا لتغيير الحياة، بل يدعو قائلًا: تعالوا إليَّ، اُنظروا إليَّ، وأنا أُخلِّصُكُم.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِمُتَلَقِّي محبةِ الله: كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ. فمع أن الله يُحبُّ العالم، لا ينتفع الإنسان بهذه المحبة إلا عندما يُؤْمِنُ بيسوع، العطية التي قدمها الآبُ. وعبارةُ يُؤْمِنُ بِهِ لا تعني مجرد معرفةٍ ذهنية أو موافقة عقلية، بل تعني أن يثق الإنسان بهِ، ويعتمد عليه، ويتمسك به. وعندما نثق بالله ونعتمد عليه، ننتفِعُ من محبتهِ.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِمُدَّةِ محبةِ الله: الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. فمحبةُ الناس لنا قد تفتُرُ أو تتغيَّرُ، أما محبةُ اللهِ فلا تتغيَّرُ أبدًا. ولن يكُفَّ قطُّ عن محبةِ شعبهِ، بل تبقى إلى الأبد.

في يوحنا ١٦:٣ نَجِدُ سَبعَ عَجَائِبَ:

اللهُ، وهو صَاحِبُ السُّلطانِ المُطلق

لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ، وهو الدَّافِعُ الأقوى

حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، وهي أَعظمُ عَطيَّةٍ

لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ، وهو الخَلَاصُ الإِلهيُّ

كُلُّ مَنْ، وهو أَوسَعُ تَرحِيبٍ

يُؤْمِنُ بِهِ، وهو أَيسرُ نجاةٍ

بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ، وهو الكَنزُ الذي لا يُقدَّرُ بثمنٍ

ماذا نفعلُ إذًا؟ الأمرُ بسيطٌ. نحنُ بحاجةٍ إلى أن نقبَلَ محبةَ اللهِ هذه، وأن نقابِلَ هذهِ المحبةَ العظيمةَ بالتوبةِ والإيمانِ، وأن نشكرَ اللهَ على محبتهِ العجيبة!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

تَحوِيلُ الماءِ إلى خَمْر

قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً». فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ». فَقَدَّمُوا. (يوحنا ٧:٢-٨)

كان عُرسُ قانا الجليل ’بِدَايَةَ الآيَاتِ‘ التي فعلها يسوع، ’فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ‘ (يوحنا ١١:٢). لكن تلاميذَهُ لم يؤمنوا لمجرد أن معلِّمهم صنع أمرًا مدهشًا، بل لأن كلَّ ما فعله في هذه الآية كان يعلِّمهم شيئًا. فبمعجزةٍ صنعَ يسوعُ خمرًا لئلا يشعر العريسُ والعروسُ بالحرج في يوم عرسهما، لكنه أيضًا قدَّم صورةً تُعلِّمنا عن عمله وعن حاجتنا إليه.

تَحوِيلُ الماءِ إلى خَمْر

في هذه المعجزة لم ينطق يسوعُ بكلمةٍ، ولم يَطْرِفْ لهُ جَفْنٌ؛ بل ببساطةٍ أَرَادَ فَكَانَ. فلم يكن بحاجةٍ إلى طقوسٍ معقَّدةٍ أو كلماتٍ سريةٍ ليصنع المعجزات. وأَظهَرَ من خلال هذه المعجزة أيضًا أنه جاء بعملٍ جديدٍ أكثر مجدًا من العهد القديم المرتبط بموسى. فأجرانُ الماءِ كانت تُستعملُ في التَّطهير الطَّقسيّ، ولذلك كانت تشير إلى نِظَام النَّاموس (يوحنا 6:2). ومن هنا يظهر التباين بين ما فعلهُ موسى وما فعلهُ يسوع: فموسى حوَّلَ الماءَ إلى دمٍ (الناموسَ يؤدي إلى الموت)، أما يسوعُ فحوَّلَ الماءَ إلى خمرٍ، مُظهرًا فَرَحَ العهدِ الجديدِ وبهجتهُ، وكانت أَفضَلَ خمرٍ.

وأرادَ يسوعُ أيضًا أن يُشرِكَ الناسَ معهُ في هذه المعجزة. كان بإمكانِهِ أن يملأ الأجران بنفسِهِ، فهو لم يكن كسُولًا. وكان بإمكانِهِ أيضًا أن يخلق السائلَ في الأجرانِ بسهولةٍ. وأمّا الخُدّام فلم يكونوا سَبَبَ المعجزة؛ فكلُ ما أنتجتهُ جهودهم وحدها كان ماءً. لكن حين أطاعوا يسوع صار لهم نصيبٌ في فَرحِ المعجزة. وبمعنى ما كان يمكنهم أن يقولوا: ’انظروا كيف سَاعَدنَا يسوع!‘ مع أن يسوع هو الذي صَنَعَ كلَّ شيءٍ.

أَطَاعَ الخُدَّام يسوعَ من دونِ أن يسألوا، مع أن العمل كانَ كثيرًا. فملأوا الأجران إِلَى فَوْقُ، ليكونَ مقدارُ الخمرِ أكبرَ ما يمكنُ. ولو كانوا كسالى وملأوا الأجران إلى نصفها فقط، لكانت كميةُ الخمرِ أقل بكثيرٍ. والأجملُ من هذا كله أن الخُدَّام وحدهُم كانوا يعلمونَ كيفَ حدث ذلك. أما رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ فلم يكن يعلمُ ما الذي فعلهُ يسوع حقًا، لكن الخُدَّام كانوا يعلمون، وبمعنى ما اشتركوا في هذه العمل.

كانَ أولُ الآياتِ التي سجَّلها يوحنا عن يسوعَ معجزةَ تحوُّلِ الماءِ إلى خمرٍ. ونحنُ أيضًا نحتاجُ أن نَتَحَوَّلَ (نتغيَّرَ). ونقرأ في الآية ١١ أن التلاميذ آمنوا عندما رأوا معجزة يسوع. كان لهم إيمانٌ من قبل، ولكن لما رأوا ما فعله يسوع تعمق إيمانهم وتأكد أكثر.

هل تغيَّرتَ أنتَ أيضًا؟ هل غَيَّرَكَ يسوعُ المسيحُ بقوَّتِهِ المُعجزيَّة؟ من هُنا يجبُ أن يبدأَ عملُهُ. في هذه الصورة نحتاجُ أن نتغيَّرَ من حالتنا الطبيعية، أي من ’ماءٍ‘ إلى ’خَمرِهِ‘ المجيد.

وبعدَ أن يُغيَّركَ يسوعُ، خُذ دورَ الخُدَّام في هذه القصة. خدموا يسوعَ بتواضع، واشتركوا في عمله، وعرفوا ما فعله بطريقةٍ خاصةٍ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الكَلِمَةُ الأَزلِيَّةُ

فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. (يوحنا ١:١-٢)

بدأ متَّى إنجيلهُ في بيتِ لحمٍ، وبدأ لوقا في أورشليم، وبدأ مرقُس في اليهودية، أما يوحنا فلم يبدأ من مدينةٍ ولا من أرضٍ، بل رفعنا فوقَ الزمانِ كُلِّهِ إلى: فِي الْبَدْءِ. وهذا التَّعبِيرُ يُعِيدُنا إلى تلك الأزليَّةِ التي يَفتتِحُ بها الكتابُ المقدَّسُ في سِفرِ التكوين ١:١. ويُخبرنا يوحنا أنهُ حينَ بدأ الْبَدْءُ كَانَ الْكَلِمَةُ موجودًا، لم يبدأ مع الزمانِ، ولم يظهَر مع الخليقةِ، بل كان قَبْلَ كُلِّ شيءٍ، فالْكَلِمَةُ لا بدايةَ لهُ، بل كانَ هُناك فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ قَبْلَ أن يوجدَ شيءٌ أَصلًا.

الكَلِمَةُ الأَزلِيَّةُ

هُنا في يوحنا الإصحاح الأول، تُتَرجمُ كلمةُ ’الْكَلِمَة‘ المصطلح اليوناني القديم لُوغُوس. وكانَ لفكرة اللُّوغُوسِ جذورٌ عميقةُ في كلٍّ من الفِكرِ اليهودي والفكرِ اليوناني.

كانَ المعلمونَ اليهود كثيرًا ما يشيرون إلى اللهِ، ولا سيما عندما يتحدَّثونَ عن قُربِهِ وحُضُورِهِ وَسَطَ شَعبهِ، بتَعبيرِ كَلِمَتِهِ. ففي ذهن اليهود القدماء كان يُمكنُ أن تستخدمَ عبارة ’كلمةِ اللهِ‘ للإشارة إلى اللهِ نفسِهِ.

رأى الفلاسفةُ اليونان في اللُّوغُوس القوَّةَ التي تُضفي معنىً على العالمِ، فتجعلُهُ مُنظمًا لا فوضويًا. وكان اللُّوغُوس في نظرهِم القوَّةَ التي أقامتِ العالمَ على نظامٍ مُحكمٍ وأبقتهُ ثابتًا في ذلك النِّظامِ. وكانوا يرونَ في اللُّوغُوس ’العقلَ الأسمى‘ الذي يُدبِّرُ كلَّ شيءٍ ويضبِطُهُ.

لذلك، في هذهِ الافتتاحيَّة، يُخاطبُ يوحنا اليهودَ واليونانَ معًا قائلًا: لقد تحدثتُم وفكَّرتُم وكتبتُم عبرَ القرونِ عن الْكَلِمَة، عن اللُّوغُوس (logos)، والآن أُعرِّفُكُم من هُوَ. وهكذا كلَّمهُم بلُغتِهم التي يفهمُونها، وقدَّمَ لهم يَسُوعَ بمفاهيمَ كانت مَألُوفَةً لديهم.

وكَشَفَ يوحنا أيضًا أن الْكَلِمَةَ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. وبهذا التَّصريحِ البَارِعِ يَضَعُ يوحنا أَحَدَ أَبسطِ وأَرسخِ أُسُسِ إِيمانِنا، وهُو الثَّالوثُ. ويُمكِنُنا أن نتتبَّعَ مَنطِقَ يوحنا هكذا:

هُناكَ كائِنٌ يُعرَفُ بِاسْمِ الْكَلِمَةِ.

هذا الكائِنُ هُوَ اللهُ، لأنهُ أزَليٌّ (فِي الْبَدْءِ).

هذا الكائِنُ هُوَ اللهُ، لأنهُ يُدعَى بوضوح اللهَ (وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ).

وفي الوقتِ نفسِهِ، لا يشملُ هذا الكائِنُ كُلَّ ما هو اللهُ. فالآبُ شخصٌ مميزٌ عن الْكَلِمَةِ (وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ).

إذًا، الآبُ والابنُ (الابنُ هُنا يُعرَف بـ ’الْكَلِمَةِ‘)، مُتَساويَانِ في الأُلُوهيَّةِ، ومع ذلك متميِّزانِ في الأُقنُومِيّة. فالآبُ ليسَ هو الابنَ، والابنُ ليسَ هو الآبَ. ولكنهما متساويّان في كونهما الله، ومع الرُّوح القُدُس هُم إلهٌ واحدٌ في ثلاثةِ أقانيم.

لمدَّةِ ثلاثِ سنواتٍ كان يوحنا من أَقربِ الناسِ إلى يسوعَ. وحينَ بدأَ يَروي قصةَ حياةِ يسوعَ، افتتحها بإعلانٍ واضحٍ قائلًا: هذا الرَّجلُ الذي عَاَشَ بيننا، وسارَ معنا، وتكلَّمَ أمامنا، لم يكُن مُجرَّدَ إنسانٍ، بل كان ومَا زَالَ اللهَ.

يَسُوعُ الذي يُحِبُّ ويُخَلِّصُ، الذي ماتَ وقامَ من بين الأمواتِ، يسوعُ الكتابِ المُقدَّسِ، هُوَ اللهُ. وهو مُستحِقٌّ أن نعبُدَهُ ونَثِقَ بِهِ اليَومَ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

كُتُبٌ مُقَدَّسَةٌ مَفتُوحَةٌ، وقُلُوبٌ مُلْتَهِبَةٌ

فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟». (لوقا ٣٢:٢٤)

مَاتَ يسوعُ على الصليبِ ذبيحةً كفَّاريةً بَدِيلِيَّةً عن شعبِهِ، أي عن كُلِّ من وضَعَ ثِقَتهُ فيهِ. ثم قامَ من الأمواتِ بمجدٍ، وبدأ يظهرُ لتلامِيذِهِ. ومن أكثرِ هذهِ اللحظاتِ إثارةً للاهتمامِ ما نجدُهُ في لوقا ١٣:٢٤-٣٥، حِينَ ظَهَرَ يسوعُ لتلميذَين لا نَعرِفُ اسمَيهِمَا، وهُما يسيرانِ على الطريقِ بينَ أُورُشَلِيمَ وعِمْوَاس.

كُتُبٌ مُقَدَّسَةٌ مَفتُوحَةٌ، وقُلُوبٌ مُلْتَهِبَةٌ

سارَ يسوعُ مَعَهُما لِفترةٍ من الوقتِ، وهوَ يَستمِعُ إِليهِما وهما يتحاورانِ عن كُلِّ ما جرى ليسوعَ ولأتباعِهِ في الأيامِ القليلةِ الماضية. وبحُزنٍ شرحَا لهُ كُلَّ ما حَدَثَ، لِيَختِمَا حديثُهما بشيءٍ مِنَ الحَيرَةِ وعدمِ اليقينِ إزاءَ صِحَّةِ الأَخبارِ عن يسُوعَ الذي قَامَ من بين الأَمواتِ.

عِندَئذٍ قالَ يسوعُ: «أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ! أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟» (لوقا ٢٥:٢٤-٢٦).

لا شكَّ أنَّ هذهِ الكلماتِ صَدمَت التِّلميذين، لكنَّ ما سمِعَاهُ بعدَ ذلكَ كانَ أشدَّ صَدمَةً. يقولُ لوقا ٢٧:٢٤ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ.

بدأَ يسوعُ يُعلِّمهُما ما كَانَ بالتأكيدِ من أروعِ ما قُدِّمَ في شَرحِ الكِتابِ المُقدَّس على الإِطلاق. وابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ، وأخذَ يُفسِّرُ لهُما كُلَّ ما يَخُصُّ المَسِيَّا. وليس لدينا تسجيلٌ لذلك التعليمِ، ولكن رُبَّما كانَ يسوعُ يُوضِّحُ لهُما أنَّ المَسِيَّا هُوَ:

  • نَسْلُ المرأةِ، الذي سُحِقَتْ عَقِبُهُ.
  • بركةُ إبراهيمَ لجَمِيعِ الأُمَمِ.
  • رئيسُ الكهنةِ على رُتبةِ مَلْكِي صَادَق.
  • الرَّجُلُ الذي صَارَعَ يعقُوبَ.
  • أَسَدُ سِبْطِ يَهُوذَا.
  • الصَّوتُ من العُلَّيقَةِ المُشتعِلةِ.
  • حَمَلُ الْفِصْحِ.
  • النبيُّ الأَعْظَمُ مِن مُوسَى.
  • رَئيسُ جُندِ الربِّ الذي ظَهَرَ ليشُوعَ.
  • الوَلِيُّ الأَعْظَمُ المذكُورُ في سِفرِ راعُوث.
  • ابْنُ دَاوُدَ الذي هُوَ ملِكٌ أَعظَمُ مِن دَاوُدَ.
  • المُخَلِّصُ المُتأَلِّمُ في مزمُورِ ٢٢.
  • الرَّاعي الصَّالِحُ في مزمُورِ ٢٣.
  • حِكْمَةُ الأَمثَالِ، وحَبيبُ نشيدِ الإَنشَادِ.
  • المُخَلِّصُ الموصُوفُ في الأنبياءِ، والعَبدُ المُتأَلِّمُ في إِشعياء ٥٣.
  • المَسِيَّا الرَّئِيسُ في دَانِيال، الذي سيُقيِمُ مملكةً لن تنتهِي أَبدًا.

بَعدَ درسِ الكِتابِ الرَّائِعِ هذا، أدركَا سريعًا أن ضَيفَهُمَا المميز كانَ يسُوعَ، ثُمَّ اخْتَفَى من أمامِهِما. وبعد أن غَادَرَهُما، قالَ أَحدُهُما للآخَرِ: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا…؟»

كلِمَةُ اللهِ، التي يجعلها يسوعُ حيَّةً في قُلُوبِنا، قادِرةٌ أن تصنَعَ فينا الأثَرَ نَفسَهُ، حتى وإن لم ننتبِه أنَّ يسوعَ هو الذي يعملُ هذا فينا. لم يَعرفِ التِّلميذَانِ على طريقِ عِمْوَاسَ أنَّ قلبيهِما كانا مُلتهبينِ إلا بعدَ أن غادَرَهُما يسوعُ. وبعد ذلك استطاعا أن يجتمعا في شَرِكَةٍ بقُلُوبٍ مُلتَهِبَةٍ.

كُنْ وَاعِيًا بِحُضُورِ المسيح، واقْبَلْ كَلِمَتَهُ، ودَعْهُ يُفَسِّرُ لَكَ الكُتُبَ. وهكذا تَنضَمُّ إلى شَرِكَةِ قُلُوبٍ مُلتَهِبَةٍ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الرَّجُلُ الَّذي لَمْ يُجِبْهُ يَسُوعُ

وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ. وَسَأَلَهُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. (لوقا ٨:٢٣-٩).

عندما مَثُلَ يسوعُ أمامَ السلطاتِ الرومانيةِ ليُحاكمَ، كانت هناك ثلاثُ مراحل: الأولى أمامَ بيلاطُس (لوقا ٢٣: ١-٧)، ثم الثانيةُ أمَامَهُ (لوقا ٢٣: ١٣-٢٥)، وفيما بينهُما كانَ مَثُولُهُ أمامَ هِيرُودُس.

الرَّجُلُ الَّذي لَمْ يُجِبْهُ يَسُوعُ

أمَّا هيرودس هذا، المعروفُ بِاسْمِ هيرودُس أنتيباس، فكان ابنُ هيرودُسَ الكبير، الذي كانَ يحكُمُ عند ولادة يسوع. ولأن الرومانَ لم يسمحوا لَهُ أن يحكُمَ إلا رُبعَ ولايةِ أبيه، كان يُدعى رَئِيسُ الرُّبْعِ، أي حاكمًا على رُبعِ الولايةِ فقط. وكانت ولايته تشملُ الجليلَ، ولأنَّ يسوعَ كان من الجليل، فقد سُرَّ بيلاطس أن يُرسِلهُ إِليه.

فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ. كان هيرودُس قد سَمِعَ كثيرًا عن يسوع، لكن اهتمامهُ لم يكن إلا رغبةً في التسلية ومشاهدةِ شيءٍ يثيرُ فُضُولَهُ. لم يأخُذهُ بِجِدٍّ قَطُّ.

ومع ذلك، كان هيرودُس يرجُو، كما يقولُ الكتابُ، «أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ». فقد أصغى إليهِ، بل فَرِحَ جِدًّا برؤيتهِ. ولكنَّهُ أرادَ أن يسمعَ مِنهُ وفقًا لشُروطِهِ هُوَ، وأن يراهُ يصنعُ آيَةً. غير أن اهتِمَامَهُ بيسوعَ لم يكن صادقًا، وكان ذلك سَبَبُ إدانتهِ لا موضِعَ مَدحٍ لهُ.

في وقتٍ ما أَظهَرَ هيرودُس أنتيباس اهتمامًا دينيًا. فقد سَمِعَ كلمةَ اللهِ من يوحنا المعمدان (مرقس ٢٠:٦). لكنهُ أصرَّ أن يبقى في خطيَّتِهِ، وتقسَّى على اللهِ وكلمتِهِ، حتى صَارَ ضمِيرُهُ ميتًا.

وهكذا، لم يكن هيرودُس يريد أن يسمع من يسوع إلا ما يريدُ هوَ أن يسمعَهُ، وَسَأَلَهُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وطلب منه آيةً. وكثيرونَ اليومَ أيضًا يطلبونَ آياتٍ من يسوعَ، ولعلهُ ينظرُ إليهم كما نظَرَ إلى هيرودُس.

كان هيرودُس يحكُمُ الجليلَ، حيثُ قضى يسوعُ معظمَ خدمتِهِ. وقد كانت لهُ فرصٌ لا تُحصى ليسمعهُ، لأن يسوع لم يكُن يعملُ في الخفاءِ ولا يتكلم في أماكنَ خفيةٍ. وهُنا كَشَفَ يسوعُ حقيقةَ هيرودُس: لم يكن يطلبُ الحقَّ بصدقٍ. فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ.

وكأنَّ هيرودُس قالَ في نفسِهِ: لنسمع جوابًا من المُعلِّمِ العظيمِ، ولنَرَ شيئًا مُدهشًا من صانعِ المعجزاتِ. لكنَّ يسوعَ كان يَعْلَمُ أن هيرودُس رجلٌ بائسٌ سطحيٌّ، فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. ذلك الرَّجُلُ الذي قَتَلَ يوحنا المعمدان كان ينظرُ إلى يسوعَ كأنهُ صانعُ معجزاتٍ ليُسَلِّيهِ. وحتى عندما اتهمهُ الآخرونَ، لم يكن ليسوعَ ما يقولُهُ لهيرودُس.

أيُّها الأحباءُ، لم يأتِ يسوعُ ليُسلِّينا ولا ليُشبِعَ فضُولَنَا. اتِّباعُهُ هو أعظمُ مغامرةٍ في الحياةِ. فلنرفض طريقَ هيرودُس، ولنَأتِ إلى المُخلِّص بقلبٍ يُكرِمُهُ ويثقُ بهِ ويُسَلِّمُ لهُ كُلَّ شيءٍ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك