تَلَفٌ كُلِّيّ

وَكَانَ قَوْمٌ مُغْتَاظِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا: «لِمَاذَا كَانَ تَلَفُ الطِّيبِ هذَا؟ لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ». وَكَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا. (مرقس ٤:١٤-٥)

قَبْلَ أيّامٍ قليلةٍ مِن صَلْبِ يسُوع، تَنَاول العشاءَ في بيتِ عَنيَا. وبينما كانُوا يأكُلُون، جَاءَت امْرَأَة ومَعَهَا قَارُورَة مِن طِيب نَارِدِين خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَن، فَكَسَرَت القارُورة وسَكَبَتهُ على رَأْسِ يسُوع.

حين وقع هذا، وُجِد بين الحاضرين قَوْمٌ مُغْتَاظُونَ. ويُخبِرُنا يوحنا ١:١٢-٨ أنَّ يهوذا تحديدًا كان مُغتَاظًا من هذا التبذير. ولكن اغتياظه كان بدافع أنانيّةٍ بحتة لا غير. ويوضّح يوحنا ذلك في ٦:١٢ “قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ.”

قد يكون يهوذا أوّل مَن وجَّه الانتقاد، لكن سرعان ما تبعه الآخرون. فقد أوضح مرقس أنَّهم جميعًا كَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا بشدّة، إذ اعتبروا أن الطِّيبَ المَسكُوب على رَأْسِ يسُوع كان تَلَفًا (إهدارًا/مضيعة). فمن السهل علينا أن ننتقد الذين يُظهرون محبتهم ليسوع أكثر منّا. فالمُتَعَصِّبون، في نظرنا، هم الأكثر إخلاصًا ليسوع منّا. ولعلّ هذا ما جعل الشكَّ يتسلَّل إلى قلب مريم، فتساءلت إن كان ما فعلته صوابًا.

في انتقاده، أشار يهوذا إلى أنَّ قيمة الطِّيب كانت أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ، أي ما يُعادِل أُجرَةَ عامٍ كاملٍ لعاملٍ بسيط. وفي هذه المرحلة من القصة، عليّنا أن نشكر يهوذا على كلامه اللاذع؛ فلولا أنَّه قال ذلك، لَما عَرَفنا قيمةَ الهديّة التي قدّمتها المرأة لِيَسوع. والآن نَعلَم أنَّ تلك القارورة، المملوءة بالطِّيب، كانت تُساوي مَبلغًا كَبيرًا مِن المال!

اعتبر التلاميذ أنَّ سَكْبَ الطِّيبِ الغالي على رأس يسوع كان تَلَفًا (هَدرًا)، لكن يسوع قال لهم: «اتْرُكُوهَا!»، لأنها فَعَلَت شيئًا حَسَنًا (مرقس ٦:١٤). فبمحبَّتها البسيطة وإخلاصها ليسوع، أدركت مريم ما لم يُدركه التلاميذ – أنَّ يسوع كان على وشك أن يموت، وأنها قصدت بهذه الهديّة أن تُعِدَّ جسده لِلتَّكْفِينِ (مرقس ٨:١٤).

في الآيات التالية، قدم يسوع أكبر إطراء لهذه المرأة، قائلًا إنّها «عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا» (مرقس ٨:١٤). فالله لا يتوقّع منّا أن نفعل فوق ما نستطيع؛ ولكن احذر أن تَضَع لنفسك مقياسًا متدنّيًا وتعتقد أنَّ عَدَمَ فِعْلِ أي شَيء هو أقصى ما تستطيع فعله.

انتقد التلاميذ (وخاصةً يهوذا) المرأة، قائلين «لِمَاذَا كَانَ هذَا التَّلَفُ؟»، لكنها في الحقيقة لم تُهدر شيئًا، بل صنعت أفضل ما يمكن للإنسان أن يفعله: قدَّمَته ليسوع. والكلمة عينُها التي تُرجمت «تَلَف» في مرقس ٤:١٤ تُرجمت «هَلاَك» في يوحنا ١٢:١٧، حيث وُصِف يهوذا بأنّه «ابْنُ الْهَلاَكِ».

ما قدَّمَتْه المرأة لم يكن تَلَفًا على الإطلاق – أمّا يهُوذا، النّاقِد المُتعجرِف، فكان هو التَّلَفُ الحقيقي بكل معنى الكلمة.

فلا تُتْلِف حياتك وتُضَيِّعها، بل قدِّمها ليسوع كلَّ يوم.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

مُضطَهَدُونَ مِنْ أَجْلِهِ

فَانْظُرُوا إِلَى نُفُوسِكُمْ. لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَتُجْلَدُونَ فِي مَجَامِعَ، وَتُوقَفُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ، مِنْ أَجْلِي، شَهَادَةً لَهُمْ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلاً بِالإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ. (مرقس ٩:١٣-١٠)

هذا المقطع معروف بين المسيحيّين منذ زمن بعيد باسم ’عِظَة جبل الزيتون،‘ لأن يسوع ألقاه على تلاميذه وهو جالس على جبل الزيتون المطلّ على أورشليم وجبل الهيكل.

كان أحد مقاصد يسوع من ’عِظَة جبل الزيتون‘ أن يُعِدَّ تلاميذه لاحتمال الاضطهاد. فجميع الذين سمعوا هذه الكلمات سيتعرّضون للاضطهاد، ولن يموت ميتةً طبيعيّة إلا واحدٌ منهم.

لذلك قال يسوع لتلاميذه – ولكل من سيصير تلميذًا له – فَانْظُرُوا إِلَى نُفُوسِكُمْ. لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ. وأوصاهم أن يكونوا مستعدّين للاضطهاد الذي سيقوم ضدّهم قبل النهاية. غير أنّ هذا الاضطهاد لم يكن علامةَ النهاية، بل أمرًا ينبغي توقّعه، إذ كان عليهم أن يتوقّعوا اضطهادًا من قِبَل القادة الدينيّين (تُجْلَدُونَ فِي مَجَامِعَ) ومن قِبَل السلطة المدنيّة (وَتُوقَفُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ). وفي مثل هذه الأوقات العصيبة، لا ينبغي للمؤمن أن ييأس، لأنه يتألم من أَجْل يسوع، وليكون ذلك شَهَادَةً لِمُضطهديه.

من السهل على الذين يعيشون في المجتمعات الغربيّة أن يستخفّوا بصعوبة أزمنة الاضطهاد. فمع أنّ قلّةً من المسيحيّين في الغرب يواجهون اضطهادًا، إلّا أنّ كثيرين من المسيحيّين في العالم يواجهون هذه المحن باستمرار.

– إن كنتُ من أسرةٍ يهوديّة متشدّدة، فقد يعدّونني مجدِّفًا ويحسبونني ميتًا لاختياري الإيمان بالمسيح.

– إن كنتُ من أسرةٍ مُسلِمَةٍ متشدّدة، فقد يرفضني أهلي، بلّ وقد أُقتَلُ لاختياري الإيمانَ بالمسيح.

– إن كنتُ من أسرةٍ هندوسيّة في الهند، فقد يرفضونني، بلّ وقد أُقتَلُ لاختياري الإيمانَ بالمسيح.

– في الصين، قد لا يُسمَح لي بممارسة إيماني إلا في كنيسةٍ خاضعة لرقابة الدولة، وربّما تكون كنيستي من بين آلاف الكنائس التي هُدِمت منذ عام 2000.

– في نيجيريا، قد أُقتَل أو أُصاب بعاهةٍ جرّاء التفجيرات والهجمات التي تكثر في فترة عيد الميلاد وعيد الفصح.

من السهل على المؤمنين في الغرب أن يُضفوا على الاضطهاد مسحةً شبه رومانسيّة تكاد تكون خياليّة. وصحيح أنّ الله يصنع المعجزات في شعبه ومن خلالهم في مثل هذه الأوقات، غير أنّها تبقى ظروفًا قاسية ومرهِقةً جدًا للمؤمنين. ولا شكّ أنّ على الذين يقاسون الاضطهاد مباشرةً أن يضعوا ثقتهم بالله ليمنحهم الصبر، وكذلك على الذين يعيشون تحت وطأة التهديد به. فهو  عبءٌ ثقيل، أعظم ممّا يتصوّره معظم الناس.

رغم أنّ أزمنة الاضطهاد صعبة، إلّا أنّ الله يعمل من خلالها. أتذكّر شهادة راعٍ التقيتُه في أربيل، العراق، إذ قال لي إنّ الله كان يعمل بقوّة عظيمة في وسطهم، حتى إنّهم – رغم شدّة الاضطهاد – لم يعودوا يصلّون طالبين أن يُرفَع عنهم، بل صارت صلاتهم أن يصنع الله أمورًا عظيمة من أجل اسمه، وكشهادةً دائمة.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

مُخْطِئُونَ مَرَّتَيْنِ

فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُمْ: «أَلَيْسَ لِهذَا تَضِلُّونَ، إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ؟ لأَنَّهُمْ مَتَى قَامُوا مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ. (مرقس ٢٤:١٢-٢٥)

في يومِ الثلاثاءِ الذي سبق صَلْبَهُ، دخل يسوعُ في جِدالٍ مع السُّلطاتِ الدينيّةِ في جبلِ الهيكلِ بأورشليم. فكان من بينِ المجموعاتِ التي تحدَّت يسوعَ جماعةَ الصَّدُّوقِيِّينَ، فتقدَّموا إليه لِيُجَرِّبوه، ملتمسين أن يوقعوه بفَخّ سؤالٍ مُعقَّدٍ يُظْهِرُ القيامةَ كأمرٍ سخيفٍ وبالتالي باطل.

فأجاب يسوعُ الصَّدُّوقِيِّينَ قائلاً إنَّهُم قد أَخْطَأوا (ضَلُّوا) مَرَّتَيْنِ، إذ لم يَعرِفوا الكُتُبَ، ولم يَعرِفوا قُوَّةَ اللهِ. ولأنهم لم يَعرِفوا كلمةَ اللهِ، ولم يَثِقوا بقُوَّتِهِ، شكّوا في صِدقِ وَعْدِهِ بالحياةِ بعد الموت، أي بالقيامةِ.

اعتقد الصَّدُّوقِيُّون أنّه إنْ وُجِدَت قيامةٌ، فهي مجرد استمرار للحياة نفسها إلى الأبد. وبمبدأ أنَّه مَتَى قَامُوا مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، بيَّن يسوع أن الحياة في الدهر الآتي ستُعاش على أساس مبدأ مختلف تمامًا، وفي بُعدٍ لا يمكننا تصوُّره.

كثيرون يَقَعون في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الصدوقيّين حين يفكّرون في السماء، فيظنّون أنّها ليست سوى نسخة أبهى وأطول من هذه الأرض. فمثلًا، تصوّر بعضُ سُكّان أمريكا الأصليّين أنّ السماء هي أرض صيدٍ رائعة. واعتقد الإسكندنافيّون القُدامى أنّ السماء هي فالهالا (Valhalla)، حيث يقاتل المحاربون نهارًا بلا انقطاع، وعند المساء يقوم الموتى والجرحى وكأنّ شيئًا لم يكن، ليحتفلوا طول الليل بوليمة صاخبة، يشربون فيها الخمر من جماجم أعدائهم. غير أنّ هذه كلّها تصوّرات باطلة عن السماء، إذ ليست السماء مجرّد أرض أفضل، بل إنّ حياة السماء من طبيعةٍ أُخرى مغايرةٍ بالكلّيّة.

في السماء، شعبُ اللهِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ. لذلك لا يمكننا أن نَظُنّ أن تبقى علاقاتُنا الحاضرة كما هي في السماء. فعلى الأرض، تقوم العلاقاتُ البشريّةُ في الغالب على عاملي الزمان والمكان؛ فالرجل يكون أوّلًا ابنًا، ثم يصيرُ بالغًا، ثم زوجًا، ثم أبًا، وهكذا. وأمّا في السماء فكلُّ هذا يتبدَّل.

من كل ما نَعرِفُه، المَلائِكةُ لَا يُنجِبُونَ أولادًا، ومن هذه الجهة سنكون مثلهم. ونحن نَعلَم أن الحياة في السماء ستكون مختلفة تمامًا عمّا نعرفه على الأرض، لكننا لا نستطيع أن نجزم كيف ستكون هناك. غير أنّ ما نَثِقُ به هو أننا لن نُخْذَل.

معرفةُ أن قيامةَ الأمواتِ حقٌّ لا تُجيبُ عن جميع تساؤلاتِنا. فحتى مع يقيننا بحقيقة القيامة، ستبقى هناك أمورٌ غامضةٌ وأسرارٌ لا نعرفها، غير أنّ هذا لا يُنقِصُ شيئًا من الحقيقة الثابتة للقيامة.

لا تَرتكِبوا نفسَ الخَطَأَيْنِ اللذين وقع فيهما الصدوقيّون. فحين لا نَعرِفُ الكُتُبَ، نفتقِدُ الرِّباطَ الثابتَ للحقيقةِ والإيمان. وحين لا نَعرِفُ قُوَّةَ اللهِ، نَشُكُّ في قُدرتِهِ على إتمامِ ما وعدَ به في الكُتُبِ.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

وَرَقٌ بِلَا ثَمَرٍ

فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُون. (مرقس ١٣:١١-١٤)

كان ذلك في يوم الثلاثاء قبل صَلب يسوع، حيث كان المُخلِِّص وتلاميذه يُقيمون في قريةٍ تُدعى بيت عنيا، على مقربةٍ من أورشليم. وفي صباح ذلك اليوم، سَار يسوع مع تلاميذه من بيت عنيا، عابرين جبل الزيتون، ومتوجّهين نحو جبل الهيكل. وهناك قضى يسوع معظم النهار يُعلِّم الجموع ويُحاجِج القادة الدينيّين.

وفي مكانٍ ما على الطريق، رأى يسوع شَجَرَةَ تِينٍ عليها وَرَقٍ. وكان جائعًا، فتوقَّع أن يجد تينةً أو اثنتين. ولكن حين اقترب من الشجرة، لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا. وهذا أمر غير معتاد في مثل هذا النوع من أشجار التين، إذ إنها لا تُخرِج أوراقًا عادةً ما لم يكن عليها تِينٍ.

المشكلة لم تكن أنّه لم يكن على الشجرة تِينٍ، فمرقس يخبرنا أنّه لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. أمّا المشكلة الحقيقية فكانت أنّ عليها وَرَقًا من دون تِينٍ. ففي جوهر الأمر، كانت الشجرة صورةً لإعلانٍ كاذب: وَرَقٌ من دون تِينٍ. إذ كانت الأوراق تقول: ’هنا يوجد تِينٌ،‘ ولكن التين لم يكن موجودًا.

وفي طريقه من بيت عنيا إلى جبل الهيكل، لا شكّ أنّ يسوع مرّ بجوار أشجار عديدة. كانت هناك أشجار أخرى لا تحمل سوى أوراق، ولم تُلعَن. وكانت هناك أشجار بلا أوراق ولا ثَمَر، ولم تُلعَن. أمّا شجرة التين هذه فلُعِنَت لأنّها ادّعت أنّها تحمل ثَمَرًا، لكنها كانت بلا ثَمَر.

لقد وبَّخ يسوع شجرة التين ولعنها قائلًا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». لُعِنَت الشجرة لأنّها ادّعت وجود ثمر من خلال أوراقها، لا بسبب خلوِّها من الثمر. وهذا يعبِّر عن حال أُمّة إسرائيل في أيّام يسوع، إذ كان لها مظهر التَّقوى، ولكن بلا ثمر. ومن خلال هذه الصورة، حذَّر يسوع إسرائيل – وهو يحذِّرنا نحن أيضًا – من استياء الله حين نبدو كأنّنا نحمل ثمرًا فيما نحن في الواقع بلا ثمر. فالله لا يرضى أن يكون شعبه مجرّد أوراق بلا ثمر.

من بين كلّ المعجزات التي صنعها يسوع، كانت هذه المعجزة الوحيدة التي حملت طابعًا تدميريًا مباشرًا. وأمّا العهد القديم فمليءٌ بالمعجزات التي حملت الدينونة والدمار، لكنها كشفت لنا جانبًا خاصًا من طبيعة الله. وإذا كانت هذه المعجزة هي الوحيدة من نوعها، فعلينا أن ندرك أنّ فيها درسًا عظيمًا وهامًا. فالله لا يَسُرّه ادّعاءٌ بلا حقيقة، ولا كلامٌ بلا عمل، ولا صورةٌ بلا واقع.

من المهمّ لكلّ تلميذٍ للمسيح ألّا يتظاهر بما ليس هو عليه. ففي أيّامنا هذه، ولا سيّما على وسائل التواصل الاجتماعي، من السهل أن يُقدِّم الإنسان صورةً عن نفسه على أنّه مميّز أو روحي، بينما لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة.

احذر أن تُظهِر أوراقًا بلا ثَمَر.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

خادِمٌ لِلْكُلِّ

فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ». (مرقس ٣٥:٩)

حرص مرقس على تسجيل أن يسوع قال هذا بعدما جَلَس، وكان جلوسه بحدّ ذاته أمرًا مهمًا، إذ أظهر أنه يستعد للتعليم. فقد اعتاد المعلّم اليهودي في تلك الأيام أن يجلس ليعلّم – ولا سيّما حين يتناول أمرًا مهمًا – بينما يبقى المستمعون واقفين. وهكذا كان جلوسه بمثابة إعلان أن ما سيُقال ذو أهمية كبيرة.

كان السؤال المطروح هنا (مرقس ٣٤:٩): «مَنْ هُوَ أَعْظَم؟» ويبدو أنّ هذا الموضوع كان يشغل التلاميذ كثيرًا في أحاديثهم. ولو أراد يسوع لأجابهم مباشرة: «يا أصدقائي، تذكّروا أنّني أنا الأعظم.» غير أنّه لم يوجّه الأنظار إلى نفسه، بل أظهر لهم أن العَظَمَة الحقيقية تكمن في أن يجعل الإنسان نفسه آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ.

لا شك أن يسوع هو الأعظم في الملكوت وليس له نظير. وعندما قال: «آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ»، كان في الحقيقة يصف نفسه ويكشف بدقة طبيعته. فالمسيح حقًا هو الأوّل في كلّ الكون، ومع ذلك صَارَ «آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ» من أجلنا.

بهذه الكلمات تحدّى يسوع أتباعه بأن يكونوا «آخِرَ الْكُلِّ». فحبّ المديح وطلب التقدير من الآخرين يجب أن يكون غريبًا عن أتباعه. يريد يسوع أن نختار بإرادتنا أن نكون في المرتبة الأخيرة وأن نُفضِّل الآخرين على أنفسنا.

وقد دعانا يسوع نحن أيضًا أن نكون «خُدَّامًا لِلْكُلِّ». فالعَظَمَةُ في نظر البشر تُقاسُ بعددِ الذينَ يَخْدِمُونَك. ففي الصين القديمة مثلًا، كان من الشائع أن يُطيل الأثرياء أظافِرَهُم لِيُظْهِروا عَجْزَهُم عن القيامِ بأبسطِ الأعمال، فيُحيطون أنفسهم بخَدَمٍ دائمين. قد يَعدّ العالم هذا عَظَمَة، لكن الله لا يعتبره كذلك. فقد أعلن يسوع أن العَظَمَةَ الحقيقية لا تُقاسُ بعددِ الذين يَخْدِمُونَك، بل بعددِ الذين تَخْدِمُهُم.

استخدم يسوع في الآيات التالية طفلًا كمثال للعَظَمَة في ملكوت الله. ففي ذلك العصر، كان يُنظَر إلى الأطفال باعتبارهم مِلْكِيَّة لا أفرادًا مستقلين، وكان من الطبيعي أن يُرَوا دون أن يُسمَع لهم صوت. وقد أوضح يسوع أن الطريقة التي نستقبل بها الأشخاص الذين يُعتبَرون مثل الأطفال – البسطاء والضعفاء – تُظهِر كيف نستقبله هو نفسه.

لأن يسوع هو آخِرُ الْكُلِّ وَخَادِمُ الْكُلِّ، وهو بمعنًى ما شبيهٌ بالطفل، فحين نُكرِم ونَقبَل طفلًا – أو أيَّ خادمٍ للإنجيل – نُكرِم ونَقبَل في الواقع يسوع نفسه.

هل تريد أن تكون عظيمًا؟ ليس من الخطأ أن يكون لديك طموح، لكن ينبغي أن يكون طموحُنا في أن نَخْدِم، لا في أن نُخْدَم. هذه هي طريق يسوع، فهو حقًا الأعظم في الملكوت.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

اَلبَذَخُ فِي ثَوبِ اَلبَسَاطَةِ

فَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَبَارَكَ ثُمَّ كَسَّرَ الأَرْغِفَةَ، وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ لِيُقَدِّمُوا إِلَيْهِمْ، وَقَسَّمَ السَّمَكَتَيْنِ لِلْجَمِيعِ، فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوَّةً، وَمِنَ السَّمَكِ. وَكَانَ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الأَرْغِفَةِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ. (مرقس 41:6-44)

كانت جموع غفيرة تتبع يسوع، تُصغي إلى تعليمه وتتعجب من المعجزات التي صنعها. ولمّا جاعت الجُموع، أراد التّلاميذ أن يَصْرِفُوهُم بعيدًا، أمّا يسوع فأراد أن يُطْعِمَهُم بنفسه.

سَرعان ما خمَّن التلاميذ، بدهشة، أن إطعام هذا الجمع سيكلّف أجر سنةٍ كاملة، ولم يخطر ببالهم سوى أن يطلبوا منهم الانصراف. كان حلُّ التلاميذ ببساطة هو التخلّص من الحاجة بالتخلّص من المحتاجين. فرأوا أن إنفاق ما يعادل دخل عام كامل لإطعام هذا الجمع وجبة واحدة أمرٌ مستحيل ومضيعة للمال.

لا بدّ أن اقتراح يسوع بدا للتلاميذ مُسرفًا ومضيعةً للمال، وكأنهم يقولون في أنفسهم: “يا يسوع، لو كان لدينا هذا القدر من المال، لما أنفقناه على وجبة واحدة لهؤلاء الناس. إنهم يضايقوننا أصلًا، وسيجوعون ثانية بعد بضع ساعات. أليس الأَولى أن يُنفَق المال على أمر آخر؟” لكن يسوع أراد أن يصنع معجزة عظيمة في سخائها وروعتها، ليشاركهم مائدة واحدة، لأنه أحبهم.

حين رَفَعَ يسوع نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاء، وَبَارَكَ قبل الوجبة، لم يكن يبارك الطعام، بل كان يبارك الله الذي وفّره. فالمقصود من الصلاة قبل الأكل ليس أن نبارك الطعام، بل أن نمجّد الله ونشكره على ما أغدق علينا من خير.

لقد نالوا بركة عظيمة حين أكلوا جميعًا وَشَبِعُوا. فقد ضاعف يسوع الأرغفة والسمك بأعجوبة، حتى أكل الخمسة آلاف جميعهم وشبعوا. ويبدو أن المعجزة كانت تحدث بينما كانت الأرغفة والسمك بين يدي يسوع.

بدا الأمر للتلاميذ مُسرفًا للغاية، وكأنهم يقولون: ’لماذا تُطعمهم حتى الشبع؟ أما كان يكفي أن تُقدَّم لهم وجبة صغيرة؟‘ لكن يسوع، الذي أحبّ الجُمُوع، أراد أن يجلس معهم على مائدة واحدة، وهو دائمًا يوفّر بطبيعته ما يكفي من الطعام وأكثر. كما أحبّهم يسوع، كذلك يحبّنا نحن أيضًا.

أغدق يسوع بعطائه، غير أنّ عطاياه جاءت في ثوب البساطة. فلو شاء، لصنع مائدة عامرة بأفخر المأكولات، لكنه آثر أن تكون مائدتهم بسيطة: خبزًا وسمكًا. وهكذا، حين يمدّ يسوع يده بالبركة، لا تتعجّب إن جاء ما يقدّمه بأبسط الصور.

إن غادر أحدهم المكان جائعًا، فذلك إما لأنه رفض الخبز الذي قدّمه يسوع، أو لأن التلاميذ لم يوزّعوا الخبز على الجميع. فقد وفّر يسوع ما يكفي الجميع حتى يأكلوا ويشبعوا، لكن كان على كل واحد أن يأكل هو بنفسه. وأحيانًا، عندما نجتمع لتناول وجبة روحية، ننشغل بجمع الطعام للآخرين، وننسى أن نأكل نحن أنفسنا.

بالإيمان، اِقْبَلْ مَا يُقدّمُه لك يَسوع اليوم: نَفْسَهُ، إِنَّهُ خُبْزُ الحَيَاةِ.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

حِينَ اعتَقَدَ أَقرِبَاؤُهُ أَنَّهُ مُختَلٌّ

فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ. وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لأَنَّهُمْ قَالُوا: «إِنَّهُ مُخْتَلٌ!». (مرقس ٢٠:٣-٢١)

لا يُطِيلُ مرقس في رِوايتِهِ، ولا يَستخدم كلماتٍ زائدةً في عَرضِه لحياةِ يسوع. فبِحُلولِ الإصحاحِ الثالث، كانت جُمُوعٌ كثيرةٌ قد بدأَت تَتبَعُ يسوع. وفي هذا المَشهَد، يَصِفُ مرقس ازدِحامَ الناسِ حولَهُ وحولَ تلاميذِهِ، حتى إنَّهُم «لَمْ يَقدِروا ولا علَى أكلِ خُبزٍ». والقصد من ذلك هو أن الجُمُوع كانت تضغط عليهم بشِدَّة،  حتى إنهم لم يكونوا يَجِدُونَ وقتًا ولا مُتَّسَعًا للطعام.

قد تظنّ أن هذا كان سيجعل عائلته تفتخر به. فمريم، أُمُّ يسوع، كانت لا تزال على قيد الحياة، وكان له إخوةٌ وأخواتٌ (مرقس ٦:٣). أَفَما كان يجدر بهم أن يفرحوا، لأن أخاهم كان يجول يصنع خيرًا، وقد ذاع صيتُه بذلك؟

لكنهم لم يفرحوا، ولم يفتخروا بأخيهم. بل إِنّ أَقْرِبَاءَهُ – عائلته، وربما بعض أصدقائه المقرّبين – أولئك الذين عرفوه قبل أن يذيع صيتُه، قالوا: «إِنَّهُ مُخْتَلٌّ!».

هكذا وصف مرقس الموقف: قَالُوا: «إِنَّهُ مُخْتَلٌ!». لقد كان يسوع أعقلَ وأحكمَ إنسانٍ عاش على الإطلاق. فكيف يُعقل أن يظنّ أقربُ الناس إليه أنَّهُ مُخْتَلٌّ؟ يُمكنني أن أتصوّر أسبابًا جعلت أَقْرِبَاءَهُ يقولون ذلك.

  • تَركَ مهنةً ناجحةً ليصير واعظًا متجولًا.
  • خطّط القادة الدينيّون والسياسيّون لقتله، لكنّه لم يتراجع (مرقس ٦:٣). وكان أقرباؤه يخشَون أن يُصيبه مكروه.
  • تبعت يسوعَ جموعٌ غفيرة، وكانوا يعلمون أن الشهرة والنجومية قد تُفسِد عقل الإنسان وتُصيبه بالغرور (مرقس ٣: ٧-٨).
  • اختار يسوع مجموعة من التلاميذ لم يكن ليتوقّعها أحد، فصار حُكمه موضعَ تشكيكٍ وتساؤل (مرقس ٣: ١٣-١٩).
  • لكن بقي أمرٌ أخير، وهو القشة التي قصمت ظهر البعير: فَضغوط هذه الخدمة العظيمة جعلته يُفَوّت مواعيد وجباته المعتادة – لَمْ يَقدِروا ولا علَى أكلِ خُبزٍ.

واجه يسوع باستمرار رفض القادة الدينيين والسياسيين، وكان كرههم له مفهومًا إلى حدٍّ ما – إذ إنّه هدد شهرتهم ومكاسبهم. لكن لا شكّ أن تعاملَه مع رفضَ أَقْرِبَاءَهُ كان أشدّ إيلامًا وتحدّيًا له. فليس من السهل أن يُساء فهمك بعمق وأنت تحاول العيش بأمانة مع الله. ولعلّه، حين قال: «أَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ» (متى ١٠: ٣٦)، كان يتكلم من واقعٍ اختبره بنفسه.

لم يؤمن إخوة يسوع به إلّا بعد قيامته، وأمّا خلال خدمته الأرضية، فقد كانوا يُجادلونه ويُعارضونه (يوحنا ٧: ٣-٥).

وبعد مرور كل هذه السنين، لا نظنّ أن يسوع كان مختلًّا. بل نظنّ أن أَقْرِبَاءَهُ هم من كانوا مختلّين لقولهم: «إِنَّهُ مُخْتَلٌّ!». ففي النهاية، رأينا في يسوع يعكس حالتنا نحن، لا حقيقته هو. فهو يبقى إلى الأبد ابنَ الله، واللهَ الابن.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

الْوُحُوش والمَلاَئِكَة

وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ. (مرقس 12:1-13) 

يذكر كلٌّ من متّى ومرقس ولوقا تجربة يسوع، غير أن مرقس ينفرد بإيراد تفصيل لا تذكره الأناجيل الأخرى. وقد جاء ذلك بعد الظهور المهيب للروح القدس عند معمودية يسوع، حيث كان عمل الروح أن يقوده بل بالأحرى أن يدفعهإلَى البَرّيَّةِ. 

في أسلوبه المميّز الذي يتّسم بالحركة والسُّرعة، يذكر مرقس أن الروح فعل ذلك لِلْوَقْتِ. وهذه الكلمة تتكرر كثيرًا في إنجيل مرقس، لأنه يُقدِّم يسوع كرجل أفعال، لا يعرف التراخي، ولا يُضيّع الوقت أبدًا. 

كان يسوع فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَان. فبعد أن شارك الخطاة في المعمودية (مرقس 1: 9-11)، شاركهم أيضًا في التجربة (عبرانيين 4: 15). وغالبًا ما يشير الرقم أربعون في الكتاب المقدّس كما في الأربعين يومًا التي قضاها يسوع في البريّة إلى زمن امتحان أو دينونة. ففي طوفان نوح، أمطرت السماء أربعين يومًا وأربعين ليلة. وأقام شعب إسرائيل في البريّة أربعين سنة. ورعى موسى الغنم في البريّة أربعين سنة. كان هذا هو زمن اختبار يسوع. 

في تلك الأيّام، كان يسوع يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَان. وقد ذكر متّى ولوقا ثلاث تجارب تعرّض لها يسوع، وكيف كانت كلمة الله سلاحه في كلّ تجربة. أمّا مرقس، فيُخبرنا أن يسوع واجه أكثر من التجارب الثلاث البارزة التي وصفها متّى ولوقا، إذ أمضى تلك الأيام كلّها تحت التجربة. 

ثم أضاف مرقس تفصيلًا لافتًا ومهمًّا: ففي أثناء تلك الأربعين يومًا، كَانَ يسوع مَعَ الْوُحُوش. ولم يذكر متّى ولا لوقا هذا التفصيل. وبحسب أحد المفسّرين، فإنّ التشديد في النصّ الأصلي يقع على كلمة «مَعَ»، ما يُوحي بأن يسوع كان في حالة سلام مَعَ الْوُحُوش. ويُظهر هذا الأمر على الأقل حقيقتين 

يُقدَّم يسوع هنا بوصفه آدم الثاني، ومثل آدم قبل السقوط، كانت له علاقة سلام مع كل الحيوانات، بما فيها الْوُحُوشِ. 

بقي يسوع الإنسان الكامل الذي لم يعرف خطية. ورغم كل التجارب، احتفظ بسلطانه على مملكة الحيوان. حتى الْوُحُوشِ ميّزت صورة الله الكاملة في المسيح، وأظهرت الإجلال لابنه. 

لم يكن يسوع بين الْوُحُوشِ في البريّة فحسب، بل كان أيضًا بين الْمَلَائِكَةِ الذين جاءوا ليَخْدِمُوهُ (كما ورد أيضًا في متّى 4: 11). ويُفهم من إنجيل مرقس أن الملائكة خدمته بعد انتهاء زمن التجربة القاسية. وبعد انتصاره على الخطية، نال يسوع من الملائكة عونًا وتعزية. 

يا له من شرف عظيم نالته تلك الملائكة! أن يشهدوا انتصار يسوع على الخطية والتجربة، ثم يُكرَّموا بخدمة سيّدهم المنتصر. 

وهكذا الأمر بالنسبة لنا أيضًا. فقد شاركنا يسوع في التجربة، لكنه بَقِيَ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَس. والآن يدعونا أن نرى انتصاره، وأن نخدمه بأمانة. 

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

الغَلَبَةُ الّتي تَسْبِقُ الغَلَبَة

ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». (متى ٣٩:٢٦) 

بعد أن تناول العشاء الأخير مع تلاميذه، مضى يسوع إلى بستان يُعرَف بجَثسَيمَانِي، ومعنى الاسم ‘معصرة الزيتون.’ وهناك، كان يُسحق الزيتون لاستخراج زيته. وفي ذلك الموضع نفسه، سيُسحق ابن الله أيضًا. 

في بستان جَثسَيمَانِي، انتاب يسوع اضطراب شديد («وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ»، متى ٣٧:٢٦). وكان ذلك، جزئيًا، بسبب معرفته لما سيتحمّله من أهوال جسدية على الصليب. لكن ما أثقل قلبه حقًا هو الرعب الروحي الذي كان ينتظره هناك، حيث سيُصلب بدلًا عن الخطاة، ليَحمل العقاب الذي استحقّوه؛ «لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا» (٢كورنثوس ٢١:٥). كان هذا أبعد بكثير من مجرد بَذْلٍ للنفس حتى الموت، فيسوع هو «حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ».  

هذا هو السياق الذي جاءت فيه صلاة يسوع: «إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ». لم يكن الآب السماوي ليرفض لابنه أي طلب، لأن يسوع كان يصلّي دائمًا بحسب قلب الآب ومشيئته. وبما أن يسوع قد شرب كَأْس الدينونة على الصليب، فَنَحنُ نُدرِك أَنّ الخَلَاصَ لَيسَ مُمْكِنًا بأي طريق آخر. فالخلاص بعمل يسوع على الصليب هو الطريق الوحيد الْمُمْكِن؛ لأنه إن وُجد طريق آخر للتبرير أمام الله، فالمسيح إذًا مات بَاطِلًا! 

يتكرّر في العهد القديم استخدام «الْكَأْسِ» كصورة قويّة لِغَضَبِ اللهِ وَدَيْنُونَتِهِ (مزمور ٨:٧٥، إشعياء ١٧:٥١، إرميا ١٥:٢٥). فعلى الصليب، صار يسوع كما لو كان عدوًّا لله موضع دينونة، وأُجبِر على شُرْبِ كَأْسِ غَضَبِ الآب، لِكَي لا نكون نحن مضطرّين إلى شُرْبِ تلك الْكَأْسِ. وكان هذا هو مصدر آلام يسوع. 

لم تُمثّل «الْكَأْسُ» الموت، بل الدينونة. لم يكن يسوع يخشى الموت، وعندما أكمل عمله على الصليب أي حين قَبِلَ، وتحمَّل، وأرضى دينونة الله الآب العادلة على خطايانا اختار ببساطة أن يُسلِّم نفسه للموت (يوحنا ٣٠:١٩). 

بقوله: «وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»، عبّر يسوع في جَثسَيمَانِي عن لحظة القرار. 

لم يكن ذلك لأنه لم يكن قد حسم الأمر سابقًا، بل لأنه بلغ الآن اللحظة التي أكّد فيها قراره النهائي. لقد شرب الكأس في الجُلْجُثَة، لكنه اتّخذ القرار أن يشربها، مرّةً وإلى الأبد، في جَثسَيمَانِي. 

هذا الصراع في جَثسَيمَانِي موضع السَّحق يحتلّ مكانة جوهرية في إتمام خطة الله للفداء. فلو أخفق يسوع هنا، لأخفق على الصليب. لكن نجاحه في هذا الموضع هو ما جعل الغَلَبَة على الصليب ممكنة. 

إن وضعتَ إيمانك بيسوع، فإن غَلَبَتَه في جَثسَيمَانِي وعلى الجُلْجُثَة تصبح غَلَبَتَك. فادخُل اليوم إلى راحة العمل الذي أَكمَلَه من أجلك. 

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

الأعذار لن تُجدي نفعًا

ثُمَّ جَاءَ أَيْضًا الَّذِي أَخَذَ الْوَزْنَةَ الْوَاحِدَةَ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، عَرَفْتُ أَنَّكَ إِنْسَانٌ قَاسٍ، تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ، وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ. فَخِفْتُ وَمَضَيْتُ وَأَخْفَيْتُ وَزْنَتَكَ فِي الأَرْضِ. هُوَذَا الَّذِي لَكَ. (متى ٢٤:٢٥-٢٥) 

في إطار الحديث عن عودته ليدين الأُمم، قدَّم يسوع مَثَلًا عن سيِّدٍ أَوْكَلَ إلى عبيده، قُبَيْلَ سَفَرِهِ، أكياسًا متفاوتة من النقود (تُدعى “وزنات”) ليتولّوا إدارتها. فلما حان وقت الحساب، جاء العبدان اللذان تسلَّما خمس وزنات ووزنتين، وقدّما ربحًا وفيرًا لسيّدهما. أمّا العبد الذي أُعطي وزنة واحدة فقط، فقدّم تقريره في هاتين الآيتين.

لاحظ أن السيّد تعامل مع كلّ عبدٍ على حدة. فلو حاسَبهم كمجموعة، لَبَدَوا ناجحين جدًّا: إذ أُعطوا ثماني وزنات، فردّوا إليه خمس عشرة وزنة. لكن السيّد حاسَب كلًّا منهم وفق أمانته وجهده الذاتي. 

اكتفى العبد الأخير بدفن وزنتِه، ثم حاول أن يُعفي نفسه من المسؤولية، متذرّعًا بقوّة سيّده العظيمة. بل في الواقع، تعكس عبارته: «تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ، وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ» إدراكه التام لعظمة سيّده وسلطانه. 

بدا العبد الثالث وكأنه راضٍ عن نفسه. فبما أن السيّد كان قويًّا للغاية، ولم يكن – في تصوّره – بحاجة إلى مساعدته، ظنّ أن امتناعه عن العمل لن يُغضبه، ورأى أن لا حاجة إلا أن يقول له: «هُوَذَا الَّذِي لَكَ». لكنه لم يُدرِك قطّ مدى الاستياء الذي سبّبه لسيّده. 

يمكننا أن نصف ما فعله العبد الثالث بالآتي: 

لم يُفكِّر
ولم يعمل
ولم يُحاوِل حتّى
لكنه اكتفى بتقديم الأعذار 

تُقدِّم الآيات التالية توبيخ السيّد لهذا العبد غير الأمين. فقد وصفه بأنه: “شِرِّير وَكَسْلاَن،” كما رفض حجّته القائلة بأن سيّده ذو قوّة عظيمة. فسيادة السيّد لم تكن عذرًا لكسل عبده، بل على العكس، كانت سببًا في إدانته بشدّة.  

الذين لا يعملون من أجل الرب، أو لا يُصلّون، أو لا يكرزون بالإنجيل، بحجّة أن الله سيّدٌ مُتسلِّط، إنما يدينون أنفسهم بكسلهم. فأفعالهم أو بالأحرى تقاعسهم تُظهر أنهم مثل العبد الشرير في هذا المَثَل. إنهم لا يعرفون قلب سيّدهم على الإطلاق، ولن تُجدي أعذارهم نفعًا. بل، كما حدث مع هذا العبد غير الأمين، فإنّ الأعذار لن تُخفّف من ذنبهم، بل ستزيده.  

يُجيد الكثيرون اختلاق الأعذار. ولو أصبح اختلاق الأعذار يومًا ما رياضة أولمبية، لحصل بعضهم على الميدالية الذهبية! بل إن بعضهم يفعل تمامًا كما فعل هذا العبد الثالث، يُلقون باللوم على الله، إذ يظنّون أنَّ سيادة الله وقدرته اللامحدودة تُعفيهم من أيّ مسؤولية.  

لكنّ الأمور لا تسير على هذا النحو. ففي المَثَل الذي رواه يسوع، قدّم كلُّ عبدٍ حسابًا عن نفسه، وذلك بطريقة عادلة، وبفهمٍ كامل. وإن كنت قد نجحت في خداع الآخرين يومًا، فتذكّر أن أعذارك لن تنفعك أمام الله. 

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك