متى – الإصحاح ١
سلسلة نسب وميلاد يسوع المسيح
أولًا. سلسلة نسب يسوع المسيح
أ ) الآية (١): يقدمُ متى فكرته الرئيسية في الآية الأولى، ألا وهي أن يسوع هو تتميم للنبوات وتوقعات شعب إسرائيل.
١كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ.
- كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: يبدأ متّى روايته عن حياة يسوع المسيح. ومن خلال صيغة النص اليوناني الأصلي، يصعب تحديد ما الذي تشير إليه عبارة ’كِتَابُ مِيلاَدِ‘ على وجه الدقة.
- “يمكن أن تُترجَم الكلمتان الأوليان لمتّى: ’بيبلوس جينسيوس (biblos genseos)‘ إلى ’سِجِلّ النَّسب‘ أو ’سِجِلّ الأصول‘ أو ’سِجِلّ التاريخ‘” كارسون (Carson). ويمكننا القول إن كلَّ معنى صحيح.
- في متى ١:١-١٧، لدينا ’سِجِلّ النَّسب.‘
- في متى ١٨:١-٢٣:٢ لدينا ’سِجِلّ الأصول.‘
- في إنجيل متى بأكمله، لدينا ’سِجِلّ التاريخ.‘
- كان متى مؤهلًا لكتابة قصة حياة يسوع وتعاليمه إذ كان جابي ضرائب (المعروف أيضًا باسم “لاوي”). فجابي الضرائب في ذلك الزمان كان لا بد أن يعرف اللغة اليونانية، وأن يكون متعلمًا ويتسم بدقة التنظيم. ويرى بعضهم أن متّى كان بمثابة المُدوِّن بين التلاميذ، يسجّل تعاليم يسوع. ويمكن القول إنه حين تَبِعَ متّى يسوعَ، ترك كلَّ شيءٍ خلفه، إلا قلمه وأوراقه. “لقد استخدم متّى مهارته الأدبية بنُبل، ليكون أول إنسان على الإطلاق يجمع سجلًا لتعاليم يسوع.” باركلي (Barclay)
- “نعلم أنه كان جابي ضرائب، ولذلك لا بد أنه كان موضع كراهيةٍ شديدة، إذ كان اليهود يكرهون أبناءَ شعبهم الذين قبلوا العمل مع مُستعمِريهم.” باركلي (Barclay)
- “يمكن أن تُترجَم الكلمتان الأوليان لمتّى: ’بيبلوس جينسيوس (biblos genseos)‘ إلى ’سِجِلّ النَّسب‘ أو ’سِجِلّ الأصول‘ أو ’سِجِلّ التاريخ‘” كارسون (Carson). ويمكننا القول إن كلَّ معنى صحيح.
- ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيم: في هذا العرض الذي يشرح نسب يسوع، يربط متّى يسوع بوضوح وبقوة ببعض أعظم الرجال في تاريخ العهد القديم. ويستهل متّى روايته عن حياة يَسُوعَ الْمَسِيحِ بسِجِلّ نسب يسوع، منطلقًا من إِبْراهِيم أبو الآباء.
- رُغم أن معظم علماء العهد الجديد يرون أن إنجيل متى لم يكن أول الأناجيل التي دُوّنت، فإنه موضوع في مكانه المناسب بوصفه أول أسفار العهد الجديد. وهناك أسباب كثيرة تجعل إنجيل متى جديرًا بأن يتقدم سائر روايات الأناجيل.
- “من اللافت حقًا أنه، على الرغم من اختلاف ترتيب الأناجيل في القوائم والنصوص المُبكرة، يبقى العامل الثابت الوحيد هو أن إنجيل متى يأتي دائمًا في المقدّمة.” فرانس (France)
- في الأيام الأولى للمسيحية، كان كثيرون يعتقدون أن إنجيل متّى كان أول الأناجيل التي دُوّنت.
- رأى المسيحيون الأوائل بحقّ أن إنجيل متّى إنجيلٌ مهم، لأنه يتضمن مقاطع مهمة من تعاليم يسوع لا ترد في الأناجيل الأخرى، مثل سردٍ أشمل للعِظة على الجبل.
- كان إنجيل متى الوحيد من بين الأناجيل الإزائية (متى ومرقس ولوقا) الذي كتبه رسول، هو متّى نفسه (المعروف أيضًا باسم ’لاوي‘)، الذي كان جابي ضرائب قبل أن يتبع يسوع تلميذًا له.
- “كان إنجيل متّى، في الواقع، أكثر الأناجيل اقتباسًا في الكتابات المسيحية في القرن الثاني الميلادي، من أي إنجيلٍ آخر.” فرانس (France)
- إن الطابع اليهودي لإنجيل متّى يجعله جسرًا منطقيًا للانتقال من العهدين القديم والجديد. ولهذه الأسباب، وضعت الكنيسة الأولى إنجيل متّى أولًا بين روايات الأناجيل الأربعة.
- يتجلى الطابع اليهودي لهذا الإنجيل بطرق عديدة. وهناك دلائل كثيرة تشير إلى أن متّى كان يتوقّع من قرّائه أن يكونوا على دراية بالثقافة اليهودية.
- لا يترجم متّى المصطلحات الآرامية مثل “رَقَا” (متى ٢٢:٥) و”قُرْبَان” (متى ٥:١٥).
- يشير متى إلى العادات اليهودية دون شرحٍ لها (متى ٢:١٥ مقارنة بمرقس ٣:٧-٤؛ وانظر أيضًا متى ٥:٢٣).
- يبدأ متى سلسلة النسب بإبراهيم (متى ١:١).
- يقدم متّى اسم يسوع ومعناه بطريقة تفترض معرفة القارئ بجذوره العبرية (متى ٢١:١).
- كثيرًا ما يشير متّى إلى يسوع بوصفه “ابن داود.”
- يعتمد متّى التعبير اليهودي “ملكوت السماوات” بدلًا من “ملكوت الله.”
- ومع ذلك، وبأهمية لافتة، ينتهي إنجيل متى بانتصار، إذ يوصي يسوع تلاميذه بأن يصنعوا تلاميذ من كلّ الأمم (متى ١٩:٢٨-٢٠). وهكذا، ففي حين أن إنجيل متى متجذر بعمق في اليهودية، فإنه في الوقت نفسه يتجاوزها؛ إذ يرى في الإنجيل أكثر من رسالة موجهة إلى الشعب اليهودي وحده، بل رسالة موجهة إلى العالم كله.
- نرى أيضًا أن متى ينتقد بشدة القيادة اليهودية ورفضها ليسوع؛ ومن هنا ليس من الصائب أن نصفه بأنه ’مؤيد لليهود،‘ بل الأصح أن نقول أنه ’مؤيد ليسوع،‘ إذ يقدم يسوع بوصفه المسيا اليهودي الحق، الذي رفضه كثيرون من الشعب اليهودي، ولا سيما القيادات الدينية.
- يقول بعض مفسّري الكنيسة الأولى وبعض الدارسين المعاصرين أن متّى كتب إنجيله في الأصل بالعبرية، ثم تُرْجم لاحقًا إلى اليونانية. غير أنه لا توجد أدلة ملموسة تؤيد هذه النظرية، مثل العثور على مخطوطة عبرية مبكّرة لإنجيل متّى.
- تشير نظريات أحدث بشأن إنجيل متى إلى أنه كُتب على نمط أدب المِدراش اليهودي، وهو أسلوب يبتكر قصصًا تخيلية بوصفها تعليقًا متواصلًا على نصوص العهد القديم. ويستند بعض الكتّاب إلى هذا النموذج ليزعموا أن متّى كتب عن أحداث كثيرة لم تقع فعلًا، لكنه لم يكن – بحسب رأيهم – يكذب، لأنه لم يكن يقصد نقل الحقيقية، كما أن جمهوره لم يكن يتوقع منه ذلك. غير أن هذه نظريات غير مُقنعة، إذ يُظهر التحليل وجود اختلافات أكثر من أوجه التشابه بين إنجيل متى ونصوص المِدراش. “تقدمُ المِدْراشيم اليهودية قصصًا بوصفها مادة توضيحية تُستخدم للتعليق على نصٍ متواصل من العهد القديم. أما متى ١-٢ فلا يقدم أي نصٍ متواصل من العهد القديم.” كارسون (Carson)
- ابْنِ دَاوُد: يقدم متى، على امتداد إنجيله، يسوع بوصفه المسيّا الملك الموعود من نسل داود الملكي (٢ صموئيل ١٢:٧-١٦).
- تنبأ العهد القديم بأن المسيّا سيكون ابْنِ دَاوُد. وفي الجملة الأولى نفسها، يشير متى إلى يسوع بوصفه تحقيقًا لنبوّات العهد القديم.
- ابْنِ إِبْراهِيم: لم يربط متى يسوع بداود فحسب، بل أعاده إلى ما هو أبعد من ذلك، بإلى إِبْراهِيم. فيسوع هو نسل إبراهيم الذي تَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ (تكوين ٣:١٢).
ب) الآيات (٢-١٦): نسب يسوع من جهة يوسف.
٢إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. ٣وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. ٤وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. ٥وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. ٦وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. ٧وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. ٨وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. ٩وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا. ١٠وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. ١١وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. ١٢وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. ١٣وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. ١٤وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. ١٥وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. ١٦وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ. ١٧فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا.
- إِبْراهِيمُ… يُوسُفَ: يثبت هذا النسب حقَّ يسوع في عرش داود من خلال أبيه بالتبني يوسف. فهذا ليس النسب الجسدي ليسوع من جهة مريم، بل نسبه القانوني من جهة يوسف. أمّا إنجيل لوقا فيقدم نسب يسوع الجسدي من خلال مريم.
- “كان اليهود يولون الأنساب أهمية كبيرة، وبالنسبة للمؤمنين من أصل يهودي، كانت مسيّانية يسوع تتوقّف على إثبات أنه من نسل داود.” بروس (Bruce)
- توجد بعض المشكلات الحقيقية في ترتيب تفاصيل هذا النسب، وفي التوفيق بين بعض نقاطه وبين ما يورده كلُّ من إنجيل لوقا ونصوص العهد القديم.
- يرى الكاتب أن متّى يدوّن سجل نسب يوسف، وأن لوقا يدوّن سجل نسب مريم؛ غير أن هذا الرأي لا يحظى بإجماع بين الدارسين. “قلّة قليلة قد تستنتج، من مجرد قراءة إنجيل لوقا، أنه يقدم نسب مريم. فهذه النظرية لا تنبع من نص لوقا نفسه، بل من الحاجة إلى التوفيق بين سلسلتي النسب. ومن حيث الظاهر، فإن كلاًّ من متّى ولوقا يهدف إلى تقديم نسب يوسف.” كارسون (Carson)
- ومع ذلك، لا ينبغي للصعوبات المتعلقة بالأنساب أن تمنعنا من رؤية الصورة الكاملة. فقد أقرّ ماثيو بوله (Matthew Poole) بوجود بعض الإشكالات في الأنساب وفي التوفيق بين سجلي متى ولوقا، لكنه لاحظ بحقّ:
- كان اليهود يحتفظون بسجلات أنساب واسعة ومفصّلة، ولذلك فليس من غير الحكمة الوثوق بمثل هذه السجلات.
- ينبغي أن نتذكّر تحذيرات بولس بشأن الانشغال بالجدال حول الأنساب، وألا ننخرط في خصومات بشأنها (١ تيموثاوس ٤:١، ٤:٦ وتيطس ٩:٣).
- لو كان خصوم يسوع من اليهود قادرين على إثبات أنه ليس من نسل داود، لكانوا قد أبطلوا دعواه بأنه المسيّا؛ لكنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يستطيعوا.
- “ولذلك فمن غير المعقول على الإطلاق أن نجعل مثل هذه الإشكالات الصغيرة سببًا للتشكيك في الإنجيل أو لعدم تصديقه، لمجرد أننا لا نستطيع حلّ كل عقدة نواجهها في سلسلة الأنساب.” بوله (Poole)
- قد يتحول اهتمام اليهود بالأنساب أحيانًا إلى تشتيتٍ خطير. ولذلك حذّر بولس تيموثاوس من الذين كانوا مولعين بأنسابٍ لا نهاية لها (١ تيموثاوس ٤:١)، ووجّه تحذيرًا مشابهًا إلى تيطس (تيطس ٩:٣).
- “باستثناء اسمٍ أو اسمين، فإن هذه أسماءُ أشخاصٍ ذوي شأنٍ قليلٍ أو بلا شأنٍ يُذكر. أما المتأخرون منهم فكانوا أشخاصًا مغمورين تمامًا وعديمي الأهمية. وكان ربّنا ’عِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ‘ وغُصنًا خارجًا من ساق يسى الذابلة. لم يكن لعظمة هذا العالم عنده وزنٌ يُذكر.” سبيرجن (Spurgeon)
- ثَامَارَ… رَاحَابَ… رَاعُوثَ… مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا: يتميز هذا النسب بذكر أربع نساء على نحو غير مالوف. فنادرًا ما كانت النساء تُذكر في الأنساب القديمة، أما النساء الأربع المذكورات هنا فجديرات بملاحظة خاصة بوصفهن أمثلة على نعمة الله. فهنّ يُظهرن كيف يستطيع لله أن يأخذ أشخاصًا غير متوقعين ويستخدمهم بطرق عظيمة.
- ثَامَارَ: تنكّرت كزانية واضطجعت مع حميها يهوذا، فأنجبت فَارِصَ وَزَارَح (تكوين ٣٨).
- رَاحَابَ: كانت زانية أممية، اتخذ الله من أجلها تدابير استثنائية ليخلصها من الدينونة ومن أسلوب حياتها في الزنا (يشوع ٢؛ ٢٢:٦-٢٣).
- رَاعُوثَ: كانت من موآب، أممية، وبقيت خارج عهد إسرائيل إلى أن دخلت فيه (راعوث ١).
- مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا: كانت بثشبع (التي يُشار إليها ضمنًا في متى ٦:١) زانية فعلًا، اشتهرت بخطيتها مع داود (٢ صموئيل ١١). “إن الطريقة الخاصة التي يشير بها متى إليها بوصفها ’مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا،‘ قد تكون محاولة للتركيز على حقيقة أن أوريا لم يكن إسرائيليًا، بل حِثيًا.” كارسون (Carson)
- تحتل هؤلاء النسوة الأربع لهن مكانة مهمة في نسب يسوع، إذ يبرزن أن يسوع المسيح لم يكن من سلالةٍ ملكية بحسب المفهوم البشري، بمعنى أنه لم يأتِ من خلفيةٍ أرستقراطيةٍ نقية.
- تحتل هؤلاء النسوة الأربع مكانة مهمة في نسب يسوع، إذ يبرزن أن يسوع يتماهى مع الخطاة في نسبه، كما سيفعل في ميلاده، ومعموديته، وحياته، وموته على الصليب. “إن يسوع وارثُ سلالةٍ يجري فيها دمُ راحاب الزانية، وراعوث الريفية؛ فهو قريبٌ من الساقطين والمتواضعين، وسيُظهر محبته حتى لأفقر الناس وأكثرهم تهميشًا.” سبيرجن (Spurgeon)
- تحتل هؤلاء النسوة الأربع مكانة مهمة في نسب يسوع، إذ يُظهرن أن للمرأة مكانة جديدة في ظل العهد الجديد. ففي كلٍّ من الثقافة الوثنية واليهودية في ذلك الزمان، كان الرجال كثيرًا ما ينظرون إلى النساء باستخفاف. وفي تلك الحقبة، كان بعض الرجال اليهود يصلون كل صباح شاكرين الله لأنهم لم يولدوا أمميين ولا عبيدًا ولا نساء. ومع ذلك، كانت مكانة المرأة بين اليهود أرفع منها بين الوثنيين.
- “أكثر ما يثير الدهشة في هذا النسب، وبفارقٍ كبير، هو أسماء النساء اللواتي يَرِدْنَ فيه.” باركلي (Barclay)
- “يندرج في نسبه المباشر رجالٌ ونساءٌ اشتهروا بسوء سيرتهم. وقد سُمِحَ بذلك لكي يُمَثّل تمامًا جنسنا الساقط.” ماير (Meyer)
- وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ: أراد متى أن يوضح بجلاء أن يوسف لم يكن والد يسوع، بل كان زوج مريم (رَجُلَ مَرْيَمَ).
- “تُبيّن الصياغة الجديدة بوضوح أن متّى لا يعتبر يسوع ابنَ يوسف من الناحية الجسدية… فالنسب مقصود به على نحوٍ واضح أن يكون نسب يسوع القانوني، لا نسبه الجسدي.” فرانس (France)
ج) الآية (١٧): تنظيم متى لسلسلة النسب.
١٧فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا.
- أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا… أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا… أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا: يبين متى هنا أن هذا النسب غير كامل. فعدد الأجيال بين المحطات المذكورة لم يكن في الواقع أربعة عشر جيلًا، بل رتّب القائمة ترتيبًا مقصودًا ليجعلها أسهل على التذكر والحفظ.
- على سبيل المثال، يقول (متى ٨:١) أن يُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. وهذا هو عُزّيا، ملك يهوذا، الذي أُصيب بالبرص لجرأته على دخول الهيكل ككاهن ليُقدم البخور (٢ أخبار الأيام ١٦:٢٦-٢١). لم يكن عُزيا الابن المباشر ليورام؛ إذ كان بينهما ثلاثة ملوك هم: أخزيا، ويوآش، وأمَصْيا. ومع ذلك، وكما يقول كلارك (Clarke) بحقّ: “يُلاحَظ أن مثل هذا الحذف ليس أمرًا غير مألوف في الأنساب اليهودية.”
- فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ: كان تجاوز بعض الأجيال في سرد الأنساب القديمة أمرًا شائعًا. ولم يفعل متى شيئًا غير مألوف حين أسقط بعض الأجيال من القائمة.
- ومن أفراد السلالة الملكية الذين تجاوزهم متّى أيضًا شخصٌ جاء بين يوشّيا ويَكُنيا (متى ١:١١)، وهو يهوياقيم (٢ أخبار الأيام ٥:٣٦-٨). كان يهوياقيم شريرًا إلى درجة أن الله أعلن، على لسان النبي إرميا، أن لا أحد من نسله الجسدي سيجلس على عرش إسرائيل (إرميا ٣٠:٣٦-٣١). وهنا تنشأ معضلة حقيقية؛ فمن جهة، إن كان شخصٌ ما من نسل داود الجسدي عبر يهوياقيم، فلا يمكنه أن يجلس على عرش إسرائيل أو يكون الملك والمسيا، بسبب اللعنة المعلنة في (إرميا ٣٠:٣٦-٣١). ومن جهة أخرى، إن لم يكن من نسل داود أصلًا، فلا يمكنه أن يكون الوريث الشرعي للعرش، نظرًا للوعد الإلهي المعطى لداود وطبيعة السلالة الملكية.
- وهنا نصل إلى الاختلاف بين سلسلتي النسب في إنجيلي متّى ولوقا. سجَّل متى نسب يوسف، زوج مريم، التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح (متى ١٦:١). فبدأ من إبراهيم وتتبع السلسلة نزولًا حتى وصل إلى يسوع، مرورًا بيوسف. أما لوقا، فقد سجَّل نسب مريم، إذ يذكر يسوع على أنه ابن يوسف (كما كان يُظَنُّ) (لوقا ٢٣:٣). وقد بدأ لوقا بيسوع، ثم تتبّعَ النسب صعودًا إلى آدم، منطلقًا من مريم التي لم يَرِد ذكرها صراحةً.
- يتّفق النسبان في أنهما يقدمان السلسلة من آدم (أو من إبراهيم) وصولًا إلى داود. غير أنه عند داود، ينفصل المساران. وإذا تذكرنا قائمة أبناء داود في (٢ صموئيل ٥)، نرى أن الشيطان ركَّز جهده على نسل السلالة الملكية عبر سليمان، وكانت هذه استراتيجية مفهومة. فبحسب متى ٦:١، مرّ نسب يوسف عبر سليمان (ومن ثم عبر يهوياقيم، الملعون). وكان يسوع الابن القانوني ليوسف، لا ابنه الجسدي؛ لذلك لم تنطبق عليه اللعنة التي لحقت بيهوياقيم. فلم يساهم يوسف في تكوين نقطة واحدة من “دمٍ” يسوع، لكنه منح يسوع مكانته القانونية بوصفه من نسل السلالة الملكية. أما نسل مريم، وهو النسب الجسدي ليسوع، فلم يمر عبر سليمان، بل عبر ابنٍ آخر لداود يُدعى ناثان (لوقا ٣١:٣). وبذلك لم تكن مريم واقعة تحت لعنة الدم المرتبطة بنسل يهوياقيم.
ثانيًا. ولادة يسوع المسيح
أ ) الآية (١٨): مريم توجد حُبلى، أثناء خِطبتها ليوسف، نتيجة لحَبلٍ مُعجزي بواسطة الروح القدس.
١٨أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
- أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لا يركّز متّى فعليًا على سرد تفاصيل ميلاد يسوع؛ فهذا ما يفعله لوقا. أما متى، فيُعنى بتوضيح أصل يسوع ومن أين جاء، ويروي القصة من منظور يوسف.
- لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ: كان الزواج في العالم اليهودي في زمن يسوع يمرّ أساسًا بثلاث مراحل.
- الخطوبة: كان يمكن أن تتم في سنٍّ مبكرة نسبيًا، وغالبًا ما كانت تُرتَّب من قبل الوالدين.
- العِقد (الخطبة الرسمية): كان هذا يجعل الخطوبة السابقة رسمية وملزمة. وخلال فِترة العقد كان الزوجان يُعرفان على أنهما زوج وزوجة، ولم يكن يمكن فسخ العقد إلا بالطلاق. وكانت هذه الفترة تستمر عادةً نحو سنة.
- الزواج: كان يتم بعد حفل الزفاف، وذلك عقب انتهاء سنة العقد.
- وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ: يقدم متّى بوضوح، وإن كان دون التفصيل الأوسع الذي نجده في إنجيل لوقا، حقيقة الحبل العذراوي وميلاد يسوع. غير أن الميلاد العذراوي كان أمرًا صعب التصديق على الناس آنذاك، كما لا يزال موضع شك عند بعضهم اليوم.
- ينبغي أن نتأمل في عِظَم المحنة التي واجهتها امرأة تقية شابة مثل مريم، وكذلك يوسف خطيبها. “كانت في ضيقٍ شديد ومهانةٍ قاسية. ولم يكن ليُسندها في مثل هذه الظروف، حيث كانت سمعتها وكرامتها وحياتها على المحك، سوى يقينها بنزاهتها الشخصية وثقتها الراسخة بالله.” كلارك (Clarke)
- لقد رفض كثيرون آنذاك حقيقة الحبل العذراوي بيسوع، ثم جرى لاحقًا تحريف هذه الحقيقة إلى أكاذيب تتعلق بنسبه. وترد إشارات إلى هذه الشكوك في مواضع مثل (يوحنا ١٩:٨ و٤١:٨). بل انتشرت ادعاءات كاذبة تقول إن مريم قد حبلت من جندي روماني. وهنا يضع متّى الأمور في نصابها الصحيح، سواء في ذلك الزمان أو في وقتنا الحاضر.
- “لم تكن هناك طريقة أخرى لولادته؛ فلو كان قد جاء من أب خاطئ، فكيف كان يمكن أن يمتلك طبيعة بلا خطية؟ لقد وُلِدَ من امرأة ليكون إنسانًا، ولكن ليس من رجل، لكي لا يكون خاطئًا.” سبيرجن (Spurgeon)
ب) الآية (١٩): يوسف يعتزم تخليتها سرًا.
١٩فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا.
- فَيُوسُفُ رَجُلُهَا: أخبرتنا الآية السابقة أن مريم كانت مخطوبة ليوسف. ويُظهر هذا التعليق أنه، رغم أنهما لم يكونا قد تزوجا رسميًا بعد، كان يوسف يُعتَبر زوج مريم (رَجُلُهَا) بحكم الخطبة.
- إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا: كونه رجلًا بَارًّا، أدرك يوسف أنه إن كانت مريم قد خانته، فلا يمكن المضي قدمًا في الزواج. ولأنه كَانَ بَارًّا أيضًا، لم يُرد أن يضع على مريم مشقة غير ضرورية أو وصمة عار؛ لذلك اتخذ يوسف القرار المفهوم بأن ينفصل عنها بهدوء.
- أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا: يشير هذا إلى فسخ الخطوبة عن طريق الطلاق. ففي الثقافة اليهودية في ذلك الزمن، كانت الخطوبة مُلزمة قانونيًا، وكان لا بد من الطلاق لإنهاء هذا الارتباط.
- “لأن خطوبتهما كانت أمرًا معروفًا للجميع، لم يستطع تخليتها سرًا دون وجود شهود؛ ولذلك فالمقصود هو أن يتم الأمر بأكبر قدر ممكن من الخصوصية، بقدر ما تسمح به طبيعة الحالة.” بوله (Poole)
- “حين نضطر إلى القيام بأمرٍ قاسٍ، فلنختر ألطف طريقة ممكنة. ولعلنا عندئدٍ لا نُضطر إلى القيام به أصلًا.” سبيرجن (Spurgeon)
ج) الآيات (٢٠-٢١): ملاك يكلم يوسف في حلمٍ ويقنعه بعدم تخليتها.
٢٠وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. ٢١فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».
- إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ: لم يكن هذا مَلاَكُ الرَّبِّ بالمعنى الخاص، بل مجرد ملاك من عند الرب. وربما كان الملاك جبرائيل، الذي بشر مريم وزكريا (لوقا ١٩:١ و ٢٦:١). غير أن تلك كانت ظهورات ملائكية فعلية، أما هنا فقد قُدّم الأمر ليسوف فِي حُلْمٍ.
- جاء الحلم فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ. فقد كان يوسف منزعجًا بصورة مُبرَرّة من حَمْل مريم الغامض، ومن مستقبلها، وما ينبغي عليه فعله تجاهها. وعلى الرغم من أنه قرر تَخْلِيَتَهَا سِرًّا، إلا أنه لم يكن مرتاحًا لهذا القرار.
- يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ: كان ينبغي للقب ’ابْنَ دَاوُدَ‘ أن يُنبّه يوسف إلى أن في هذه الرسالة أمرًا بالغ الأهمية. فهذا اللقب يشير إلى نسب يوسف القانوني وإلى حقه الشرعي في الانتماء إلى عرش داود.
- لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ: يبدو أن مريم لم تكن قد أخبرت يوسف بأن حملها كان مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس. وهذا لا ينبغي أن يفاجئنا؛ فكيف كان لها، أو لأي إنسان غير الله، أن يشرح أمرًا كهذا؟ ولهذا جاءت كلمة الملاك ليوسف لتبدد حيرته وتقنعه.
- لا يوجد أي تفسير لكيفية حدوث ذلك، سوى ما يورده لوقا ٣٥:١. “إن هذا الحبل العجيب بفادينا هو سرّ لا ينبغي التعمق في اسقصائه، ولذلك وُصِف بأنه تدخل مباشر من الله (قُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ).” تراب (Trapp)
- “لا يلمّح النص إطلاقًا إلى أي علاقة جسدية وثنية بين إله وإنسان. بل إن قدرة الله، العاملة بالروح القدس كما كان متوقعًا في العصر المسياني، هي التي أتمت هذا الحبل بطريقة معجزية.” كارسون (Carson)
- وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ: كان اسم يَسُوع، الذي يعني “خلاص الرب،” شائعًا إلى حد ما في ذلك الزمان (إذ يذكر يوسيفوس في كتاباته أن هناك اثني عشر رجلًا مختلفًا يحملون اسم يسوع)، لكنه في أيامنا اسمٌ مبارك على نحو فريد. وكما قال الرسول بطرس لاحقًا: “لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أعمال الرسل ١٢:٤).
- “الاسم الذي أمر الملاك يوسف أن يُطلقه على طفل مريم كان اسمًا شائعًا في ذلك الزمان، غير أن معناه الكامل هو “خلاص الرب.” مورجان (Morgan)
- لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ: عبّر الملاك الرسول بإيجاز وبلاغة عن عمل المسيا الآتي، يسوع. فهو سيأتي مخلصًا، وسياتي ليُخلص شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ.
- يذكرنا هذا الوصف لعمل يسوع بأنه يلتقينا ونحن بعد في خطايانا، لكن قصده هو أن يُخلصنا من خطايانا. فهو يخلصنا أولًا من عقوبة الخطية، ثم من سلطان الخطية، وأخيرًا من وجود الخطية نفسها.
- “إن الخلاص من الخطايا هو أحد عناصر الرجاء في العهد القديم (انظر إشعياء ٥٣؛ إرميا ٣١:٣١-٣٤؛ حزقيال ٢٤:٣٦-٣١)، وكذلك في التوقعات المسيانية اللاحقة… لكنه ليس العنصر الغالب. وإبرازه منفردًا هنا يُنذِر القارئ بألا يتوقع أن يتوافق هذا المسيا مع الرجاء الشائع بمخلص قومي. ” فرانس (France)
- بروعة لافتة، يقول النص: “شَعْبَهُ.” فلو قال “شعب الله” لظن البعض أن الخلاص مقصور على الشعب اليهودي وحده. لكن الخلاص من الخطية لا يقوم على الانتماء إلى إبراهيم، بل على الانتماء إلى يسوع، أي أن يكون الإنسان واحدًا من شَعْبَه.
د) الآيات (٢٢-٢٣): الميلاد العذراوي بوصفه إتمامًا للنبوّة.
٢٢وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: ٢٣«هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.
- لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ: هذا هو أول استخدام لهذه العبارة المهمة، التي ستغدو موضوعًا متكررًا ومألوفًا على امتداد إنجيل متّى.
- هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ: أدرك متّى على نحوٍ صحيح أن ميلاد يسوع العجيب قد أُعلن عنه سابقًا في إشعياء ١٤:٧.
- لقد كان هناك قدر من الجدل حول هذا الاقتباس من إشعياء ١٤:٧؛ ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الكلمة العبرية (almah عَلْمَة) يمكن ترجمتها إمّا “عَذْرَاء” أو “امرأة شابّة.”
- نحن نعلم أن مقطع إشعياء يتكلم عن يسوع، لأنه يقول هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ، وأن هذا الحَبْل سيكون آية لبيت داود كله. والذين يُنكرون ميلاد يسوع العذراوي يحبوّن أن يشيروا إلى أن الكلمة العبرية في إشعياء ١٤:٧، المترجمة “عذراء” (عَلْمَة)، يمكن أيضًا أن تُترجم “امرأة شابة.” والفكرة التي يطرحها هي أن إشعياء كان يقول ببساطة إن “امرأة شابة” ستلد، لا عذراء. ومع أن التحقيق القريب لنبوة إشعياء قد يكون له ارتباط بولادة امرأة شابة، فإن التحقيق البعيد أو النهائي يشير بوضوح إلى امرأة تحبل وتلد على نحوٍ عجائبي. ويتضح هذا بشكل خاص لأن العهد القديم لا يستخدم هذه الكلمة في أي سياق آخر إلا بمعنى “عذراء،” ولأن الترجمة السبعينية تترجم (عَلْمَة) في إشعياء ١٤:٧ ترجمة قاطعة بمعنى ’عذراء‘ (بارثينوس).
- عِمَّانُوئِيلَ: يشير هذا اللقب ليسوع إلى لاهوته من جهة (اَللهُ مَعَنَا)، وإلى اتّحاده بالإنسان وقُربه منه من جهة أخرى (اَللهُ مَعَنَا).
- يسوع هو حقًا عِمَّانُوئِيل، الله معنا. “المسيح، في الواقع، لم يُدعَ بهذا الاسم عمانوئيل، بحسب ما نقرأ في أي موضع، لكن مضمون هذا الاسم ومعناه قد تحقق فيه على أكمل وجه.” تفسير تراب (Trapp) للآية في إشعياء ١٤:٧.
- “بأي معنى إذًا يكون المسيح اللهَ معنا؟ يدعى يسوعُ عمانوئيل أو الله معنا، في تجسده؛ والله معنا، بتأثيرات روحه القدوس، وفي الأسرار المقدسة، وفي كرازة كلمته، وفي الصلاة الفردية. والله معنا في كل عمل نبدأ به ونواصله ونختمه باسمه. وهو الله معنا ليُعزي ويُنير ويحفظ ويدافع عنا في وقت التجربة والضيق، وفي ساعة الموت، وفي يوم الدينونة، وهو الله معنا وفينا، ونحن معه وفيه، إلى الأبد.” كلارك (Clarke)
- يمكننا أن نتأمل بعمق في معنى هذا الاسم: عِمَّانُوئِيل.
- يُبين هذا كيف اتضع الله ليُخلصَ الإنسان؛ إذ أضاف إلى طبيعته الإلهية طبيعة أحد مخلوقاته، وقَبِل ما يختبره المخلوق من ضعفٍ ووهنٍ واعتماد.
- يُبين هذا كم كانت معجزةً عظيمة أن يُضيف الله إلى طبيعته طبيعة بشرية، ومع ذلك يبقى إلهًا.
- يُبين هذا التوافق بين الطبيعة البشرية غير الساقطة والطبيعة الإلهية؛ فكون الطبيعتين متحدتين يدل على أننا صُنعنا حقًا على صورة الله.
- يُبين هذا أنه يمكننا أن نأتي إليه؛ فإن كان هو قد أتى إلينا، فنحن أيضًا نستطيع أن نأتي إليه. “فإذا كان يسوع المسيح هو ’الله معنا،‘ فلنأتِ إلى الله بلا أي تساؤل أو تردد. أيًا كنت، لست بحاجة إلى كاهنٍ أو سيطٍ يقدمك إلى الله، لأن الله قد قدم نفسه لك.” سبيرجن (Spurgeon)
- “مات جون ويسلي وهذه العبارة على لسانه، فلنحيا نحن وهي في قلوبنا: ’أفضل ما في الحياة هو أن الله معنا.‘” سبيرجن (Spurgeon)
هـ) الآيات (٢٤-٢٥): يوسف يتزوج من مريم بعد الإعلان الملائكي.
٢٤فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ. ٢٥وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ.
- فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ: إن طاعة يوسف جديرة بالملاحظة. فلم يشك ولم يتردد، بل أدرك على الفور الحقيقة وأهمية المبعوث الملائكي الذي جاء إليه في الحلم.
- وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ: تُفيد عبارة ’وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى‘ أن يوسف ومريم كانت لهما علاقة زوجية طبيعية بعد ولادة يسوع.
- يؤكد هذا أن يسوع قد حُبل به بأعجوبة. “يريد متّى أن يجعل ولادة يسوع العذراوية أمرًا لا لبس فيه، لذلك يضيف أن يوسف لم تكن له علاقة زوجية مع مريم إلى أن ولدت يسوع.” كارسون (Carson)
- وينفي هذا أيضًا عقيدة كنيسة الروم الكاثوليك القائلة بدوام بتوليّة مريم. “وهكذا اكتمل الزواج رسميًا، لكنه لم يُستكمل جسديًا قبل ولادة يسوع. والتعبير اليوناني المستخدم لعبارة ’وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى‘ يوحي عادة بأن العلاقة الزوجية قد حدثت بعد انتهاء هذه الفترة… ولا يوجد أي برهان كتابي لتقليد ’البتوليّة الدائمة‘ لمريم.” فرانس (France)
- هذه عقيدة غير كتابية، ولم تظهر قبل القرن الخامس بعد يسوع. وينبغي وضعها إلى جانب عقائد حبل مريم بلا دنس، وصعودها إلى السماء، ودورها الحالي كوسيطٍ للمؤمنين. فكل هذه العقائد من اختراع بشري، وتهدف إلى تمجيد مريم على نحوٍ غير كتابي.
- وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ: فعلوا ما أمرهم الله به. ومع أنه كان اسمًا شائعًا إلى حدٍ ما، إلا أنه كان يحمل معنىً عظيمًا بحق، وسيصير أعظم الأسماء، اسم فوق كل اسم.
