ما بين المادّي والرُوحيّ

اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ، فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟ (لوقا ١٠:١٦-١٢)

ما مدى أهمية أموالنا، ومقتنياتنا، وحياتنا العملية اليومية؟ إنها أهم بكثير مما نعتقد.

قال يسوع إنّ اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وبكلماته هذه تُوضَع الأموال والمقتنيات في مرتبة الْقَلِيلِ. ففي المحصّلة، لا تكمن القيمة في أموالنا وممتلكاتنا ذاتها، بل في كيفية إدارتها واستخدامها.

وقال يسوع إنه إذا لم يكن الإنسان أمينًا في إدارة أمواله ومقتنياته، أي الأمور التي تُعَدّ من الْقَلِيلِ، فلا ينبغي أن يُكلَّف بالتعامل مع الْكَثِيرِ، أي الأمور المهمّة حقًا.

فإذا كان الإنسان غير أمين وزائفًا في حياته اليومية، فلا يهمّ إن كان يتحدث بلغة روحية أو يتخذ مظهر المؤمن. فعدم الأمانة في الحياة اليومية يكشف زيف الحياة الروحية، ولذلك لا ينبغي أن يُؤتَمَن عَلَى الْحَقِّ (الثروات الروحية).

طبّق يسوع هذا المبدأ بطرح السؤال التالي: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ وبهذا المعنى، ينبغي على القادة الروحيين أن يُحسِنوا تدبير أموالهم الخاصة. فإن لم يكن الإنسان أمينًا أمام الله في ما أُعطي له من مال، فكيف يُؤتَمَن على رعاية الآخرين؟

لا يعني هذا قطعًا أن على القادة في الكنيسة أن يكونوا أثرياء أو أن يجنوا أموالًا كثيرة. فالمسألة ليست في مقدار ما يملكونه، بل في كيفية إدارتهم لما أعطاهم الله.

لكن، وللأسف، عندما يتعلق الأمر بالسؤال: فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ نجد أن كثيرًا من المؤمنين يعتمدون في أمورهم الروحية على شخص غير أمين، حتى فِي مَالِ الظُّلْمِ (ثروات هذا العالم).

وواصل يسوع تطبيقه لهذا المبدأ، مُحذِّرًا الذين لَمْ يكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ. ويبدو أنه يشير هنا إلى حقيقة أن جميع أموالنا ومقتنياتنا هي في الأصل ملكٌ لله، وأن علينا أن نُحسِن إدارة ما ائتمننا عليه. وعندما نكون أمناء، ننال البركة (فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟).

قد لا تكون هذه حقيقة سهلة، لكنها واقعية: فحياتنا الروحية تنعكس غالبًا في حياتنا المادية. فإن كنت تتبع يسوع بصدق، فسيظهر ذلك في أمانتك وحرصك على إدارة ما باركك الله به.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

ضَالٌّ وَوُجِدَ

أَوْ أَيَّةُ امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، إِنْ أَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا، أَلَا تُوقِدُ سِرَاجًا وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟ وَإِذَا وَجَدَتْهُ تَدْعُو الصَّدِيقَاتِ وَالْجَارَاتِ قَائِلَةً: افْرَحْنَ مَعِي لِأَنِّي وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ. هَكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ. (لوقا ٨:١٥-١٠)

في لوقا ١٥، روى يسوع ثلاث قصص تحمل الفكرة نفسها، مُبيّنًا فرح السماء عندما يُوجَد  الضَّال: الخروف الضَّال (لوقا 4:8-7)، والدرهم المفقود (لوقا 8:15-10)، والابن الضَّال (لوقا 11:15-32).

في قصة الدرهم المفقود، تكلّم يسوع عن امرأة كان لها عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، فأضاعت واحدًا منها. وقد ربط أحد المفسّرين ذلك بعادة كانت معروفة في تلك الأيام، إذ كان الدرهم جزءًا من سلسلة مصنوعة من الفضة تُلبَس حول الرأس عَلامةً على أن المرأة متزوجة. وكانت هذه الزينة ثمينة للمرأة، مما جعل فقدانها صعبًا.

فقدت المرأة الدرهم، لكنه ظلَّ مِلكُهَا، فبحثت عنهُ لأنهُ حقها. وبهذا المعنى، فإن الإنسان الضَّال هو مِلْكٌ لله، سواء أدرك ذلك أم لم يُدرِكه.

أوّلَ ما فعلته المرأة كان إضاءة البيت، ثم كنسَه وتنظيفَه، باحِثةً بِاجْتِهَادٍ، واستمرت في البحث إلى أن وجدت الدرهم.

هكذا تبحث الكنيسة المُقادة بالروح القدس عن النفوس الضالة. فهي أولًا تُوقِدُ السِّرَاج (نور كلمة الله)، ثم تَكْنُسُ الكنيسة وتُنقّيها، وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ عن الضالين.

عندما عُثر على الدرهم أخيرًا، فرحت المرأة كثيرًا، وطلبت من جاراتها قائلة: افْرَحْنَ مَعِي. وبنفس الطريقة، يفرح الله عندما يتوب الخطاة، على النقيض من القادة الدينيين الذين تذمّروا حين اقترب العشّارون والخطاة من يسوع ليسمعوه (لوقا ١:١٥-٣).

لا نتخيل غالبًا الله كإله يفرح، لكن هذا المقطع يخبرنا أنه يفرح فعلًا، ويكشف عمّا يبعث الفرح في قلبه. وتؤكد مقاطع أخرى هذه الفكرة: وَكَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلهُكِ (إشعياء ٥:٦٢). الرَّبُّ إِلَهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ. يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحًا. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ (صفنيا ١٧:٣).

وفقًا لويليام باركلي، كان كثير من المتديّنين في زمن يسوع ينظرون إلى الأمر على نحوٍ مختلف. بل كان لديهم قول مأثور يقول: ’سيكون هناك فرح في السماء بخاطئ واحدٍ يُمحى من أمام الله.‘ لذلك ينبغي على المؤمنين اليوم أن يحذروا من ترك الانطباع نفسه، ولا سيما في غيرتهم التي تكون مفهومة أحيانًا عند التنديد بالخطايا الشائعة ثقافيًا. غير أن الله، وكلَّ السماء، يفرحون عندما يُوجَد الضالّون، ولذا ينبغي لنا نحن أيضًا أن نفرح.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

عندما تنبّأ زكريا

وَامْتَلأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ قَائِلًا: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ.» (لوقا ٦٧:١-٦٩)

يَسردُ الإصحاحان الأوّلان من إنجيلِ لوقا قصةَ ميلادٍ عجيب، أُعلِن بواسطة ملاكٍ وتأكّد بآياتٍ معجزيةٍ لطفلٍ سيكونُ لهُ دورٌ محوريٌّ في خطة الله للخلاص.

الميلادُ العجيب الذي أقصده هنا ليس ميلادَ يسوع، بل ميلادُ قَرِيبِهِ يوحنا، الذي نُسمّيه غالبًا «يوحنا المعمدان». كان ميلادُ يوحنا معجزةً، وعندما بلغ سنَّ الرشد أدّى دورًا مهمًا: إعلان مجيء المسيّا المنتظر.

ونقرأ هنا ما قاله زَكَرِيَّا بعد ميلاد يوحنا: «وَامْتَلأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ.» كان هذا نهاية صمتٍ إلهيِّ استمرّ نحو أربع مئة عام، إذ نرى في الإصحاح الأول من إنجيل لوقا وحده أن الله تكلّم على لسان جِبرَائِيل المَلاَك، وأَلِيصَابَات، والْعَذرَاء مَريَم، وها هو الآن يتكلّم أيضًا على لسان زَكَرِيَّا. وحين تكلّم الله من جديد، كان كلُّ ما قيل مرتبطًا بشخص يسوع المسيح وبعمله.

ولهذا، استطاع زكريا بحقٍّ أن يقول: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ. فكأن الله كان حاضرًا لإسرائيل، إذ افتقدهم بطريقة لم يختبروها منذ زمنٍ طويل.

كان فِدَاءُ الله لشعبهِ حاضرًا، لأنه أَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ. وفي صياغة العهدِ القديم، كان القَرْنُ رمزًا للقوّة والعِزّة. وبهذه القوّة والعِزّة الكاملتين، سيأتي يسوعُ بالخَلاَصِ لشعبه، ويُتمِّمُ المواعيد إذ يُقيم الله الملك الأعظم من بَيْتِ دَاوُدَ.

رُغم أن زكريا أصبح أبًا لتوّه لطفلٍ معجزيّ، فإنه في نبوّته لم ينشغل بابنه، بل ركّز على يسوع، الذي لم يكن قد وُلِدَ بعد!

– يسوع المسيح هو قَرْنُ خَلاَصٍ لَنَا (لوقا ٦٩:١).

– يسوع المسيح هو الذي يُخلِّصنا مِنْ أَعْدَائِنَا (لوقا ٧١:١).

– يسوع المسيح هو الذي يَصْنَعُ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا (لوقا ٧٢:١).

– يسوع المسيح هو الذي يذْكُرُ عَهْدَهُ الْمُقَدَّس (لوقا ٧٢:١).

– يسوع المسيح يُمكِّننا من أَنْ نَعْبُدُهُ بِلَا خَوْفٍ (لوقا ٧٤:١).

وإذ امْتَلأَ زَكَرِيَّا مِنَ الرُّوح القُدُس، تكلّم عن عملِ المسيح بتفاصيل ربما تجاوزت فهمَه. ونحن اليوم، عندما ننظر إلى الوراء، نرى بوضوح عمقَ ما قاله وحقيقته، أمّا بالنسبة إليه، فكان المسيّا لا يزال في أحشاءِ مريم.

لم يكن زكريا قد عرف يسوع بعد، ومع ذلك سبّحه وعبّر عن محبته الشديدة تجاهه. أمّا نحن، فنعرف عن يسوع أكثر بكثير مما عرفه زكريا، ولذلك ينبغي أن نُمجِّد المُخلِّص أكثر مما فعل أبو يوحنا المعمدان.

وفي هذا الوقت، إذ نعيش موسم عيد الميلاد، يليق بنا أن نُمجِّد يسوع.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

تلاميذ غير مؤهَّلين

وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. (لوقا ٢٧:١٤)

سبق أن قدّم يسوع في لوقا ١٤ مثلًا يبيّن فيه أن الدخول إلى ملكوت الله يشبه قبول دعوة (١٦:١٤-٢٤). وهذا المبدأ صحيح ولا خلاف عليه، لكن ملكوت الله لا يقوم على مجرد تلقي دعوة الله فحسب، بل يتضمن أيضًا كُلفة ينبغي تحمّلها. فهذه الكُلفة لا تجعل الإنسان مستحقًا للدعوة، وإنما تعبّر ببساطة عن تبِعات قبولها.

في هذا السياق، أوضح يسوع بعبارات صريحة معنى التلمذة الحقيقية. فجاء كلامه شاملًا، وابتدأه بلفظ ’مَنْ.‘ وقد وجّه يسوع هذا التعليم إلى الجُمُوع الكَثِيرَة (٢٥:١٤)، مبينًا لهم ما يعنيه أن يكون الإنسان تِلْمِيذًا له، ومؤكدًا أن التلمذة لا تقتصر على قبول دعوة، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.

قال يسوع إن مَنْ يريد أن يكون تلميذًا له لا بد أن «يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي». وكان يسوع هنا يعلّم الجموع ما سبق أن قاله لتلاميذه (لوقا 23:9)، مبينًا أن اتباعه، في جوهره، يشبه حمل الصليب.

ربما أثارت هذه الكلمات الفزع لدى مستمعيه، إذ كان الجميع يدرك تمامًا ما قصده. ففي العالم الروماني، قبل أن يموت الرجل على الصليب، كان عليه أن يحمل صليبه، أو على الأقل العارضة الأفقية منه، إلى مكان الإعدام. ولم يكتفِ الرومان بتعليق المجرم على الصليب، بل كانوا أولًا يعلّقون الصليب عليه.

كان حمل الصليب يعني دائمًا الموت عليه. لم يكن أحد يحمل صليبًا لمجرد التسلية. لذلك لم تكن هناك حاجة لشرح معنى الصليب؛ إذ كان الجميع يعرفون أنه أداة قاسية للتعذيب والموت والإذلال. ومَن حَمَلَ صَلِيبَهُ، كان ذلك نهايةَ الطريق. لقد كانت رحلة في اتجاه واحد.

قال يسوع صَلِيبَهُ، ولم يقل ’الصليب‘ أو ’صليبًا.‘ والمقصود بذلك أن هناك صليبًا خاصًا بكل إنسان، وقد تختلف تجربة شخصٍ ما في حمل الصليب عن تجربة شخصٍ آخر.

ومُحمَّلًا بصليبه، يتبع التلميذ يسوع: يَأْتِي وَرَائِي. فالمسيح يسير في المقدّمة حاملًا صليبه، والتلميذ يسير خلفه.

هذه هي التلمذة في أبسط صورها. فكما حمل يسوع صليبه، يحمل أتباعه صليبهم. وكما أنكر يسوع نفسه، كذلك ينبغي أن يفعل كل من يريد أن يتبعه.

تأمّل كلمات يسوع هذه. فالذي يرفض الصليب لاَ يَقْدِرُ أن يكون له تلميذًا. وقد أكد يسوع أن التلمذة الحقيقية مشروطة بحمل الصليب. ولكننا، رغم ذلك، نميل أحيانًا عند تقديمنا لرسالة الإنجيل إلى التقليل من متطلبات يسوع، فنعطي انطباعًا بأن الإيمان بالمسيح لا يتعدى تصديق بعض الحقائق، بدلًا من التسليم الكامل للحياة.

كلام يسوع آنذاك، كما هو الحال اليوم، جاء في صورةٍ لفظية. وصليبنا ليس قطعة خشب بالمعنى الحرفي، بل هو الطريق الذي يعيّنه الله لنا لإنكار ذواتنا واتباع المسيح. أما الذين يرفضون صليبهم، فهم تلاميذ غير مؤهَّلين.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

صُورَتَانِ لِلتَّوبَةِ

بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ… بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ. (لوقا ٣:١٣، ٥)

بالنسبة للبعض، يبدو هذا النداء المزدوج إلى التوبة أمرًا غير متوقّع أن يصدر عن يسوع. فكيف يكون السيِّد المُحِبّ، الذي لَعِب مع الأطفال وباركهم، وكان يرحّب بالخطاة، هو نفسه من يدعونا إلى التوبة؟

في ذلك اليوم، جاء إليه قومٌ يطرحون سؤالًا ذا بُعدٍ سياسي. إذ كان جنودٌ تحت إمرة بيلاطس البنطي، الوالي الروماني على اليهودية، قد قتلوا عددًا من الجليليين الذين جاؤوا إلى الهيكل ليقدموا ذبائحهم. وكانت جريمةً فادحة، فسعى هؤلاء إلى حمل يسوع على إعلان غضبه على بيلاطس. وفي نظرهم، لم يكن في ذلك ما يُعرّضهم لأي خسارة: فإن وجّه يسوع لومه إلى بيلاطس على جريمته البيّنة، عُدَّ عدوًا لروما، وإن وقف إلى جانب بيلاطس، عُدَّ خائنًا لشعبه. غير أنّ الإنسان كلما ظن أنه يحاصر الله في موقفٍ لا مخرج منه، تظل الغلبة لله دائمًا.

لم تتطرق إجابة يسوع إلى القضية السياسية على الإطلاق، بل جعلها تمسّ حياتهم مباشرة. إذ ذكّرهم بأن الذين عانوا تحت حُكم بيلاطس لم يكونوا أشرَّ من غيرهم. وبدلًا من الانشغال بتكهنات لاهوتية، قال إن علينا أن نجعل من تلك المأساة درسًا يعلمنا ضرورة أن نكون في علاقة صحيحة مع الله. فلم تعد المسألة سياسية، بل شخصية. وقال يسوع، في جوهر كلامه: “مات هؤلاء الجليليون فجأة وبطريقة مأساوية. ولكن ماذا عنكم؟ هل أنتم مستعدون لموتٍ مفاجئ كهذا؟”

ولم يكتفِ يسوع بذلك، بل استشهد بحادثة أخرى صعبة يوضح بها الفكرة نفسها  – انهيار برجٍ أودى بحياة كثيرين. وهكذا استخدم يسوع هاتين الواقعتين، وهما كارثتان كانتا معروفتين في يومه؛ كانت الأولى من صنع الإنسان، بينما بدت الأخرى كارثة طبيعية. وكثيرًا ما نظن أن الذين يُبتَلون بمثل هذه المآسي لا بد أنهم خطاة أسوأ من غيرهم، غير أن يسوع ذكّرنا بأن الأمر ليس كذلك. فعادةً ما نعدّ بعض الناس ’صالحين‘ وآخرين ’سيئين،‘ ونظن أن على الله أن يسمح بالخير للصالحين وبالشر للسيئين، لكن يسوع صحّح هذا التفكير الخاطئ.

لم يركّز يسوع على السؤال: “لماذا حدث هذا؟” بل قال إن علينا أن نفكّر في: “ماذا يعني هذا لي أنا؟” وهذا يعني أنني قد أواجه المصير نفسه، ويعني أننا جميعًا قد نموت في أي لحظة، لذلك يجب أن تكون التوبة من أولوياتنا. ففي كلتا الحالتين، لم يكن الضحايا يظنّون أن موتهم قريب، لكنهم ماتوا بالفعل – ويمكننا أن نفترض أن معظمهم لم يكن مستعدًا.

في قواعد اللغة اليونانية القديمة، أشار يسوع إلى نوعين من التوبة هنا، وكلاهما أساسي. فالتوبة المذكورة في الآية ٥ (إِنْ لَمْ تَتُوبُوا) تأتي بصيغة تدل على توبة تتم مرة واحدة وإلى الأبد. أما الفعل في الآية ٣ (إِنْ لَمْ تَتُوبُوا) فيرد بصيغة تدل على التوبة المستمرة.

نحن بحاجة إلى كلا النوعين من التوبة. فهل تبتَ عن الخطية والذات ’مرةً واحدة وإلى الأبد‘ وتوجّهت إلى يسوع؟ إن كان الأمر كذلك، فانتقل إلى النوع الثاني من التوبة، ووجّه قلبك وفكرك إليه كلَّ يوم.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

حِينَما قالَ يَسوع: ’لا‘

وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ: «يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ». فَقَالَ لَهُ: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟» وَقَالَ لَهُمُ: «انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ». (لوقا ١٣:١٢-١٥)

كان يسوع قد أنهى لتوه تعليمًا عن قيمتنا عند الله (٦:١٢-٧) وعن أهميّة الاعتراف به أمام الناس (٨:١٢-١٢). وفي خضم هذا التعليم، جاء رجلٌ وقاطع يسوع طالبًا منه أن يقف إلى جانبه في نزاع ماليّ، وقال: «يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ».

وبحسب شريعة ذلك الزمان، كان الأخ الأكبر يحصل على ثلثَي الميراث، أمّا الأخ الأصغر فكان نصيبه الثلث. لم يطلب هذا الرجل من يسوع أن يستمع إلى الطرفين ويصدر حكمًا عادلًا؛ بل طلب منه أن ينحاز إليه ضدّ أخيه (قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ).

من الواضح أن كلمات يسوع السابقة عن ضرورة التكريس الكامل، وعن رعاية الله لنا، لم تَنفُذ إلى قلب هذا الرجل. فقد شعر أن عليه أن يُناضِل من أجل حقّه، وأراد من يسوع أن يتبنّى قضيته.

عندها قدم يسوع جوابًا قد يبدو مُفاجئًا لبعض الناس. فدَيّانُ كلِّ العالم (يوحنا ٢٢:٥) قال: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟» لم يرَ يسوع أن من مسؤوليته أن يَحكُم في كل مسألة أو أن يحلَّ كل مشكلة. فبعض الخلافات لم يشأ أن يتدخّل فيها.

لم يكن الأمر أن يسوع غيرُ مُبالٍ بالعدالة؛ لكنّه أدرك تمامًا أن طمع هذا الرجل سيُلحق به ضررًا أكبر بكثير من حرمانه من نصيبه من الميراث. وقد تمرّ بنا أوقاتٌ نناضل فيها بلا توقف من أجل ما نعدّه حقًا لنا؛ لكن في النهاية، عندما نحصل عليه، قد يصبح حالُنا أسوأ ممّا لو تركناه وسمحنا لله أن يتولى الأمر.

استغلّ يسوع طلب هذا الرجل ليتحدث إليه وإلى الجُموع عن خطرِ الطَّمَعِ. وربما لم يكن الدافع الحقيقي لذلك الرجل هو العدالة، بل الطَّمَعُِ. فرجُلانِ يتقاسمان ميراثًا وهما أسيرانِ للطَّمَع لا بُدَّ أن يتخاصما؛ أمّا إذا كانا خاليين من الطَّمَعِ، فسيكون من السهل عليهما أن يحلّا مثل هذه الأمور بسلام.

الطَّمَعِ حماقةٌ، لأن حياة الإنسان لا تقوم على كثرة ما يَملِكُه (فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ). وعندما نعيش ونحن نعتقد أن حياتنا تتكوَّن مما نملك، فنحن نعيش في طَّمَعِ، والطَّمَعَ هُوَ عِبَادَةُ أَوْثَانٍ (كولوسي ٥:٣).

تقدّم لنا هذه الآيات تحذيرين مهمّين. الأول: لا تُخفِ دوافعك الأنانية وراء ادعاء الاهتمام بالعدالة – فهذه ليست العدالة التي يقبلها يسوع. والثاني: تذكّر أن سّر الحياة الوفيرة المليئة بالفرح لا يكمن في جمع الأشياء، بل في يسوع وما يمنحه من بركات أعظم.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ

حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ وَالتَّرَنُّمُ لاسْمِكَ أَيُّهَا الْعَلِيُّ. أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي الْغَدَاةِ، وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ. (مزمور ١:٩٢-٢)

ليس ممتعًا التعامل مع شخص جاحد غيرِ شاكر. فمن غير اللائق أن ينال المرء الكثير ثم يبقى جاحدًا. وعلى روح الشكر أن تزداد في حياتنا لا أن تنقص، فقلّما نرى شخصًا فنقول إنه يُبالغ في الشكر.

يُذكِّرنا مزمور ٩٢ بأن تقديم الشكر (الْحَمْد) لله ليس صوابًا فحسب، بل هو أمرٌ حَسَنٌ أيضًا. لذلك يبدأ المزمور بتصريح بسيط وعميق في آنٍ معًا: حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ. وبصياغة أوضح: إن تقديم الشكر (الْحَمْد) ليهوه، إله العهد وصانع السماوات والأرض، هو حَسَنٌ في ذاته.

وفيما يلي سبعة أسباب تُبين لماذا حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ – وأنا واثقٌ من أنك تستطيع أن تضيف أسبابًا أخرى أيضًا:

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأنّ حَمْدَ (شُكْرَ) خالقنا أمرٌ ملائم. الله خلق كل شيء، بما في ذلك أنت. وجودك ذاته عطية منه؛ ومن الحسن والصواب أن تُقدّم له الشكر.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن حَمْدَ فادينا أمرٌ لائق. أكتُب إليكم أنتم كمؤمنين وتلاميذ للمسيح. فالله بالنسبة إليكم ليس خالقكم فقط، بل مُخَلِّصُكم أيضًا. ففي العهد الجديد افتداكم يسوع وانتشلكم من رمال الخطية والأنانية. وهذا سببٌ عظيم لحمده.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لأن حَمْدَ من يباركنا وينقذنا أمرٌ صواب. لن أتجاهل تجارب الحياة وصعوباتها، لأن المسيح نفسه قال: فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ (يوحنا ٣٣:١٦). ومع ذلك، فالله يفيض علينا ببركات تفوق أتعابنا، ويمنح الخلاص لكل من يثق به.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن الإله الصالح يبقى صالحًا دائمًا. وكما قال البشير متّى: لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ (متى ١٧:١٩). حتى أفضل الناس يكونون صالحين في أغلب الأحيان، لا دائمًا؛ أمّا الله فصالحٌ في كل وقت، وبشكل مطلق، وهذا وحده سببٌ كافٍ يدعونا إلى أن نشكره.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن الشكر يعود بالنفع علينا. فشعورك بالشكر تجاه الله خيرٌ لك. حتى لو كان بدافع أناني، يبقى الشكر نافعًا لنفوسنا.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُّ، لأننا بذلك نقدم للناس مثالًا حيًا. فلا تشتكِ من ناكري الجميل من حولك، بل كن أنت نموذج الامتنان الحقيقي، ودع الآخرين يرون فيك روح الشكر.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن الموقف الداخلي وحده لا يكفي. فلا تكتفِ بمجرد إحساس داخليّ بالشكر، بل عبّر عن امتنانك عمليًا، وافعل ذلك كثيرًا (فِي الْغَدَاةِ… كُلَّ لَيْلَةٍ).

هذه فُرصتُك لتُشارك في أمرٍ حَسَنِ!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لمزمور ٩٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

دَقّ بابَ السَّماء

وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. (لوقا ٩:١١-١٠)

في هذا التعليم عن الصلاة، دعا يسوع تلاميذه أن يقتربوا من الله بإلحاحٍ مُتَزايِد، منتقلين من السُّؤال إلى الطَّلَب ثم إلى القَرْع (الطَّرق أو الدَّقّ). فالسؤال أمرٌ جيّد، لكن الطَّلَب أكثرُ فاعليّةً من مجرّد السُّؤال. والطَّلب أمرٌ حسن، لكن القَرْع على الباب أشدُّ قوةً وإصرارًا من مجرّد الطَّلب. وفي هذا كلّه، دعا يسوع أتباعه إلى أن يصلّوا بإلحاح وشغفٍ وثباتٍ لا يَعتَرِيهِ مَلَل.

وفي هذا الوصف الثلاثيّ للصلاة – السُّؤال والطَّلَب والقَرْع – نرى جوانبَ مختلفةً من الصلاة، وما تحمله الصلاة من ثمر.

– الصلاة تُشبه السُّؤال، لأننا فيها نُعلِمُ طلباتِنا لدى الله، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ. فالأخذُ هو ثَمَرُ السُّؤال.

– الصلاة تُشبه الطَّلَب، لأننا فيها نبحث عن الله وكلمته ومشيئته؛ وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ. فالإيجاد هو ثَمَرُ الطَّلَب.

– الصلاة تُشبه القّرْع على الباب إلى أن يُفْتَحْ، طالبين الدُّخول إلى قصرِ مَلِكنا السّماوي العظيم. فالدخولُ من الباب المفتوح إلى قصره هو ثَمَرُ القَرْع على الباب، وهو أعظمُ الثمار على الإطلاق.

وتُوحي فكرةُ الطَّرْق على الباب أيضًا بأننا نُدرك ضِمنًا أن هناك مقاومة. فلو كان البابُ مفتوحًا أصلًا، لما احتجنا إلى أن نَطرُقَه. ومع ذلك، شجَّعنا يسوع قائلًا: “حين تشعُر أن الباب مُغلَق، وعليك أن تَقرَع، فاقرَع ولا تتوقف، فستنال الجواب.”

غير أنَّ صورة القَرع على الباب تُوحي أيضًا بوجود بابٍ يمكن أن يُفتَح. فالرب لم يطلب منا أن نتسلَّق نافذة، ولا أن نَشُقَّ طريقًا عبر جدار. فنحن نقرع الأبواب، لأنها وُجِدت لتُفتح.

نقف أمام باب الله، وكلُّ ما علينا فعله هو أن نَقرَع. ولو كان الباب مُقفلًا، لاحتجنا إلى أدواتٍ لفتحه، غير أن ذلك ليس ضروريًا؛ فكلُّ المطلوب هو أن نَقرَع. وحتى إن لم نمِلك مهاراتٍ لفتح الأبواب المُغلقة، فبإمكاننا على الأقل أن نَقرَع – فهذا نعرفه جيدًا.

وعدَ الله بأن يُجيب من يلتمسه بإصرار وأمانة بقوله: اسْأَلُوا تُعْطَوْا. فالله يفرح بالإصرار والشغف في الصلاة، لأنهما يكشفان أن قلوبنا منسجمة مع قلبه، ويُظهِران أننا نهتم بما يهتم به هو. فالمواظبة في الصلاة لا تعني أننا نحاول التأثير على إرادة الله أو تغييرها؛ بل هي تُمجده، وتُظهر اعتمادنا عليه، وتُقرب قلبنا من قلبه.

تذكَّر أن استجابة الله لِمَن يَسأل ويَطلُب ويَقرَع ليست دائمًا ’نعم.‘ لكن حتى عندما يكون ردُّه ’لا‘ أو ’انتظر،‘ فإن ذلك يبقى ردًا من إلهٍ مُحِب يسعى لخيرنا، ويمتلك من الحكمة والمعرفة ما يفوق إدراكنا.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

حَصَادٌ كَثِيرٌ وَفَعَلَة قَلِيلُون

فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنِ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ، فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ. اِذْهَبُوا. هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ. (لوقا ١٠: ٢-٣)

كان يسوع يُعِدُّ السبعين ليكرزوا برسالته في منطقة الجليل، واستخدم صورة حقلٍ ناضجٍ للحصاد، إذ قال لهم إنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ. كان يسوع واعيًا لإلحاح خدمته، لأنه رأى الناس كحصادٍ قد نضجَ للجمع. وعندما فكّر في عِظَمِ احتياج الإنسان، رأى في ذلك فرصة يجب اغتنامها.

وباستخدام الصورة التي قدّمها يسوع، نستطيع أن نقول إن الحقل نفسه كان واسعًا، وأن الحصاد كان كبيرًا أيضًا. ولم تكن هذه المرة الأولى التي قال فيها يسوع هذا الكلام؛ فقبل ذلك بوقتٍ ما وفي موضع آخر قال الفكرة نفسها (متى ٩: ٣٧-٣٨). ولعلّ هذه العبارة كانت أشبه بكلمةٍ مأثورة يكررها يسوع تعكس ما كان يلاحظه.

وما زال هذا الأمر صحيحًا إلى اليوم: فالْحَصَادُ كَثِيرٌ حقًا، والْفَعَلَةُ قَلِيلُونَ. وهذا لا يعني الحاجة إلى مزيد من الفعلة فحسب، بل يعني أيضًا أن الفعلة يجب أن يجتهدوا في عملهم. فعندما يكون العمل كثيرًا والعمّال قليلين، ينبغي لكل واحدٍ منهم أن ينشغل بالعمل بجدّ.

هذا حصادٌ يحتاج إلى فَعَلة. فخير الحصاد قد يضيع إن لم يوجد مَن يعمل ليستفيد منه. وقد نبّه يسوع إلى أن الفرص المتاحة لسدِّ احتياج الناس وضمِّهم إلى ملكوته قد تضيع بسبب قلّة الفَعَلة.

وبناءً على هذا كله، طلب منهم يسوع أن يصلوا لرَبِّ الحَصَاد، فالعمل أمامهم عظيم ولا يمكن إنجازه بدون اللجاجة في الصلاة. وقد طلب منهم على وجه التحديد أن يسألوا ربَّ الحَصَادِ أن يُرسِل فَعلة إلى حَصَاده. ويتحدّث هذا الأمر بقوّة عن:

– أهمية الصلاة في عمل الكرازة (فَاطْلُبُوا).

– أن الله هو صاحب الحصاد وصانِعه (رَبِّ الحَصَاد).

– الحاجة إلى العمّال في خدمة الكرازة (فَعَلَة).

– دعوة الله وإرساليته في عمل الحصاد (أَنْ يُرْسِلَ).

– طبيعة المشاركة في الحصاد بوصفها عملًا يتطلّب (فَعَلة).

– ضرورة الاعتراف بمن ينتمي إليه الحصاد (حَصَادِهِ).

وأرسلهم يسوع أيضًا كحُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَاب. ولا يبدو الذهاب كحملانٍ بين ذئاب أمرًا جذّابًا؛ ومع ذلك، فهكذا أُرسِل يسوع، وهكذا ظهرت قوّة الله من خلاله بقوة عظيمة.

ابحث عن الطريقة التي يمكن لله أن يستخدمك من خلالها للمساهمة في حصاده العظيم في عالمنا اليوم. فأنت عاملٌ واحدٌ بين كثيرين، ونصلّي أن يرسل الله المزيد. ومع ذلك، يبقى العمل الذي يكلّفنا به يسوع عملاً مهمًّا، ويجب أن نقوم بنصيبنا فيه.

إنه حصادُه هو – فالمجدُ لله الذي يمنحنا عملًا لنقوم به في حقله!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٠

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

هَل أَسْتَحِي بِـيَسُوع؟

لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ. (لوقا ٢٦:٩)

وجَّه يسوع دعوة غير مألوفة إلى كلِّ من أراد أن يتبعه ويصيرَ تلميذًا له. فقد دعا الناس إلى أن يجدوا الحياة فيه من خلال إنكار ذواتهم وخسارتها (لوقا ٢٤:٩). كما حذَّر من حماقةِ أن يربح الإنسان العالم كُلَّه ويخسر نفسه (لوقا ٢٥:٩). إنَّ الاستعداد للتخلي عن كلِّ شيء من أجل يسوع هو الطريق إلى حياةٍ مثمرة ووافرة فيه.

ثمّ أعلن يسوع هذه الحقيقة العجيبة: لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ. فليس من السهل أن يتخلّى الإنسان عن كل شيء ليتبعَ يسوع، لأن ذلك يعني أن يتّحد بذاك الذي احتُقِرَ وقُتِلَ على صليبٍ قاسٍ. ولكن إن استحينا به، فسيستحي هو بنا أيضًا.

وُجدت على أحد جدران روما القديمة (حوالي سنة 200 ميلادية) رسمةٌ محفورةٌ تُصوِّر رجلًا يسجد أمام مصلوبٍ رُسِمَ برأس حمار. وإلى جانبها عبارة تقول: “ألكسامِينوس يعبُد إلهه” – في سخريةٍ واضحةٍ من أحد المؤمنين بالمسيح.

تعرَّضَ المسيحي القديم ألكساميِنوس للازدراء، واضطر أن يواجه سؤالًا مصيريًا: هل أستحي بيسوع أم لا؟ ونحن أيضًا نواجه السؤال نفسه اليوم، وإن بصورٍ مختلفة.

لم يكن غريبًا أن يَسْتَحِي بعضُ الناس من إيمانهم بيسوع أثناء خدمته على الأرض، ولكن العجيب حقًا أن يَستَحِي به أحدٌ في أيامنا هذه! فنحن نراه اليوم مُعلنًا في كمالِ محبّته الباذلة، وفي مجد قيامته الظافرة، وفي صعوده إلى السماء وتمجيده فيها، وهو ما يزال يُحب شعبه ويشفع فيهم من هناك.

فمن ذا الذي يمكن أن يَسْتَحِي بكلِّ هذا؟

ومع ذلك، ما زال هناك من يَستَحِي بيسوع. فالذي يَستَحِي، في العادة، يملك شيئًا من الإيمان، إذ لا يمكن لإنسانٍ أن يَستَحِي من أمرٍ لا يؤمن به. إنه يؤمن، لكنه لم يضع ثقته الكاملة في هذا الإيمان. فمعنى أن تَستَحِي من شخصٍ ما هو أنك لا تريد تُرى معه في العلن، وكثيرون يخشون أن يُعرَفوا علنًا بأنهم تلاميذ ليسوع، فلا يرغبون في الحديث عنه، ويتجنّبون ذِكرَه كلما أمكن ذلك.

يَستَحِي البعض بسبب الخوف، وآخرون تحت ضغط المجتمع، وغيرُهم بدافع الكبرياء الفكري أو الثقافي. لكن إن فكرنا في الأمر بموضوعية، فإن هذا يُعد ظاهرة غريبة حقًا.

إنها دعوة إلى ولاءٍ عميق ليسوع. فقد أراد المسيح أن يعرف إن كنّا سنستحي به أو بكلامه. ولو لم يكن يسوع هو الله، لكانت هذه دعوةً إلى عبادة الأوثان؛ أمّا كونه اللهَ نفسَه، فيجعلها دعوةً إلى السجود والعبادة.

يا صديقي المؤمن، هل تَسْتَحِي بيسوع المسيح؟ إن كنتَ تشعرُ بذلك، فارجع إلى مُخلِّصك بتوبةٍ صادقةٍ لتتحرّر من هذا الخجل غير المبَّرر تجاهه. وبمعونته، وبقوّته، عِشْ إيمانك بجرأة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك