اَلبَذَخُ فِي ثَوبِ اَلبَسَاطَةِ

فَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَبَارَكَ ثُمَّ كَسَّرَ الأَرْغِفَةَ، وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ لِيُقَدِّمُوا إِلَيْهِمْ، وَقَسَّمَ السَّمَكَتَيْنِ لِلْجَمِيعِ، فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوَّةً، وَمِنَ السَّمَكِ. وَكَانَ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الأَرْغِفَةِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ. (مرقس 41:6-44)

كانت جموع غفيرة تتبع يسوع، تُصغي إلى تعليمه وتتعجب من المعجزات التي صنعها. ولمّا جاعت الجُموع، أراد التّلاميذ أن يَصْرِفُوهُم بعيدًا، أمّا يسوع فأراد أن يُطْعِمَهُم بنفسه.

سَرعان ما خمَّن التلاميذ، بدهشة، أن إطعام هذا الجمع سيكلّف أجر سنةٍ كاملة، ولم يخطر ببالهم سوى أن يطلبوا منهم الانصراف. كان حلُّ التلاميذ ببساطة هو التخلّص من الحاجة بالتخلّص من المحتاجين. فرأوا أن إنفاق ما يعادل دخل عام كامل لإطعام هذا الجمع وجبة واحدة أمرٌ مستحيل ومضيعة للمال.

لا بدّ أن اقتراح يسوع بدا للتلاميذ مُسرفًا ومضيعةً للمال، وكأنهم يقولون في أنفسهم: “يا يسوع، لو كان لدينا هذا القدر من المال، لما أنفقناه على وجبة واحدة لهؤلاء الناس. إنهم يضايقوننا أصلًا، وسيجوعون ثانية بعد بضع ساعات. أليس الأَولى أن يُنفَق المال على أمر آخر؟” لكن يسوع أراد أن يصنع معجزة عظيمة في سخائها وروعتها، ليشاركهم مائدة واحدة، لأنه أحبهم.

حين رَفَعَ يسوع نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاء، وَبَارَكَ قبل الوجبة، لم يكن يبارك الطعام، بل كان يبارك الله الذي وفّره. فالمقصود من الصلاة قبل الأكل ليس أن نبارك الطعام، بل أن نمجّد الله ونشكره على ما أغدق علينا من خير.

لقد نالوا بركة عظيمة حين أكلوا جميعًا وَشَبِعُوا. فقد ضاعف يسوع الأرغفة والسمك بأعجوبة، حتى أكل الخمسة آلاف جميعهم وشبعوا. ويبدو أن المعجزة كانت تحدث بينما كانت الأرغفة والسمك بين يدي يسوع.

بدا الأمر للتلاميذ مُسرفًا للغاية، وكأنهم يقولون: ’لماذا تُطعمهم حتى الشبع؟ أما كان يكفي أن تُقدَّم لهم وجبة صغيرة؟‘ لكن يسوع، الذي أحبّ الجُمُوع، أراد أن يجلس معهم على مائدة واحدة، وهو دائمًا يوفّر بطبيعته ما يكفي من الطعام وأكثر. كما أحبّهم يسوع، كذلك يحبّنا نحن أيضًا.

أغدق يسوع بعطائه، غير أنّ عطاياه جاءت في ثوب البساطة. فلو شاء، لصنع مائدة عامرة بأفخر المأكولات، لكنه آثر أن تكون مائدتهم بسيطة: خبزًا وسمكًا. وهكذا، حين يمدّ يسوع يده بالبركة، لا تتعجّب إن جاء ما يقدّمه بأبسط الصور.

إن غادر أحدهم المكان جائعًا، فذلك إما لأنه رفض الخبز الذي قدّمه يسوع، أو لأن التلاميذ لم يوزّعوا الخبز على الجميع. فقد وفّر يسوع ما يكفي الجميع حتى يأكلوا ويشبعوا، لكن كان على كل واحد أن يأكل هو بنفسه. وأحيانًا، عندما نجتمع لتناول وجبة روحية، ننشغل بجمع الطعام للآخرين، وننسى أن نأكل نحن أنفسنا.

بالإيمان، اِقْبَلْ مَا يُقدّمُه لك يَسوع اليوم: نَفْسَهُ، إِنَّهُ خُبْزُ الحَيَاةِ.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

حِينَ اعتَقَدَ أَقرِبَاؤُهُ أَنَّهُ مُختَلٌّ

فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ. وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لأَنَّهُمْ قَالُوا: «إِنَّهُ مُخْتَلٌ!». (مرقس ٢٠:٣-٢١)

لا يُطِيلُ مرقس في رِوايتِهِ، ولا يَستخدم كلماتٍ زائدةً في عَرضِه لحياةِ يسوع. فبِحُلولِ الإصحاحِ الثالث، كانت جُمُوعٌ كثيرةٌ قد بدأَت تَتبَعُ يسوع. وفي هذا المَشهَد، يَصِفُ مرقس ازدِحامَ الناسِ حولَهُ وحولَ تلاميذِهِ، حتى إنَّهُم «لَمْ يَقدِروا ولا علَى أكلِ خُبزٍ». والقصد من ذلك هو أن الجُمُوع كانت تضغط عليهم بشِدَّة،  حتى إنهم لم يكونوا يَجِدُونَ وقتًا ولا مُتَّسَعًا للطعام.

قد تظنّ أن هذا كان سيجعل عائلته تفتخر به. فمريم، أُمُّ يسوع، كانت لا تزال على قيد الحياة، وكان له إخوةٌ وأخواتٌ (مرقس ٦:٣). أَفَما كان يجدر بهم أن يفرحوا، لأن أخاهم كان يجول يصنع خيرًا، وقد ذاع صيتُه بذلك؟

لكنهم لم يفرحوا، ولم يفتخروا بأخيهم. بل إِنّ أَقْرِبَاءَهُ – عائلته، وربما بعض أصدقائه المقرّبين – أولئك الذين عرفوه قبل أن يذيع صيتُه، قالوا: «إِنَّهُ مُخْتَلٌّ!».

هكذا وصف مرقس الموقف: قَالُوا: «إِنَّهُ مُخْتَلٌ!». لقد كان يسوع أعقلَ وأحكمَ إنسانٍ عاش على الإطلاق. فكيف يُعقل أن يظنّ أقربُ الناس إليه أنَّهُ مُخْتَلٌّ؟ يُمكنني أن أتصوّر أسبابًا جعلت أَقْرِبَاءَهُ يقولون ذلك.

  • تَركَ مهنةً ناجحةً ليصير واعظًا متجولًا.
  • خطّط القادة الدينيّون والسياسيّون لقتله، لكنّه لم يتراجع (مرقس ٦:٣). وكان أقرباؤه يخشَون أن يُصيبه مكروه.
  • تبعت يسوعَ جموعٌ غفيرة، وكانوا يعلمون أن الشهرة والنجومية قد تُفسِد عقل الإنسان وتُصيبه بالغرور (مرقس ٣: ٧-٨).
  • اختار يسوع مجموعة من التلاميذ لم يكن ليتوقّعها أحد، فصار حُكمه موضعَ تشكيكٍ وتساؤل (مرقس ٣: ١٣-١٩).
  • لكن بقي أمرٌ أخير، وهو القشة التي قصمت ظهر البعير: فَضغوط هذه الخدمة العظيمة جعلته يُفَوّت مواعيد وجباته المعتادة – لَمْ يَقدِروا ولا علَى أكلِ خُبزٍ.

واجه يسوع باستمرار رفض القادة الدينيين والسياسيين، وكان كرههم له مفهومًا إلى حدٍّ ما – إذ إنّه هدد شهرتهم ومكاسبهم. لكن لا شكّ أن تعاملَه مع رفضَ أَقْرِبَاءَهُ كان أشدّ إيلامًا وتحدّيًا له. فليس من السهل أن يُساء فهمك بعمق وأنت تحاول العيش بأمانة مع الله. ولعلّه، حين قال: «أَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ» (متى ١٠: ٣٦)، كان يتكلم من واقعٍ اختبره بنفسه.

لم يؤمن إخوة يسوع به إلّا بعد قيامته، وأمّا خلال خدمته الأرضية، فقد كانوا يُجادلونه ويُعارضونه (يوحنا ٧: ٣-٥).

وبعد مرور كل هذه السنين، لا نظنّ أن يسوع كان مختلًّا. بل نظنّ أن أَقْرِبَاءَهُ هم من كانوا مختلّين لقولهم: «إِنَّهُ مُخْتَلٌّ!». ففي النهاية، رأينا في يسوع يعكس حالتنا نحن، لا حقيقته هو. فهو يبقى إلى الأبد ابنَ الله، واللهَ الابن.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

الْوُحُوش والمَلاَئِكَة

وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ. (مرقس 12:1-13) 

يذكر كلٌّ من متّى ومرقس ولوقا تجربة يسوع، غير أن مرقس ينفرد بإيراد تفصيل لا تذكره الأناجيل الأخرى. وقد جاء ذلك بعد الظهور المهيب للروح القدس عند معمودية يسوع، حيث كان عمل الروح أن يقوده بل بالأحرى أن يدفعهإلَى البَرّيَّةِ. 

في أسلوبه المميّز الذي يتّسم بالحركة والسُّرعة، يذكر مرقس أن الروح فعل ذلك لِلْوَقْتِ. وهذه الكلمة تتكرر كثيرًا في إنجيل مرقس، لأنه يُقدِّم يسوع كرجل أفعال، لا يعرف التراخي، ولا يُضيّع الوقت أبدًا. 

كان يسوع فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَان. فبعد أن شارك الخطاة في المعمودية (مرقس 1: 9-11)، شاركهم أيضًا في التجربة (عبرانيين 4: 15). وغالبًا ما يشير الرقم أربعون في الكتاب المقدّس كما في الأربعين يومًا التي قضاها يسوع في البريّة إلى زمن امتحان أو دينونة. ففي طوفان نوح، أمطرت السماء أربعين يومًا وأربعين ليلة. وأقام شعب إسرائيل في البريّة أربعين سنة. ورعى موسى الغنم في البريّة أربعين سنة. كان هذا هو زمن اختبار يسوع. 

في تلك الأيّام، كان يسوع يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَان. وقد ذكر متّى ولوقا ثلاث تجارب تعرّض لها يسوع، وكيف كانت كلمة الله سلاحه في كلّ تجربة. أمّا مرقس، فيُخبرنا أن يسوع واجه أكثر من التجارب الثلاث البارزة التي وصفها متّى ولوقا، إذ أمضى تلك الأيام كلّها تحت التجربة. 

ثم أضاف مرقس تفصيلًا لافتًا ومهمًّا: ففي أثناء تلك الأربعين يومًا، كَانَ يسوع مَعَ الْوُحُوش. ولم يذكر متّى ولا لوقا هذا التفصيل. وبحسب أحد المفسّرين، فإنّ التشديد في النصّ الأصلي يقع على كلمة «مَعَ»، ما يُوحي بأن يسوع كان في حالة سلام مَعَ الْوُحُوش. ويُظهر هذا الأمر على الأقل حقيقتين 

يُقدَّم يسوع هنا بوصفه آدم الثاني، ومثل آدم قبل السقوط، كانت له علاقة سلام مع كل الحيوانات، بما فيها الْوُحُوشِ. 

بقي يسوع الإنسان الكامل الذي لم يعرف خطية. ورغم كل التجارب، احتفظ بسلطانه على مملكة الحيوان. حتى الْوُحُوشِ ميّزت صورة الله الكاملة في المسيح، وأظهرت الإجلال لابنه. 

لم يكن يسوع بين الْوُحُوشِ في البريّة فحسب، بل كان أيضًا بين الْمَلَائِكَةِ الذين جاءوا ليَخْدِمُوهُ (كما ورد أيضًا في متّى 4: 11). ويُفهم من إنجيل مرقس أن الملائكة خدمته بعد انتهاء زمن التجربة القاسية. وبعد انتصاره على الخطية، نال يسوع من الملائكة عونًا وتعزية. 

يا له من شرف عظيم نالته تلك الملائكة! أن يشهدوا انتصار يسوع على الخطية والتجربة، ثم يُكرَّموا بخدمة سيّدهم المنتصر. 

وهكذا الأمر بالنسبة لنا أيضًا. فقد شاركنا يسوع في التجربة، لكنه بَقِيَ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَس. والآن يدعونا أن نرى انتصاره، وأن نخدمه بأمانة. 

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

الغَلَبَةُ الّتي تَسْبِقُ الغَلَبَة

ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». (متى ٣٩:٢٦) 

بعد أن تناول العشاء الأخير مع تلاميذه، مضى يسوع إلى بستان يُعرَف بجَثسَيمَانِي، ومعنى الاسم ‘معصرة الزيتون.’ وهناك، كان يُسحق الزيتون لاستخراج زيته. وفي ذلك الموضع نفسه، سيُسحق ابن الله أيضًا. 

في بستان جَثسَيمَانِي، انتاب يسوع اضطراب شديد («وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ»، متى ٣٧:٢٦). وكان ذلك، جزئيًا، بسبب معرفته لما سيتحمّله من أهوال جسدية على الصليب. لكن ما أثقل قلبه حقًا هو الرعب الروحي الذي كان ينتظره هناك، حيث سيُصلب بدلًا عن الخطاة، ليَحمل العقاب الذي استحقّوه؛ «لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا» (٢كورنثوس ٢١:٥). كان هذا أبعد بكثير من مجرد بَذْلٍ للنفس حتى الموت، فيسوع هو «حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ».  

هذا هو السياق الذي جاءت فيه صلاة يسوع: «إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ». لم يكن الآب السماوي ليرفض لابنه أي طلب، لأن يسوع كان يصلّي دائمًا بحسب قلب الآب ومشيئته. وبما أن يسوع قد شرب كَأْس الدينونة على الصليب، فَنَحنُ نُدرِك أَنّ الخَلَاصَ لَيسَ مُمْكِنًا بأي طريق آخر. فالخلاص بعمل يسوع على الصليب هو الطريق الوحيد الْمُمْكِن؛ لأنه إن وُجد طريق آخر للتبرير أمام الله، فالمسيح إذًا مات بَاطِلًا! 

يتكرّر في العهد القديم استخدام «الْكَأْسِ» كصورة قويّة لِغَضَبِ اللهِ وَدَيْنُونَتِهِ (مزمور ٨:٧٥، إشعياء ١٧:٥١، إرميا ١٥:٢٥). فعلى الصليب، صار يسوع كما لو كان عدوًّا لله موضع دينونة، وأُجبِر على شُرْبِ كَأْسِ غَضَبِ الآب، لِكَي لا نكون نحن مضطرّين إلى شُرْبِ تلك الْكَأْسِ. وكان هذا هو مصدر آلام يسوع. 

لم تُمثّل «الْكَأْسُ» الموت، بل الدينونة. لم يكن يسوع يخشى الموت، وعندما أكمل عمله على الصليب أي حين قَبِلَ، وتحمَّل، وأرضى دينونة الله الآب العادلة على خطايانا اختار ببساطة أن يُسلِّم نفسه للموت (يوحنا ٣٠:١٩). 

بقوله: «وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»، عبّر يسوع في جَثسَيمَانِي عن لحظة القرار. 

لم يكن ذلك لأنه لم يكن قد حسم الأمر سابقًا، بل لأنه بلغ الآن اللحظة التي أكّد فيها قراره النهائي. لقد شرب الكأس في الجُلْجُثَة، لكنه اتّخذ القرار أن يشربها، مرّةً وإلى الأبد، في جَثسَيمَانِي. 

هذا الصراع في جَثسَيمَانِي موضع السَّحق يحتلّ مكانة جوهرية في إتمام خطة الله للفداء. فلو أخفق يسوع هنا، لأخفق على الصليب. لكن نجاحه في هذا الموضع هو ما جعل الغَلَبَة على الصليب ممكنة. 

إن وضعتَ إيمانك بيسوع، فإن غَلَبَتَه في جَثسَيمَانِي وعلى الجُلْجُثَة تصبح غَلَبَتَك. فادخُل اليوم إلى راحة العمل الذي أَكمَلَه من أجلك. 

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٦

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

الأعذار لن تُجدي نفعًا

ثُمَّ جَاءَ أَيْضًا الَّذِي أَخَذَ الْوَزْنَةَ الْوَاحِدَةَ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، عَرَفْتُ أَنَّكَ إِنْسَانٌ قَاسٍ، تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ، وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ. فَخِفْتُ وَمَضَيْتُ وَأَخْفَيْتُ وَزْنَتَكَ فِي الأَرْضِ. هُوَذَا الَّذِي لَكَ. (متى ٢٤:٢٥-٢٥) 

في إطار الحديث عن عودته ليدين الأُمم، قدَّم يسوع مَثَلًا عن سيِّدٍ أَوْكَلَ إلى عبيده، قُبَيْلَ سَفَرِهِ، أكياسًا متفاوتة من النقود (تُدعى “وزنات”) ليتولّوا إدارتها. فلما حان وقت الحساب، جاء العبدان اللذان تسلَّما خمس وزنات ووزنتين، وقدّما ربحًا وفيرًا لسيّدهما. أمّا العبد الذي أُعطي وزنة واحدة فقط، فقدّم تقريره في هاتين الآيتين.

لاحظ أن السيّد تعامل مع كلّ عبدٍ على حدة. فلو حاسَبهم كمجموعة، لَبَدَوا ناجحين جدًّا: إذ أُعطوا ثماني وزنات، فردّوا إليه خمس عشرة وزنة. لكن السيّد حاسَب كلًّا منهم وفق أمانته وجهده الذاتي. 

اكتفى العبد الأخير بدفن وزنتِه، ثم حاول أن يُعفي نفسه من المسؤولية، متذرّعًا بقوّة سيّده العظيمة. بل في الواقع، تعكس عبارته: «تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ، وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ» إدراكه التام لعظمة سيّده وسلطانه. 

بدا العبد الثالث وكأنه راضٍ عن نفسه. فبما أن السيّد كان قويًّا للغاية، ولم يكن – في تصوّره – بحاجة إلى مساعدته، ظنّ أن امتناعه عن العمل لن يُغضبه، ورأى أن لا حاجة إلا أن يقول له: «هُوَذَا الَّذِي لَكَ». لكنه لم يُدرِك قطّ مدى الاستياء الذي سبّبه لسيّده. 

يمكننا أن نصف ما فعله العبد الثالث بالآتي: 

لم يُفكِّر
ولم يعمل
ولم يُحاوِل حتّى
لكنه اكتفى بتقديم الأعذار 

تُقدِّم الآيات التالية توبيخ السيّد لهذا العبد غير الأمين. فقد وصفه بأنه: “شِرِّير وَكَسْلاَن،” كما رفض حجّته القائلة بأن سيّده ذو قوّة عظيمة. فسيادة السيّد لم تكن عذرًا لكسل عبده، بل على العكس، كانت سببًا في إدانته بشدّة.  

الذين لا يعملون من أجل الرب، أو لا يُصلّون، أو لا يكرزون بالإنجيل، بحجّة أن الله سيّدٌ مُتسلِّط، إنما يدينون أنفسهم بكسلهم. فأفعالهم أو بالأحرى تقاعسهم تُظهر أنهم مثل العبد الشرير في هذا المَثَل. إنهم لا يعرفون قلب سيّدهم على الإطلاق، ولن تُجدي أعذارهم نفعًا. بل، كما حدث مع هذا العبد غير الأمين، فإنّ الأعذار لن تُخفّف من ذنبهم، بل ستزيده.  

يُجيد الكثيرون اختلاق الأعذار. ولو أصبح اختلاق الأعذار يومًا ما رياضة أولمبية، لحصل بعضهم على الميدالية الذهبية! بل إن بعضهم يفعل تمامًا كما فعل هذا العبد الثالث، يُلقون باللوم على الله، إذ يظنّون أنَّ سيادة الله وقدرته اللامحدودة تُعفيهم من أيّ مسؤولية.  

لكنّ الأمور لا تسير على هذا النحو. ففي المَثَل الذي رواه يسوع، قدّم كلُّ عبدٍ حسابًا عن نفسه، وذلك بطريقة عادلة، وبفهمٍ كامل. وإن كنت قد نجحت في خداع الآخرين يومًا، فتذكّر أن أعذارك لن تنفعك أمام الله. 

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

مستعدّون لعودته

وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟». (متى ٢٤: ٣)

في يوم الثلاثاء من أسبوع آلامه، تحمّل يسوع يومًا طويلًا من الأسئلة العدائية من القادة الدينيّين. كان يسوع وتلاميذه يمضون لياليهم في بيت عنيا، وكان الطريق إلى بيت عنيا يمرّ عبر جبل الزيتون. وفي طريق العودة إلى مكان مبيتهم مساءً، جلس يسوع عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، وتمتّعوا بمشهد جبل الهيكل. ومن موضعهم البعيد عن الهيكل لكن المُطلّ عليه، طرح التلاميذ على يسوع أسئلةً حول نُبُوءَتُه الجريئة بشأن دمار الهيكل (متى ٢٤: ١-٢).

كان التوقيت مناسبًا لمثل هذا النقاش. إذ رفض القادة الدينيّون يسوع، وسرعان ما كانوا سيسلّمونه إلى الرومان ليُصلب. فقد عرف يسوع المصير المرير الذي كان ينتظره في أورشليم، وأراد أن يمنح الرجاء والثقة لتلاميذه الذين كانوا على وشك أن يواجهوا امتحانًا عظيمًا.

كان تعليم يسوع ردًّا على سؤالين (أو ثلاثة) طرحهم التلاميذ: مَتَى يَكُونُ هذَا؟ – في إشارة إلى دمار الهيكل، (٢أ) مَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ، (٢ب) وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟ كانت هذه الأسئلة مترابطة بوضوح، وغالبًا ما ظنّ التلاميذ أنهم طرحوا سؤالًا واحدًا، إذ بدا في أذهانهم أن دمار الهيكل وانقضاء الدهر متلازمان. لكن في الواقع، هم طرحوا سؤالين (ويقول البعض ثلاثة)، ويأتي الجواب عن السؤال الثاني في بقيّة هذا الإصحاح.

وقد يكون أيضًا أن السؤال الثاني طُرح بينما كانوا يتذكّرون الأحداث المرتبطة بدمار الهيكل الأول، إذ إن هيكل سليمان كان قد دُمّر في إطار دينونة الله على الأمة وسبيهم إلى أرض غريبة.

بينما كان يسوع يجيب عن هذا السؤال الثاني المهم، قدّم العديد من التعليقات المحدّدة والنبوات بشأن الأيّام الأخيرة. وقد كانت هذه النبوات موضع خلاف كبير بين المسيحيين الذين سعوا لفهمها. ويبقى السؤال مطروحًا: لماذا لم يتكلّم يسوع بطريقة أوضح لا تترك مجالًا لأي التباس؟

أحد الأسباب التي قد تجعل النبوّة تبدو غامضة أو غير دقيقة هو أن الله يريد لكل جيل أن تكون لديه أسباب تدفعه ليكون مستعدًّا لعودة يسوع. فلا ينبغي لنا أن نعتبر عودة يسوع حدثًا بعيدًا، بل أمرًا نسير بالتوازي معه منذ يوم الخمسين في أعمال الرسل ٢.

يقترح آخرون أن قصد الله كان أن يُبقي المستقبل غامضًا إلى حدٍّ ما ومُبهَمًا ليُربِك إبليس، تمامًا كما كانت نبوّات قيامة المسيح في العهد القديم حاضرة، ولكن غير واضحة تمامًا.

رغم اختلاف بعض التفسيرات النبويّة، فإنّنا واثقون من أمر واحد: إنّه آتٍ ثانية، ويجب أن نكون مستعدّين. وهذا هو الامتحان الحقيقي لحِكْمَة الأيام الأخيرة. هل نؤمن بأن يسوع المسيح سيأتي ثانية؟ هل نحن مستعدّون لعودته؟ إنّ الأمانة في الحاضر هي مفتاح الاستعداد لعودته.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

أَحْمَال ثَقِيلَة عَسِيرَة الْحَمْل

فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِم. (متى ٢٣: ٤)

في الأسبوع الأخير من خدمته الأرضية، كان يسوع مكروهًا وملاحقًا من القادة الدينيين بين اليهود، لكنه قد أظهر شجاعة لافتة، ولم يتوارَ أو يتراجع أمام خصومه. وتُظهر لنا هذه الآية أن يسوع كان يوجّه حديثه إلى الجموع وتلاميذه بشأن الكتبة والفريسيين.

وبينما كان يسوع يتكلّم، كان خصومه ذوو القلوب القاسية يصغون إليه، لكنه لم يكن في الحقيقة يخاطبهم، بل أراد أن يُحذّر الشعب وتلاميذه من أولئك الكتبة والفريسيين.

بحسب وليم باركلي (William Barclay)، يصف التلمود اليهودي سبعة أنواع مختلفة من الفريسيين، ستةٌ منهم كانوا سيّئين.

  • الفَرِّيسِيّ الكَتفي: الذي يحمل أعماله الصالحة وبِرَّه على كتفه ليراها الجميع.
  • الفَرِّيسِيّ المؤجِّل: الذي ينوي دائمًا أن يعمل أعمالًا صالحة، لكنه يجد دائمًا عذرًا لتأجيلها لأن الوقت غير مناسب.
  • الفَرِّيسِيّ الجريح أو النازف: الذي يعتبر نفسه قديسًا إلى حدٍّ أنه كان يحوّل وجهه عن أي امرأة في الطريق، فكان يتعثّر ويصطدم بالأشياء، فيؤذي نفسه.
  • الفَرِّيسِيّ الأحدب: الذي يمشي مُنحنِيًا وبالكاد يرفع قدميه، ليُظهِر للنّاس كم هو متواضع.
  • الفَرِّيسِيّ المُحْصِي: الذي لا يتوقف عن عدّ أعماله الصالحة، مؤمنًا بأن صلاحه يجعل الله مدينًا له.
  • الفَرِّيسِيّ الخائف: الذي يحيا في رعب دائم من دينونة الله، فكان يفعل الخير خوفًا لا إيمانًا.
  • الفَرِّيسِيّ التقي: الذي يحبّ الله محبة صادقة، ويصنع الخير ليرضي الإله الذي أحبّه.

إنْ تمكَّن القادةُ بين الشعبِ اليهوديّ من رؤيةِ هذا الكمِّ من الفسادِ بين الفريسيين، فلا عجبَ أن يكون يسوع قد رآه هو أيضًا وأشار إليه.

إحدى المشكلات الجسيمة مع الكتبة والفريسيين هي أنهم كانوا يَحْزِمون أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ. وقد كانت هذه الأعباء، أو الأَحْمَال التي فرضها القادة الدينيون، تتناقض تمامًا مع حِمْل يسوع، الذي قال: إنّ نِيرِي هَيِّن وَحِمْلي خَفِيف (متى ١١: ٣٠). كان هؤلاء القادة يحمّلون الناس أحمالًا، أما يسوع فكان يرفعُ عنهم الأحمال. والأسوأ من ذلك، أن الكتبة والفريسيين لم يلتزموا أنفسهم بالمعايير التي كانوا يفرضونها، بل رَفَضُوا حتى تحريكَها بإصبعٍ واحدةٍ (وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ).

إن هذا الاتهام الذي وُجِّه إلى أولئك القادة الدينيين يمكن أن ينطبق أيضًا على العديد من القادة الدينيين في زمننا الحاضر. فكثيرون يُعلِّمون وكأن جوهر المسيحية هو مجموعة من الفرائض المُرهِقة التي يجب التقيّد بها. ولا شك أن اتّباع يسوع يحمل في طيّاته ثمنًا حقيقيًا، لكن اختباراتنا كمؤمنين هي، في جوهرها، اختبارات تحرّر لا عبودية. لذلك، ينبغي على المؤمنين أن يرفضوا الأعباء الثقيلة التي يحاول البشر أن يضعوها عليهم، بل أن يحيوا أحرارًا في يسوع المسيح.

اِسْلُك في الحُرِّية، ولا تَقبَل الأحمالَ الدينيّةَ التي من صُنعِ البشر، ولا تَفرِضها على غيرِك.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

الله وقَيْصَر

فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» قَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ». (متى ٢٠:٢٢-٢١)

في يوم الثلاثاء الذي سبق الصليب، قضى يسوع معظم اليوم في الهيكل، علَّم الجموع، وتصدى للقادة الدينيين الذين وقفوا ضدّه. اعتقد هؤلاء القادة اليهود أن بوسعهم أن يُسقِطوه في الخطأ من خلال أسئلةٍ معقّدة.

حاول بعضُ الفريسيين أن يُوقِعوا يسوعَ في فخٍّ من خلال سؤالٍ يتعلّق بدفع الضرائب. فأمامَ الجموعِ الفضوليّة، سألوه إن كان جائزًا دفعُ الجزيةِ لقيصر الروماني أم لا. وقد ظنّوا أنه إنْ قال: “نعم، ادفعوا الضرائب،” فإن الشعبَ العادي سيظنّ أنه مؤيِّدٌ لروما، وموافقٌ على نظامهم القمعيّ. أما إنْ قال: “لا، لا تدفعوا الضرائب،” فسيقع في مأزقٍ مع السّلطات الرومانيّة.

لكنهم لم يقدروا أن يُوقِعوه في الفخ. فسألهم أن يُرُوه عملة رومانية، ولما أحضروها، قال لهم: «لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» وبإجابته الحكيمة، أظهر يسوع أنه المُتسلِّط الكامل على الموقف. وقد وبَّخ شرَّ الفريسيين ورياءهم.

ثمّ، وهو يُمسِك بالدينار أمام الجميع، قال يسوعُ للقادة: «فَأَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ». يا لها من إجابةٍ مملوءةٍ بالحكمة!

في هذه الإجابة، أكَّد يسوع أن للحكومة مطالب مشروعة منّا. فنحن مسؤولون أمام الله في كلِّ شيء، لكن علينا أيضًا أن نُطيع السُّلطات في الأمور المدنيّة والوطنيّة. ولا يعني هذا أن كلَّ ما تطلبه أيُّ حكومةٍ هو أمرٌ صالحٌ ويجب طاعته، لكنَّ معظم الأمور – مثل الضرائب الأساسيّة – ينبغي الخضوع لها.

ومع ذلك، أضاف يسوع أننا ينبغي أن نُعطي لله ما هو لله. فكلُّ إنسانٍ قد طُبِعَت عليه صورةُ الله. وهذا يعني أننا نَنْتمي لله، لا لِقَيْصَر، بل ولا لأنفسنا أيضًا.

وهذا يعني أن الحكومة لا تَملِك كلَّ شيء – فثمّة حدودٌ لما يمكن أن تطلبه بحقّ، لأنّ هناك أمورًا تخصُّ الله، وليست من مُلك الدولة. إنَّ صورةَ الله المطبوعة على نفس الإنسان تعني أننا نَنْتمي لله في جوهرنا، لا للبشر.

لذلك، نكون في خطيّة حين نعتقد أن لا مسؤولية علينا تجاه السُّلطة المدنيّة التي نعيش في ظلّها؛ بل يجب أن نُظهر مواطنة صالحة، فنكون أمناء، نُؤدّي ما علينا من ضرائب، ونسعى بإخلاصٍ لخير مجتمعنا.

وفي الوقت نفسه، علينا التزامٌ أعظم تجاه الله. فنحن لا نسلّم نفوسَنا للدولة، بل لله وحده، أي الإله المُعلَن لنا في الكتاب المقدّس. وعندما تتجرّأ السُّلطة على أن تطلب منّا أمورًا لا يليق أن تُقدَّم إلا لله، نُطيع الله أوّلًا، ونتحمّل النتائج.

هذا ما قاله بطرس حول هذا الأمر: خَافُوا اللهَ. أَكْرِمُوا الْمَلِكَ (١ بطرس ٢:‏١٧). فعندما نفهم هذين الأمرين كما ينبغي، ندرك أنهما يُكمِّلان بعضهما البعض. أَعْطِ الدولة حقَّها، لكن أَعْطِ الله ما هو له وحده.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

ثلاث طرق لقبول المسيح

فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ». (متى ٤:٢١-٥)

خلال الجزء الأكبر من خدمته، سعى يسوع إلى تهدئة الترقّب المسياني. كانت خدمة يسوع خاضعة لجدول إلهي، ولم يرغب أن يتحول الحشد إلى جمهور ثائر يعلنه ملكًا. كان كل شيء سيُنجَز بحسب التوقيت المُعيَّن من الله الآب.

ولكن في هذا اليوم – الذي نُسميه أحد الشعانين أو الدخول الانتصاري – قَبِل يسوع المديح كالمسيّا والملك. وفعل ذلك علنًا وبقصدٍ في وقتٍ توافد فيه آلاف الزوار إلى أورشليم للاحتفال بالفصح.

ينبغي أن ننتبه إلى كيف دخل يسوع إلى أورشليم في أحد الشعانين.

دخل يسوع أورشليم عن قصد. وضع خطة مدروسة ونفّذها. في ذلك اليوم، لم يعُد يأمر الناس أن يصمتوا بشأن هويته أو مقاصده. بل دبّر عن قصدٍ مشهدًا عظيمًا.

ويأتي إلينا يسوع أيضًا عن قصد – في أوقات خاصة، ومواسم خاصة، ولأسباب خاصة. يبدو أنه معنا في كل حين، وهو كذلك بالطبع. ولكن هناك أوقات أخرى يأتي فيها يسوع بقصدٍ واهتمام بالغ ليقول لنا: “ها أنا ذا – اعرفوني في هذا الوقت وهذا المكان.”

دخل يسوع إلى أورشليم بطريقة غير معتادة. ربما توقع الناس أن يأتي يسوع سرًّا، لأنه كان رجلًا مطلوبًا وتحت خطر شديد – لكنه جاء علنًا. وربما توقّعوا أن يأتي ماشيًا، فهكذا كان يسافر عادة، لكنه ركب جحشًا صغيرًا. وربما كانوا يتوقّعون أن يأتي على ظهر حصان حرب، إذ كان كثيرون يتوقون إلى مسيّا يغلب الرومان.

أحيانًا نتمسك بتوقّعاتنا إلى درجة أننا نظن أن يسوع يجب أن يفعل هذا أو يكون ذاك لأجلنا، وعندما يأتي إلينا بطريقة غير معتادة، نفوته. لا تدع ذلك يحدث لك.

دخل يسوع إلى أورشليم بمهابة الملوك. تمّم النبوة الواردة في زكريا ٩:٩، التي تقول إن ملك إسرائيل يأتي راكبًا على جحش. وباستقباله الترحيب والتكريم الذي يليق بملك، قدّم يسوع نفسه لإسرائيل كملك. لقد وصل ملكهم.

جاء يسوع إلى أورشليم بمهابة الملوك، وهو يأتي إلينا كملك، بكل ما تحمله هذه الصفة من معنى. إن الله أب، وخالق، وراعٍ، وزوج، وقاضٍ – لكن لا تنسَ أنه ملك، ونحن مدينون له بالإكرام الملوكي.

علينا أن نحرص على ألا ننتقي من هذه الألقاب ما يروق لنا، ونتجاهل ما لا يُناسِبنا. فعندما يأتي إلينا الملك يسوع، لا يحقّ لنا أن نقول له: “هل يمكنك أن تعود كراعٍ؟ فهذا يُريحني أكثر.” كلا،
بل أكرمه واخدمه كملك.

استقبل يسوع بهذه الطرق: عن قصد، وبطريقة غير معتادة، وبمهابة الملوك.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

مَثَل يُظْهِر النِّعْمَة

فَأجَابَ وَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ، مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ فَخُذِ الَّذِي لَكَ وَاذْهَبْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هذَا الأَخِيرَ مِثْلَكَ. أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَا لِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟ (متى ١٣:٢٠-١٥)

هذا من الأمثال العزيزة على قلبي. حكى يسوعُ قصةً عن صاحبِ كرمٍ استأجرَ عمالًا في أوقاتٍ مختلفةٍ خلال النهار. عمل بعضهم اثنتي عشرة ساعة، وآخرون ثماني ساعات، أو أربعًا، وبعضهم لساعاتٍ قليلةٍ فقط. وعندما حان وقتُ دفعِ الأجور، بدأ بدفع الأجر لآخرِ من تمّ استئجارهم، ودفع لهم الأجرة نفسها التي أعطاها للذين عملوا منذ الصباح. لقد أعطى الجميع أجرَ يومٍ كامل، سواء عملوا ساعتين أو اثنتي عشرة ساعة.

لماذا؟ لأنه ببساطة أراد ذلك.

الذين عملوا طوال اليوم تَذَمَّرُوا عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ. ومع أنهم تقاضوا الأجرة الذي وُعِدوا بها، إلا أنهم لم يُعجبوا أن صاحب الكرم كان أكثر سخاءً مع الذين عملوا لساعاتٍ قليلة فقط.

من السهل أن نتعاطف مع الذين عملوا طوال اليوم؛ فقد عملوا بينما كان الآخرون عاطلين، وعملوا في ثِقَلَ النَّهَارِ وَالْحَرَّ، بينما كان الآخرون يستظلون. ومع ذلك، فقد نالوا الأجرة نفسها.

وفي رده، ذكّرهم صاحب الكرم بأنه كان منصفًا تمامًا معهم. لم يظلمهم، ولم يُخلّ بأي وعد. لم يُقدّم صاحب الكرم أي تفسير لما فعله، سوى القول ببساطة: ’فَإِنِّي أُرِيدُ.‘ إن أسباب كَرَم صاحب الكرم كانت كامنة فيه هو وحده، وليست في أولئك الذين تلقّوا الأجرة.

هذا المثل كان جوابًا على سؤال بطرس: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» (متى ١٩: ٢٧). وكأن الرب يسوع يقول: على تلاميذه أن يتوقعوا مكافأة، لكن لا ينبغي أن يندهشوا إن كافأ الله آخرين بطرق غير متوقعة عند توزيع المكافآت.

إن لبّ النعمة الإلهية يكمن في أن الله يكافئ ويبارك بحسب مشيئته ومسرّته، لا بناءً على استحقاق البشر. فصاحب الكرم لم يُجحف في حق أحد، مع أنه اختار أن يكون كريمًا مع بعضهم دون غيرهم. إن عدل الله لا يُنتقص أبدًا، لكنه يحتفظ بحقه أن يسمو فوق العدل ويمنح كما يشاء، بحسب صلاحه.

هذا المثل ليس تمثيلًا كاملًا لنعمة الله، لأن مبدأَي العمل والاستحقاق متضمَّنان فيه. فنعمة الله لا تمنحنا بركةً تفوق ما نستحقه فحسب، بل تمنحنا البركة بمعزلٍ تمامًا عمّا نستحقه.

ومع ذلك، فإن العيش تحت النعمة يشبه سيفًا ذا حدّين. فمن يعيش في ظلّ النعمة لا يستطيع أن يأتي إلى الله شاكيًا: “اعتقد أنني أستحق أفضل من هذا،” لأن الله سيجيبه: “هل يعني هذا أنك تريد حقًا أن أعاملك بما تستحقه؟”

فلا تتذمّر من حقّ الله في أن يُعطي ويكافئ كما يشاء؛ فإن خطة نعمته مملوءةٌ مجدًا.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل متى الإصحاح ٢٠

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك