حِينَما قالَ يَسوع: ’لا‘

وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ: «يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ». فَقَالَ لَهُ: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟» وَقَالَ لَهُمُ: «انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ». (لوقا ١٣:١٢-١٥)

كان يسوع قد أنهى لتوه تعليمًا عن قيمتنا عند الله (٦:١٢-٧) وعن أهميّة الاعتراف به أمام الناس (٨:١٢-١٢). وفي خضم هذا التعليم، جاء رجلٌ وقاطع يسوع طالبًا منه أن يقف إلى جانبه في نزاع ماليّ، وقال: «يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ».

وبحسب شريعة ذلك الزمان، كان الأخ الأكبر يحصل على ثلثَي الميراث، أمّا الأخ الأصغر فكان نصيبه الثلث. لم يطلب هذا الرجل من يسوع أن يستمع إلى الطرفين ويصدر حكمًا عادلًا؛ بل طلب منه أن ينحاز إليه ضدّ أخيه (قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ).

من الواضح أن كلمات يسوع السابقة عن ضرورة التكريس الكامل، وعن رعاية الله لنا، لم تَنفُذ إلى قلب هذا الرجل. فقد شعر أن عليه أن يُناضِل من أجل حقّه، وأراد من يسوع أن يتبنّى قضيته.

عندها قدم يسوع جوابًا قد يبدو مُفاجئًا لبعض الناس. فدَيّانُ كلِّ العالم (يوحنا ٢٢:٥) قال: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟» لم يرَ يسوع أن من مسؤوليته أن يَحكُم في كل مسألة أو أن يحلَّ كل مشكلة. فبعض الخلافات لم يشأ أن يتدخّل فيها.

لم يكن الأمر أن يسوع غيرُ مُبالٍ بالعدالة؛ لكنّه أدرك تمامًا أن طمع هذا الرجل سيُلحق به ضررًا أكبر بكثير من حرمانه من نصيبه من الميراث. وقد تمرّ بنا أوقاتٌ نناضل فيها بلا توقف من أجل ما نعدّه حقًا لنا؛ لكن في النهاية، عندما نحصل عليه، قد يصبح حالُنا أسوأ ممّا لو تركناه وسمحنا لله أن يتولى الأمر.

استغلّ يسوع طلب هذا الرجل ليتحدث إليه وإلى الجُموع عن خطرِ الطَّمَعِ. وربما لم يكن الدافع الحقيقي لذلك الرجل هو العدالة، بل الطَّمَعُِ. فرجُلانِ يتقاسمان ميراثًا وهما أسيرانِ للطَّمَع لا بُدَّ أن يتخاصما؛ أمّا إذا كانا خاليين من الطَّمَعِ، فسيكون من السهل عليهما أن يحلّا مثل هذه الأمور بسلام.

الطَّمَعِ حماقةٌ، لأن حياة الإنسان لا تقوم على كثرة ما يَملِكُه (فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ). وعندما نعيش ونحن نعتقد أن حياتنا تتكوَّن مما نملك، فنحن نعيش في طَّمَعِ، والطَّمَعَ هُوَ عِبَادَةُ أَوْثَانٍ (كولوسي ٥:٣).

تقدّم لنا هذه الآيات تحذيرين مهمّين. الأول: لا تُخفِ دوافعك الأنانية وراء ادعاء الاهتمام بالعدالة – فهذه ليست العدالة التي يقبلها يسوع. والثاني: تذكّر أن سّر الحياة الوفيرة المليئة بالفرح لا يكمن في جمع الأشياء، بل في يسوع وما يمنحه من بركات أعظم.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ

حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ وَالتَّرَنُّمُ لاسْمِكَ أَيُّهَا الْعَلِيُّ. أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي الْغَدَاةِ، وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ. (مزمور ١:٩٢-٢)

ليس ممتعًا التعامل مع شخص جاحد غيرِ شاكر. فمن غير اللائق أن ينال المرء الكثير ثم يبقى جاحدًا. وعلى روح الشكر أن تزداد في حياتنا لا أن تنقص، فقلّما نرى شخصًا فنقول إنه يُبالغ في الشكر.

يُذكِّرنا مزمور ٩٢ بأن تقديم الشكر (الْحَمْد) لله ليس صوابًا فحسب، بل هو أمرٌ حَسَنٌ أيضًا. لذلك يبدأ المزمور بتصريح بسيط وعميق في آنٍ معًا: حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ. وبصياغة أوضح: إن تقديم الشكر (الْحَمْد) ليهوه، إله العهد وصانع السماوات والأرض، هو حَسَنٌ في ذاته.

وفيما يلي سبعة أسباب تُبين لماذا حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ – وأنا واثقٌ من أنك تستطيع أن تضيف أسبابًا أخرى أيضًا:

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأنّ حَمْدَ (شُكْرَ) خالقنا أمرٌ ملائم. الله خلق كل شيء، بما في ذلك أنت. وجودك ذاته عطية منه؛ ومن الحسن والصواب أن تُقدّم له الشكر.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن حَمْدَ فادينا أمرٌ لائق. أكتُب إليكم أنتم كمؤمنين وتلاميذ للمسيح. فالله بالنسبة إليكم ليس خالقكم فقط، بل مُخَلِّصُكم أيضًا. ففي العهد الجديد افتداكم يسوع وانتشلكم من رمال الخطية والأنانية. وهذا سببٌ عظيم لحمده.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لأن حَمْدَ من يباركنا وينقذنا أمرٌ صواب. لن أتجاهل تجارب الحياة وصعوباتها، لأن المسيح نفسه قال: فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ (يوحنا ٣٣:١٦). ومع ذلك، فالله يفيض علينا ببركات تفوق أتعابنا، ويمنح الخلاص لكل من يثق به.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن الإله الصالح يبقى صالحًا دائمًا. وكما قال البشير متّى: لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ (متى ١٧:١٩). حتى أفضل الناس يكونون صالحين في أغلب الأحيان، لا دائمًا؛ أمّا الله فصالحٌ في كل وقت، وبشكل مطلق، وهذا وحده سببٌ كافٍ يدعونا إلى أن نشكره.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن الشكر يعود بالنفع علينا. فشعورك بالشكر تجاه الله خيرٌ لك. حتى لو كان بدافع أناني، يبقى الشكر نافعًا لنفوسنا.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُّ، لأننا بذلك نقدم للناس مثالًا حيًا. فلا تشتكِ من ناكري الجميل من حولك، بل كن أنت نموذج الامتنان الحقيقي، ودع الآخرين يرون فيك روح الشكر.

– حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ، لأن الموقف الداخلي وحده لا يكفي. فلا تكتفِ بمجرد إحساس داخليّ بالشكر، بل عبّر عن امتنانك عمليًا، وافعل ذلك كثيرًا (فِي الْغَدَاةِ… كُلَّ لَيْلَةٍ).

هذه فُرصتُك لتُشارك في أمرٍ حَسَنِ!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لمزمور ٩٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

دَقّ بابَ السَّماء

وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. (لوقا ٩:١١-١٠)

في هذا التعليم عن الصلاة، دعا يسوع تلاميذه أن يقتربوا من الله بإلحاحٍ مُتَزايِد، منتقلين من السُّؤال إلى الطَّلَب ثم إلى القَرْع (الطَّرق أو الدَّقّ). فالسؤال أمرٌ جيّد، لكن الطَّلَب أكثرُ فاعليّةً من مجرّد السُّؤال. والطَّلب أمرٌ حسن، لكن القَرْع على الباب أشدُّ قوةً وإصرارًا من مجرّد الطَّلب. وفي هذا كلّه، دعا يسوع أتباعه إلى أن يصلّوا بإلحاح وشغفٍ وثباتٍ لا يَعتَرِيهِ مَلَل.

وفي هذا الوصف الثلاثيّ للصلاة – السُّؤال والطَّلَب والقَرْع – نرى جوانبَ مختلفةً من الصلاة، وما تحمله الصلاة من ثمر.

– الصلاة تُشبه السُّؤال، لأننا فيها نُعلِمُ طلباتِنا لدى الله، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ. فالأخذُ هو ثَمَرُ السُّؤال.

– الصلاة تُشبه الطَّلَب، لأننا فيها نبحث عن الله وكلمته ومشيئته؛ وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ. فالإيجاد هو ثَمَرُ الطَّلَب.

– الصلاة تُشبه القّرْع على الباب إلى أن يُفْتَحْ، طالبين الدُّخول إلى قصرِ مَلِكنا السّماوي العظيم. فالدخولُ من الباب المفتوح إلى قصره هو ثَمَرُ القَرْع على الباب، وهو أعظمُ الثمار على الإطلاق.

وتُوحي فكرةُ الطَّرْق على الباب أيضًا بأننا نُدرك ضِمنًا أن هناك مقاومة. فلو كان البابُ مفتوحًا أصلًا، لما احتجنا إلى أن نَطرُقَه. ومع ذلك، شجَّعنا يسوع قائلًا: “حين تشعُر أن الباب مُغلَق، وعليك أن تَقرَع، فاقرَع ولا تتوقف، فستنال الجواب.”

غير أنَّ صورة القَرع على الباب تُوحي أيضًا بوجود بابٍ يمكن أن يُفتَح. فالرب لم يطلب منا أن نتسلَّق نافذة، ولا أن نَشُقَّ طريقًا عبر جدار. فنحن نقرع الأبواب، لأنها وُجِدت لتُفتح.

نقف أمام باب الله، وكلُّ ما علينا فعله هو أن نَقرَع. ولو كان الباب مُقفلًا، لاحتجنا إلى أدواتٍ لفتحه، غير أن ذلك ليس ضروريًا؛ فكلُّ المطلوب هو أن نَقرَع. وحتى إن لم نمِلك مهاراتٍ لفتح الأبواب المُغلقة، فبإمكاننا على الأقل أن نَقرَع – فهذا نعرفه جيدًا.

وعدَ الله بأن يُجيب من يلتمسه بإصرار وأمانة بقوله: اسْأَلُوا تُعْطَوْا. فالله يفرح بالإصرار والشغف في الصلاة، لأنهما يكشفان أن قلوبنا منسجمة مع قلبه، ويُظهِران أننا نهتم بما يهتم به هو. فالمواظبة في الصلاة لا تعني أننا نحاول التأثير على إرادة الله أو تغييرها؛ بل هي تُمجده، وتُظهر اعتمادنا عليه، وتُقرب قلبنا من قلبه.

تذكَّر أن استجابة الله لِمَن يَسأل ويَطلُب ويَقرَع ليست دائمًا ’نعم.‘ لكن حتى عندما يكون ردُّه ’لا‘ أو ’انتظر،‘ فإن ذلك يبقى ردًا من إلهٍ مُحِب يسعى لخيرنا، ويمتلك من الحكمة والمعرفة ما يفوق إدراكنا.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

حَصَادٌ كَثِيرٌ وَفَعَلَة قَلِيلُون

فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنِ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ، فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ. اِذْهَبُوا. هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ. (لوقا ١٠: ٢-٣)

كان يسوع يُعِدُّ السبعين ليكرزوا برسالته في منطقة الجليل، واستخدم صورة حقلٍ ناضجٍ للحصاد، إذ قال لهم إنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ. كان يسوع واعيًا لإلحاح خدمته، لأنه رأى الناس كحصادٍ قد نضجَ للجمع. وعندما فكّر في عِظَمِ احتياج الإنسان، رأى في ذلك فرصة يجب اغتنامها.

وباستخدام الصورة التي قدّمها يسوع، نستطيع أن نقول إن الحقل نفسه كان واسعًا، وأن الحصاد كان كبيرًا أيضًا. ولم تكن هذه المرة الأولى التي قال فيها يسوع هذا الكلام؛ فقبل ذلك بوقتٍ ما وفي موضع آخر قال الفكرة نفسها (متى ٩: ٣٧-٣٨). ولعلّ هذه العبارة كانت أشبه بكلمةٍ مأثورة يكررها يسوع تعكس ما كان يلاحظه.

وما زال هذا الأمر صحيحًا إلى اليوم: فالْحَصَادُ كَثِيرٌ حقًا، والْفَعَلَةُ قَلِيلُونَ. وهذا لا يعني الحاجة إلى مزيد من الفعلة فحسب، بل يعني أيضًا أن الفعلة يجب أن يجتهدوا في عملهم. فعندما يكون العمل كثيرًا والعمّال قليلين، ينبغي لكل واحدٍ منهم أن ينشغل بالعمل بجدّ.

هذا حصادٌ يحتاج إلى فَعَلة. فخير الحصاد قد يضيع إن لم يوجد مَن يعمل ليستفيد منه. وقد نبّه يسوع إلى أن الفرص المتاحة لسدِّ احتياج الناس وضمِّهم إلى ملكوته قد تضيع بسبب قلّة الفَعَلة.

وبناءً على هذا كله، طلب منهم يسوع أن يصلوا لرَبِّ الحَصَاد، فالعمل أمامهم عظيم ولا يمكن إنجازه بدون اللجاجة في الصلاة. وقد طلب منهم على وجه التحديد أن يسألوا ربَّ الحَصَادِ أن يُرسِل فَعلة إلى حَصَاده. ويتحدّث هذا الأمر بقوّة عن:

– أهمية الصلاة في عمل الكرازة (فَاطْلُبُوا).

– أن الله هو صاحب الحصاد وصانِعه (رَبِّ الحَصَاد).

– الحاجة إلى العمّال في خدمة الكرازة (فَعَلَة).

– دعوة الله وإرساليته في عمل الحصاد (أَنْ يُرْسِلَ).

– طبيعة المشاركة في الحصاد بوصفها عملًا يتطلّب (فَعَلة).

– ضرورة الاعتراف بمن ينتمي إليه الحصاد (حَصَادِهِ).

وأرسلهم يسوع أيضًا كحُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَاب. ولا يبدو الذهاب كحملانٍ بين ذئاب أمرًا جذّابًا؛ ومع ذلك، فهكذا أُرسِل يسوع، وهكذا ظهرت قوّة الله من خلاله بقوة عظيمة.

ابحث عن الطريقة التي يمكن لله أن يستخدمك من خلالها للمساهمة في حصاده العظيم في عالمنا اليوم. فأنت عاملٌ واحدٌ بين كثيرين، ونصلّي أن يرسل الله المزيد. ومع ذلك، يبقى العمل الذي يكلّفنا به يسوع عملاً مهمًّا، ويجب أن نقوم بنصيبنا فيه.

إنه حصادُه هو – فالمجدُ لله الذي يمنحنا عملًا لنقوم به في حقله!

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ١٠

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

هَل أَسْتَحِي بِـيَسُوع؟

لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ. (لوقا ٢٦:٩)

وجَّه يسوع دعوة غير مألوفة إلى كلِّ من أراد أن يتبعه ويصيرَ تلميذًا له. فقد دعا الناس إلى أن يجدوا الحياة فيه من خلال إنكار ذواتهم وخسارتها (لوقا ٢٤:٩). كما حذَّر من حماقةِ أن يربح الإنسان العالم كُلَّه ويخسر نفسه (لوقا ٢٥:٩). إنَّ الاستعداد للتخلي عن كلِّ شيء من أجل يسوع هو الطريق إلى حياةٍ مثمرة ووافرة فيه.

ثمّ أعلن يسوع هذه الحقيقة العجيبة: لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ. فليس من السهل أن يتخلّى الإنسان عن كل شيء ليتبعَ يسوع، لأن ذلك يعني أن يتّحد بذاك الذي احتُقِرَ وقُتِلَ على صليبٍ قاسٍ. ولكن إن استحينا به، فسيستحي هو بنا أيضًا.

وُجدت على أحد جدران روما القديمة (حوالي سنة 200 ميلادية) رسمةٌ محفورةٌ تُصوِّر رجلًا يسجد أمام مصلوبٍ رُسِمَ برأس حمار. وإلى جانبها عبارة تقول: “ألكسامِينوس يعبُد إلهه” – في سخريةٍ واضحةٍ من أحد المؤمنين بالمسيح.

تعرَّضَ المسيحي القديم ألكساميِنوس للازدراء، واضطر أن يواجه سؤالًا مصيريًا: هل أستحي بيسوع أم لا؟ ونحن أيضًا نواجه السؤال نفسه اليوم، وإن بصورٍ مختلفة.

لم يكن غريبًا أن يَسْتَحِي بعضُ الناس من إيمانهم بيسوع أثناء خدمته على الأرض، ولكن العجيب حقًا أن يَستَحِي به أحدٌ في أيامنا هذه! فنحن نراه اليوم مُعلنًا في كمالِ محبّته الباذلة، وفي مجد قيامته الظافرة، وفي صعوده إلى السماء وتمجيده فيها، وهو ما يزال يُحب شعبه ويشفع فيهم من هناك.

فمن ذا الذي يمكن أن يَسْتَحِي بكلِّ هذا؟

ومع ذلك، ما زال هناك من يَستَحِي بيسوع. فالذي يَستَحِي، في العادة، يملك شيئًا من الإيمان، إذ لا يمكن لإنسانٍ أن يَستَحِي من أمرٍ لا يؤمن به. إنه يؤمن، لكنه لم يضع ثقته الكاملة في هذا الإيمان. فمعنى أن تَستَحِي من شخصٍ ما هو أنك لا تريد تُرى معه في العلن، وكثيرون يخشون أن يُعرَفوا علنًا بأنهم تلاميذ ليسوع، فلا يرغبون في الحديث عنه، ويتجنّبون ذِكرَه كلما أمكن ذلك.

يَستَحِي البعض بسبب الخوف، وآخرون تحت ضغط المجتمع، وغيرُهم بدافع الكبرياء الفكري أو الثقافي. لكن إن فكرنا في الأمر بموضوعية، فإن هذا يُعد ظاهرة غريبة حقًا.

إنها دعوة إلى ولاءٍ عميق ليسوع. فقد أراد المسيح أن يعرف إن كنّا سنستحي به أو بكلامه. ولو لم يكن يسوع هو الله، لكانت هذه دعوةً إلى عبادة الأوثان؛ أمّا كونه اللهَ نفسَه، فيجعلها دعوةً إلى السجود والعبادة.

يا صديقي المؤمن، هل تَسْتَحِي بيسوع المسيح؟ إن كنتَ تشعرُ بذلك، فارجع إلى مُخلِّصك بتوبةٍ صادقةٍ لتتحرّر من هذا الخجل غير المبَّرر تجاهه. وبمعونته، وبقوّته، عِشْ إيمانك بجرأة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الأبطال المنسيّون

وَعَلَى أَثَرِ ذَلِكَ كَانَ يَسِيرُ فِي مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ يَكْرِزُ وَيُبَشِّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَمَعَهُ الِاثْنَا عَشَرَ. وَبَعْضُ النِّسَاءِ كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ: مَرْيَمُ ٱلَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ ٱلَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ، وَيُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ، وَسُوسَنَّةُ، وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ. (لوقا ١:٨-٣)

فيما واصل يسوع خدمته في كلّ مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ من الجليل، كان يرافقه الِاثْنَا عَشَرَ – أولئك الرّجال الذين دعاهم ليكونوا تلاميذه، والذين صاروا فيما بعد رُسُل الكنيسة الأولى. وجاءت كرازةُ المُخَلّص حَامِلةً بِشَارَةَ مَلَكُوتِ اللهِ إلى الناس، إذ أعلن أنّ مَسِيحَ الرَّب ومَلِكَهُ حلّ بينهم.

لكن أكثر ما يلفتُ الانتباه في هذه الآيات هو ذِكر بَعْضُ النِّسَاءِ اللَّواتي تَبِعن يسُوع. وقد أشار لوقا إلى هذا الأمر في سرده لحياة يسوع لأنه كان غير مألوفٍ في ذلك الزمان. لم يكن غريبًا أن يُرافق المُعلم اليهودي جماعةً من الرجال الذين اختارهم ليكونوا تلاميذه، لكن ما كان نادرًا ومُلفتًا هو أن تتبعه بَعْضُ النِّسَاءِ، يتعلّمنَ مِنهُ ويَخدِمنَهُ. فقد كان ليسوع موقف مغاير تمامًا تجاه المرأة، على خلاف القادة الدينيين والمُعلّمين آنذاك الذين رفضوا تعليم النساء وعدّوهنّ أقلّ شأنًا في ملكوت الله.

كانت إحداهنّ مَرْيَمُ ٱلَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ، التي حرّرها يسوع من سُكنَى سبعة شياطين. ويفترض كثيرون أنها كانت منغمسة في الفجور، ولكن الكتاب لا يقول ذلك صراحة.

وأُخرى هي يُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُس. وهذا يعني أن زوجها كان يشغل منصبًا رفيعًا ومحلّ ثقة لدى الحاكم هيرودس. كانت يُوَنَّا امرأةً ذات مقام ومكانة اجتماعية مرموقة. وقد علَّق ويليام باركلي على هذا قائلًا: “من المُدهش حقًا أن نرى مريم المجدلية، ذات الماضي المضطرب، ويُونا، سيدة المجتمع الرَّاقي، تسيران معًا في رِفقَةِ يسُوع.” والواقع أن كلتا المرأتين كانتا من أوائل الشهود على قيامة المسيح (لوقا ١٠:٢٤).

ومع ذلك، لم تقتصر قائمةُ النِّساء اللواتي خَدَمنَ يسُوع على مريم ويُونّا وحدهما، إذ نقرأ أيضًا عن كَثِيرَاتٍ أُخَرَ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ. تُترجم هذه العبارة الكلمة اليونانية القديمة ديـاكونيـا (diakonia)، وهي الأصل الذي اشتُقَّت منه لاحقًا كلمة ’شماس.‘ فهؤلاء النساء قدّمن الدعم المادي والعملي ليسوع وتلاميذه، وأنفقن من أموالهنّ الخاصة بسخاء. لقد كانت خدمتهن صالحة وكريمة ومُعِينة للمُخلص ولمن يعملُون معه.

ويُضيء هذا المشهد جوانب جميلة من حياة هؤلاء النسوة، اللواتي يمكن أن نعدّهن أبطالًا مَنسِيّاتٍ في خدمة يسوع. ويَصدُقُ ذلك بخاصة على الكثيراتِ الأُخَرِ الّلاتي لا نَعرِفُ حتى أسماءهُنَّ.

ويُظهر هذا أيضًا شيئًا رائعًا عن طبيعة يسوع المتواضعة، الذي قَبِلَ طوعًا أن يجعل نفسه معتمدًا على الآخرين. لم يكن مُجبرًا على ذلك، إذ كان قادرًا أن يخلق كل ما يحتاج إليه من مالٍ أو طعامٍ. لكنه كان متواضعًا وتقيًا إلى الحدّ الذي جعله يقبل أن يخدمه الآخرون – حتى أولئك الأبطال المنسيّين.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

مَن أَعظَمُ مِن يُوحَنَّا الْمَعمَدَان؟

هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ! لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ». (لوقا ٢٧:٧-٢٨)

جاء رُسُلٌ من يوحنّا المعمدان إلى يسوع يسألونه إن كان هو حقًا المسيا المنتظَر. وكان يوحنّا في السجن آنذاك، وربّما شعر بشيءٍ من الإحباط. وبعد أن سمع الرُسُل جوابَ يسوع، عادوا ليُخبِروه بما رأوه وسمعوه. ثم بدأ يسوع يشرح للجُموع من هو يوحنّا المعمدان، مُظهرًا أهميّة خدمته وعظمتها.

في لوقا ٧: ٢٤-٢٦، أوضح يسوع أن يوحنّا كان رجلَ الله العظيم، إذ ثبت بقوّة، ولم يعِش لراحته أو لطلب استحسان الآخرين. وقد اقتبس يسوع من سفر ملاخي قوله: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلَاكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَك، وهي نبوّةٌ عن مجيء يوحنّا. فكلّ الأنبياء الذين سبقوه لم تُذكر نبوّاتٌ عنهم، أمّا يوحنّا فقد تنبّأ الأنبياءُ عنه، ولذلك كان أعظمَ من جميع الأنبياء الذين سبقوه.

ثمّ قال يسوع شيئًا مدهشًا عن يوحنّا. إذ أوضح: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ. كان يوحنّا أعظمَ من جميع الأنبياء الذين سبقوه، لأنّهم جميعًا قالوا، كلٌّ بطريقته: “المسيح آتٍ.” أمّا يوحنّا فكان له الامتياز أن يُعلن: «هوذا المسيحُ!» ويا لَها من رسالةٍ أعظمَ أن يُكرز بها!

ثمّ أضاف يسوع شيئًا أكثر إثارة للدهشة: وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ. ومع أنّ يوحنّا كان عظيمًا، إلّا أنّه لم يُولَد ثانيةً في ظلّ العهد الجديد، لأنّه عاش ومات قبل أن يكتمل عملُ يسوع على الصليب والقبر الفارغ. لذلك، لم ينَل يوحنّا امتيازات العهد الجديد (كورنثوس الأولى ١١: ٢٥، كورنثوس الثانية ٣: ٦، عبرانيين ٨: ٦-١٣).

غالبًا ما لا نفكِّر بهذه الطريقة، ولكن بالطبع، بما أنّ يسوع علّم هذا فهو صحيح. وقد شرح سبيرجن الأمر بهذه الصورة: “كما يُقال عادةً: فإن أحلك نهار أكثر نورًا من أكثر الليالي نورًا. ولذا، فإنّ يوحنا، وهو الأوّل في رتبته وفئته، إنما هو الأخير في الفئة الجديدة أو رتبة الإنجيل. فالأصغر في عهد الإنجيل أسمى من الأعظم تحتَ الناموس.”

عند التأمّل في الأمر كلّه، نرى أنّ يوحنّا المعمدان كان مميَّزًا بطرقٍ كثيرة:

كان يوحنّا ثابتًا لا يتزعزع، فلم يكن كقصبةٍ تهتزّ بسهولة.

كان يوحنّا رصينًا، إذ عاش حياةً منضبطة، بعيدًا عن مباهج هذه العالم وملذّاته.

كان يوحنّا خادمًا لله ونبيًا من أنبيائه.

كان يوحنّا مُرسَلًا مُعيّنًا من الرَّبّ.

كان يوحنّا مميزًا، إذ حُسِبَ الأعظم في ظلّ العهد القديم.

كان يوحنّا الأصغر في الملكوت في ظلّ العهد الجديد.

مَن أعظمُ من يوحنّا المعمدان؟ كلُّ مؤمن بالمسيح يسوع وفي عهده الجديد، أعظمُ منه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا  ٧

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الخِدْمَةُ المُوجَّهَةُ بالكَلِمَةِ

وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ قَالَ لِسِمْعَانَ: «ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ». فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا. وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ». (لوقا ٤:٥-٥)

قضى سمعان بطرس، ومعه بعضُ التلاميذ، اللَّيْلَ كُلَّهُ في الصيد دون أن يُمسكوا شيئًا. وفي الصَّباح، طلب يَسُوع أن يَستخدِمَ قارِبَهُم كمنبرٍ مُؤقَّتٍ للتَّعليم. وتزاحم الناس لسماعه على شاطئ البحيرة، فكان من الأنسب أن يجلسَ المُخلِّصُ في القارب ليُعلِّمَ الجموعَ من هناك.

ثم قال يسوع لسمعان بطرس: ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ. وبعد أن فرغ يسوع من التعليم، أراد أن يكافئ سمعان الذي أعاره قاربه ليُعلِّمَ منه الجموع. فما كان سمعان بطرس ليُقدِّم شيئًا ليسوع إلّا ورَدَّه له الرَّب أضعافًا مضاعفة.

يبدو أنّ يسوع كان حاضرًا معهم حين وجَّههم، إذ نراه في القارب في الآية الثالثة، ومن الواضح أنّه بقي فيه أيضًا في الآية الرابعة. لقد منحهم حضورُه ثقةً وطمأنينة. وكان هناك معهم حين طَلَبَ منهم أن يدخلوا إلى العمق ويُحاوِلوا مرةً أُخرى.

بكل احترام، وباستخدام لقب ’يا مُعَلِّم،‘ أوضح سمعان بطرس أنّ الصيد في وضح النهار لا يبدو منطقيًّا، لأنّ أشعّة الشمس على سطح الماء تدفع الأسماك إلى أعماق أبعد. لقد تعِبوا اللَّيْلَ كُلَّهُ ولم يصطادوا شيئًا، ولم يكن هناك سببٌ يدعوهم لتوقّع أي صيدٍ في وضح النهار.

ثم أضاف سمعان بطرس هذه الكلمات الرائعة: وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ. ومع أنّ الأمر بدا غير منطقيّ، فإنّ بطرس كان مستعدًّا للطاعة. وأحبّ أن أتخيّل الأعذار التي كان يمكن لسمعان بطرس أن يتذرّع بها.

“لقد عملتُ طوال الليل، وأنا متعب.”

“أنا أعرف عن الصيد أكثر ممّا يعرفه نجّار.”

“أفضل وقتٍ للصيد هو الليل، لا النهار.”

“كلُّ هذه الجموع وتعليمُه بصوتٍ عالٍ ربّما أخاف الأسماك وأبعدها.”

“لقد غسلنا شِباكنا بالفعل، وانتهى الأمر.”

“لا شكّ أنّه يفهم كثيرًا في أمور الدّين، لكنّه لا يعرف شيئًا عن الصيد.”

لكن بدلاً من ذلك، قال سمعان بطرس: عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ. كان هذا إعلانًا رائعًا عن إيمان بطرس وثقته بكلمة يسوع. وقد كوفئ هذا الإيمان، إذ امتلأت شِباكُه بصيدٍ عظيمٍ من الأسماك.

في كلّ العصور، عاش شعبُ الله بهذه الثقة في كلمة يسوع، وانطلقوا بها إلى حيث دعاهم. ويمكننا جميعًا أن نقول ليسوع:

عَلَى كَلِمَتِكَ كان النور.

عَلَى كَلِمَتِكَ خُلِقَت الشمسُ والقمرُ والنجومُ والكواكب.

عَلَى كَلِمَتِكَ جاءت الحياةُ إلى هذه الأرض.

عَلَى كَلِمَتِكَ تقوم الخليقةُ وتستمر.

عَلَى كَلِمَتِكَ تقوم الإمبراطوريات وتَسقُط، ويُظهِرُ التاريخُ تَحَقُّقَ خُطَّتِكَ العظيمة.

قد يكون العمل بلا نتائج أمرًا مُحبِطًا، لكن حين تجد نفسك في هذا الموقف، ثق بكلمة يسوع، ودَعْهُ يُوجِّه خدمتك.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

العِظة المرفوضة

فَامْتَلَأَ غَضَبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هَذَا، فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى. (لوقا ٢٨:٤-٣٠)

على مَرّ السنين، ألقيتُ مئات العِظات في أماكن وظروف شتّى. وبعد كل عِظة، كنتُ أتلقّى من الناس ردود فعلٍ متنوّعة: أحيانًا يعبّرون عن امتنانهم، وأحيانًا يتصرّفون بلامبالاة، وأحيانًا أخرى يُبدون خيبةَ أمل.

في كلّ سنوات خدمتي الوعظيّة، لم يحدث قطّ أن حاولت جماعةٌ قتلي بعد إحدى العِظات، لكن هذا بالضبط ما حدث عندما كان يسوع يعظ في مسقط رأسه، الناصرة.

يخبرنا لوقا ٤ أنّه عندما دخل يسوع إلى المجمع في الناصرة، قرأ من سفر إشعياء ١:٦١-٢. استخدم يسوع هذا المقطع البديع ليشرح طبيعة خدمته، إذ جاء لِيُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، وَيَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ، وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَيُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّة. ففي يسوع تَحقَّقت نبوّة إشعياء ١:٦١-٢، وقد صرّح بذلك بوضوح.

قد تظنّ أنّ هذا سيجعل أهل الناصرة، مسقط رأس يسوع، سعداء وفخورين. لكن الغريب أنّهم غضبوا منه، وطالبوه أن يصنع أمامهم بعض المعجزات المذهلة التي صنعها في أماكن أخرى. فذكّرهم يسوع بأنّ الله يعمل عمله كما يشاء، وحيث يشاء، ومع من يشاء.

ردًّا على ذلك، امْتَلَأَ أهلُ النّاصِرَة غَضَبًا، فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ. كان هذا ردًّا عنيفًا على عِظة! غضبوا لأنّه كشف لهم خللًا في قلوبهم، ولأنّ طلبهم للمعجزة رُفِض، ولأنّ يسوع ذكّرهم بأنّ الله يختار أن يُفيض محبّته على مَن يشاء، بما في ذلك الأمم.

لم يكتفِ أهلُ النّاصِرَةِ بطردِ يسوع من المدينة، بل حاولوا أيضًا أن يَطْرَحُوهُ عن حَافَّةِ الْجَبَلِ. ويُعَدُّ دفعُ شخصٍ عن منحدرٍ صغيرٍ الخطوةَ الأولى في العادةِ المتّبَعة للرجمِ بالحجارة. وبمجرّد سقوط الضحيّة، ينهالون عليها بالحجارة حتى الموت.

كيف نجا يسوع من هذا الأمر؟ بكل بساطة، أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى. أرادوا معجزة، فصنع يسوع أمامهم معجزةً غير متوقَّعة، إذ جَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى بأعجوبة. في مثل هذا الموقف، كان بإمكان يسوع أن يسمح بتدخّل الملائكة لإنقاذه من السقوط – تمامًا كما اقترح الشيطان في التجربة الثالثة (لوقا ٤: ٩-١٣). لكنّه اختار، بدلًا من ذلك، أن يصنع معجزةً أبسط – إن جاز لنا أن نقول هذا عن أيّ معجزة.

في كل هذا نرى أنّ يسوع لم يكن يسعى أساسًا إلى إرضاء سامعيه، ولم يجعل من استحسانهم مقياسًا لنجاحه. هنا أرسى لوقا الطابع الذي سيُميّز قصة حياة يسوع بأكملها: فقد جاء بلا خطيّة، مُعلِنًا الحقّ، لا يصنع إلّا الخير للجميع؛ ومع ذلك أرادوا أن يقتلوه.

لا ترفُض يسوع لمجرّد أنّه يقول لك ما لا تُريد سماعه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

اِبْنُ الآبِ الْحَبِيبُ

وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ». (لوقا ٢١:٣-٢٢)

دعا يوحنا الشَّعبَ اليهوديَّ إلى الاستعداد لمجيء المسيَّا بالتوبة العلنيّة، المعبَّر عنها بالمعموديَّة. وكانت استجابة الشعب عظيمة على نحو لافت، إذ أقبل الآلاف بالتوبة، متهيّئين لظهور المسيّا.

ثم جاء المسيَّا إلى حيث كان يوحنا يُعَمِّد، وطلب أن يعتمد. لم يعتمد يسوع لأنَّه خاطئ ويحتاج إلى التوبة، بل لأنَّه أراد أن يتّحد مع البشريّة الساقطة إلى أقصى حدّ. ففي معموديَّته أعلن يسوع لنا جميعًا: «قد جئتُ إنسانًا مثلكم، واخترت أن أتشبَّه بكم وأتّحِدَ معكم».

هل يمكنك أن تتخيَّل يسوع وهو في مياه نهر الأردن؟ فحين نزل يسوع في الماء ثم صَعِدَ منه ثانيةً، كَانَ يُصَلِّي. نُلاحِظ في إنجيل لوقا تركيزًا واضحًا على الصلاة. صحيح أن كتّابَ الأناجيلِ الآخرون وصفوا هذا الحدث أيضًا، غير أنّ لوقا تفرَّد بالإشارة إلى أنّه وقع بينما كَانَ يُصَلِّي.

وبينما كان يسوع يُصلّي، حدث أمران بارزان. أوّلًا، نَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ، فكانت هناك علامة واضحة وملموسة تُثبت حلول الرُّوح القُدس عليه. ولا يقول النص إنَّ الرُّوح القُدس صارَ حَمَامَة، بل إنَّه نَزَلَ على يسوع مِثْلِ حَمَامَةٍ. وقد تجلّت علامة مشابهة عند انسكاب الرُّوحِ القُدُس يوم الخمسين (أعمال الرسل ٢)، حين ظهرت ألسنة كأنها من نار فوق التلاميذ المجتمعين.

ثانيًا، جاء صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ سَمِعَهُ الجميع قائلًا: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ». لقد بدّد هذا الصَّوْتُ كلَّ مجال للشَّك، فلم يكن يسوع مجرَّد خاطئٍ آخَر جاء ليعتمد، بل هو الابنُ الأزليُّ الذي بلا خطيّة، ابنُ الله، الذي سُرَّ به الآب إذ اتَّحد مع البشر الخطاة. لم يشأ الله الآب أن يُبقي هذا سرًّا، بل أعلن بوضوح أمام الجميع مَن هو يسوع (ابْنِي الْحَبِيبُ)، وأنه ابنُ الله الذي بلا خطيّة (بِكَ سُرِرْتُ).

كِلتا العِبارتَين تَعودان إلى الكُتُبِ المُقدَّسة العِبريّة. فقولُه: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ»، هو صَدى لِمَزمور  ٧:٢، ذلك المزمور المسيَّاني المجيد. وأمّا قولُه: «بِكَ سُرِرْتُ». فهو صَدى لإشَعْياء ٧:٤٢، مؤكدًا أنَّ يسوع هو العَبدُ المُتألِّمُ الوارد ذكره في ذلك السياق الأوسع.

استهلّ يسوع خدمته على الأرض ببركة الآب وبقوّة الرُّوحِ القُدُس. ففي يسوع، ينال المؤمنون البركة نفسها والقوّة عينها.

– في يسوع وحده، نسمع صوت الآب يُعلن لنا: أَنتَ ابنِي الحَبِيب، بِكَ سُرِرت.

– في يسوع وحده، يحلّ الرُّوحُ القُدُس علينا ليمنحنا القوّة ويغمرنا بالبركة.

ضع إيمانك بيسوع، وستنال اليوم هذه البركة وهذه القوّة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك