إنجيل لوقا – الإصحاح ٣
خدمة يوحنا المعمدان
أولًا. إرسالية يوحنا المعمدان
أ) الآيات (١-٢أ): وصف الإطار الزمني في ضوء القادة السياسيين والدينيين المعاصرين.
١وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْأَبِلِيَّةِ، ٢فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا…
- وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ: قد يكون التسلسل الزمني الكتابي أمرًا معقدًا. فنحن نعرف من السجلات التاريخية غير الكتابية الإطار الزمني العام لهذه الفترة، لكن من الصعب تحديد تاريخها بدقة. وأفضل التقديرات تضعها ما بين عام ٢٧ وعام ٢٩ ميلاديًا.
- طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ… بِيلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ… َهِيرُودُسُ… فِيلُبُّسُ… ِليسَانِيُوسُ: ذكر لوقا القادة السياسيين في المنطقة التي عاش فيها يسوع وخدم. وكأي مؤرخ جيد، قدم لوقا إطارًا تاريخيًا حقيقيًا وواقعيًا. فهذا ليس سردًا خياليًا يبدأ بـ “كان يا ما كان.”
- لم يقدم لوقا مجرد تحديدٍ زمني، بل نقل إلينا أيضًا ملامح تلك الفترة.
- طِيبَارِيُوس إمبراطورٌ اشتهر بقسوته وشدته.
- بِيلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ اشتهر بمجازره الوحشية ضد اليهود في اليهودية، وبقسوة معاملته لهم وعدم اكتراثه بهم.
- الحكّام من عائلة هيرودس الكبير (هِيرُودُسُ، وفِيلُبُّسُ، وِليسَانِيُوسُ) كانوا معروفين بفسادهم وقسوتهم.
- ومع كل هذا، يذكّرنا لوقا، كما ذكّر قرّاءه الأصليين، بفساد الإمبراطورية الرومانية انحطاطها الأخلاقي، ولا سيما في الأقاليم البعيدة مثل اليهودية.
- الواقع التاريخي لهؤلاء الحكّام لا جدال فيه. فقد اكتشف علماء الآثار أدلة محددة وقاطعة تؤكد أن هؤلاء الأشخاص عاشوا وحكموا في تلك الأماكن وفي تلك الأزمنة.
- عندما مات هيرودس الكبير، قسّم مملكته بين أبنائه الثلاثة: هِيرُودُس، وفِيلُبُّس، وِليسَانِيُوس. “لقب تترارخ يعني حرفيًا ’رَئِيسَ رُبْعٍ،‘ ثم اتّسع معنى الكلمة لاحقًا ليُطلق على حاكم أيّ جزء من الإقليم.” باركلي (Barclay)
- لم يقدم لوقا مجرد تحديدٍ زمني، بل نقل إلينا أيضًا ملامح تلك الفترة.
- حَنَّانَ … وَقَيَافَا: كما ذَكَرَ لوقا القادة الدينيين في اليهودية خلال فترة خدمة يسوع. كان قَيَافَا هو رئيس الكهنة رسميًا، لكن حَنَّانَ، حَمَاهُ وكبيرَ العائلة، كان صاحب النفوذ الحقيقي بين طبقة الكهنة.
- إن ذِكْرَ هذين الكاهنين الفاسدين يُظهِرُ أن القادة اليهود كانوا أكثر اهتمامًا بالسياسة والسلطة من خِدمةِ الله.
- في تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٩٠، اكتشف باحثون ما يعتقدون أنهُ قبر عائلة قَيَافَا. وعلى صندوقِ دفنٍ حجريٍ قديمٍ من تلك الفترة وُجِدَ نقشٌ يقول: يُوسُفُ بْنُ قَيَافَا. ووُجِدت في الصندوق بقايا رَجُلٍ يبلُغُ نحو ستين عامًا.
ب) الآيات (٢ب-٣): خدمة يوحنا المعمدان.
٢…كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ، ٣فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.
- كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ: عاش يوحنا في البرية منذ صِغَرهِ (لوقا ٨٠:١). ولكن في ذلك الوقت، بتوجيهٍ من كَلِمَةِ اللهِ، بدأ يوحنا يُتمّم دعوته النهائية: أن يُعِدَّ الطريق أمام المسيّا.
- وضَعَ لوقا خدمة يوحنا المعمدان في إطارها التاريخي بعناية، لأنه كان يرى أن ظُهُورَهُ هو إحدى اللحظات الحاسمة التي تَغَيَّرَ عندها مسارُ التاريخ.” باركلي (Barclay)
- يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا: الفكرة الكامنة وراء مَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لا تقتصر على الصَّفح فقط، بل تشمل أيضًا الحرية والخلاص (كما جاء في لوقا ١٨:٤ ’لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالْإِطْلَاقِ… وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ‘). فالتَّوْبَةُ تجلبُ حُريةً حقيقيةً في المسيا لكل من يقبلُها.
- كانت رسالة يوحنا المعمدان دعوة إلى التوبة. يعتقد البعض أن التوبة تتعلق في المقام الأول بالمشاعر، ولا سيما الشعور بالحُزن على الخطية. من الجيد أن يشعر الإنسان بالحُزن على خطيته، لكن التوبة ليست مجرد مشاعر، بل فعلٌ. لذلك دعا يوحنا مُستَمِعِيهِ إلى تغيير الفكر، لا إلى مجرد الشعور بالأسف على ما فعلوه. فالتوبة تتحدث عن تغيير اتجاه، لا عن حُزنٍ في القلب فقط.
- بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ: لم يكن في طقس المعمودية (التَّغطيسِ في الماء) نَفسِهِ شيءٌ غريبٌ، إذ كان طقسًا معروفًا. أما الغريب فكان أن يخضع اليهود أنفسهم للمعمودية، وهي طقسٌ كان يُمارِسُهُ الأمم الذين أرادوا أن يصيروا يهودًا. فأن يتقدم يهوديُّ لنوالِ المعمودية كان بمثابة إقرارٍ قائلٍ: ’أنا خاطئٌ كالأممي الوثني نفسه.‘ وكان هذا تعبيرًا صادقًا عن توبةٍ متواضعةٍ، وتكريسٍ حقيقيٍ للرب.
- “إن المعمودية بالماء، كما فهمتها جماعةُ قُمران، أو كما كان يكرِزُ بها المرسلون اليهود للأمم، تُعبّرُ عن تطهيرٍ روحيٍ من الخطية ناتجٍ عن الغُفران.” بايت (Pate)
- هذا يختلف عن معموديتنا في المسيح (رومية ٣:٦-٤) حيثُ أن تغطيسنا في الماء يجعلنا شركاء في موتِ يسوع وقيامته. أما مَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ التي قدمها يوحنا، فكانت تُعبِرُ عن حاجة الشخص إلى أن يتصالح مع الله وأن ينعم بالتطهير.
ج) الآيات (٦-٤): خِدمةُ يوحنا كتحقيقٍ للنبوة.
٤كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً. ٥كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً، ٦وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلَاصَ اللهِ».
- كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: ربط لوقا يوحنا المعمدان بالشخص الذي تنبأ عنه إشعياء (إشعياء ٣:٤٠-٥). وكان يوحنا نفسه واعيًا لهذا الأمر منذ حداثته، لأن أباه كان عَلِمَ بذلك قبل ولادته (لوقا ٧٦:١-٧٧).
- أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ: كانت رسالة يوحنا العظيمة أن الأمور يمكن أن تُصحَّحَ وتُردَّ إلى نصابها. فالمسيا قادم ليصنع أمورًا تفوق قدرة الإنسان: يملأُ الأودية، ويُسوي الجبال، ويقوِّم الطُرق المعوجة، ويجعلُ السُّبلَ الوعرة سهلة.
- كان اليهود في ذلك الزمان يعتقدون أن المشكلة تكمن أساسًا في الرومان (هُمْ) الذين كانوا يقمعونهم سياسيًا. أما يوحنا فجعلهم يدركون أنه عند التأمُّل الجدِّي، ليست المشكلة في الرومان (هُمْ)، بل في كل شخصٍ (أَنَا). أنا هو الذي أحتاج أن أتصالح مع الله.
- وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلَاصَ اللهِ: يجب أن يُهيَّأ طريقُ المسيّا. فقد جاء ليُخلِّص كل البشر.
- “بعبارةٍ أبسط، كان يوحنا ينادي بأن الزمن المسياني أصبح قريبًا.” بايت (Pate)
ثانيًا. رسالة يوحنا المعمدان
أ) الآيات (٧-٩): رسالة يوحنا للجُمُوع.
٧وَكَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِيَعْتَمِدُوا مِنْهُ: «يَا أَوْلَادَ الْأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الْآتِي؟ ٨فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولَا تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا. لِأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلَادًا لِإِبْرَاهِيمَ. ٩وَالْآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لَا تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ».
- يَا أَوْلَادَ الْأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الْآتِي: ليس من المعتاد أن يبدأ الواعظ عظته بمخاطبة جُمهوره على أنهم ’أَوْلَادَ الْأَفَاعِي،‘ ولا أن يستهل كلامهُ بسؤالٍ ِمِثلَ: ’لماذا أتيتم أصلًا؟‘ لكن يوحنا لم يكن مهتمًا بتقديم رسالة تُرضي الناس، ولا بمداهنة السامعين أو إرضاء آذانهم.
- ببساطة، كان يوحنا شخصًا غريبًا. فأيُّ رَجُلٍ يكرِزُ بهذه الطريقة، ويعيشُ في البرية، ويلبسُ ثيابًا غريبة، ويتغذى على الجراد والعسل البري، لا بد أن يُنظر إليه على أنه شخصٌ غيرُ مألوفٍ. لم يكن ليسوع شخصٌ متألقٌ يُمهِدُ له الطريق ببدلةٍ باهظةِ الثمن وقصةِ شعرِ مُتكلفةٍ. فالله كثيرًا ما يستخدم أُناسًا خارجين عن المألوف.
- ولَا تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا: حذَّرَ يوحنا من الإتكال على بِرّ إبراهيم على أنه كافٍ للخلاص. فقد كان التعليم الشائع أنَّ بِرّ إبراهيم يكفي لخلاص أيِّ يهودي، وأنه من المستحيل أن يَهلِكَ أيُّ أحدٍ من نسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
- فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ: لم يكن يوحنا مُبالغًا أو غيرَ معقولٍ في مطالبته بثمرٍ صالحٍ. فالتوبةُ الحقيقية لا بد أن تُثمر دائمًا، وأساسُ ثمر الحياة المسيحية هو المحبة (غلاطية ٢٢:٥ وكورنثوس الأولى ١:١٣-٣).
ب) الآيات (١٠-١٤): رسالة يوحنا إلى أفرادٍ مُحَدَّدِين.
١٠وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قَائِلِينَ: «فَمَاذَا نَفْعَلُ؟». ١١فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هَكَذَا». ١٢وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟». ١٣فَقَالَ لَهُمْ: «لَا تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ». ١٤وَسَأَلَهُ جُنُودٌ أَيْضًا قَائِلِينَ: «وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟». فَقَالَ لَهُمْ: «لَا تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلَا تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلَائِفِكُمْ».
- فَمَاذَا نَفْعَلُ؟: كانت تعليمات يوحنا بسيطة جدًا في جوهرها. فقد طِالَبَ الناسَ بأن يشاركوا غيرَهُم، وأن يتعاملوا بعدلٍ مع بعضهم، وألا يكونوا قُساة، بل أن يكتفوا بما لديهم. وهذه أمورٌ نُعلِّمُها لأصغر أطفالنا.
- النزاهة في الأمور العادية تبقى دليلًا على توبةٍ حقيقية. نعتقد أحيانًا أن الله يطلب منا أمورًا عظيمة أو مستحيلة لِنُثبِت توبتنا، لكنه في الغالب ينظُر إلى أمانتِنا في الأمور اليومية البسيطة.
- قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ. (ميخا ٨:٦).
- لَا تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ… لَا تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلَا تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلَائِفِكُمْ: في نظر يوحنا، لم تكن جباية الضرائب والخدمة العسكرية شرًا في ذَاتِهمَا. فلم يَأمُرِ الجُبَاةَ أو الجُنودَ أن يتركوا مهنهم، بل أن يتصرفوا فيها بأمانة.
- كان الرُومان يمنحون حق جباية الضرائب لمن يدفع أعلى مبلغ عبر نظام المزادات. وبما أن الجَابِي لم يكن قادرًا على تغطية تكاليفه وتحقيق ربح إلا إذا جمع أكبر قدر ممكن من المال، فقد كان هؤلاء موضع كراهية شديدة.
- “هؤلاء كانوا جُباة الضرائب وجامعي الرسوم لصالح الرومان، وكان معظمهم جشعين طمّاعين. ويُدعَونَ ’عشَّارين‘ لأنهم كانوا يجمعون الأموال العامة، أي ثروات الإمبراطورية.” تراب (Trapp)
ج) الآيات (١٥-١٨): يشير يوحنا إلى الآتي الأعظم منه، وإلى معمودية أعظم.
١٥وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، ١٦أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قَائِلًا: «أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلَكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. ١٧الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لَا تُطْفَأُ». ١٨وَبِأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَعِظُ الشَّعْبَ وَيُبَشِّرُهُمْ.
- وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ: أَحدَثَ يوحنا تأثيرًا كبيرًا إلى حدٍ جعل الناس يتساءلون بمنطقٍ إن كان هو المسيّا المنتظر. وبدلًا من تعزيز شعبيته، وجه أنظار الناس نحو يسوع. كان يوحنا يُشيِرُ إلى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي.
- الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ: كان مُعلمو اليهود في أيام يسوع يعلمون أنه يجوز للمُعلِّم أن يطلب من تلاميذه تقريبًا كل شيء، ما عدا أن يخلعُوا نِعَالَهُ، إذ كان هذا يُعَدُّ طلبًا مُهينًا جدًا. أما يوحنا، فقد قال إنه لا يستحقُّ حتى أن يفعل هذا لأجل يسوع.
- كان ليوحنا أسبابٌ كثيرةٌ للافتخار، ومع ذلك كان متواضعًا. فقد وُلِدَ ولادة معجزية، وكان له مَصِيرٌ مُعلَنٌ سابقًا، ودُعِيَ شخصيًا لتحقيق وعودٍ نبويةٍ عظيمة، وكان واعظًا ذا قوة، وكان لَهُ أتباعٌ كثيرون.
- “ما السبب، في رأيك، الذي جعل يوحنا يبقى دائمًا في موضِعِهِ الصحيح؟ أليس ذلك لأنه كان يُقدر سيده وينظر إليه بمهابة واحترام؟ آه يا إخوتي، إنه بسبب ضآلة تقديرنا للمسيح، لا يستأمننا الله إلا في أدنى المواضع.” سبيرجن (Spurgeon)
- كان يوحنا حازمًا ومتواضعًا في آنٍ واحد. وهذا مَزِيجٌ نادرٌ جدًا.
- هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ: قال يوحنا أن المسيّا قادمٌ بمعمودية مختلفة. وفي العهد الجديد وُعِدنَا بانسكاب الروح القدس، وبامتلائنا منه وفيضه في حياتنا. وكان ذلك يُختبر كثيرًا عندما كان يُصلى للناس مع وضع الأيدي عليهم (أعمال الرسل ٦:٦، ١٧:٨، ١٧:٩، ٣:١٣-٤، ٦:١٩).
- الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ: سيأتي المسيح أيضًا بمعمودية نارٍ، نارٍ تُنقي وتُهلك ما هو ناقص، كما تُحرِق النار التِّبْن الذي لا قيمة له. إن قوة الله هي دائمًا قوةٌ مُغيرةٌ ومُنقيةٌ.
- سيفصِل المسيح الحق عن الباطل، ويُميزُ القمح عن التِّبْن؛ فرَفْشُهُ فِي يَدِهِ. يُفرزُ يهوذا عن بطرس؛ لِصٌ يُجدف، وآخرُ يُؤمِنُ.
د) الآيات (١٩-٢٠): جرأة رسالة يوحنا تتجلى.
١٩أَمَّا هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرُّبْعِ فَإِذْ تَوَبَّخَ مِنْهُ لِسَبَبِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، وَلِسَبَبِ جَمِيعِ الشُّرُورِ الَّتِي كَانَ هِيرُودُسُ يَفْعَلُهَا، ٢٠زَادَ هَذَا أَيْضًا عَلَى الْجَمِيعِ أَنَّهُ حَبَسَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ.
- أَمَّا هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرُّبْعِ فَإِذْ تَوَبَّخَ مِنْهُ لِسَبَبِ هِيرُودِيَّا: كانت العلاقة بين هِيرُودُس وهِيرُودِيَّا معقدة ومشينة. فقد كان عمَّها، واستمالها من أخيه غير الشقيق. وبزَواجِهِ من هِيرُودِيَّا، تزوج هِيرُودُس في آنٍ واحدٍ من امرأة هي ابنةُ أخيه وزوجةُ أخيه.
- “في ضوء الآيات الموجودة في سفر اللاويين ١٦:١٨، ٢١:٢٠ التي تحظر صراحةً أن يقيم الرجل علاقة جنسية مع زوجة أخيه، كانت أفعال هِيرُودُس تستوجب الإدانة.” بايت (Pate)
- حَبَسَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ: لأن يوحنا وقف بجرأة في وجه الخطية، عاقبه هِيرُودُس، وهو رجلٌ غارقٌ في الفجور.
- “يقول يوسيفوس أن سبب الاعتقال هو أن هِيرُودُس ’خاف أن يقود نفوذ يوحنا الكبير على الناس إلى تَمَرُّدٍ ضدهُ، لأنهم كانوا مستعدين أن يفعلوا كل ما يُوصي به.‘” باركلي (Barclay)
ثالثًا. يوحنا يُعَمِدُ يسوع
أ) الآية (٢١أ): يسوع يَعْتَمِدَ مع الآخرين.
٢١وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا.
- وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: كان هناك تجاوبٌ لافت مع خدمة يوحنا المعمدان، فجاء كثيرون ليتوبوا ويعتمدوا. وفي أحد الأيام، وبينما كان الجَمعُ محتشدًا، جاء يسوع أيضًا ليَعتَمِدَ.
- اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا: لم يَعتَمِد يسوع لأنه كان خاطئًا يحتاجُ إلى التوبة أو إلى غُفرانِ خطايا، بل لِيُحْسَبَ (يتحد) مع الإنسان الخاطئ. كان هذا هو القَلب نفسه الذي قاده إلى اتّحاده الأسمى والتام مع الخطاة على الصليب.
ب) الآيات (٢١ب-٢٢): السَّماءُ تَشهَد أن يسوع هو ابنُ الله.
وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، ٢٢وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ».
- وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي: نُلاحِظ تركيز لوقا المتكرر على الصلاة. فبينما يصفُ كُتّابُ الأناجيلِ الآخرون هذا الحدث، فإن لوقا وحده يُشير إلى أنه حدثَ بينما كَانَ يُصَلِّي.
- الرُّوحُ الْقُدُسُ… وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: تجلَّت الأقانيم الثلاثة معًا في آنٍ واحد. فقد جاءَ الروحُ القُدُس بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ، وسُمِعَ صَوْتُ اللهِ الآب، وكان الِابْنُ الْحَبِيبُ يَعتَمِد.
- كان هناك دليلٌ ملموسٌ على أن الرُّوحِ القُدُس قد حلَّ على يسوع. وحَدَثَ أمرٌ مُشابه مع الرُّسل، عندما ظهر ما يُشبه أَلْسِنَةَ نارٍ فوق رؤؤسهم في يوم الخمسين.
- “كما كان هذا المشهد في حياة الرب، كان يومُ الخمسين للكنيسة. ففي ذلك اليوم مُسِحَت الكنيسة لتقوم بإرساليتها السماوية بين الناس، وحلَّت عليها مسحةُ القدوس، لتستمر وتتجدد مع مرور تَعَاقُبِ القُرون.” ماير (Meyer)
- أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ: كان صَوْتُ السَّمَاءِ واضحًا لا يحتمل الشك. فلم يكن هذا مجرَّد خاطئٍ آخَر يعتمد، بل كان الابنَ الأزليَّ القدوس، ابنَ الله، الذي ارتضى الآب أن يُحسَبَ مع الخطاة.
- أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ هي صدى لكلمات المزمور ٧:٢، ذلك المزمور المسيَّاني المجيد.
- بِكَ سُرِرْتُ هي صدى لكلمات إشعياء ١:٤٢، مُشيرًا إلى يسوع بوصفه العبد المتألم الذي تتحدث عنه تلك الفقرة الأوسع.
- بِكَ سُرِرْتُ: بدأ يسوع خدمته الأرضيّة ببركة الآب وبقوّة الرُّوحِ القُدُس. وفي يسوع ننالُ نحن أيضًا البركة والقوّة عينَهُما.
- في يسوع نسمع الآب يقولُ لنا: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيب، بِكَ سُرِرْتُ».
- في يسوع يحلُّ الرُّوحُ القُدُس علينا ليمنحنا القوّة والبركة.
رابعًا. نَسَبُ يسوع
أ) الآية (٢٣أ): عُمْرُ يسوع عندما بدأ خدمته.
٢٣وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلَاثِينَ سَنَةً
- ثَلَاثِينَ سَنَةً: يبدو أن هذا السِنَّ كان يُعدُّ سِنَّ النضج الكامل في الفكر اليهودي. فلم يكن يُسمح للكهنة أن يبدؤوا خدمتهم إلا عند سِنّ الثلاثين (عدد ٢:٤-٣).
ب) الآيات (٢٣ب-٣٨): نَسَبُ يسوع حَسَبَ لوقا.
وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي، ٢٤بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لَاوِي، بْنِ مَلْكِي، بْنِ يَنَّا، بْنِ يُوسُفَ، ٢٥بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ، بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي، بْنِ نَجَّايِ، ٢٦بْنِ مَآثَ، بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يَهُوذَا، ٢٧بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي، ٢٨بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، ٢٩بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لَاوِي، ٣٠بْنِ شِمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، ٣١بْنِ مَلَيَا، بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ، ٣٢بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ، بْنِ بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ، بْنِ نَحْشُونَ، ٣٣بْنِ عَمِّينَادَابَ، بْنِ أَرَامَ، بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ، بْنِ يَهُوذَا، ٣٤بْنِ يَعْقُوبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، ٣٥بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، ٣٦بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ، بْنِ لَامَكَ، ٣٧بْنِ مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ، بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ، ٣٨بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ.
- وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ: جرت العادة قديمًا أن تُتَبَّعَ الأنساب من جهة الأب لا الأم، وهو ما طرح إشكالًا خاصًا في حالة الميلاد العذراوي.
- يختلف لوقا عن متَّى في سرد النسب من داود فصاعدًا، غير أنهما كليهما يَختِمان نسبيهما بيوسف. وأفضل تفسير لذلك أن لوقا تتبَّعَ نسب مريم (نسب يسوع الفعلي)، في حين اتَّبعَ متَّى نسب يوسف (نسبه القانوني بالتبني). وهذا هو مقصد لوقا في عبارته المُهمة: “مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ.”
- بدأ لوقا بيوسف لأنه التزمَ بالشكل المتعارف عليه، فلم يُدرِج نساءً في سِجلِّ نَسَبِه.
- بْنِ… بْنِ…: لم يكن من غير المألوف أن يقدِم لوقا سِجِلَّ نَسَبِ يسوع. فقد تتبَّعَ يوسيفوس نَسَبَهُ بالرجوع إلى “السجلات العامة” (السيرة الذاتية، الفقرة ١). وكان معروفًا أيضًا أن المُعلم اليهودي الشهير هِلِّيل استطاع أن يُثبت انحدارهُ من الملك داود بالاستناد إلى السجلات العامة.
- بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ: تتبَّع لوقا نَسَبَ يسوع حتى آدم، ليُظهر أن يسوع ينتمي إلى جميع البشر، لا إلى الشعب اليهودي فقط.
- قد لا يبدو النسب أمرًا مهمًا، لكنه يثبت بدقة انتماء يسوع إلى الجنس البشري. وقد أخَّر أحدُ مترجمي الكتاب المقدس إلى قبيلة نائية ترجمة الأنساب إلى النهاية، ظنًا منه أنها أقل أجزاء الأناجيل أهمية. لكن عندما ترجمها أخيرًا، اندهش أفرادُ القبيلة وقالوا له: “أتعني أن تقول إن هذا يسوع كان شخصًا حقيقيًا، له آباءٌ حقيقيون؟ لم نكن نعرف هذا من قبل!”
