دافِعُ الشرِّيرِ يَهُوذَا

فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الاثْنَيْ عَشَرَ. فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ. فَفَرِحُوا وَعَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. (لوقا ٣:٢٢-٥).

تحتوي معظمُ القصصِ المعروفةِ على شريرٍ بارز، غَير أن التاريخَ نفسهُ لا يكادُ يعرفُ شريرًا أسوأُ مِن يهوذا الإسخريوطي. فهذا الرجل، الذي أحبهُ يسوع وضمَّهُ إلى دائرةِ تلاميذهِ المُقرّبينَ، كان خائنًا مخادعًا حينَ خانَ شخصًا لم يُؤذِهِ يومًا.

دافِعُ الشرِّيرِ يَهُوذَا

كان واضحًا أنَّ وراءَ هذا الشرير شريرًا آخر، كما يُخبرنا لوقا: فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا. وهذا يعني أن الشيطانَ حرّض يهوذا وربما قَادَهُ فيما فعل. ومع ذلك، لا يُنقِصُ هذا من مسؤوليتهِ الشخصية، لأن ما حدث لم يكن ضِدَّ إرادتهِ، بل بإرادتهِ. فعدوُّ يسوعَ الحقيقيُّ هو الشيطانُ، لا يهُوذا نَفسُهُ.

وقد تساءلَ كثيرونَ عن دوافَع يهُوذا. فقالَ بعضُهم إنَّ دافِعَهُ ربما كان نبيلًا، بأنهُ أرادَ أن يدفعَ يسوعَ إلى إعلانِ هويَّتِهِ الحقيقيةِ بوصفهِ المسيَّا المُنتظر. ولكنَّ الكتابَ المقدسَ لا يَدعَمُ نِيَّةً تبدو نبيلةً كَهذِهِ.

كانَ يُلَقَّبُ يَهُوذَا بالإِسْخَرْيُوطِيَّ. ويحتملُ أنَّ هذا اللقب يشيرُ إلى أنهُ كان من قريةِ قَرْيُوتَ في جنوبِ اليَهُوديَّة، مما يجعلُهُ التلميذَ الوحيدَ من تلك المنطقة، بينما كان سائرُ التلاميذِ من الجليل. وتساءل بعضهم إن كان يهُوذا قد سَئِمَ قيادةَ صيّادي السمكِ من الجليل، ولم يَعُدْ يَحتَمِلُها. ويرى آخرون أن اسمَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ مرتبطٌ بكلمةِ (sicarius)، أي ’القاتل،‘ في إشارةٍ إلى الغيورينَ اليهود الذين شنوا حربًا سريةً ضِدَّ المُحتلين الرُّومان.

ربما تَبِعَ يهُوذا يسوعَ بدوافِعَ أنانيةٍ، طامعًا في منزلةٍ رفيعة ومكانةٍ مرموقة عندما يدخلُ يسوعُ أورشليم دخولَ المنتصر بوصفه المسيَّا. ولكن حين تَبينَ ليهُوذا أن يسوعَ ليسَ المسيَّا الذي كان يرجُوهُ، انقلبت خيبتُهُ إلى غَيظٍ، وفتح بذلك بابًا للشيطانِ في قلبهِ. لم يَمنَح يسوعُ يهُوذا ما كانَ يبتغيهِ قلبُهُ الأناني، فشعرَ أنَّ علاقتهُ بيسوعَ قد انكسرت. ولعلهُ قالَ في نفسِهِ: ’أنتَ خذلتني إذ لم تكن المسيَّا الذي أردتُهُ، لذلك سأخُونُكَ.‘

وفي النهاية، كان دافِعُ يهُوذا الحقيقيُّ بسيطًا، فقد فعل ذلك لأن القادة الدينيين عَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. يُخبِرُنا متَّى ١٤:٢٦-١٦ أن يهُوذا سأَلهُم: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» ويُظهِرُ هذا أنَّ يهُوذا هو الذي ذهب إليهم وطلبَ ثمنًا. وببساطةٍ، كان دافِعُهُ الطمعُ.

كانَ اللهُ سيستخدمُ أعمالَ يهُوذا الشريرة لتمضي خُطتُهُ الأبديةُ قُدُمًا. فقد كان هذا هو الوقت المُعيَّن لذهابِ يسوعَ إلى الصليب، وتحقق ذلك رغم تردد القادة الدينيين في البداية.

وهكذا، كانت مقاليدُ الأمورِ بيدِ اللهِ، وفي الوقتِ نفسِهِ، بَقِيَ يهُوذا مسؤولًا بالكاملِ عن خيانتهِ وآثامهِ. وهكذا يجري الأمرُ دائمًا في العلاقة بين سيادةِ اللهِ ومسؤوليةِ الإنسانِ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

فَلْسَيْنِ الأَرْمَلَة

وَتَطَلَّعَ فَرَأَى الأَغْنِيَاءَ يُلْقُونَ قَرَابِينَهُمْ فِي الْخِزَانَةِ، رَأَى أَيْضًا أَرْمَلَةً مِسْكِينَةً أَلْقَتْ هُنَاكَ فَلْسَيْنِ. فَقَالَ: «بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ، لأَنَّ هؤُلاَءِ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا فِي قَرَابِينِ اللهِ، وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا، أَلْقَتْ كُلَّ الْمَعِيشَةِ الَّتِي لَهَا». (لوقا ١:٢١-٤).

في الهيكل، لاحظَ يسوعُ الأغنياء يُلْقُونَ مبالغَ كبيرةً في الخِزَانَة، ربما في محاولةٍ للفتِ الانتباهِ إلى قَرَابِينِهِم. ثم رَأَى أَيْضًا أَرْمَلَةً مِسْكِينَةً أَلْقَتْ هُنَاكَ فَلْسَيْنِ. ولا بُدَّ أن رؤية هذه الأرملة، التي كان فقرُها واضحًا من ملابسها ومظهرها، كانت مُنعِشةً ليسوع المُتعَب، الذي قد احتمل لتوِّه عاصفةً من الأسئلة من أعدائه (لوقا ٢٠).

فَلْسَيْنِ الأَرْمَلَة

قدَّمَ الأغنياءُ قرابينَ كبيرةً، أما الأرملة الفقيرة فلم تُلقِ في التقدمة إلا فَلْسَيْنِ. الكلمة اليونانية القديمة التي نترجمها فَلْس (lepton) تعني حرفيًا ’شيئًا صغيرًا جدًا.‘ وعند حساب الأمرِ بدقة، فإن فَلْسَيْنِ لا يساويانِ سوى نسبة 1% من دينارٍ واحدٍ، أي نسبةِ 1% من أُجرةٍ يومٍ واحدٍ.

ومع ذلك، فقد قدمت فَلْسَيْنِ، لا فَلْسًا واحدًا فقط. كان بإمكانِ الأرملة أن تحتفظ بفَلْسٍ واحدٍ لنفسها، ولم يكن أحدٌ ليلومها لو فعلت ذلك. فتقديم فلسٍ واحدٍ كان يعني تقديمَ نصفِ ما تملكُهُ من مالٍ. ولكنها، عوضًا عن ذلك، أعطت بسخاءٍ مُذهلٍ، ولاحظ يسوعُ ذلك فقال: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ، قاصدًا بذلك جميعَ الأغنياء الذين تقدَّموها. لم يقُل يسوعُ إنها قدمت أكثر مما قدمه أيُّ واحدٍ منهم، بل قال إنها قدمت أَكْثَرَ مما قدموه جميعهم مجتمعين. فالكل أعطى مِنْ فَضْلَتِهِمْ، وأما هي فَمِنْ إِعْوَازِهَا.

يُعلَّمُنا يسوعُ هنا أنَّ الله يهتمُّ بروح العطاء أكثرَ من كميته. فهو لا يريد مالًا يُعطى بتذمُر أو بدافع الشعورِ بالذنب. لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ.

ويُظهرُ عطاءُ الأرملة، وتعليقُ يسوع عليه، أن قيمة العطاء تُقاسُ بما يبذُلُهُ المُعطي. وهذا ما جعل عطاء الأرملة ذا قيمة عظيمة. فقد رفض داود أن يقدم لله تقدماتٍ لم تُكَلِّفُهُ شيئًا (٢ صموئيل ٢٤:٢٤).

ويُعلِّمُنا يسوعُ هنا أيضًا أن الله لا يحتاجُ إلى أموالنا. فلو كان محتاجًا إليها، لكانت القيمةُ في كميةِ العطاءِ لا في قلبِ المُعطي. لكن العطاءَ لله هو امتيازٌ لنا، نُعطي لأن فيه خيرَنا، لا لأن اللهَ ينتفعُ به.

لقد تحدَّت الأرملة طريقةَ التفكير التي تقول: ’سأعطي عندما أملك المزيد.‘ فمع أنها لم تكن تملك شيئًا يُذكر، إلا أنها كانت معطية. وهذا يعني أن كلَّ واحدٍ منا يستطيع أن يُرضي الله بعطائه، تمامًا كما يفعل أغنى الناس. فكل عطاءٍ نُقدِّمه لله من إعوازنا، يراه الله ويُسرُّ به.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٢١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

بَيْتُ الصَّلَاةِ

وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ قَائِلًا لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلَاةِ. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!». (لوقا ٤٥:١٩-٤٦).

وقَبْلَ صَلبِِ يسوع، في يومِ الاثنين، دَخَلَ الْهَيْكَل، لكنَّهُ لم يدخُل مبنى الهيكل الذي يضُم الْقُدْس وَقُدْسَ الأَقْدَاس. فهُنا، كما هو الحالُ في كثيرٍ من رِوايات الإنجيل، يُستخدم لفظُ الْهَيْكَلِ للإشارة إلى مُجْمَع الهيكلِ كُلِّه، بما في ذلك دَارُ الهيكل، ودَارُ النّساء، ودَارُ الأُمم.

بَيْتُ الصَّلَاةِ

في الدارِ الخارجية، المعروفة بدارِ الأُمم، إذ كانت أبعدَ ما سُمِحَ لهم بدخوله، بدأ يسوع يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ. كان هناك تُجَّارٌ يبيعون حيواناتٍ للذبائح ’معتمدة،‘ وصرَّافون يُبادِلون عملاتٍ ’معتمدة‘ لتقدماتِ الهيكل، فأوقفهم يسوع وطردهم من المكان.

وكان أحد أسباب ما فعله يسوع أنهم كانوا يفرضون أسعارًا مبالغًا فيها وظالمة. ووفقًا لويليم باركلي، كانت الأسعار في الهيكل أعلى أحيانًا عشرين ضِعفًا مما كانت عليه خارجه. وهذا أسوأ من أسعار المطاعم في مطارات اليوم أو المنتزهات الترفيهية!

ومع ذلك، لم يكن غضبُ يسوع موجَّهًا ضد الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ فقط، بل ضد الذين كانوا يَشْتَرُونَ فِيهِ أيضًا. ومع أن اللوم الأكبر يقع على البائعين، فإن المشترين أيضًا شاركوا في هذا الفساد الذي حوَّل هيكل الله سُوقًا للمُساومة والتجارة غير النزيهة.

ومع أن يسوع فعل أمرًا مشابهًا في بداية خدمته (يوحنا ١٣:٢-٢٢)، قبل ثلاث سنوات، فإنهم لم يتعلموا الدرس، وسرعان ما عاد الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل إلى أعمالهم بعد أيام قليلة.

لكن ما فعله يسوع لم يذهب سُدىً. إذ بيَّن لكل إسرائيل أن بَيْتَ الله هو بَيْتُ صَلَاةٍ. فقد كان التجار والصرافون يعملون في الدار الخارجية، وهي المكان الوحيد الذي سُمِحَ للأمم أن يأتوا ويُصَلُّوا فيه. وبهذا تحوَّل المكانُ المخصصُ للصلاة إلى سوق، لا بل إلى سوقٍ فاسد،  مَغَارَةَ لُصُوصٍ!

يذكر إنجيل مرقس صيغةً أشمل لكلام يسوع: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتُ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ» (مرقس ١٧:١١). وكان الهدف أن يكون الهيكلُ موضعَ صلاةٍ لجميع الأُمم. لكن ما كان يجري في الساحات الخارجية من بيعٍ وشراء جعل من المستحيل على أيِّ أُمَمِيٍّ يَطلُبُ الله أن يأتي يُصلِّي.

هذا ما نتعلّمه عمليًا مما فعله يسوع في الهيكل: حين نأتي للعبادة، لنقدّم ذبيحة تسبيح لله، ونستمع إلى كلمته، ونستمتع بالشركة مع شعبه، فلننتبه ألا نضع أبدًا عائقًا غير ضروري في طريق الذين يطلبون الله. ولنسألْ يسوع أن يُزيل كلَّ ما يمنع أماكن عبادتنا من أن تكون بيوتَ صلاةٍ لكلِّ من يطلبه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الصلاة كلَّ حينٍ بلا ملل

وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلَا يُمَلَّ. (لوقا ١:١٨)

في لوقا ١٨، قدَّم يسوع مثلًا عن أرملةٍ جاءت إلى قاضٍ ظالم تطلب إنصافها في قضية. ورغم أن القاضي لَا يَخَافُ الله وَلَا يَهَابُ إِنْسَانًا، إلا أنه أنصفها في النهاية بسبب إلحاحها. وفي الآية ٧، قدَّم يسوع التطبيق العملي لهذا المثل بقوله: أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟

الصلاة كلَّ حينٍ بلا ملل

من السهل أن نفتُر في الصلاة لأنها تتطلب جهدًا ومواظبة دائمة. ولم يكن هذا خافيًا على بولس، لذلك مدح رجلًا كان مُجَاهِدًا كُلَّ حِينٍ بِالصَّلَوَاتِ (كولوسي ١٢:٤). كما نفتُر في الصلاة لأن إبليس يكره الصلاة ويقاومها، فلو كانت بلا قوة، لكانت ممارستها أسهل بكثير. ونفتُر أيضًا لأننا لا نثق دائمًا بحقيقة قوتها، فتصبح الصلاة في نظرنا حلًّا أخيرًا لا ملجأً أولًا. ورغم كل ذلك، يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ.

في هذا المثل، لم يستجب القاضي للمرأة إلا بسبب إلحاحها المتواصل. ويشير التعبير اليوناني هنا إلى أن هذا الإلحاح كان يُرهِقه ويُضايقه، فاستجاب في النهاية. لهذا المثل طرح غير مألوف: فالله بالطبع ليس كالقاضي الظالم، لكن إن كان القاضي الظالم يستجيب للإلحاح، فكم بالحري يستجيب إله بار؟

كان على المرأة أن تتغلب على تردد القاضي في مساعدتها. وكثيرًا ما نشعر نحن أيضًا بأن علينا أن نتغلب على تردّد الله بإلحاحنا في الصلاة، لكن هذا لا يعكس قصد المثل. فلم يقل يسوع إننا ينبغي أن نُصَلِّي كُلَّ حِينٍ وَلَا نَمَلَّ لأن الله متردّد، بل على العكس تمامًا، لأنه ليس كذلك. وما يبدو لنا أحيانًا تباطؤًا في ردّ الله، ليس هدفه تغيير الله، بل تغييرنا نحن. فالمواظبة على الصلاة يغير حياتنا ويبنينا روحيًا كي نصير مشابهين لصورة ابنه.

قد يستغرق تحقيق بعض وعود الله وقتًا طويلًا، فهل نستمر في الثقة به؟ كان جورج مولر رجلَ إيمانٍ مميزًا، وقد أدار دورًا للأيتام في إنجلترا. وفي عظة ألقاها وهو في الخامسة والسبعين من عمره، ذكر أنه على مدى أربعةٍ وخمسين عامًا من حياته كمؤمن، اختبر استجابة فورية لصلواته قرابة ثلاثين ألف مرة. ومع ذلك، لم تُستجَب جميع صلواته بهذه السرعة.

تكلم جورج مولر عن صلاةٍ واحدة رفعها إلى الله نحو عشرين ألف مرة على مدى أحد عشر عامًا ونصف، ومع ذلك ظلّ واثقًا بأن الله سيستجيب. وقال: “أنا أترجّى الله، وأواظب على الصلاة، وأترقّب الاستجابة. فاثبتوا، أيها الأحباء، في انتظار الرب، وداوموا على الصلاة.”

هذه رسالة الله لك اليوم: صَلِّ بلا انقطاع، فهذه هي مشيئة الله لك.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الْعَثَرَات

وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ! (لوقا ١:١٧)

في نهاية الإصحاح السابق، روى يسوع قصة لعازر والغنيّ. وهي قصة تؤكد أن الحياة الأبدية حقيقة، وأنه لن يعود أحد من العالم الآخر ليُعيننا. ولهذا، علينا أن ندرك أهمية أن نعامل الآخرين بإحسان. فقد عامل الغنيّ لعازر بقسوة (لوقا ١٩:١٦-٢٢)، وعانى من عواقب ذلك إلى الأبد.

الْعَثَرَات

وفي ضوء ذلك، تحدّث يسوع إلى تلاميذه عن العَثْرَات. ومن سياق حديثه يتضح لنا أنه كان يقصد عَثْرَات حقيقية، أي إساءة فعلية يتسبّب بها الناس بعضهم لبعض، لا تلك الإساءات السطحية التي يتضايق منها البعض في أيامنا.

تأتي كلمة ’الْعَثَرَات‘ المستخدمة هنا من كلمة تعني عصا مُقوَّسة، وهي العصا التي تُفعِّل الفخ أو تضع الطُّعم. كما كانت تُستخدم أيضًا بمعنى حَجَر عَثْرَة، أي شيء يتعثّر به الناس.

تُستخدم كلمة الْعَثَرَات في الكتاب المقدس أحيانًا للإشارة إلى شيء جيّد في ذاته، لكنه يُفهم على نحو خاطئ، كما في ’تعثّر‘ الناس بيسوع وبرسالة الإنجيل (رومية ٣٣:٩، ١ كورنثوس ٢٣:١، غلاطية ١١:٥).

أما بين الإخوة والأخوات في المسيح، فالعَثرَة أمرٌ سيّئ. فقد تأتي العَثرَة من مشورة باطلة (متى ٢٣:١٦) أو بسبب ’حرية‘ تُمارَس دون اعتبار للآخرين (رومية ١٣:١٤). كما يمكن أن تتسبّب التحزّبات والتعاليم الضالّة في عَثْرَة داخل الكنيسة (رومية ١٧:١٦).

وإذ تناول يسوع فكرة الْعَثَرَات بجدّية لا بسطحية، قال: لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَات. فلا مفرّ من أن يُسيء الناس للآخرين، ويؤذوا ويُلحقوا الضرر بهم، فهكذا كان الحال دائمًا. غير أن الأذى الحقيقي الواقع على الآخرين لا يمرّ دون اهتمام من الله، وهو سيُجازي عليه. وعندما قال يسوع: وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ، كان يقصد أن الناس سيتعثّرون لا محالة، لكن الويل لمن يضع حَجَرَ العَثْرَة في طريقهم. وتوضح رسالة يوحنا الأولى ١٠:٢ أن المحبة هي الحل لئلا نكون عَثْرَةً للآخرين: مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. وإن كنا نُحبّ إخوتنا، فلن نجلب لهم عَثْرَات.

هذا درسٌ تعلمته الكنيسة بالطريقة الصعبة عبر القرون، حين ظنّ كثيرون أنهم يقدمون ’مساعدة‘ لله بلعن اليهود بسبب رفضهم للمسيّا. وأرى أن تلك اللعنة عادت على الكنيسة بصورة أقسى مما تخيلوا.

إليك مبدأ لتعيش به: إن بدا أن شخصًا ما مستحقٌ لدينونة الله أو لتأديبه، فاترك الأمر لله. تنحَّ جانبًا. الله لا يحتاجك أداةً لدينونته، بل أداةً لمحبته فقط.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٧

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

ما بين المادّي والرُوحيّ

اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ، فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟ (لوقا ١٠:١٦-١٢)

ما مدى أهمية أموالنا، ومقتنياتنا، وحياتنا العملية اليومية؟ إنها أهم بكثير مما نعتقد.

قال يسوع إنّ اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وبكلماته هذه تُوضَع الأموال والمقتنيات في مرتبة الْقَلِيلِ. ففي المحصّلة، لا تكمن القيمة في أموالنا وممتلكاتنا ذاتها، بل في كيفية إدارتها واستخدامها.

وقال يسوع إنه إذا لم يكن الإنسان أمينًا في إدارة أمواله ومقتنياته، أي الأمور التي تُعَدّ من الْقَلِيلِ، فلا ينبغي أن يُكلَّف بالتعامل مع الْكَثِيرِ، أي الأمور المهمّة حقًا.

فإذا كان الإنسان غير أمين وزائفًا في حياته اليومية، فلا يهمّ إن كان يتحدث بلغة روحية أو يتخذ مظهر المؤمن. فعدم الأمانة في الحياة اليومية يكشف زيف الحياة الروحية، ولذلك لا ينبغي أن يُؤتَمَن عَلَى الْحَقِّ (الثروات الروحية).

طبّق يسوع هذا المبدأ بطرح السؤال التالي: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ وبهذا المعنى، ينبغي على القادة الروحيين أن يُحسِنوا تدبير أموالهم الخاصة. فإن لم يكن الإنسان أمينًا أمام الله في ما أُعطي له من مال، فكيف يُؤتَمَن على رعاية الآخرين؟

لا يعني هذا قطعًا أن على القادة في الكنيسة أن يكونوا أثرياء أو أن يجنوا أموالًا كثيرة. فالمسألة ليست في مقدار ما يملكونه، بل في كيفية إدارتهم لما أعطاهم الله.

لكن، وللأسف، عندما يتعلق الأمر بالسؤال: فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ نجد أن كثيرًا من المؤمنين يعتمدون في أمورهم الروحية على شخص غير أمين، حتى فِي مَالِ الظُّلْمِ (ثروات هذا العالم).

وواصل يسوع تطبيقه لهذا المبدأ، مُحذِّرًا الذين لَمْ يكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ. ويبدو أنه يشير هنا إلى حقيقة أن جميع أموالنا ومقتنياتنا هي في الأصل ملكٌ لله، وأن علينا أن نُحسِن إدارة ما ائتمننا عليه. وعندما نكون أمناء، ننال البركة (فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟).

قد لا تكون هذه حقيقة سهلة، لكنها واقعية: فحياتنا الروحية تنعكس غالبًا في حياتنا المادية. فإن كنت تتبع يسوع بصدق، فسيظهر ذلك في أمانتك وحرصك على إدارة ما باركك الله به.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

ضَالٌّ وَوُجِدَ

أَوْ أَيَّةُ امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، إِنْ أَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا، أَلَا تُوقِدُ سِرَاجًا وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟ وَإِذَا وَجَدَتْهُ تَدْعُو الصَّدِيقَاتِ وَالْجَارَاتِ قَائِلَةً: افْرَحْنَ مَعِي لِأَنِّي وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ. هَكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ. (لوقا ٨:١٥-١٠)

في لوقا ١٥، روى يسوع ثلاث قصص تحمل الفكرة نفسها، مُبيّنًا فرح السماء عندما يُوجَد  الضَّال: الخروف الضَّال (لوقا 4:8-7)، والدرهم المفقود (لوقا 8:15-10)، والابن الضَّال (لوقا 11:15-32).

في قصة الدرهم المفقود، تكلّم يسوع عن امرأة كان لها عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، فأضاعت واحدًا منها. وقد ربط أحد المفسّرين ذلك بعادة كانت معروفة في تلك الأيام، إذ كان الدرهم جزءًا من سلسلة مصنوعة من الفضة تُلبَس حول الرأس عَلامةً على أن المرأة متزوجة. وكانت هذه الزينة ثمينة للمرأة، مما جعل فقدانها صعبًا.

فقدت المرأة الدرهم، لكنه ظلَّ مِلكُهَا، فبحثت عنهُ لأنهُ حقها. وبهذا المعنى، فإن الإنسان الضَّال هو مِلْكٌ لله، سواء أدرك ذلك أم لم يُدرِكه.

أوّلَ ما فعلته المرأة كان إضاءة البيت، ثم كنسَه وتنظيفَه، باحِثةً بِاجْتِهَادٍ، واستمرت في البحث إلى أن وجدت الدرهم.

هكذا تبحث الكنيسة المُقادة بالروح القدس عن النفوس الضالة. فهي أولًا تُوقِدُ السِّرَاج (نور كلمة الله)، ثم تَكْنُسُ الكنيسة وتُنقّيها، وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ عن الضالين.

عندما عُثر على الدرهم أخيرًا، فرحت المرأة كثيرًا، وطلبت من جاراتها قائلة: افْرَحْنَ مَعِي. وبنفس الطريقة، يفرح الله عندما يتوب الخطاة، على النقيض من القادة الدينيين الذين تذمّروا حين اقترب العشّارون والخطاة من يسوع ليسمعوه (لوقا ١:١٥-٣).

لا نتخيل غالبًا الله كإله يفرح، لكن هذا المقطع يخبرنا أنه يفرح فعلًا، ويكشف عمّا يبعث الفرح في قلبه. وتؤكد مقاطع أخرى هذه الفكرة: وَكَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلهُكِ (إشعياء ٥:٦٢). الرَّبُّ إِلَهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ. يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحًا. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ (صفنيا ١٧:٣).

وفقًا لويليام باركلي، كان كثير من المتديّنين في زمن يسوع ينظرون إلى الأمر على نحوٍ مختلف. بل كان لديهم قول مأثور يقول: ’سيكون هناك فرح في السماء بخاطئ واحدٍ يُمحى من أمام الله.‘ لذلك ينبغي على المؤمنين اليوم أن يحذروا من ترك الانطباع نفسه، ولا سيما في غيرتهم التي تكون مفهومة أحيانًا عند التنديد بالخطايا الشائعة ثقافيًا. غير أن الله، وكلَّ السماء، يفرحون عندما يُوجَد الضالّون، ولذا ينبغي لنا نحن أيضًا أن نفرح.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

عندما تنبّأ زكريا

وَامْتَلأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ قَائِلًا: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ.» (لوقا ٦٧:١-٦٩)

يَسردُ الإصحاحان الأوّلان من إنجيلِ لوقا قصةَ ميلادٍ عجيب، أُعلِن بواسطة ملاكٍ وتأكّد بآياتٍ معجزيةٍ لطفلٍ سيكونُ لهُ دورٌ محوريٌّ في خطة الله للخلاص.

الميلادُ العجيب الذي أقصده هنا ليس ميلادَ يسوع، بل ميلادُ قَرِيبِهِ يوحنا، الذي نُسمّيه غالبًا «يوحنا المعمدان». كان ميلادُ يوحنا معجزةً، وعندما بلغ سنَّ الرشد أدّى دورًا مهمًا: إعلان مجيء المسيّا المنتظر.

ونقرأ هنا ما قاله زَكَرِيَّا بعد ميلاد يوحنا: «وَامْتَلأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ.» كان هذا نهاية صمتٍ إلهيِّ استمرّ نحو أربع مئة عام، إذ نرى في الإصحاح الأول من إنجيل لوقا وحده أن الله تكلّم على لسان جِبرَائِيل المَلاَك، وأَلِيصَابَات، والْعَذرَاء مَريَم، وها هو الآن يتكلّم أيضًا على لسان زَكَرِيَّا. وحين تكلّم الله من جديد، كان كلُّ ما قيل مرتبطًا بشخص يسوع المسيح وبعمله.

ولهذا، استطاع زكريا بحقٍّ أن يقول: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ. فكأن الله كان حاضرًا لإسرائيل، إذ افتقدهم بطريقة لم يختبروها منذ زمنٍ طويل.

كان فِدَاءُ الله لشعبهِ حاضرًا، لأنه أَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ. وفي صياغة العهدِ القديم، كان القَرْنُ رمزًا للقوّة والعِزّة. وبهذه القوّة والعِزّة الكاملتين، سيأتي يسوعُ بالخَلاَصِ لشعبه، ويُتمِّمُ المواعيد إذ يُقيم الله الملك الأعظم من بَيْتِ دَاوُدَ.

رُغم أن زكريا أصبح أبًا لتوّه لطفلٍ معجزيّ، فإنه في نبوّته لم ينشغل بابنه، بل ركّز على يسوع، الذي لم يكن قد وُلِدَ بعد!

– يسوع المسيح هو قَرْنُ خَلاَصٍ لَنَا (لوقا ٦٩:١).

– يسوع المسيح هو الذي يُخلِّصنا مِنْ أَعْدَائِنَا (لوقا ٧١:١).

– يسوع المسيح هو الذي يَصْنَعُ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا (لوقا ٧٢:١).

– يسوع المسيح هو الذي يذْكُرُ عَهْدَهُ الْمُقَدَّس (لوقا ٧٢:١).

– يسوع المسيح يُمكِّننا من أَنْ نَعْبُدُهُ بِلَا خَوْفٍ (لوقا ٧٤:١).

وإذ امْتَلأَ زَكَرِيَّا مِنَ الرُّوح القُدُس، تكلّم عن عملِ المسيح بتفاصيل ربما تجاوزت فهمَه. ونحن اليوم، عندما ننظر إلى الوراء، نرى بوضوح عمقَ ما قاله وحقيقته، أمّا بالنسبة إليه، فكان المسيّا لا يزال في أحشاءِ مريم.

لم يكن زكريا قد عرف يسوع بعد، ومع ذلك سبّحه وعبّر عن محبته الشديدة تجاهه. أمّا نحن، فنعرف عن يسوع أكثر بكثير مما عرفه زكريا، ولذلك ينبغي أن نُمجِّد المُخلِّص أكثر مما فعل أبو يوحنا المعمدان.

وفي هذا الوقت، إذ نعيش موسم عيد الميلاد، يليق بنا أن نُمجِّد يسوع.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

تلاميذ غير مؤهَّلين

وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. (لوقا ٢٧:١٤)

سبق أن قدّم يسوع في لوقا ١٤ مثلًا يبيّن فيه أن الدخول إلى ملكوت الله يشبه قبول دعوة (١٦:١٤-٢٤). وهذا المبدأ صحيح ولا خلاف عليه، لكن ملكوت الله لا يقوم على مجرد تلقي دعوة الله فحسب، بل يتضمن أيضًا كُلفة ينبغي تحمّلها. فهذه الكُلفة لا تجعل الإنسان مستحقًا للدعوة، وإنما تعبّر ببساطة عن تبِعات قبولها.

في هذا السياق، أوضح يسوع بعبارات صريحة معنى التلمذة الحقيقية. فجاء كلامه شاملًا، وابتدأه بلفظ ’مَنْ.‘ وقد وجّه يسوع هذا التعليم إلى الجُمُوع الكَثِيرَة (٢٥:١٤)، مبينًا لهم ما يعنيه أن يكون الإنسان تِلْمِيذًا له، ومؤكدًا أن التلمذة لا تقتصر على قبول دعوة، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.

قال يسوع إن مَنْ يريد أن يكون تلميذًا له لا بد أن «يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي». وكان يسوع هنا يعلّم الجموع ما سبق أن قاله لتلاميذه (لوقا 23:9)، مبينًا أن اتباعه، في جوهره، يشبه حمل الصليب.

ربما أثارت هذه الكلمات الفزع لدى مستمعيه، إذ كان الجميع يدرك تمامًا ما قصده. ففي العالم الروماني، قبل أن يموت الرجل على الصليب، كان عليه أن يحمل صليبه، أو على الأقل العارضة الأفقية منه، إلى مكان الإعدام. ولم يكتفِ الرومان بتعليق المجرم على الصليب، بل كانوا أولًا يعلّقون الصليب عليه.

كان حمل الصليب يعني دائمًا الموت عليه. لم يكن أحد يحمل صليبًا لمجرد التسلية. لذلك لم تكن هناك حاجة لشرح معنى الصليب؛ إذ كان الجميع يعرفون أنه أداة قاسية للتعذيب والموت والإذلال. ومَن حَمَلَ صَلِيبَهُ، كان ذلك نهايةَ الطريق. لقد كانت رحلة في اتجاه واحد.

قال يسوع صَلِيبَهُ، ولم يقل ’الصليب‘ أو ’صليبًا.‘ والمقصود بذلك أن هناك صليبًا خاصًا بكل إنسان، وقد تختلف تجربة شخصٍ ما في حمل الصليب عن تجربة شخصٍ آخر.

ومُحمَّلًا بصليبه، يتبع التلميذ يسوع: يَأْتِي وَرَائِي. فالمسيح يسير في المقدّمة حاملًا صليبه، والتلميذ يسير خلفه.

هذه هي التلمذة في أبسط صورها. فكما حمل يسوع صليبه، يحمل أتباعه صليبهم. وكما أنكر يسوع نفسه، كذلك ينبغي أن يفعل كل من يريد أن يتبعه.

تأمّل كلمات يسوع هذه. فالذي يرفض الصليب لاَ يَقْدِرُ أن يكون له تلميذًا. وقد أكد يسوع أن التلمذة الحقيقية مشروطة بحمل الصليب. ولكننا، رغم ذلك، نميل أحيانًا عند تقديمنا لرسالة الإنجيل إلى التقليل من متطلبات يسوع، فنعطي انطباعًا بأن الإيمان بالمسيح لا يتعدى تصديق بعض الحقائق، بدلًا من التسليم الكامل للحياة.

كلام يسوع آنذاك، كما هو الحال اليوم، جاء في صورةٍ لفظية. وصليبنا ليس قطعة خشب بالمعنى الحرفي، بل هو الطريق الذي يعيّنه الله لنا لإنكار ذواتنا واتباع المسيح. أما الذين يرفضون صليبهم، فهم تلاميذ غير مؤهَّلين.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

صُورَتَانِ لِلتَّوبَةِ

بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ… بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ. (لوقا ٣:١٣، ٥)

بالنسبة للبعض، يبدو هذا النداء المزدوج إلى التوبة أمرًا غير متوقّع أن يصدر عن يسوع. فكيف يكون السيِّد المُحِبّ، الذي لَعِب مع الأطفال وباركهم، وكان يرحّب بالخطاة، هو نفسه من يدعونا إلى التوبة؟

في ذلك اليوم، جاء إليه قومٌ يطرحون سؤالًا ذا بُعدٍ سياسي. إذ كان جنودٌ تحت إمرة بيلاطس البنطي، الوالي الروماني على اليهودية، قد قتلوا عددًا من الجليليين الذين جاؤوا إلى الهيكل ليقدموا ذبائحهم. وكانت جريمةً فادحة، فسعى هؤلاء إلى حمل يسوع على إعلان غضبه على بيلاطس. وفي نظرهم، لم يكن في ذلك ما يُعرّضهم لأي خسارة: فإن وجّه يسوع لومه إلى بيلاطس على جريمته البيّنة، عُدَّ عدوًا لروما، وإن وقف إلى جانب بيلاطس، عُدَّ خائنًا لشعبه. غير أنّ الإنسان كلما ظن أنه يحاصر الله في موقفٍ لا مخرج منه، تظل الغلبة لله دائمًا.

لم تتطرق إجابة يسوع إلى القضية السياسية على الإطلاق، بل جعلها تمسّ حياتهم مباشرة. إذ ذكّرهم بأن الذين عانوا تحت حُكم بيلاطس لم يكونوا أشرَّ من غيرهم. وبدلًا من الانشغال بتكهنات لاهوتية، قال إن علينا أن نجعل من تلك المأساة درسًا يعلمنا ضرورة أن نكون في علاقة صحيحة مع الله. فلم تعد المسألة سياسية، بل شخصية. وقال يسوع، في جوهر كلامه: “مات هؤلاء الجليليون فجأة وبطريقة مأساوية. ولكن ماذا عنكم؟ هل أنتم مستعدون لموتٍ مفاجئ كهذا؟”

ولم يكتفِ يسوع بذلك، بل استشهد بحادثة أخرى صعبة يوضح بها الفكرة نفسها  – انهيار برجٍ أودى بحياة كثيرين. وهكذا استخدم يسوع هاتين الواقعتين، وهما كارثتان كانتا معروفتين في يومه؛ كانت الأولى من صنع الإنسان، بينما بدت الأخرى كارثة طبيعية. وكثيرًا ما نظن أن الذين يُبتَلون بمثل هذه المآسي لا بد أنهم خطاة أسوأ من غيرهم، غير أن يسوع ذكّرنا بأن الأمر ليس كذلك. فعادةً ما نعدّ بعض الناس ’صالحين‘ وآخرين ’سيئين،‘ ونظن أن على الله أن يسمح بالخير للصالحين وبالشر للسيئين، لكن يسوع صحّح هذا التفكير الخاطئ.

لم يركّز يسوع على السؤال: “لماذا حدث هذا؟” بل قال إن علينا أن نفكّر في: “ماذا يعني هذا لي أنا؟” وهذا يعني أنني قد أواجه المصير نفسه، ويعني أننا جميعًا قد نموت في أي لحظة، لذلك يجب أن تكون التوبة من أولوياتنا. ففي كلتا الحالتين، لم يكن الضحايا يظنّون أن موتهم قريب، لكنهم ماتوا بالفعل – ويمكننا أن نفترض أن معظمهم لم يكن مستعدًا.

في قواعد اللغة اليونانية القديمة، أشار يسوع إلى نوعين من التوبة هنا، وكلاهما أساسي. فالتوبة المذكورة في الآية ٥ (إِنْ لَمْ تَتُوبُوا) تأتي بصيغة تدل على توبة تتم مرة واحدة وإلى الأبد. أما الفعل في الآية ٣ (إِنْ لَمْ تَتُوبُوا) فيرد بصيغة تدل على التوبة المستمرة.

نحن بحاجة إلى كلا النوعين من التوبة. فهل تبتَ عن الخطية والذات ’مرةً واحدة وإلى الأبد‘ وتوجّهت إلى يسوع؟ إن كان الأمر كذلك، فانتقل إلى النوع الثاني من التوبة، ووجّه قلبك وفكرك إليه كلَّ يوم.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك