العَجَائِبُ السَّبعُ في يوحنا ١٦:٣

لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يوحنا ١٦:٣)

لطالما اُحتُفِلَ بيوحنا ١٦:٣ باعتبارها إعلانًا قويًا وموجزًا لرسالة الإنجيل. من بين ٣١٬٣٧٣ آيةً في الكتابِ المقدس، قد تكونُ هي الآية الأكثرَ شُهرةً واستخدامًا في الكرازة.

العَجَائِبُ السَّبعُ في يوحنا ١٦:٣

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بمدى محبَّة الله: لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ. هذا يعني أن المحبة كانت محبةً عظيمةً. وفكرةُ ’هكَذَا أَحَبَّ‘ مرتبطةٌ بفكرةِ ’حَتَّى بَذَلَ،‘ فهناكَ علاقةُ سببٍ ونتيجةٍ بينهُما. فقد ’بَذَلَ‘ ما ’بَذَلَ‘ لأنه ’أَحَبَّ‘ كثيرًا.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بموضوع محبةِ الله: لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ. لم ينتظر اللهُ أن يتغيَّرَ العالمُ أو يَرجِعَ إليهِ قبل أن يُحبَّهُ، بل أحبَّ العَالَمَ وبَذَلَ ابنهُ الوحيدَ لهُ وهو لا يزالُ في حالتهِ الساقطة. لم يؤمن كثيرون من اليهود في ذلك الزمان بأن اللهَ أَحَبَّ الْعَالَمَ، بل ظنوا أنه أحبَّهم هُمْ فقط. لذلك كان عرضُ الخلاصِ والحياةِ في يسوع، المُقدم لجميع الناس، ثورةً حقيقيةً.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِتَعْبِيرِ محبةِ الله: حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ. لم تكن محبةُ اللهِ مجرَّد شُعُورٍ بمشاكلِ عالمٍ ساقطٍ، بل فعلَ اللهُ شيئًا، بَذَلَ أثمنَ ما يمكن أن يُبذَلَ: ابْنَهُ الْوَحِيدَ. المحبةُ الحقيقيةُ تتجلَّى في العطاءِ.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِقَصْدِ محبةِ الله: لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ. فمحبةُ اللهِ تُخلِّصُ المؤمنينَ حقًا من الهلاكِ الأبدي. لم يقدم اللهُ مجرد نصائحَ لتحسين الذَّات أو أفكارًا لتغيير الحياة، بل يدعو قائلًا: تعالوا إليَّ، اُنظروا إليَّ، وأنا أُخلِّصُكُم.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِمُتَلَقِّي محبةِ الله: كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ. فمع أن الله يُحبُّ العالم، لا ينتفع الإنسان بهذه المحبة إلا عندما يُؤْمِنُ بيسوع، العطية التي قدمها الآبُ. وعبارةُ يُؤْمِنُ بِهِ لا تعني مجرد معرفةٍ ذهنية أو موافقة عقلية، بل تعني أن يثق الإنسان بهِ، ويعتمد عليه، ويتمسك به. وعندما نثق بالله ونعتمد عليه، ننتفِعُ من محبتهِ.

يوحنا ١٦:٣ يُخبرنا بِمُدَّةِ محبةِ الله: الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. فمحبةُ الناس لنا قد تفتُرُ أو تتغيَّرُ، أما محبةُ اللهِ فلا تتغيَّرُ أبدًا. ولن يكُفَّ قطُّ عن محبةِ شعبهِ، بل تبقى إلى الأبد.

في يوحنا ١٦:٣ نَجِدُ سَبعَ عَجَائِبَ:

اللهُ، وهو صَاحِبُ السُّلطانِ المُطلق

لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ، وهو الدَّافِعُ الأقوى

حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، وهي أَعظمُ عَطيَّةٍ

لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ، وهو الخَلَاصُ الإِلهيُّ

كُلُّ مَنْ، وهو أَوسَعُ تَرحِيبٍ

يُؤْمِنُ بِهِ، وهو أَيسرُ نجاةٍ

بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ، وهو الكَنزُ الذي لا يُقدَّرُ بثمنٍ

ماذا نفعلُ إذًا؟ الأمرُ بسيطٌ. نحنُ بحاجةٍ إلى أن نقبَلَ محبةَ اللهِ هذه، وأن نقابِلَ هذهِ المحبةَ العظيمةَ بالتوبةِ والإيمانِ، وأن نشكرَ اللهَ على محبتهِ العجيبة!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

تَحوِيلُ الماءِ إلى خَمْر

قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً». فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ». فَقَدَّمُوا. (يوحنا ٧:٢-٨)

كان عُرسُ قانا الجليل ’بِدَايَةَ الآيَاتِ‘ التي فعلها يسوع، ’فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ‘ (يوحنا ١١:٢). لكن تلاميذَهُ لم يؤمنوا لمجرد أن معلِّمهم صنع أمرًا مدهشًا، بل لأن كلَّ ما فعله في هذه الآية كان يعلِّمهم شيئًا. فبمعجزةٍ صنعَ يسوعُ خمرًا لئلا يشعر العريسُ والعروسُ بالحرج في يوم عرسهما، لكنه أيضًا قدَّم صورةً تُعلِّمنا عن عمله وعن حاجتنا إليه.

تَحوِيلُ الماءِ إلى خَمْر

في هذه المعجزة لم ينطق يسوعُ بكلمةٍ، ولم يَطْرِفْ لهُ جَفْنٌ؛ بل ببساطةٍ أَرَادَ فَكَانَ. فلم يكن بحاجةٍ إلى طقوسٍ معقَّدةٍ أو كلماتٍ سريةٍ ليصنع المعجزات. وأَظهَرَ من خلال هذه المعجزة أيضًا أنه جاء بعملٍ جديدٍ أكثر مجدًا من العهد القديم المرتبط بموسى. فأجرانُ الماءِ كانت تُستعملُ في التَّطهير الطَّقسيّ، ولذلك كانت تشير إلى نِظَام النَّاموس (يوحنا 6:2). ومن هنا يظهر التباين بين ما فعلهُ موسى وما فعلهُ يسوع: فموسى حوَّلَ الماءَ إلى دمٍ (الناموسَ يؤدي إلى الموت)، أما يسوعُ فحوَّلَ الماءَ إلى خمرٍ، مُظهرًا فَرَحَ العهدِ الجديدِ وبهجتهُ، وكانت أَفضَلَ خمرٍ.

وأرادَ يسوعُ أيضًا أن يُشرِكَ الناسَ معهُ في هذه المعجزة. كان بإمكانِهِ أن يملأ الأجران بنفسِهِ، فهو لم يكن كسُولًا. وكان بإمكانِهِ أيضًا أن يخلق السائلَ في الأجرانِ بسهولةٍ. وأمّا الخُدّام فلم يكونوا سَبَبَ المعجزة؛ فكلُ ما أنتجتهُ جهودهم وحدها كان ماءً. لكن حين أطاعوا يسوع صار لهم نصيبٌ في فَرحِ المعجزة. وبمعنى ما كان يمكنهم أن يقولوا: ’انظروا كيف سَاعَدنَا يسوع!‘ مع أن يسوع هو الذي صَنَعَ كلَّ شيءٍ.

أَطَاعَ الخُدَّام يسوعَ من دونِ أن يسألوا، مع أن العمل كانَ كثيرًا. فملأوا الأجران إِلَى فَوْقُ، ليكونَ مقدارُ الخمرِ أكبرَ ما يمكنُ. ولو كانوا كسالى وملأوا الأجران إلى نصفها فقط، لكانت كميةُ الخمرِ أقل بكثيرٍ. والأجملُ من هذا كله أن الخُدَّام وحدهُم كانوا يعلمونَ كيفَ حدث ذلك. أما رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ فلم يكن يعلمُ ما الذي فعلهُ يسوع حقًا، لكن الخُدَّام كانوا يعلمون، وبمعنى ما اشتركوا في هذه العمل.

كانَ أولُ الآياتِ التي سجَّلها يوحنا عن يسوعَ معجزةَ تحوُّلِ الماءِ إلى خمرٍ. ونحنُ أيضًا نحتاجُ أن نَتَحَوَّلَ (نتغيَّرَ). ونقرأ في الآية ١١ أن التلاميذ آمنوا عندما رأوا معجزة يسوع. كان لهم إيمانٌ من قبل، ولكن لما رأوا ما فعله يسوع تعمق إيمانهم وتأكد أكثر.

هل تغيَّرتَ أنتَ أيضًا؟ هل غَيَّرَكَ يسوعُ المسيحُ بقوَّتِهِ المُعجزيَّة؟ من هُنا يجبُ أن يبدأَ عملُهُ. في هذه الصورة نحتاجُ أن نتغيَّرَ من حالتنا الطبيعية، أي من ’ماءٍ‘ إلى ’خَمرِهِ‘ المجيد.

وبعدَ أن يُغيَّركَ يسوعُ، خُذ دورَ الخُدَّام في هذه القصة. خدموا يسوعَ بتواضع، واشتركوا في عمله، وعرفوا ما فعله بطريقةٍ خاصةٍ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الكَلِمَةُ الأَزلِيَّةُ

فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. (يوحنا ١:١-٢)

بدأ متَّى إنجيلهُ في بيتِ لحمٍ، وبدأ لوقا في أورشليم، وبدأ مرقُس في اليهودية، أما يوحنا فلم يبدأ من مدينةٍ ولا من أرضٍ، بل رفعنا فوقَ الزمانِ كُلِّهِ إلى: فِي الْبَدْءِ. وهذا التَّعبِيرُ يُعِيدُنا إلى تلك الأزليَّةِ التي يَفتتِحُ بها الكتابُ المقدَّسُ في سِفرِ التكوين ١:١. ويُخبرنا يوحنا أنهُ حينَ بدأ الْبَدْءُ كَانَ الْكَلِمَةُ موجودًا، لم يبدأ مع الزمانِ، ولم يظهَر مع الخليقةِ، بل كان قَبْلَ كُلِّ شيءٍ، فالْكَلِمَةُ لا بدايةَ لهُ، بل كانَ هُناك فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ قَبْلَ أن يوجدَ شيءٌ أَصلًا.

الكَلِمَةُ الأَزلِيَّةُ

هُنا في يوحنا الإصحاح الأول، تُتَرجمُ كلمةُ ’الْكَلِمَة‘ المصطلح اليوناني القديم لُوغُوس. وكانَ لفكرة اللُّوغُوسِ جذورٌ عميقةُ في كلٍّ من الفِكرِ اليهودي والفكرِ اليوناني.

كانَ المعلمونَ اليهود كثيرًا ما يشيرون إلى اللهِ، ولا سيما عندما يتحدَّثونَ عن قُربِهِ وحُضُورِهِ وَسَطَ شَعبهِ، بتَعبيرِ كَلِمَتِهِ. ففي ذهن اليهود القدماء كان يُمكنُ أن تستخدمَ عبارة ’كلمةِ اللهِ‘ للإشارة إلى اللهِ نفسِهِ.

رأى الفلاسفةُ اليونان في اللُّوغُوس القوَّةَ التي تُضفي معنىً على العالمِ، فتجعلُهُ مُنظمًا لا فوضويًا. وكان اللُّوغُوس في نظرهِم القوَّةَ التي أقامتِ العالمَ على نظامٍ مُحكمٍ وأبقتهُ ثابتًا في ذلك النِّظامِ. وكانوا يرونَ في اللُّوغُوس ’العقلَ الأسمى‘ الذي يُدبِّرُ كلَّ شيءٍ ويضبِطُهُ.

لذلك، في هذهِ الافتتاحيَّة، يُخاطبُ يوحنا اليهودَ واليونانَ معًا قائلًا: لقد تحدثتُم وفكَّرتُم وكتبتُم عبرَ القرونِ عن الْكَلِمَة، عن اللُّوغُوس (logos)، والآن أُعرِّفُكُم من هُوَ. وهكذا كلَّمهُم بلُغتِهم التي يفهمُونها، وقدَّمَ لهم يَسُوعَ بمفاهيمَ كانت مَألُوفَةً لديهم.

وكَشَفَ يوحنا أيضًا أن الْكَلِمَةَ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. وبهذا التَّصريحِ البَارِعِ يَضَعُ يوحنا أَحَدَ أَبسطِ وأَرسخِ أُسُسِ إِيمانِنا، وهُو الثَّالوثُ. ويُمكِنُنا أن نتتبَّعَ مَنطِقَ يوحنا هكذا:

هُناكَ كائِنٌ يُعرَفُ بِاسْمِ الْكَلِمَةِ.

هذا الكائِنُ هُوَ اللهُ، لأنهُ أزَليٌّ (فِي الْبَدْءِ).

هذا الكائِنُ هُوَ اللهُ، لأنهُ يُدعَى بوضوح اللهَ (وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ).

وفي الوقتِ نفسِهِ، لا يشملُ هذا الكائِنُ كُلَّ ما هو اللهُ. فالآبُ شخصٌ مميزٌ عن الْكَلِمَةِ (وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ).

إذًا، الآبُ والابنُ (الابنُ هُنا يُعرَف بـ ’الْكَلِمَةِ‘)، مُتَساويَانِ في الأُلُوهيَّةِ، ومع ذلك متميِّزانِ في الأُقنُومِيّة. فالآبُ ليسَ هو الابنَ، والابنُ ليسَ هو الآبَ. ولكنهما متساويّان في كونهما الله، ومع الرُّوح القُدُس هُم إلهٌ واحدٌ في ثلاثةِ أقانيم.

لمدَّةِ ثلاثِ سنواتٍ كان يوحنا من أَقربِ الناسِ إلى يسوعَ. وحينَ بدأَ يَروي قصةَ حياةِ يسوعَ، افتتحها بإعلانٍ واضحٍ قائلًا: هذا الرَّجلُ الذي عَاَشَ بيننا، وسارَ معنا، وتكلَّمَ أمامنا، لم يكُن مُجرَّدَ إنسانٍ، بل كان ومَا زَالَ اللهَ.

يَسُوعُ الذي يُحِبُّ ويُخَلِّصُ، الذي ماتَ وقامَ من بين الأمواتِ، يسوعُ الكتابِ المُقدَّسِ، هُوَ اللهُ. وهو مُستحِقٌّ أن نعبُدَهُ ونَثِقَ بِهِ اليَومَ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

كُتُبٌ مُقَدَّسَةٌ مَفتُوحَةٌ، وقُلُوبٌ مُلْتَهِبَةٌ

فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟». (لوقا ٣٢:٢٤)

مَاتَ يسوعُ على الصليبِ ذبيحةً كفَّاريةً بَدِيلِيَّةً عن شعبِهِ، أي عن كُلِّ من وضَعَ ثِقَتهُ فيهِ. ثم قامَ من الأمواتِ بمجدٍ، وبدأ يظهرُ لتلامِيذِهِ. ومن أكثرِ هذهِ اللحظاتِ إثارةً للاهتمامِ ما نجدُهُ في لوقا ١٣:٢٤-٣٥، حِينَ ظَهَرَ يسوعُ لتلميذَين لا نَعرِفُ اسمَيهِمَا، وهُما يسيرانِ على الطريقِ بينَ أُورُشَلِيمَ وعِمْوَاس.

كُتُبٌ مُقَدَّسَةٌ مَفتُوحَةٌ، وقُلُوبٌ مُلْتَهِبَةٌ

سارَ يسوعُ مَعَهُما لِفترةٍ من الوقتِ، وهوَ يَستمِعُ إِليهِما وهما يتحاورانِ عن كُلِّ ما جرى ليسوعَ ولأتباعِهِ في الأيامِ القليلةِ الماضية. وبحُزنٍ شرحَا لهُ كُلَّ ما حَدَثَ، لِيَختِمَا حديثُهما بشيءٍ مِنَ الحَيرَةِ وعدمِ اليقينِ إزاءَ صِحَّةِ الأَخبارِ عن يسُوعَ الذي قَامَ من بين الأَمواتِ.

عِندَئذٍ قالَ يسوعُ: «أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ! أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟» (لوقا ٢٥:٢٤-٢٦).

لا شكَّ أنَّ هذهِ الكلماتِ صَدمَت التِّلميذين، لكنَّ ما سمِعَاهُ بعدَ ذلكَ كانَ أشدَّ صَدمَةً. يقولُ لوقا ٢٧:٢٤ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ.

بدأَ يسوعُ يُعلِّمهُما ما كَانَ بالتأكيدِ من أروعِ ما قُدِّمَ في شَرحِ الكِتابِ المُقدَّس على الإِطلاق. وابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ، وأخذَ يُفسِّرُ لهُما كُلَّ ما يَخُصُّ المَسِيَّا. وليس لدينا تسجيلٌ لذلك التعليمِ، ولكن رُبَّما كانَ يسوعُ يُوضِّحُ لهُما أنَّ المَسِيَّا هُوَ:

  • نَسْلُ المرأةِ، الذي سُحِقَتْ عَقِبُهُ.
  • بركةُ إبراهيمَ لجَمِيعِ الأُمَمِ.
  • رئيسُ الكهنةِ على رُتبةِ مَلْكِي صَادَق.
  • الرَّجُلُ الذي صَارَعَ يعقُوبَ.
  • أَسَدُ سِبْطِ يَهُوذَا.
  • الصَّوتُ من العُلَّيقَةِ المُشتعِلةِ.
  • حَمَلُ الْفِصْحِ.
  • النبيُّ الأَعْظَمُ مِن مُوسَى.
  • رَئيسُ جُندِ الربِّ الذي ظَهَرَ ليشُوعَ.
  • الوَلِيُّ الأَعْظَمُ المذكُورُ في سِفرِ راعُوث.
  • ابْنُ دَاوُدَ الذي هُوَ ملِكٌ أَعظَمُ مِن دَاوُدَ.
  • المُخَلِّصُ المُتأَلِّمُ في مزمُورِ ٢٢.
  • الرَّاعي الصَّالِحُ في مزمُورِ ٢٣.
  • حِكْمَةُ الأَمثَالِ، وحَبيبُ نشيدِ الإَنشَادِ.
  • المُخَلِّصُ الموصُوفُ في الأنبياءِ، والعَبدُ المُتأَلِّمُ في إِشعياء ٥٣.
  • المَسِيَّا الرَّئِيسُ في دَانِيال، الذي سيُقيِمُ مملكةً لن تنتهِي أَبدًا.

بَعدَ درسِ الكِتابِ الرَّائِعِ هذا، أدركَا سريعًا أن ضَيفَهُمَا المميز كانَ يسُوعَ، ثُمَّ اخْتَفَى من أمامِهِما. وبعد أن غَادَرَهُما، قالَ أَحدُهُما للآخَرِ: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا…؟»

كلِمَةُ اللهِ، التي يجعلها يسوعُ حيَّةً في قُلُوبِنا، قادِرةٌ أن تصنَعَ فينا الأثَرَ نَفسَهُ، حتى وإن لم ننتبِه أنَّ يسوعَ هو الذي يعملُ هذا فينا. لم يَعرفِ التِّلميذَانِ على طريقِ عِمْوَاسَ أنَّ قلبيهِما كانا مُلتهبينِ إلا بعدَ أن غادَرَهُما يسوعُ. وبعد ذلك استطاعا أن يجتمعا في شَرِكَةٍ بقُلُوبٍ مُلتَهِبَةٍ.

كُنْ وَاعِيًا بِحُضُورِ المسيح، واقْبَلْ كَلِمَتَهُ، ودَعْهُ يُفَسِّرُ لَكَ الكُتُبَ. وهكذا تَنضَمُّ إلى شَرِكَةِ قُلُوبٍ مُلتَهِبَةٍ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الرَّجُلُ الَّذي لَمْ يُجِبْهُ يَسُوعُ

وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ. وَسَأَلَهُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. (لوقا ٨:٢٣-٩).

عندما مَثُلَ يسوعُ أمامَ السلطاتِ الرومانيةِ ليُحاكمَ، كانت هناك ثلاثُ مراحل: الأولى أمامَ بيلاطُس (لوقا ٢٣: ١-٧)، ثم الثانيةُ أمَامَهُ (لوقا ٢٣: ١٣-٢٥)، وفيما بينهُما كانَ مَثُولُهُ أمامَ هِيرُودُس.

الرَّجُلُ الَّذي لَمْ يُجِبْهُ يَسُوعُ

أمَّا هيرودس هذا، المعروفُ بِاسْمِ هيرودُس أنتيباس، فكان ابنُ هيرودُسَ الكبير، الذي كانَ يحكُمُ عند ولادة يسوع. ولأن الرومانَ لم يسمحوا لَهُ أن يحكُمَ إلا رُبعَ ولايةِ أبيه، كان يُدعى رَئِيسُ الرُّبْعِ، أي حاكمًا على رُبعِ الولايةِ فقط. وكانت ولايته تشملُ الجليلَ، ولأنَّ يسوعَ كان من الجليل، فقد سُرَّ بيلاطس أن يُرسِلهُ إِليه.

فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ. كان هيرودُس قد سَمِعَ كثيرًا عن يسوع، لكن اهتمامهُ لم يكن إلا رغبةً في التسلية ومشاهدةِ شيءٍ يثيرُ فُضُولَهُ. لم يأخُذهُ بِجِدٍّ قَطُّ.

ومع ذلك، كان هيرودُس يرجُو، كما يقولُ الكتابُ، «أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ». فقد أصغى إليهِ، بل فَرِحَ جِدًّا برؤيتهِ. ولكنَّهُ أرادَ أن يسمعَ مِنهُ وفقًا لشُروطِهِ هُوَ، وأن يراهُ يصنعُ آيَةً. غير أن اهتِمَامَهُ بيسوعَ لم يكن صادقًا، وكان ذلك سَبَبُ إدانتهِ لا موضِعَ مَدحٍ لهُ.

في وقتٍ ما أَظهَرَ هيرودُس أنتيباس اهتمامًا دينيًا. فقد سَمِعَ كلمةَ اللهِ من يوحنا المعمدان (مرقس ٢٠:٦). لكنهُ أصرَّ أن يبقى في خطيَّتِهِ، وتقسَّى على اللهِ وكلمتِهِ، حتى صَارَ ضمِيرُهُ ميتًا.

وهكذا، لم يكن هيرودُس يريد أن يسمع من يسوع إلا ما يريدُ هوَ أن يسمعَهُ، وَسَأَلَهُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وطلب منه آيةً. وكثيرونَ اليومَ أيضًا يطلبونَ آياتٍ من يسوعَ، ولعلهُ ينظرُ إليهم كما نظَرَ إلى هيرودُس.

كان هيرودُس يحكُمُ الجليلَ، حيثُ قضى يسوعُ معظمَ خدمتِهِ. وقد كانت لهُ فرصٌ لا تُحصى ليسمعهُ، لأن يسوع لم يكُن يعملُ في الخفاءِ ولا يتكلم في أماكنَ خفيةٍ. وهُنا كَشَفَ يسوعُ حقيقةَ هيرودُس: لم يكن يطلبُ الحقَّ بصدقٍ. فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ.

وكأنَّ هيرودُس قالَ في نفسِهِ: لنسمع جوابًا من المُعلِّمِ العظيمِ، ولنَرَ شيئًا مُدهشًا من صانعِ المعجزاتِ. لكنَّ يسوعَ كان يَعْلَمُ أن هيرودُس رجلٌ بائسٌ سطحيٌّ، فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. ذلك الرَّجُلُ الذي قَتَلَ يوحنا المعمدان كان ينظرُ إلى يسوعَ كأنهُ صانعُ معجزاتٍ ليُسَلِّيهِ. وحتى عندما اتهمهُ الآخرونَ، لم يكن ليسوعَ ما يقولُهُ لهيرودُس.

أيُّها الأحباءُ، لم يأتِ يسوعُ ليُسلِّينا ولا ليُشبِعَ فضُولَنَا. اتِّباعُهُ هو أعظمُ مغامرةٍ في الحياةِ. فلنرفض طريقَ هيرودُس، ولنَأتِ إلى المُخلِّص بقلبٍ يُكرِمُهُ ويثقُ بهِ ويُسَلِّمُ لهُ كُلَّ شيءٍ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

دافِعُ الشرِّيرِ يَهُوذَا

فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الاثْنَيْ عَشَرَ. فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ. فَفَرِحُوا وَعَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. (لوقا ٣:٢٢-٥).

تحتوي معظمُ القصصِ المعروفةِ على شريرٍ بارز، غَير أن التاريخَ نفسهُ لا يكادُ يعرفُ شريرًا أسوأُ مِن يهوذا الإسخريوطي. فهذا الرجل، الذي أحبهُ يسوع وضمَّهُ إلى دائرةِ تلاميذهِ المُقرّبينَ، كان خائنًا مخادعًا حينَ خانَ شخصًا لم يُؤذِهِ يومًا.

دافِعُ الشرِّيرِ يَهُوذَا

كان واضحًا أنَّ وراءَ هذا الشرير شريرًا آخر، كما يُخبرنا لوقا: فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا. وهذا يعني أن الشيطانَ حرّض يهوذا وربما قَادَهُ فيما فعل. ومع ذلك، لا يُنقِصُ هذا من مسؤوليتهِ الشخصية، لأن ما حدث لم يكن ضِدَّ إرادتهِ، بل بإرادتهِ. فعدوُّ يسوعَ الحقيقيُّ هو الشيطانُ، لا يهُوذا نَفسُهُ.

وقد تساءلَ كثيرونَ عن دوافَع يهُوذا. فقالَ بعضُهم إنَّ دافِعَهُ ربما كان نبيلًا، بأنهُ أرادَ أن يدفعَ يسوعَ إلى إعلانِ هويَّتِهِ الحقيقيةِ بوصفهِ المسيَّا المُنتظر. ولكنَّ الكتابَ المقدسَ لا يَدعَمُ نِيَّةً تبدو نبيلةً كَهذِهِ.

كانَ يُلَقَّبُ يَهُوذَا بالإِسْخَرْيُوطِيَّ. ويحتملُ أنَّ هذا اللقب يشيرُ إلى أنهُ كان من قريةِ قَرْيُوتَ في جنوبِ اليَهُوديَّة، مما يجعلُهُ التلميذَ الوحيدَ من تلك المنطقة، بينما كان سائرُ التلاميذِ من الجليل. وتساءل بعضهم إن كان يهُوذا قد سَئِمَ قيادةَ صيّادي السمكِ من الجليل، ولم يَعُدْ يَحتَمِلُها. ويرى آخرون أن اسمَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ مرتبطٌ بكلمةِ (sicarius)، أي ’القاتل،‘ في إشارةٍ إلى الغيورينَ اليهود الذين شنوا حربًا سريةً ضِدَّ المُحتلين الرُّومان.

ربما تَبِعَ يهُوذا يسوعَ بدوافِعَ أنانيةٍ، طامعًا في منزلةٍ رفيعة ومكانةٍ مرموقة عندما يدخلُ يسوعُ أورشليم دخولَ المنتصر بوصفه المسيَّا. ولكن حين تَبينَ ليهُوذا أن يسوعَ ليسَ المسيَّا الذي كان يرجُوهُ، انقلبت خيبتُهُ إلى غَيظٍ، وفتح بذلك بابًا للشيطانِ في قلبهِ. لم يَمنَح يسوعُ يهُوذا ما كانَ يبتغيهِ قلبُهُ الأناني، فشعرَ أنَّ علاقتهُ بيسوعَ قد انكسرت. ولعلهُ قالَ في نفسِهِ: ’أنتَ خذلتني إذ لم تكن المسيَّا الذي أردتُهُ، لذلك سأخُونُكَ.‘

وفي النهاية، كان دافِعُ يهُوذا الحقيقيُّ بسيطًا، فقد فعل ذلك لأن القادة الدينيين عَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. يُخبِرُنا متَّى ١٤:٢٦-١٦ أن يهُوذا سأَلهُم: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» ويُظهِرُ هذا أنَّ يهُوذا هو الذي ذهب إليهم وطلبَ ثمنًا. وببساطةٍ، كان دافِعُهُ الطمعُ.

كانَ اللهُ سيستخدمُ أعمالَ يهُوذا الشريرة لتمضي خُطتُهُ الأبديةُ قُدُمًا. فقد كان هذا هو الوقت المُعيَّن لذهابِ يسوعَ إلى الصليب، وتحقق ذلك رغم تردد القادة الدينيين في البداية.

وهكذا، كانت مقاليدُ الأمورِ بيدِ اللهِ، وفي الوقتِ نفسِهِ، بَقِيَ يهُوذا مسؤولًا بالكاملِ عن خيانتهِ وآثامهِ. وهكذا يجري الأمرُ دائمًا في العلاقة بين سيادةِ اللهِ ومسؤوليةِ الإنسانِ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

فَلْسَيْنِ الأَرْمَلَة

وَتَطَلَّعَ فَرَأَى الأَغْنِيَاءَ يُلْقُونَ قَرَابِينَهُمْ فِي الْخِزَانَةِ، رَأَى أَيْضًا أَرْمَلَةً مِسْكِينَةً أَلْقَتْ هُنَاكَ فَلْسَيْنِ. فَقَالَ: «بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ، لأَنَّ هؤُلاَءِ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا فِي قَرَابِينِ اللهِ، وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا، أَلْقَتْ كُلَّ الْمَعِيشَةِ الَّتِي لَهَا». (لوقا ١:٢١-٤).

في الهيكل، لاحظَ يسوعُ الأغنياء يُلْقُونَ مبالغَ كبيرةً في الخِزَانَة، ربما في محاولةٍ للفتِ الانتباهِ إلى قَرَابِينِهِم. ثم رَأَى أَيْضًا أَرْمَلَةً مِسْكِينَةً أَلْقَتْ هُنَاكَ فَلْسَيْنِ. ولا بُدَّ أن رؤية هذه الأرملة، التي كان فقرُها واضحًا من ملابسها ومظهرها، كانت مُنعِشةً ليسوع المُتعَب، الذي قد احتمل لتوِّه عاصفةً من الأسئلة من أعدائه (لوقا ٢٠).

فَلْسَيْنِ الأَرْمَلَة

قدَّمَ الأغنياءُ قرابينَ كبيرةً، أما الأرملة الفقيرة فلم تُلقِ في التقدمة إلا فَلْسَيْنِ. الكلمة اليونانية القديمة التي نترجمها فَلْس (lepton) تعني حرفيًا ’شيئًا صغيرًا جدًا.‘ وعند حساب الأمرِ بدقة، فإن فَلْسَيْنِ لا يساويانِ سوى نسبة 1% من دينارٍ واحدٍ، أي نسبةِ 1% من أُجرةٍ يومٍ واحدٍ.

ومع ذلك، فقد قدمت فَلْسَيْنِ، لا فَلْسًا واحدًا فقط. كان بإمكانِ الأرملة أن تحتفظ بفَلْسٍ واحدٍ لنفسها، ولم يكن أحدٌ ليلومها لو فعلت ذلك. فتقديم فلسٍ واحدٍ كان يعني تقديمَ نصفِ ما تملكُهُ من مالٍ. ولكنها، عوضًا عن ذلك، أعطت بسخاءٍ مُذهلٍ، ولاحظ يسوعُ ذلك فقال: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ، قاصدًا بذلك جميعَ الأغنياء الذين تقدَّموها. لم يقُل يسوعُ إنها قدمت أكثر مما قدمه أيُّ واحدٍ منهم، بل قال إنها قدمت أَكْثَرَ مما قدموه جميعهم مجتمعين. فالكل أعطى مِنْ فَضْلَتِهِمْ، وأما هي فَمِنْ إِعْوَازِهَا.

يُعلَّمُنا يسوعُ هنا أنَّ الله يهتمُّ بروح العطاء أكثرَ من كميته. فهو لا يريد مالًا يُعطى بتذمُر أو بدافع الشعورِ بالذنب. لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ.

ويُظهرُ عطاءُ الأرملة، وتعليقُ يسوع عليه، أن قيمة العطاء تُقاسُ بما يبذُلُهُ المُعطي. وهذا ما جعل عطاء الأرملة ذا قيمة عظيمة. فقد رفض داود أن يقدم لله تقدماتٍ لم تُكَلِّفُهُ شيئًا (٢ صموئيل ٢٤:٢٤).

ويُعلِّمُنا يسوعُ هنا أيضًا أن الله لا يحتاجُ إلى أموالنا. فلو كان محتاجًا إليها، لكانت القيمةُ في كميةِ العطاءِ لا في قلبِ المُعطي. لكن العطاءَ لله هو امتيازٌ لنا، نُعطي لأن فيه خيرَنا، لا لأن اللهَ ينتفعُ به.

لقد تحدَّت الأرملة طريقةَ التفكير التي تقول: ’سأعطي عندما أملك المزيد.‘ فمع أنها لم تكن تملك شيئًا يُذكر، إلا أنها كانت معطية. وهذا يعني أن كلَّ واحدٍ منا يستطيع أن يُرضي الله بعطائه، تمامًا كما يفعل أغنى الناس. فكل عطاءٍ نُقدِّمه لله من إعوازنا، يراه الله ويُسرُّ به.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

بَيْتُ الصَّلَاةِ

وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ قَائِلًا لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلَاةِ. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!». (لوقا ٤٥:١٩-٤٦).

وقَبْلَ صَلبِِ يسوع، في يومِ الاثنين، دَخَلَ الْهَيْكَل، لكنَّهُ لم يدخُل مبنى الهيكل الذي يضُم الْقُدْس وَقُدْسَ الأَقْدَاس. فهُنا، كما هو الحالُ في كثيرٍ من رِوايات الإنجيل، يُستخدم لفظُ الْهَيْكَلِ للإشارة إلى مُجْمَع الهيكلِ كُلِّه، بما في ذلك دَارُ الهيكل، ودَارُ النّساء، ودَارُ الأُمم.

بَيْتُ الصَّلَاةِ

في الدارِ الخارجية، المعروفة بدارِ الأُمم، إذ كانت أبعدَ ما سُمِحَ لهم بدخوله، بدأ يسوع يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ. كان هناك تُجَّارٌ يبيعون حيواناتٍ للذبائح ’معتمدة،‘ وصرَّافون يُبادِلون عملاتٍ ’معتمدة‘ لتقدماتِ الهيكل، فأوقفهم يسوع وطردهم من المكان.

وكان أحد أسباب ما فعله يسوع أنهم كانوا يفرضون أسعارًا مبالغًا فيها وظالمة. ووفقًا لويليم باركلي، كانت الأسعار في الهيكل أعلى أحيانًا عشرين ضِعفًا مما كانت عليه خارجه. وهذا أسوأ من أسعار المطاعم في مطارات اليوم أو المنتزهات الترفيهية!

ومع ذلك، لم يكن غضبُ يسوع موجَّهًا ضد الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ فقط، بل ضد الذين كانوا يَشْتَرُونَ فِيهِ أيضًا. ومع أن اللوم الأكبر يقع على البائعين، فإن المشترين أيضًا شاركوا في هذا الفساد الذي حوَّل هيكل الله سُوقًا للمُساومة والتجارة غير النزيهة.

ومع أن يسوع فعل أمرًا مشابهًا في بداية خدمته (يوحنا ١٣:٢-٢٢)، قبل ثلاث سنوات، فإنهم لم يتعلموا الدرس، وسرعان ما عاد الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل إلى أعمالهم بعد أيام قليلة.

لكن ما فعله يسوع لم يذهب سُدىً. إذ بيَّن لكل إسرائيل أن بَيْتَ الله هو بَيْتُ صَلَاةٍ. فقد كان التجار والصرافون يعملون في الدار الخارجية، وهي المكان الوحيد الذي سُمِحَ للأمم أن يأتوا ويُصَلُّوا فيه. وبهذا تحوَّل المكانُ المخصصُ للصلاة إلى سوق، لا بل إلى سوقٍ فاسد،  مَغَارَةَ لُصُوصٍ!

يذكر إنجيل مرقس صيغةً أشمل لكلام يسوع: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتُ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ» (مرقس ١٧:١١). وكان الهدف أن يكون الهيكلُ موضعَ صلاةٍ لجميع الأُمم. لكن ما كان يجري في الساحات الخارجية من بيعٍ وشراء جعل من المستحيل على أيِّ أُمَمِيٍّ يَطلُبُ الله أن يأتي يُصلِّي.

هذا ما نتعلّمه عمليًا مما فعله يسوع في الهيكل: حين نأتي للعبادة، لنقدّم ذبيحة تسبيح لله، ونستمع إلى كلمته، ونستمتع بالشركة مع شعبه، فلننتبه ألا نضع أبدًا عائقًا غير ضروري في طريق الذين يطلبون الله. ولنسألْ يسوع أن يُزيل كلَّ ما يمنع أماكن عبادتنا من أن تكون بيوتَ صلاةٍ لكلِّ من يطلبه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الصلاة كلَّ حينٍ بلا ملل

وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلَا يُمَلَّ. (لوقا ١:١٨)

في لوقا ١٨، قدَّم يسوع مثلًا عن أرملةٍ جاءت إلى قاضٍ ظالم تطلب إنصافها في قضية. ورغم أن القاضي لَا يَخَافُ الله وَلَا يَهَابُ إِنْسَانًا، إلا أنه أنصفها في النهاية بسبب إلحاحها. وفي الآية ٧، قدَّم يسوع التطبيق العملي لهذا المثل بقوله: أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟

الصلاة كلَّ حينٍ بلا ملل

من السهل أن نفتُر في الصلاة لأنها تتطلب جهدًا ومواظبة دائمة. ولم يكن هذا خافيًا على بولس، لذلك مدح رجلًا كان مُجَاهِدًا كُلَّ حِينٍ بِالصَّلَوَاتِ (كولوسي ١٢:٤). كما نفتُر في الصلاة لأن إبليس يكره الصلاة ويقاومها، فلو كانت بلا قوة، لكانت ممارستها أسهل بكثير. ونفتُر أيضًا لأننا لا نثق دائمًا بحقيقة قوتها، فتصبح الصلاة في نظرنا حلًّا أخيرًا لا ملجأً أولًا. ورغم كل ذلك، يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ.

في هذا المثل، لم يستجب القاضي للمرأة إلا بسبب إلحاحها المتواصل. ويشير التعبير اليوناني هنا إلى أن هذا الإلحاح كان يُرهِقه ويُضايقه، فاستجاب في النهاية. لهذا المثل طرح غير مألوف: فالله بالطبع ليس كالقاضي الظالم، لكن إن كان القاضي الظالم يستجيب للإلحاح، فكم بالحري يستجيب إله بار؟

كان على المرأة أن تتغلب على تردد القاضي في مساعدتها. وكثيرًا ما نشعر نحن أيضًا بأن علينا أن نتغلب على تردّد الله بإلحاحنا في الصلاة، لكن هذا لا يعكس قصد المثل. فلم يقل يسوع إننا ينبغي أن نُصَلِّي كُلَّ حِينٍ وَلَا نَمَلَّ لأن الله متردّد، بل على العكس تمامًا، لأنه ليس كذلك. وما يبدو لنا أحيانًا تباطؤًا في ردّ الله، ليس هدفه تغيير الله، بل تغييرنا نحن. فالمواظبة على الصلاة يغير حياتنا ويبنينا روحيًا كي نصير مشابهين لصورة ابنه.

قد يستغرق تحقيق بعض وعود الله وقتًا طويلًا، فهل نستمر في الثقة به؟ كان جورج مولر رجلَ إيمانٍ مميزًا، وقد أدار دورًا للأيتام في إنجلترا. وفي عظة ألقاها وهو في الخامسة والسبعين من عمره، ذكر أنه على مدى أربعةٍ وخمسين عامًا من حياته كمؤمن، اختبر استجابة فورية لصلواته قرابة ثلاثين ألف مرة. ومع ذلك، لم تُستجَب جميع صلواته بهذه السرعة.

تكلم جورج مولر عن صلاةٍ واحدة رفعها إلى الله نحو عشرين ألف مرة على مدى أحد عشر عامًا ونصف، ومع ذلك ظلّ واثقًا بأن الله سيستجيب. وقال: “أنا أترجّى الله، وأواظب على الصلاة، وأترقّب الاستجابة. فاثبتوا، أيها الأحباء، في انتظار الرب، وداوموا على الصلاة.”

هذه رسالة الله لك اليوم: صَلِّ بلا انقطاع، فهذه هي مشيئة الله لك.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الْعَثَرَات

وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ! (لوقا ١:١٧)

في نهاية الإصحاح السابق، روى يسوع قصة لعازر والغنيّ. وهي قصة تؤكد أن الحياة الأبدية حقيقة، وأنه لن يعود أحد من العالم الآخر ليُعيننا. ولهذا، علينا أن ندرك أهمية أن نعامل الآخرين بإحسان. فقد عامل الغنيّ لعازر بقسوة (لوقا ١٩:١٦-٢٢)، وعانى من عواقب ذلك إلى الأبد.

الْعَثَرَات

وفي ضوء ذلك، تحدّث يسوع إلى تلاميذه عن العَثْرَات. ومن سياق حديثه يتضح لنا أنه كان يقصد عَثْرَات حقيقية، أي إساءة فعلية يتسبّب بها الناس بعضهم لبعض، لا تلك الإساءات السطحية التي يتضايق منها البعض في أيامنا.

تأتي كلمة ’الْعَثَرَات‘ المستخدمة هنا من كلمة تعني عصا مُقوَّسة، وهي العصا التي تُفعِّل الفخ أو تضع الطُّعم. كما كانت تُستخدم أيضًا بمعنى حَجَر عَثْرَة، أي شيء يتعثّر به الناس.

تُستخدم كلمة الْعَثَرَات في الكتاب المقدس أحيانًا للإشارة إلى شيء جيّد في ذاته، لكنه يُفهم على نحو خاطئ، كما في ’تعثّر‘ الناس بيسوع وبرسالة الإنجيل (رومية ٣٣:٩، ١ كورنثوس ٢٣:١، غلاطية ١١:٥).

أما بين الإخوة والأخوات في المسيح، فالعَثرَة أمرٌ سيّئ. فقد تأتي العَثرَة من مشورة باطلة (متى ٢٣:١٦) أو بسبب ’حرية‘ تُمارَس دون اعتبار للآخرين (رومية ١٣:١٤). كما يمكن أن تتسبّب التحزّبات والتعاليم الضالّة في عَثْرَة داخل الكنيسة (رومية ١٧:١٦).

وإذ تناول يسوع فكرة الْعَثَرَات بجدّية لا بسطحية، قال: لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَات. فلا مفرّ من أن يُسيء الناس للآخرين، ويؤذوا ويُلحقوا الضرر بهم، فهكذا كان الحال دائمًا. غير أن الأذى الحقيقي الواقع على الآخرين لا يمرّ دون اهتمام من الله، وهو سيُجازي عليه. وعندما قال يسوع: وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ، كان يقصد أن الناس سيتعثّرون لا محالة، لكن الويل لمن يضع حَجَرَ العَثْرَة في طريقهم. وتوضح رسالة يوحنا الأولى ١٠:٢ أن المحبة هي الحل لئلا نكون عَثْرَةً للآخرين: مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. وإن كنا نُحبّ إخوتنا، فلن نجلب لهم عَثْرَات.

هذا درسٌ تعلمته الكنيسة بالطريقة الصعبة عبر القرون، حين ظنّ كثيرون أنهم يقدمون ’مساعدة‘ لله بلعن اليهود بسبب رفضهم للمسيّا. وأرى أن تلك اللعنة عادت على الكنيسة بصورة أقسى مما تخيلوا.

إليك مبدأ لتعيش به: إن بدا أن شخصًا ما مستحقٌ لدينونة الله أو لتأديبه، فاترك الأمر لله. تنحَّ جانبًا. الله لا يحتاجك أداةً لدينونته، بل أداةً لمحبته فقط.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٧

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك