الأبطال المنسيّون

وَعَلَى أَثَرِ ذَلِكَ كَانَ يَسِيرُ فِي مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ يَكْرِزُ وَيُبَشِّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَمَعَهُ الِاثْنَا عَشَرَ. وَبَعْضُ النِّسَاءِ كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ: مَرْيَمُ ٱلَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ ٱلَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ، وَيُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ، وَسُوسَنَّةُ، وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ. (لوقا ١:٨-٣)

فيما واصل يسوع خدمته في كلّ مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ من الجليل، كان يرافقه الِاثْنَا عَشَرَ – أولئك الرّجال الذين دعاهم ليكونوا تلاميذه، والذين صاروا فيما بعد رُسُل الكنيسة الأولى. وجاءت كرازةُ المُخَلّص حَامِلةً بِشَارَةَ مَلَكُوتِ اللهِ إلى الناس، إذ أعلن أنّ مَسِيحَ الرَّب ومَلِكَهُ حلّ بينهم.

لكن أكثر ما يلفتُ الانتباه في هذه الآيات هو ذِكر بَعْضُ النِّسَاءِ اللَّواتي تَبِعن يسُوع. وقد أشار لوقا إلى هذا الأمر في سرده لحياة يسوع لأنه كان غير مألوفٍ في ذلك الزمان. لم يكن غريبًا أن يُرافق المُعلم اليهودي جماعةً من الرجال الذين اختارهم ليكونوا تلاميذه، لكن ما كان نادرًا ومُلفتًا هو أن تتبعه بَعْضُ النِّسَاءِ، يتعلّمنَ مِنهُ ويَخدِمنَهُ. فقد كان ليسوع موقف مغاير تمامًا تجاه المرأة، على خلاف القادة الدينيين والمُعلّمين آنذاك الذين رفضوا تعليم النساء وعدّوهنّ أقلّ شأنًا في ملكوت الله.

كانت إحداهنّ مَرْيَمُ ٱلَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ، التي حرّرها يسوع من سُكنَى سبعة شياطين. ويفترض كثيرون أنها كانت منغمسة في الفجور، ولكن الكتاب لا يقول ذلك صراحة.

وأُخرى هي يُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُس. وهذا يعني أن زوجها كان يشغل منصبًا رفيعًا ومحلّ ثقة لدى الحاكم هيرودس. كانت يُوَنَّا امرأةً ذات مقام ومكانة اجتماعية مرموقة. وقد علَّق ويليام باركلي على هذا قائلًا: “من المُدهش حقًا أن نرى مريم المجدلية، ذات الماضي المضطرب، ويُونا، سيدة المجتمع الرَّاقي، تسيران معًا في رِفقَةِ يسُوع.” والواقع أن كلتا المرأتين كانتا من أوائل الشهود على قيامة المسيح (لوقا ١٠:٢٤).

ومع ذلك، لم تقتصر قائمةُ النِّساء اللواتي خَدَمنَ يسُوع على مريم ويُونّا وحدهما، إذ نقرأ أيضًا عن كَثِيرَاتٍ أُخَرَ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ. تُترجم هذه العبارة الكلمة اليونانية القديمة ديـاكونيـا (diakonia)، وهي الأصل الذي اشتُقَّت منه لاحقًا كلمة ’شماس.‘ فهؤلاء النساء قدّمن الدعم المادي والعملي ليسوع وتلاميذه، وأنفقن من أموالهنّ الخاصة بسخاء. لقد كانت خدمتهن صالحة وكريمة ومُعِينة للمُخلص ولمن يعملُون معه.

ويُضيء هذا المشهد جوانب جميلة من حياة هؤلاء النسوة، اللواتي يمكن أن نعدّهن أبطالًا مَنسِيّاتٍ في خدمة يسوع. ويَصدُقُ ذلك بخاصة على الكثيراتِ الأُخَرِ الّلاتي لا نَعرِفُ حتى أسماءهُنَّ.

ويُظهر هذا أيضًا شيئًا رائعًا عن طبيعة يسوع المتواضعة، الذي قَبِلَ طوعًا أن يجعل نفسه معتمدًا على الآخرين. لم يكن مُجبرًا على ذلك، إذ كان قادرًا أن يخلق كل ما يحتاج إليه من مالٍ أو طعامٍ. لكنه كان متواضعًا وتقيًا إلى الحدّ الذي جعله يقبل أن يخدمه الآخرون – حتى أولئك الأبطال المنسيّين.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

مَن أَعظَمُ مِن يُوحَنَّا الْمَعمَدَان؟

هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ! لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ». (لوقا ٢٧:٧-٢٨)

جاء رُسُلٌ من يوحنّا المعمدان إلى يسوع يسألونه إن كان هو حقًا المسيا المنتظَر. وكان يوحنّا في السجن آنذاك، وربّما شعر بشيءٍ من الإحباط. وبعد أن سمع الرُسُل جوابَ يسوع، عادوا ليُخبِروه بما رأوه وسمعوه. ثم بدأ يسوع يشرح للجُموع من هو يوحنّا المعمدان، مُظهرًا أهميّة خدمته وعظمتها.

في لوقا ٧: ٢٤-٢٦، أوضح يسوع أن يوحنّا كان رجلَ الله العظيم، إذ ثبت بقوّة، ولم يعِش لراحته أو لطلب استحسان الآخرين. وقد اقتبس يسوع من سفر ملاخي قوله: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلَاكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَك، وهي نبوّةٌ عن مجيء يوحنّا. فكلّ الأنبياء الذين سبقوه لم تُذكر نبوّاتٌ عنهم، أمّا يوحنّا فقد تنبّأ الأنبياءُ عنه، ولذلك كان أعظمَ من جميع الأنبياء الذين سبقوه.

ثمّ قال يسوع شيئًا مدهشًا عن يوحنّا. إذ أوضح: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ. كان يوحنّا أعظمَ من جميع الأنبياء الذين سبقوه، لأنّهم جميعًا قالوا، كلٌّ بطريقته: “المسيح آتٍ.” أمّا يوحنّا فكان له الامتياز أن يُعلن: «هوذا المسيحُ!» ويا لَها من رسالةٍ أعظمَ أن يُكرز بها!

ثمّ أضاف يسوع شيئًا أكثر إثارة للدهشة: وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ. ومع أنّ يوحنّا كان عظيمًا، إلّا أنّه لم يُولَد ثانيةً في ظلّ العهد الجديد، لأنّه عاش ومات قبل أن يكتمل عملُ يسوع على الصليب والقبر الفارغ. لذلك، لم ينَل يوحنّا امتيازات العهد الجديد (كورنثوس الأولى ١١: ٢٥، كورنثوس الثانية ٣: ٦، عبرانيين ٨: ٦-١٣).

غالبًا ما لا نفكِّر بهذه الطريقة، ولكن بالطبع، بما أنّ يسوع علّم هذا فهو صحيح. وقد شرح سبيرجن الأمر بهذه الصورة: “كما يُقال عادةً: فإن أحلك نهار أكثر نورًا من أكثر الليالي نورًا. ولذا، فإنّ يوحنا، وهو الأوّل في رتبته وفئته، إنما هو الأخير في الفئة الجديدة أو رتبة الإنجيل. فالأصغر في عهد الإنجيل أسمى من الأعظم تحتَ الناموس.”

عند التأمّل في الأمر كلّه، نرى أنّ يوحنّا المعمدان كان مميَّزًا بطرقٍ كثيرة:

كان يوحنّا ثابتًا لا يتزعزع، فلم يكن كقصبةٍ تهتزّ بسهولة.

كان يوحنّا رصينًا، إذ عاش حياةً منضبطة، بعيدًا عن مباهج هذه العالم وملذّاته.

كان يوحنّا خادمًا لله ونبيًا من أنبيائه.

كان يوحنّا مُرسَلًا مُعيّنًا من الرَّبّ.

كان يوحنّا مميزًا، إذ حُسِبَ الأعظم في ظلّ العهد القديم.

كان يوحنّا الأصغر في الملكوت في ظلّ العهد الجديد.

مَن أعظمُ من يوحنّا المعمدان؟ كلُّ مؤمن بالمسيح يسوع وفي عهده الجديد، أعظمُ منه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا  ٧

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

الخِدْمَةُ المُوجَّهَةُ بالكَلِمَةِ

وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ قَالَ لِسِمْعَانَ: «ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ». فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا. وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ». (لوقا ٤:٥-٥)

قضى سمعان بطرس، ومعه بعضُ التلاميذ، اللَّيْلَ كُلَّهُ في الصيد دون أن يُمسكوا شيئًا. وفي الصَّباح، طلب يَسُوع أن يَستخدِمَ قارِبَهُم كمنبرٍ مُؤقَّتٍ للتَّعليم. وتزاحم الناس لسماعه على شاطئ البحيرة، فكان من الأنسب أن يجلسَ المُخلِّصُ في القارب ليُعلِّمَ الجموعَ من هناك.

ثم قال يسوع لسمعان بطرس: ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ. وبعد أن فرغ يسوع من التعليم، أراد أن يكافئ سمعان الذي أعاره قاربه ليُعلِّمَ منه الجموع. فما كان سمعان بطرس ليُقدِّم شيئًا ليسوع إلّا ورَدَّه له الرَّب أضعافًا مضاعفة.

يبدو أنّ يسوع كان حاضرًا معهم حين وجَّههم، إذ نراه في القارب في الآية الثالثة، ومن الواضح أنّه بقي فيه أيضًا في الآية الرابعة. لقد منحهم حضورُه ثقةً وطمأنينة. وكان هناك معهم حين طَلَبَ منهم أن يدخلوا إلى العمق ويُحاوِلوا مرةً أُخرى.

بكل احترام، وباستخدام لقب ’يا مُعَلِّم،‘ أوضح سمعان بطرس أنّ الصيد في وضح النهار لا يبدو منطقيًّا، لأنّ أشعّة الشمس على سطح الماء تدفع الأسماك إلى أعماق أبعد. لقد تعِبوا اللَّيْلَ كُلَّهُ ولم يصطادوا شيئًا، ولم يكن هناك سببٌ يدعوهم لتوقّع أي صيدٍ في وضح النهار.

ثم أضاف سمعان بطرس هذه الكلمات الرائعة: وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ. ومع أنّ الأمر بدا غير منطقيّ، فإنّ بطرس كان مستعدًّا للطاعة. وأحبّ أن أتخيّل الأعذار التي كان يمكن لسمعان بطرس أن يتذرّع بها.

“لقد عملتُ طوال الليل، وأنا متعب.”

“أنا أعرف عن الصيد أكثر ممّا يعرفه نجّار.”

“أفضل وقتٍ للصيد هو الليل، لا النهار.”

“كلُّ هذه الجموع وتعليمُه بصوتٍ عالٍ ربّما أخاف الأسماك وأبعدها.”

“لقد غسلنا شِباكنا بالفعل، وانتهى الأمر.”

“لا شكّ أنّه يفهم كثيرًا في أمور الدّين، لكنّه لا يعرف شيئًا عن الصيد.”

لكن بدلاً من ذلك، قال سمعان بطرس: عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ. كان هذا إعلانًا رائعًا عن إيمان بطرس وثقته بكلمة يسوع. وقد كوفئ هذا الإيمان، إذ امتلأت شِباكُه بصيدٍ عظيمٍ من الأسماك.

في كلّ العصور، عاش شعبُ الله بهذه الثقة في كلمة يسوع، وانطلقوا بها إلى حيث دعاهم. ويمكننا جميعًا أن نقول ليسوع:

عَلَى كَلِمَتِكَ كان النور.

عَلَى كَلِمَتِكَ خُلِقَت الشمسُ والقمرُ والنجومُ والكواكب.

عَلَى كَلِمَتِكَ جاءت الحياةُ إلى هذه الأرض.

عَلَى كَلِمَتِكَ تقوم الخليقةُ وتستمر.

عَلَى كَلِمَتِكَ تقوم الإمبراطوريات وتَسقُط، ويُظهِرُ التاريخُ تَحَقُّقَ خُطَّتِكَ العظيمة.

قد يكون العمل بلا نتائج أمرًا مُحبِطًا، لكن حين تجد نفسك في هذا الموقف، ثق بكلمة يسوع، ودَعْهُ يُوجِّه خدمتك.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٥

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

العِظة المرفوضة

فَامْتَلَأَ غَضَبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هَذَا، فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى. (لوقا ٢٨:٤-٣٠)

على مَرّ السنين، ألقيتُ مئات العِظات في أماكن وظروف شتّى. وبعد كل عِظة، كنتُ أتلقّى من الناس ردود فعلٍ متنوّعة: أحيانًا يعبّرون عن امتنانهم، وأحيانًا يتصرّفون بلامبالاة، وأحيانًا أخرى يُبدون خيبةَ أمل.

في كلّ سنوات خدمتي الوعظيّة، لم يحدث قطّ أن حاولت جماعةٌ قتلي بعد إحدى العِظات، لكن هذا بالضبط ما حدث عندما كان يسوع يعظ في مسقط رأسه، الناصرة.

يخبرنا لوقا ٤ أنّه عندما دخل يسوع إلى المجمع في الناصرة، قرأ من سفر إشعياء ١:٦١-٢. استخدم يسوع هذا المقطع البديع ليشرح طبيعة خدمته، إذ جاء لِيُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، وَيَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ، وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَيُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّة. ففي يسوع تَحقَّقت نبوّة إشعياء ١:٦١-٢، وقد صرّح بذلك بوضوح.

قد تظنّ أنّ هذا سيجعل أهل الناصرة، مسقط رأس يسوع، سعداء وفخورين. لكن الغريب أنّهم غضبوا منه، وطالبوه أن يصنع أمامهم بعض المعجزات المذهلة التي صنعها في أماكن أخرى. فذكّرهم يسوع بأنّ الله يعمل عمله كما يشاء، وحيث يشاء، ومع من يشاء.

ردًّا على ذلك، امْتَلَأَ أهلُ النّاصِرَة غَضَبًا، فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ. كان هذا ردًّا عنيفًا على عِظة! غضبوا لأنّه كشف لهم خللًا في قلوبهم، ولأنّ طلبهم للمعجزة رُفِض، ولأنّ يسوع ذكّرهم بأنّ الله يختار أن يُفيض محبّته على مَن يشاء، بما في ذلك الأمم.

لم يكتفِ أهلُ النّاصِرَةِ بطردِ يسوع من المدينة، بل حاولوا أيضًا أن يَطْرَحُوهُ عن حَافَّةِ الْجَبَلِ. ويُعَدُّ دفعُ شخصٍ عن منحدرٍ صغيرٍ الخطوةَ الأولى في العادةِ المتّبَعة للرجمِ بالحجارة. وبمجرّد سقوط الضحيّة، ينهالون عليها بالحجارة حتى الموت.

كيف نجا يسوع من هذا الأمر؟ بكل بساطة، أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى. أرادوا معجزة، فصنع يسوع أمامهم معجزةً غير متوقَّعة، إذ جَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى بأعجوبة. في مثل هذا الموقف، كان بإمكان يسوع أن يسمح بتدخّل الملائكة لإنقاذه من السقوط – تمامًا كما اقترح الشيطان في التجربة الثالثة (لوقا ٤: ٩-١٣). لكنّه اختار، بدلًا من ذلك، أن يصنع معجزةً أبسط – إن جاز لنا أن نقول هذا عن أيّ معجزة.

في كل هذا نرى أنّ يسوع لم يكن يسعى أساسًا إلى إرضاء سامعيه، ولم يجعل من استحسانهم مقياسًا لنجاحه. هنا أرسى لوقا الطابع الذي سيُميّز قصة حياة يسوع بأكملها: فقد جاء بلا خطيّة، مُعلِنًا الحقّ، لا يصنع إلّا الخير للجميع؛ ومع ذلك أرادوا أن يقتلوه.

لا ترفُض يسوع لمجرّد أنّه يقول لك ما لا تُريد سماعه.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

اِبْنُ الآبِ الْحَبِيبُ

وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ». (لوقا ٢١:٣-٢٢)

دعا يوحنا الشَّعبَ اليهوديَّ إلى الاستعداد لمجيء المسيَّا بالتوبة العلنيّة، المعبَّر عنها بالمعموديَّة. وكانت استجابة الشعب عظيمة على نحو لافت، إذ أقبل الآلاف بالتوبة، متهيّئين لظهور المسيّا.

ثم جاء المسيَّا إلى حيث كان يوحنا يُعَمِّد، وطلب أن يعتمد. لم يعتمد يسوع لأنَّه خاطئ ويحتاج إلى التوبة، بل لأنَّه أراد أن يتّحد مع البشريّة الساقطة إلى أقصى حدّ. ففي معموديَّته أعلن يسوع لنا جميعًا: «قد جئتُ إنسانًا مثلكم، واخترت أن أتشبَّه بكم وأتّحِدَ معكم».

هل يمكنك أن تتخيَّل يسوع وهو في مياه نهر الأردن؟ فحين نزل يسوع في الماء ثم صَعِدَ منه ثانيةً، كَانَ يُصَلِّي. نُلاحِظ في إنجيل لوقا تركيزًا واضحًا على الصلاة. صحيح أن كتّابَ الأناجيلِ الآخرون وصفوا هذا الحدث أيضًا، غير أنّ لوقا تفرَّد بالإشارة إلى أنّه وقع بينما كَانَ يُصَلِّي.

وبينما كان يسوع يُصلّي، حدث أمران بارزان. أوّلًا، نَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ، فكانت هناك علامة واضحة وملموسة تُثبت حلول الرُّوح القُدس عليه. ولا يقول النص إنَّ الرُّوح القُدس صارَ حَمَامَة، بل إنَّه نَزَلَ على يسوع مِثْلِ حَمَامَةٍ. وقد تجلّت علامة مشابهة عند انسكاب الرُّوحِ القُدُس يوم الخمسين (أعمال الرسل ٢)، حين ظهرت ألسنة كأنها من نار فوق التلاميذ المجتمعين.

ثانيًا، جاء صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ سَمِعَهُ الجميع قائلًا: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ». لقد بدّد هذا الصَّوْتُ كلَّ مجال للشَّك، فلم يكن يسوع مجرَّد خاطئٍ آخَر جاء ليعتمد، بل هو الابنُ الأزليُّ الذي بلا خطيّة، ابنُ الله، الذي سُرَّ به الآب إذ اتَّحد مع البشر الخطاة. لم يشأ الله الآب أن يُبقي هذا سرًّا، بل أعلن بوضوح أمام الجميع مَن هو يسوع (ابْنِي الْحَبِيبُ)، وأنه ابنُ الله الذي بلا خطيّة (بِكَ سُرِرْتُ).

كِلتا العِبارتَين تَعودان إلى الكُتُبِ المُقدَّسة العِبريّة. فقولُه: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ»، هو صَدى لِمَزمور  ٧:٢، ذلك المزمور المسيَّاني المجيد. وأمّا قولُه: «بِكَ سُرِرْتُ». فهو صَدى لإشَعْياء ٧:٤٢، مؤكدًا أنَّ يسوع هو العَبدُ المُتألِّمُ الوارد ذكره في ذلك السياق الأوسع.

استهلّ يسوع خدمته على الأرض ببركة الآب وبقوّة الرُّوحِ القُدُس. ففي يسوع، ينال المؤمنون البركة نفسها والقوّة عينها.

– في يسوع وحده، نسمع صوت الآب يُعلن لنا: أَنتَ ابنِي الحَبِيب، بِكَ سُرِرت.

– في يسوع وحده، يحلّ الرُّوحُ القُدُس علينا ليمنحنا القوّة ويغمرنا بالبركة.

ضع إيمانك بيسوع، وستنال اليوم هذه البركة وهذه القوّة.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل لوقا ٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

تَلَفٌ كُلِّيّ

وَكَانَ قَوْمٌ مُغْتَاظِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا: «لِمَاذَا كَانَ تَلَفُ الطِّيبِ هذَا؟ لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ». وَكَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا. (مرقس ٤:١٤-٥)

قَبْلَ أيّامٍ قليلةٍ مِن صَلْبِ يسُوع، تَنَاول العشاءَ في بيتِ عَنيَا. وبينما كانُوا يأكُلُون، جَاءَت امْرَأَة ومَعَهَا قَارُورَة مِن طِيب نَارِدِين خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَن، فَكَسَرَت القارُورة وسَكَبَتهُ على رَأْسِ يسُوع.

حين وقع هذا، وُجِد بين الحاضرين قَوْمٌ مُغْتَاظُونَ. ويُخبِرُنا يوحنا ١:١٢-٨ أنَّ يهوذا تحديدًا كان مُغتَاظًا من هذا التبذير. ولكن اغتياظه كان بدافع أنانيّةٍ بحتة لا غير. ويوضّح يوحنا ذلك في ٦:١٢ “قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ.”

قد يكون يهوذا أوّل مَن وجَّه الانتقاد، لكن سرعان ما تبعه الآخرون. فقد أوضح مرقس أنَّهم جميعًا كَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا بشدّة، إذ اعتبروا أن الطِّيبَ المَسكُوب على رَأْسِ يسُوع كان تَلَفًا (إهدارًا/مضيعة). فمن السهل علينا أن ننتقد الذين يُظهرون محبتهم ليسوع أكثر منّا. فالمُتَعَصِّبون، في نظرنا، هم الأكثر إخلاصًا ليسوع منّا. ولعلّ هذا ما جعل الشكَّ يتسلَّل إلى قلب مريم، فتساءلت إن كان ما فعلته صوابًا.

في انتقاده، أشار يهوذا إلى أنَّ قيمة الطِّيب كانت أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ، أي ما يُعادِل أُجرَةَ عامٍ كاملٍ لعاملٍ بسيط. وفي هذه المرحلة من القصة، عليّنا أن نشكر يهوذا على كلامه اللاذع؛ فلولا أنَّه قال ذلك، لَما عَرَفنا قيمةَ الهديّة التي قدّمتها المرأة لِيَسوع. والآن نَعلَم أنَّ تلك القارورة، المملوءة بالطِّيب، كانت تُساوي مَبلغًا كَبيرًا مِن المال!

اعتبر التلاميذ أنَّ سَكْبَ الطِّيبِ الغالي على رأس يسوع كان تَلَفًا (هَدرًا)، لكن يسوع قال لهم: «اتْرُكُوهَا!»، لأنها فَعَلَت شيئًا حَسَنًا (مرقس ٦:١٤). فبمحبَّتها البسيطة وإخلاصها ليسوع، أدركت مريم ما لم يُدركه التلاميذ – أنَّ يسوع كان على وشك أن يموت، وأنها قصدت بهذه الهديّة أن تُعِدَّ جسده لِلتَّكْفِينِ (مرقس ٨:١٤).

في الآيات التالية، قدم يسوع أكبر إطراء لهذه المرأة، قائلًا إنّها «عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا» (مرقس ٨:١٤). فالله لا يتوقّع منّا أن نفعل فوق ما نستطيع؛ ولكن احذر أن تَضَع لنفسك مقياسًا متدنّيًا وتعتقد أنَّ عَدَمَ فِعْلِ أي شَيء هو أقصى ما تستطيع فعله.

انتقد التلاميذ (وخاصةً يهوذا) المرأة، قائلين «لِمَاذَا كَانَ هذَا التَّلَفُ؟»، لكنها في الحقيقة لم تُهدر شيئًا، بل صنعت أفضل ما يمكن للإنسان أن يفعله: قدَّمَته ليسوع. والكلمة عينُها التي تُرجمت «تَلَف» في مرقس ٤:١٤ تُرجمت «هَلاَك» في يوحنا ١٢:١٧، حيث وُصِف يهوذا بأنّه «ابْنُ الْهَلاَكِ».

ما قدَّمَتْه المرأة لم يكن تَلَفًا على الإطلاق – أمّا يهُوذا، النّاقِد المُتعجرِف، فكان هو التَّلَفُ الحقيقي بكل معنى الكلمة.

فلا تُتْلِف حياتك وتُضَيِّعها، بل قدِّمها ليسوع كلَّ يوم.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١٤

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

مُضطَهَدُونَ مِنْ أَجْلِهِ

فَانْظُرُوا إِلَى نُفُوسِكُمْ. لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَتُجْلَدُونَ فِي مَجَامِعَ، وَتُوقَفُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ، مِنْ أَجْلِي، شَهَادَةً لَهُمْ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلاً بِالإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ. (مرقس ٩:١٣-١٠)

هذا المقطع معروف بين المسيحيّين منذ زمن بعيد باسم ’عِظَة جبل الزيتون،‘ لأن يسوع ألقاه على تلاميذه وهو جالس على جبل الزيتون المطلّ على أورشليم وجبل الهيكل.

كان أحد مقاصد يسوع من ’عِظَة جبل الزيتون‘ أن يُعِدَّ تلاميذه لاحتمال الاضطهاد. فجميع الذين سمعوا هذه الكلمات سيتعرّضون للاضطهاد، ولن يموت ميتةً طبيعيّة إلا واحدٌ منهم.

لذلك قال يسوع لتلاميذه – ولكل من سيصير تلميذًا له – فَانْظُرُوا إِلَى نُفُوسِكُمْ. لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ. وأوصاهم أن يكونوا مستعدّين للاضطهاد الذي سيقوم ضدّهم قبل النهاية. غير أنّ هذا الاضطهاد لم يكن علامةَ النهاية، بل أمرًا ينبغي توقّعه، إذ كان عليهم أن يتوقّعوا اضطهادًا من قِبَل القادة الدينيّين (تُجْلَدُونَ فِي مَجَامِعَ) ومن قِبَل السلطة المدنيّة (وَتُوقَفُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ). وفي مثل هذه الأوقات العصيبة، لا ينبغي للمؤمن أن ييأس، لأنه يتألم من أَجْل يسوع، وليكون ذلك شَهَادَةً لِمُضطهديه.

من السهل على الذين يعيشون في المجتمعات الغربيّة أن يستخفّوا بصعوبة أزمنة الاضطهاد. فمع أنّ قلّةً من المسيحيّين في الغرب يواجهون اضطهادًا، إلّا أنّ كثيرين من المسيحيّين في العالم يواجهون هذه المحن باستمرار.

– إن كنتُ من أسرةٍ يهوديّة متشدّدة، فقد يعدّونني مجدِّفًا ويحسبونني ميتًا لاختياري الإيمان بالمسيح.

– إن كنتُ من أسرةٍ مُسلِمَةٍ متشدّدة، فقد يرفضني أهلي، بلّ وقد أُقتَلُ لاختياري الإيمانَ بالمسيح.

– إن كنتُ من أسرةٍ هندوسيّة في الهند، فقد يرفضونني، بلّ وقد أُقتَلُ لاختياري الإيمانَ بالمسيح.

– في الصين، قد لا يُسمَح لي بممارسة إيماني إلا في كنيسةٍ خاضعة لرقابة الدولة، وربّما تكون كنيستي من بين آلاف الكنائس التي هُدِمت منذ عام 2000.

– في نيجيريا، قد أُقتَل أو أُصاب بعاهةٍ جرّاء التفجيرات والهجمات التي تكثر في فترة عيد الميلاد وعيد الفصح.

من السهل على المؤمنين في الغرب أن يُضفوا على الاضطهاد مسحةً شبه رومانسيّة تكاد تكون خياليّة. وصحيح أنّ الله يصنع المعجزات في شعبه ومن خلالهم في مثل هذه الأوقات، غير أنّها تبقى ظروفًا قاسية ومرهِقةً جدًا للمؤمنين. ولا شكّ أنّ على الذين يقاسون الاضطهاد مباشرةً أن يضعوا ثقتهم بالله ليمنحهم الصبر، وكذلك على الذين يعيشون تحت وطأة التهديد به. فهو  عبءٌ ثقيل، أعظم ممّا يتصوّره معظم الناس.

رغم أنّ أزمنة الاضطهاد صعبة، إلّا أنّ الله يعمل من خلالها. أتذكّر شهادة راعٍ التقيتُه في أربيل، العراق، إذ قال لي إنّ الله كان يعمل بقوّة عظيمة في وسطهم، حتى إنّهم – رغم شدّة الاضطهاد – لم يعودوا يصلّون طالبين أن يُرفَع عنهم، بل صارت صلاتهم أن يصنع الله أمورًا عظيمة من أجل اسمه، وكشهادةً دائمة.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١٣

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

مُخْطِئُونَ مَرَّتَيْنِ

فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُمْ: «أَلَيْسَ لِهذَا تَضِلُّونَ، إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ؟ لأَنَّهُمْ مَتَى قَامُوا مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ. (مرقس ٢٤:١٢-٢٥)

في يومِ الثلاثاءِ الذي سبق صَلْبَهُ، دخل يسوعُ في جِدالٍ مع السُّلطاتِ الدينيّةِ في جبلِ الهيكلِ بأورشليم. فكان من بينِ المجموعاتِ التي تحدَّت يسوعَ جماعةَ الصَّدُّوقِيِّينَ، فتقدَّموا إليه لِيُجَرِّبوه، ملتمسين أن يوقعوه بفَخّ سؤالٍ مُعقَّدٍ يُظْهِرُ القيامةَ كأمرٍ سخيفٍ وبالتالي باطل.

فأجاب يسوعُ الصَّدُّوقِيِّينَ قائلاً إنَّهُم قد أَخْطَأوا (ضَلُّوا) مَرَّتَيْنِ، إذ لم يَعرِفوا الكُتُبَ، ولم يَعرِفوا قُوَّةَ اللهِ. ولأنهم لم يَعرِفوا كلمةَ اللهِ، ولم يَثِقوا بقُوَّتِهِ، شكّوا في صِدقِ وَعْدِهِ بالحياةِ بعد الموت، أي بالقيامةِ.

اعتقد الصَّدُّوقِيُّون أنّه إنْ وُجِدَت قيامةٌ، فهي مجرد استمرار للحياة نفسها إلى الأبد. وبمبدأ أنَّه مَتَى قَامُوا مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، بيَّن يسوع أن الحياة في الدهر الآتي ستُعاش على أساس مبدأ مختلف تمامًا، وفي بُعدٍ لا يمكننا تصوُّره.

كثيرون يَقَعون في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الصدوقيّين حين يفكّرون في السماء، فيظنّون أنّها ليست سوى نسخة أبهى وأطول من هذه الأرض. فمثلًا، تصوّر بعضُ سُكّان أمريكا الأصليّين أنّ السماء هي أرض صيدٍ رائعة. واعتقد الإسكندنافيّون القُدامى أنّ السماء هي فالهالا (Valhalla)، حيث يقاتل المحاربون نهارًا بلا انقطاع، وعند المساء يقوم الموتى والجرحى وكأنّ شيئًا لم يكن، ليحتفلوا طول الليل بوليمة صاخبة، يشربون فيها الخمر من جماجم أعدائهم. غير أنّ هذه كلّها تصوّرات باطلة عن السماء، إذ ليست السماء مجرّد أرض أفضل، بل إنّ حياة السماء من طبيعةٍ أُخرى مغايرةٍ بالكلّيّة.

في السماء، شعبُ اللهِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ. لذلك لا يمكننا أن نَظُنّ أن تبقى علاقاتُنا الحاضرة كما هي في السماء. فعلى الأرض، تقوم العلاقاتُ البشريّةُ في الغالب على عاملي الزمان والمكان؛ فالرجل يكون أوّلًا ابنًا، ثم يصيرُ بالغًا، ثم زوجًا، ثم أبًا، وهكذا. وأمّا في السماء فكلُّ هذا يتبدَّل.

من كل ما نَعرِفُه، المَلائِكةُ لَا يُنجِبُونَ أولادًا، ومن هذه الجهة سنكون مثلهم. ونحن نَعلَم أن الحياة في السماء ستكون مختلفة تمامًا عمّا نعرفه على الأرض، لكننا لا نستطيع أن نجزم كيف ستكون هناك. غير أنّ ما نَثِقُ به هو أننا لن نُخْذَل.

معرفةُ أن قيامةَ الأمواتِ حقٌّ لا تُجيبُ عن جميع تساؤلاتِنا. فحتى مع يقيننا بحقيقة القيامة، ستبقى هناك أمورٌ غامضةٌ وأسرارٌ لا نعرفها، غير أنّ هذا لا يُنقِصُ شيئًا من الحقيقة الثابتة للقيامة.

لا تَرتكِبوا نفسَ الخَطَأَيْنِ اللذين وقع فيهما الصدوقيّون. فحين لا نَعرِفُ الكُتُبَ، نفتقِدُ الرِّباطَ الثابتَ للحقيقةِ والإيمان. وحين لا نَعرِفُ قُوَّةَ اللهِ، نَشُكُّ في قُدرتِهِ على إتمامِ ما وعدَ به في الكُتُبِ.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١٢

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

وَرَقٌ بِلَا ثَمَرٍ

فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُون. (مرقس ١٣:١١-١٤)

كان ذلك في يوم الثلاثاء قبل صَلب يسوع، حيث كان المُخلِِّص وتلاميذه يُقيمون في قريةٍ تُدعى بيت عنيا، على مقربةٍ من أورشليم. وفي صباح ذلك اليوم، سَار يسوع مع تلاميذه من بيت عنيا، عابرين جبل الزيتون، ومتوجّهين نحو جبل الهيكل. وهناك قضى يسوع معظم النهار يُعلِّم الجموع ويُحاجِج القادة الدينيّين.

وفي مكانٍ ما على الطريق، رأى يسوع شَجَرَةَ تِينٍ عليها وَرَقٍ. وكان جائعًا، فتوقَّع أن يجد تينةً أو اثنتين. ولكن حين اقترب من الشجرة، لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا. وهذا أمر غير معتاد في مثل هذا النوع من أشجار التين، إذ إنها لا تُخرِج أوراقًا عادةً ما لم يكن عليها تِينٍ.

المشكلة لم تكن أنّه لم يكن على الشجرة تِينٍ، فمرقس يخبرنا أنّه لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. أمّا المشكلة الحقيقية فكانت أنّ عليها وَرَقًا من دون تِينٍ. ففي جوهر الأمر، كانت الشجرة صورةً لإعلانٍ كاذب: وَرَقٌ من دون تِينٍ. إذ كانت الأوراق تقول: ’هنا يوجد تِينٌ،‘ ولكن التين لم يكن موجودًا.

وفي طريقه من بيت عنيا إلى جبل الهيكل، لا شكّ أنّ يسوع مرّ بجوار أشجار عديدة. كانت هناك أشجار أخرى لا تحمل سوى أوراق، ولم تُلعَن. وكانت هناك أشجار بلا أوراق ولا ثَمَر، ولم تُلعَن. أمّا شجرة التين هذه فلُعِنَت لأنّها ادّعت أنّها تحمل ثَمَرًا، لكنها كانت بلا ثَمَر.

لقد وبَّخ يسوع شجرة التين ولعنها قائلًا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». لُعِنَت الشجرة لأنّها ادّعت وجود ثمر من خلال أوراقها، لا بسبب خلوِّها من الثمر. وهذا يعبِّر عن حال أُمّة إسرائيل في أيّام يسوع، إذ كان لها مظهر التَّقوى، ولكن بلا ثمر. ومن خلال هذه الصورة، حذَّر يسوع إسرائيل – وهو يحذِّرنا نحن أيضًا – من استياء الله حين نبدو كأنّنا نحمل ثمرًا فيما نحن في الواقع بلا ثمر. فالله لا يرضى أن يكون شعبه مجرّد أوراق بلا ثمر.

من بين كلّ المعجزات التي صنعها يسوع، كانت هذه المعجزة الوحيدة التي حملت طابعًا تدميريًا مباشرًا. وأمّا العهد القديم فمليءٌ بالمعجزات التي حملت الدينونة والدمار، لكنها كشفت لنا جانبًا خاصًا من طبيعة الله. وإذا كانت هذه المعجزة هي الوحيدة من نوعها، فعلينا أن ندرك أنّ فيها درسًا عظيمًا وهامًا. فالله لا يَسُرّه ادّعاءٌ بلا حقيقة، ولا كلامٌ بلا عمل، ولا صورةٌ بلا واقع.

من المهمّ لكلّ تلميذٍ للمسيح ألّا يتظاهر بما ليس هو عليه. ففي أيّامنا هذه، ولا سيّما على وسائل التواصل الاجتماعي، من السهل أن يُقدِّم الإنسان صورةً عن نفسه على أنّه مميّز أو روحي، بينما لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة.

احذر أن تُظهِر أوراقًا بلا ثَمَر.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ١١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك

 

خادِمٌ لِلْكُلِّ

فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ». (مرقس ٣٥:٩)

حرص مرقس على تسجيل أن يسوع قال هذا بعدما جَلَس، وكان جلوسه بحدّ ذاته أمرًا مهمًا، إذ أظهر أنه يستعد للتعليم. فقد اعتاد المعلّم اليهودي في تلك الأيام أن يجلس ليعلّم – ولا سيّما حين يتناول أمرًا مهمًا – بينما يبقى المستمعون واقفين. وهكذا كان جلوسه بمثابة إعلان أن ما سيُقال ذو أهمية كبيرة.

كان السؤال المطروح هنا (مرقس ٣٤:٩): «مَنْ هُوَ أَعْظَم؟» ويبدو أنّ هذا الموضوع كان يشغل التلاميذ كثيرًا في أحاديثهم. ولو أراد يسوع لأجابهم مباشرة: «يا أصدقائي، تذكّروا أنّني أنا الأعظم.» غير أنّه لم يوجّه الأنظار إلى نفسه، بل أظهر لهم أن العَظَمَة الحقيقية تكمن في أن يجعل الإنسان نفسه آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ.

لا شك أن يسوع هو الأعظم في الملكوت وليس له نظير. وعندما قال: «آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ»، كان في الحقيقة يصف نفسه ويكشف بدقة طبيعته. فالمسيح حقًا هو الأوّل في كلّ الكون، ومع ذلك صَارَ «آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ» من أجلنا.

بهذه الكلمات تحدّى يسوع أتباعه بأن يكونوا «آخِرَ الْكُلِّ». فحبّ المديح وطلب التقدير من الآخرين يجب أن يكون غريبًا عن أتباعه. يريد يسوع أن نختار بإرادتنا أن نكون في المرتبة الأخيرة وأن نُفضِّل الآخرين على أنفسنا.

وقد دعانا يسوع نحن أيضًا أن نكون «خُدَّامًا لِلْكُلِّ». فالعَظَمَةُ في نظر البشر تُقاسُ بعددِ الذينَ يَخْدِمُونَك. ففي الصين القديمة مثلًا، كان من الشائع أن يُطيل الأثرياء أظافِرَهُم لِيُظْهِروا عَجْزَهُم عن القيامِ بأبسطِ الأعمال، فيُحيطون أنفسهم بخَدَمٍ دائمين. قد يَعدّ العالم هذا عَظَمَة، لكن الله لا يعتبره كذلك. فقد أعلن يسوع أن العَظَمَةَ الحقيقية لا تُقاسُ بعددِ الذين يَخْدِمُونَك، بل بعددِ الذين تَخْدِمُهُم.

استخدم يسوع في الآيات التالية طفلًا كمثال للعَظَمَة في ملكوت الله. ففي ذلك العصر، كان يُنظَر إلى الأطفال باعتبارهم مِلْكِيَّة لا أفرادًا مستقلين، وكان من الطبيعي أن يُرَوا دون أن يُسمَع لهم صوت. وقد أوضح يسوع أن الطريقة التي نستقبل بها الأشخاص الذين يُعتبَرون مثل الأطفال – البسطاء والضعفاء – تُظهِر كيف نستقبله هو نفسه.

لأن يسوع هو آخِرُ الْكُلِّ وَخَادِمُ الْكُلِّ، وهو بمعنًى ما شبيهٌ بالطفل، فحين نُكرِم ونَقبَل طفلًا – أو أيَّ خادمٍ للإنجيل – نُكرِم ونَقبَل في الواقع يسوع نفسه.

هل تريد أن تكون عظيمًا؟ ليس من الخطأ أن يكون لديك طموح، لكن ينبغي أن يكون طموحُنا في أن نَخْدِم، لا في أن نُخْدَم. هذه هي طريق يسوع، فهو حقًا الأعظم في الملكوت.

اضغط هنا للحصول على تفسير كامل لإنجيل مرقس الإصحاح ٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك