انجيل لوقا – الإصحاح ١
ميلاد يوحنا المعمدان
أولًا. مقدّمةٌ لإنجيل لوقا
الآيات الأربعة الأولى من إنجيل لوقا تُشكّل جملةً واحدة متصلة في الأصل اليوناني. وقد كُتبت بأسلوبٍ رفيع، أكاديمي، كلاسيكي دقيق. لكن بعد ذلك، في بقية الإنجيل، لم يستخدم لوقا لغة العلماء، بل لغة الإنسان العادي، لغة القرية والشارع. ومن خلال هذا، كأن لوقا يقول لنا: ’هذا السرد يحمل كل المؤهلات الأكاديمية والعلمية اللازمة، لكنه مكتوب من أجل الإنسان البسيط في الشارع.‘ لقد كتب لوقا لكي يفهم الناس يسوع، لا لكي يُعجبوا بذكائه أو بمهاراته الأدبية.
أ) الآيات (١-٢): ذكرُ الرواياتِ السابقةِ عن حياة يسوع.
١إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الْأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، ٢كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ.
-
كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ: كتب لوقا إنجيله وهو يعلم أن كثيرين سبقوه إلى تدوين روايات عن حياة يسوع. وقد يكون هذا إشارة إلى الأناجيل حسب مرقس ومتى، إذ يرى معظم الدارسين أن إنجيل يوحنا كُتب بعد لوقا، كما قد يشير أيضًا إلى سيرٍ أُخرى عن يسوع لم تكن موحى بها مباشرة من الروح القدس.
- يدّعي بعض الباحثين أن الكتابات عن يسوع لم تظهر إلا بعد جيلين، أو ربما ثلاثة أجيال، من موته على الصليب. لكن أبحاث خبير البرديات الألماني كارستن تيده (Carsten Thiede) في ديسمبر ١٩٩٤، تشير إلى أننا نملك بالفعل نُسخًا من إنجيل متى تعود إلى زمن قريب جدًا من عهد يسوع نفسه. وقد استندت نتائج تيده إلى تحليل دقيق لأسلوب الخط والكتابة المستخدم في الشذرات التي اكتُشفت حديثًا.
-
فِي الْأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا: تحتوي الكتابات السابقة على أمورٍ كانت معروفة ومتداولة على أنها حقائق بين المؤمنين في زمن لوقا. فعندما كتب لوقا إنجيله، كان معظم المؤمنين يعرفون الكثير عن حياة يسوع المسيح، لا من خلال الروايات الشفوية التي نقلها التلاميذ الأوائل فحسب، بل أيضًا من خلال السِّيَر التي كانت قد كُتبت بالفعل.
-
باستخدامه كلمة ’عِنْدَنَا،‘ وضع لوقا نفسه ضمن جماعة المؤمنين الذين آمنوا بروايات حياة يسوع وتسلَّموها. وكان لوقا رفيقًا لبولس الرسول في رحلاته التبشيرية (أعمال الرسل ١٠:١٦-١١، ٢ تيموثاوس ١١:٤، فليمون ٢٤:١)، وقد دعاه بولس الطَّبِيب الْحَبِيب (كولوسي ١٤:٤). وكان لوقا طبيبًا، ومن ثم رجلَّ علمٍ وبحثٍ، وهو ما ينعكس بوضوح في عرضه التاريخي لحياة يسوع.
-
تشير كل الدلائل إلى أن لوقا كان أمميًّا. فالنصان في كولوسي ١٠:٤-١١ و١٤:٤ يُظهران أنه لم يكن يهوديًا، إذ لم يُدرج ضمن الذين هم من الختان. وهذا ما يجعل لوقا مميزًا، فهو الكاتب الوحيد في العهد الجديد الذي كان أمميًّا.
-
منح الله هذا الكاتب الأمميّ الوحيد امتيازًا عظيمًا. ولأنه كتب أيضًا سفر أعمال الرسل، الذي يُشكّل الجزء الثاني من هذا الإنجيل، فقد كتب من أسفار العهد الجديد أكثر مما كتبه أي كاتبٍ بشريٍ آخر، بافتراض أن بولس لم يكن رسالة العبرانيين.
-
-
كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ: يخبرنا لوقا أن الروايات السابقة عن حياة يسوع كانت قائمة على أقوال شهودِ العيان (مُعَايِنِين).
- الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ هم بلا شك الرسل، الذين كانوا مع يسوع منذ البداية. غير أن عبارة الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ تشمل أيضًا أشخاصًا آخرين، مثل مريم نفسها، التي يُرجح أن لوقا قد قابلها أثناء بحثه لهذا السرد التاريخي لحياة يسوع.
- كتب لوقا إلى عالم القرن الأول الذي كان قد سئم حياة “افعل ما تشاء إن كان يُشعِرك بالرضا،” وفي الوقت نفسه كان ينفر من الخرافات الغريبة التي سادت معظم الديانات. وكان ذلك العالم، كما هو الحال اليوم، يتوق إلى ما تقدمه المسيحية: إيمانٌ قائمٌ على حقيقة.
ب) الآيات (٣-٤): لوقا يشرح سبب تدوينه لروايته.
٣رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، ٤لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.
- رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا: لم يكن لوقا شاهدَ عيانٍ منذ بداية خدمة يسوع. ومع ذلك، فقد وضع نفسه في الصف نفسه مع الآخرين الذين كتبوا رواياتهم عن حياة يسوع من خبرةٍ مباشرة، مثل متى ومرقس، لأن روايته كانت مبنية على بحثٍ دقيقٍ وفهمٍ تامٍ للأحداث (بِتَدْقِيقٍ).
-
أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي: بعد أن كان قد اطّلع بالفعل على روايتي متى ومرقس، أراد لوقا أن يقدم رواية ثالثة تُبرز الشمول والترتيب الزمني للأحداث. ولذلك يُعَدّ إنجيل لوقا أكثر الأناجيل شمولًا، إذ يسرد قصة يسوع كاملةً من البشارة بميلاد يوحنا المعمدان إلى صعود يسوع.
- إنجيلُ لوقا هو أكثرُ الأناجيل شمولًا، إذ يُقدَّم الأمميون فيه غالبًا بصورة إيجابية.
- إنجيلُ لوقا هو أكثرُ الأناجيل اهتمامًا بأدوار النساء والأطفال والمهمشين اجتماعيًا.
- إنجيلُ لوقا هو أكثرُ الأناجيل اهتمامًا بالصلاة، إذ يورد سبع إشارات مختلفة إلى صلاة يسوع لا تَرِد إلا في هذا الإنجيل وحده.
- إنجيلُ لوقا هو أكثرُ الأناجيل تركيزًا على الروح القدس وعلى الفرح.
- إنجيلُ لوقا هو أكثرُ الأناجيل تركيزًا على الكرازة بالخبر السار (الإنجيل). إذ يُستَخدم هذا المصطلح عشر مرات في هذا الإنجيل، ولا يرد إلا مرة واحدة في الأناجيل الأخرى، فضلًا عن خمس عشرة مرة إضافية في سِفر أعمال الرسل.
-
أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ: وجّه لوقا إنجيله إلى رجل يُدعى ثَاوُفِيلُس، لكنه كتبه أيضًا وهو يضع جمهورًا أوسع في الاعتبار.
- من خلال اللقب ’الْعَزِيزُ‘ نستنتج أن ثَاوُفِيلُس كان على الأرجح مسؤولًا في الحكومة الرومانية. ومن المرجح تمامًا أن يشكّل إنجيل لوقا وسِفر أعمال الرسل معًا مذكرة دفاع بولس في محاكمته أمام قيصر، إذ يتركنا سِفر أعمال الرسل وبولس ما يزال في انتظار تلك المحاكمة.
- ومهما تكن هوية ثَاوُفِيلُس، فقد كان قد تلقّى بالفعل قدرًا من التعليم في الإيمان المسيحي (الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ).
ثانيًا. البشارة بميلاد يوحنا المعمدان
أ) الآيات (٥-٧): الزمن والأشخاص الذين تبدأ بهم سيرةُ حياة يسوع.
٥كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ. ٦وَكَانَا كِلَاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلَا لَوْمٍ. ٧وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِرًا. وَكَانَا كِلَاهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا.
- فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ: حدثت هذه الأحداث في زمن مُحدَّد. وكان الحاكم في ذلك الوقت هو الرجل المعروف بهيرودس الكبير، الذي كان في نهاية حُكمٍ طويلٍ ومروّع. ومن حيث الأصل العِرقي، لم يكن من نسل إسرائيل، بل من نسل عيسو أخو يعقوب، أي أدوميًّا. وقد اشتهر بمشاريعه المعمارية الضخمة، غير أنّه اشتهر أكثر بقسوته المرضيّة، التي دفعته إلى إعدام كثيرين، بمن فيهم أفرادٌ من عائلته نفسها.
- كَانَ هناك كَاهِن اسْمُهُ زَكَرِيَّا .. وَامْرَأَتُهُ أَلِيصَابَاتُ: وقعت هذه الأحداث لأشخاص حقيقيّين ومُحدَّدين. وكان زَكَرِيَّا وأَلِيصَابَات بَارَّيْن وطائعين، ومع ذلك كانا موصومَين بالعقم (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِرًا).
- مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا: ذُكِرَت فِرقُ الكهنة، بما فيها فِرْقَةُ أَبِيَّا، في سِفر أخبار الأيام الأول ٢٣-٢٤.
ب) الآيات (٨-١٠): خدمة زكريا في الهيكل.
٨فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ، ٩حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ. ١٠وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجًا وَقْتَ الْبَخُورِ.
-
حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ: لم يكن يُسمح بالخدمة في الهيكل إلا للكهنة المنحدرين من سلالةٍ معينة. ومع مرور السنين تضاعف عدد الكهنة، حتى قيل إنهم بلغوا نحو عشرين ألف كاهن في زمن يسوع، ولذلك كانوا يستخدمون القُرعة لتحديد أيّ الكهنة يتولى الخدمة وفي أي وقت. وقد لا تقع قرعة الخدمة على الكاهن إلا مرة واحدة في حياته.
- بالنسبة لرجلٍ بار مثل زكريا، كان هذا على الأرجح أعظم حدثٍ مر به، وامتيازًا هائلًا، وفرصةً لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر. ولا شك أنه تساءل عما سيكون عليه دخوله إلى المكان المقدس، وهل كان الله سيكلمه بكلمةٍ خاصة في هذا الحدث الفريد.
- ومن السهل أيضًا أن نتخيل أن زكريا سأل الكهنة الآخرين الذين سبق لهم أن أدّوا هذه الخدمة عما كانت عليه، مستفسرًا هل كان لهم اختبارٌ روحيٌّ خاص عندما خدموا أمام الرب. فكان الحدث بأكمله مشحونًا بتوقّعٍ عظيم.
-
يُبَخِّرَ: بحسب شريعة موسى، كان البخور يُقدم للرب على المذبح الذهبي كلَّ صباحٍ وكلَّ مساءٍ (خروج ٧:٣٠-٨). وبحلول ذلك الوقت، كانت قد ترسخت طقوس محددة لهذه الممارسة.
- كانت تُجرى عدة قُرعٍ لتحديد من يقوم بكل خدمةٍ في ذبيحة الصباح. فالقرعة الأولى كانت تُحدِّد من يُنقي المذبح ويُعِد ناره، أما القرعة الثانية فكانت تُحدِّد من يذبح ذبيحة الصباح ويرش المذبح والمنارة الذهبية ومذبح البخور. أما القرعة الثالثة فكانت تُحدِّد من يدخل ليُقدم البخور. وكانت هذه أسمى الواجبات وأعظمها امتيازًا، إذ إن الذين تقع عليهم القرعتان الأولى والثانية كانوا يكررون خدمتهم في ذبيحة المساء، أما القرعة الثالثة فلا تُكرَّر. ولهذا كان تقديم البخور فرصةً لا تتاح للكاهن إلا مرة واحدة في العمر.
- قبل الفجر، كان مئاتُ العابدين يجتمعون في الهيكل. وكانت ذبيحة الصباح تبدأ عندما يتقدم كاهن البخور نحو الهيكل، عابرًا الدار الخارجية، حيث كان يضرب آلة تشبه الجرس تُعرَف باسم المَغرِيفَة (Magrephah – وهي آلة صوتية تُستعمل للإعلان). وعند هذا الصوت، كان اللاويون يجتمعون ويتهيأون لقيادة الشعب المجتمع في تسابيح وعبادة لله.
- وكان الكاهنان الآخران اللذان اختيرا بالقرعة في ذلك الصباح يصعدان إلى الهيكل، واحدٌ عن يمين كاهن البخور وآخر عن يساره. ودخل الثلاثة معًا إلى المكان المقدس. فوضع أحدهما الجمر المتقد على المذبح الذهبي، ورتب الآخر البخور ليكون جاهزًا للتقديم. ثم خرج الكاهنان من الهيكل، وبقي كاهن البخور وحده في المكان المقدس.
- كان أمامه مذبح البخور الذهبي، بعرضٍ قدره ستة وأربعون سنتيمترًا مربعًا، وبارتفاعٍ يبلغ ثلاثة أقدام. وعلى ذلك المذبح الصغير وُضِع الجمر المتقد، تتصاعد منه خيوط خفيفة من الدخان، مهيأةً لتقديم البخور. وخلف المذبح الذهبي كان هناك حجاب عظيم كثيف، وخلف ذلك الحجاب كان قُدْسِ الْأَقْدَاس، الذي لا يدخل إليه إنسان، إلا رئيس الكهنة، وذلك مرة واحدة في السنة، في يوم الكفارة. وأثناء وقوفه مواجهًا مذبح البخور الذهبي، كان على يمينه مائدة خبز الوجوه، وعلى يساره المنارة الذهبية، التي كانت توفر النور الوحيد في المكان المقدس.
-
وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجًا وَقْتَ الْبَخُورِ: عندما رأى الناس في الخارج الكاهنين يخرجان من الهيكل، أدركوا أن وقت تقديم البخور قد حان. فانحنى جمهور الشعب أو جثوا على ركبهم أمام الرب، وبسطوا أيديهم في صلاة صامتة. وكانوا يعلمون أنه في تلك اللحظة كان كاهن البخور يصلي في المكان المقدس، في محضر الله نفسه، من أجل الأمة كلها.
- ثم خيَّم صمتٌ تام لعدة دقائق في كل أرجاء الهيكل، بينما كان زكريا يطيل الصلاة في المكان المقدس، في تلك اللحظة التي كانت الأكثر رهبة في حياته.
- قد تبدو العلاقة بين إحراق البخور والصلاة غريبة لبعض الناس، لكن في الكتاب المقدس يُعَدّ إحراقُ البخور صورة قوية للصلاة (مزمور ٢:١٤١، رؤيا يوحنا ٨:٥).
- لأجل ماذا صلى زكريا؟ لا بد أنه استعد لذلك مسبقًا. وربما كان قد أعدّ قائمة بالصلاة، وإن كان الأرجح أنه حفظها عن ظهر قلب. وكان يعرف أيضًا كم من الوقت ينبغي أن يصلي، لأنه كان قد حضر ذبيحة الصباح مرارًا بصفته واحدًا من العابدين، وكان يعلم المدة التي يمكثها كاهن البخور داخل الهيكل. ولا بد أنه صلى من أجل احتياجات أمة إسرائيل، التي كانت واقعة تحت الاحتلال ومثقلة باضطهاد الرومان المكروهين. ولا بد أنه صلى أيضًا لكي يُرسل الله المسيا. وعلى الأرجح أنه رأى من غير اللائق أن يُدرج طلباته الشخصية في لحظة مقدسة كهذه.
ج) الآيات (١١-١٧): بشارة الملاك لزكريا.
١١ فَظَهَرَ لَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ. ١٢فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ. ١٣فَقَالَ لَهُ الْمَلَاكُ: «لَا تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لِأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. ١٤وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلَادَتِهِ، ١٥لِأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لَا يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. ١٦وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِهِمْ. ١٧وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الْآبَاءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الْأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا».
- فَظَهَرَ لَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ: وقف الملاك ببساطة عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ. وبينما كان زكريا منغمسًا في الصلاة، فتح عينيه فرأى الملاك.
-
فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ: لم يكن الملاك الذي ظهر لزكريا شخصية رومانسية، ولا طفلًا عاريًا ذا أجنحة. بل كان كائنًا مهيبًا، مملوءًا مجدًا، يبعث الرهبة في النفس. وكما هو الحال مع معظم الملائكة في الكتاب المقدس، كانت أولى كلماته لمن التقى به من البشر: “لَا تَخَفْ.”
- لا شكّ أن زكريا قال في نفسه: “هل يحدث هذا لكل من يقوم بهذه الخدمة؟ إن الآخرين لم يخبروني بشيءٍ كهذا.”
-
لِأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا: من المستبعد أن يكون زكريا قد صلى من أجل ابنٍ وهو واقف عند مذبح البخور الذهبي. فأولًا، كان من الممكن أن يبدو له هذا الطلب أنانيًا في لحظة كهذه. وثانيًا، بما أنه هو وأليصابات كانا متقدمين جدًا في السن (لوقا ٧:١)، فمن المرجح أنهما كانا قد كفّا عن الصلاة من أجل هذا الأمر منذ زمنٍ طويل.
- أحيانًا نصلي من أجل أمرٍ ما زمنًا طويلًا جدًا. نصلي من أجل خلاص زوجٍ أو طفل. نصلي من أجل دعوة أو خدمة. ونصلي من اجل اختيار الشريك المناسب للزواج. لكن بعد سنوات من الصلاة الصادقة، قد نستسلم لليأس ونتوقف. وعلى الأرجح أن زكريا وأليصابات قد صليا سنواتٍ طويلة بغيرةٍ من أجل ابن، ثم تخليا عن هذا الرجاء منذ زمن بعيد، ولم يعودا ينتظران من الله أكثر من ذلك.
- عندما نصل إلى هذه الحالة، قد نبدأ أحيانًا، ولو بدرجة يسيرة، في الشك في محبة الله لنا ورعايته. لكن الله يحبنا دائمًا، ورعايته لنا لن تتوقف أبدًا.
- تلقى زكريا وعد الملاك وهو يقول في نفسه: “لا أدري عمّ يتحدث. لم أصلِّ من أجل ابن. نحن متقدمان في السن، كما تعلم. لقد تخليتُ عن تلك الصلاة منذ زمن طويل. أنا أصلي من أجل خلاص إسرائيل، وأصلي أن يُرسل الرب المسيا الموعود.” ولم يكن زكريا يعلم أن الله سيستجيب الصلاتين معًا، وأنه سيستخدم طفله المعجزة ضمن عمله في إرسال المسيا.
- لم يكن زكريا يعلم أن الله سيستجيب في وقتٍ واحد لأعمق رغبتين في قلبه. فقد تخلى منذ زمن بعيد عن حلم الأبوة، بعدما تحطم ذلك الرجاء عبر سنواتٍ من خيبات الأمل. أما الله، فلم يتخلَّ عن هذا الرجاء، حتى وإن كان زكريا وأليصابات قد تخليا عنه.
- وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا: سبق أن حدد الرب اسم الصبي قبل أن يُحبل به، وأمر أن يكون اسمه يُوحَنَّا.
-
لِأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لَا يَشْرَبُ: يُرجح أن يكون هذا إشارةً إلى نذر النَذْير الوارد في سفر العدد، الإصحاح ٦. وكان ابنهما يوحنا مكرسًا ومخصصًا للرب كل أيام حياته، كما كان ينبغي أن يكون شمشون.
- مع أن يوحنا سيكون عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، ولكن بنعمة الله: فإن الْأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ سيكون أَعْظَمُ مِنْهُ” (متى ١١:١١).
-
وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ: سيكون ليوحنا امتلاءٌ فريدٌ من الروح القدس، وهو بعدُ في بطن أمّه.
- قال كالفن عن امتلاء يوحنا بالروح القدس وهو في بطن أمّه: “لنتعلّم من هذا المثال أن عملَ الروح في الإنسان لا يحدّه عمرٌ معيّن، ويمكنه أن يعمل من الطفولة المبكرة إلى آخر العمر.”
- وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِهِمْ: كانت مهمة يوحنا العظيمة أن يُعِدَّ طريق المسيّا، بإرجاع القلوب إلى الله قبل مجيئه. وكان نموذج خدمته هو النبي العظيم إيليا، بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ. وقد قال يسوع لاحقًا إن هذا قد تحقَّق في يوحنا (متى ١٤:١١، ١٢:١٧).
-
لِيَرُدَّ قُلُوبَ الْآبَاءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ: يحمل هذا اقتباس من ملاخي ٥:٤-٦ دلالة أعمق من مجرد الإشارة إلى إيليا. فهذه كانت في جوهرها الكلمات الأخيرة في العهد القديم، والآن يستأنف وحيُ الله مساره من حيث توقّف.
- إيليا كان رجلًا دعا إسرائيل إلى توبة جذرية (ملوك الأول ٢٠:١٨-٤٠).
د ) الآيات (١٨-٢٠): شَكُّ زكريا وصمتُه.
١٨فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلَاكِ: «كَيْفَ أَعْلَمُ هَذَا، لِأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟». ١٩فَأَجَابَ الْمَلَاكُ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ، وَأُرْسِلْتُ لِأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا. ٢٠وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هَذَا، لِأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلَامِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ».
-
كَيْفَ أَعْلَمُ هَذَا، لِأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟: وتجلّى موقفُ زكريا في قوله: “شكرًا على الوعد أيها الملاك، لكن بالنظر إلى حالتي وحالة زوجتي، فهذا أمر يصعب تصديقه. هل يمكنك أن تعطينا علامةَ تُثبت ذلك؟”
- ليس الأمر أن زكريا لا يريد أن يصدق هذا، بل إنه يريد ذلك فعلًا. لكنه كان يشعر أن هذا الوعد أروع من أن يصدَّق، وربما كان قد تعلّم، عبر السنين، أن يحمي نفسه من خيبةٍ جديدة بأن لا يرفع توقعاته كثيرًا. ونحن نفعل الشيء نفسه، فنحرم أنفسنا كثيرًا من المعجزات بسبب هذه الموقف.
- نظر زكريا أولًا إلى الظروف، ووضع ما يستطيع الله أن يفعله في المرتبة الأخيرة. وقد نُجرب بأن نعدّ هذا تصرفًا منطقيًا، لكن متى كان الله حاضرًا وفاعلًا، فلا منطق في وضع الظروف قبله.
-
أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ: يُذَكّر جبرائيل زكريا بمن هو، ومن أين أتى. هناك تباين كبير بين ’لِأَنِّي أَنَا شَيْخٌ‘ و’أَنَا جِبْرَائِيلُ‘ – فأيهما كان أكثر وزنًا؟ كما أن جبرائيل بشر زكريا بالأخبار السارة: “وَأُرْسِلْتُ لِأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا.”
- لم تكن هذه إلا أخبارًا سارة لزكريا، إذ أُعلِن له أنه لن يكون له ابن فحسب، بل إن هذا الابن سيكون له دور مهم في خطة الله للفداء. هذه هي الأخبار السارة التي حملها جبرائيل إلى زكريا.
- هذا يُقدم فهمًا أوضح لمعنى الكرازة بالإنجيل حقًا، فمعنى الكرازة هو أن نأتي بالأخبار السارة إلى أناسٍ يحتاجون إليها.
- كَلَامِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ: إن لم يكن هناك زكريا، فلن يكون هناك يوحنا المعمدان. وإن لم يكن هناك يوحنا المعمدان، فلن يكون هناك منادٍ يعلن مجيء المسيّا. وإن لم يكن هناك منادٍ يعلن مجيء المسيّا، فلن تتحقق نبوات العهد القديم المتعلقة بالمسيّا. وإن لم تتحقق أيٌّ من نبوات العهد القديم الخاصة بالمجيء الأول للمسيّا، فهذا يعني أن يسوع لم يتمِّم كل شيء. وإن لم يتمِّم المسيّا كل شيء، فهذا يعني أنه لم يُكمل خطة الله لفدائنا، وبالتالي نهلك في خطايانا. هذه كانت أخبارًا سارة.
-
وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ: دفع زكريا ثمن عدم إيمانه. فعدم إيمانه لم يُغيِّر وعد الله، لكنه حرمه من التمتع به.
- عندما لا نُصدّق وعد الله لحياتنا، فإننا لا نُبطل الوعد بالضرورة، لكننا نُبطل قدرتنا على التمتع به. وما جعل هذه العقوبة قاسية إلى هذا الحد هو أن زكريا كان يحمل أخبارًا عظيمة، لكنه حُرم من نقلها.
- على نحو لافت، لا يرى كثيرون من المؤمنين في هذا عقوبة، إذ لا يمانعون في كتمان الأخبار السارة عن يسوع.
هـ) الآيات (٢١-٢٣): ظهور زكريا أمام الجُمُوع.
٢١وَكَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيَّا وَمُتَعّجِّبِينَ مِنْ إِبْطَائِهِ فِي الْهَيْكَلِ. ٢٢فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَفَهِمُوا أَنَّهُ قَدْ رَأَى رُؤْيَا فِي الْهَيْكَلِ. فَكَانَ يُومِئُ إِلَيْهِمْ وَبَقِيَ صَامِتًا.٢٣وَلَمَّا كَمِلَتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ مَضَى إِلَى بَيْتِهِ.
-
وَكَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيَّا وَمُتَعّجِّبِينَ مِنْ إِبْطَائِهِ فِي الْهَيْكَلِ: كانت العادة أن يخرج الكاهن من الهيكل فور انتهائه من الصلاة، ليطمئن الشعب بأنه لم يُضرَب ميتًا من الله. لكن تأخر زكريا بدأ يثير قلق الجُمُوع.
- بعد أن أنهى كاهن البخور خدمته، خرج من الموضع المقدس عبر الأبواب العظيمة للهيكل، والتقى بالكاهنين الآخرين خارج الأبواب مباشرة. ثم رفع كاهن البخور يديه وبارك الشعب بالبركة الواردة في سفر العدد ٢٤:٦-٢٦. وكان مئات العابدين المجتمعين يعرفون ما عليهم أن يفعلوا، فاستجابوا قائلين: “مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل وإلى الأبد.”
- بعد كل ذلك، بدأ اللاَّوِيُّون بإشراك مُرنمي العبادة والعازفين. استهلوا الخدمة بنفخة من أبواق فضية خاصة، ثم ضرب كاهن الصنوج، وبدأت جوقة اللاَّوِيِّين بترنيم مزمور اليوم. وكانت الجوقة تضم ما لا يقل عن اثني عشر صوتًا، تجمع بين الشيوخ والشباب، لتقدم تنوعًا كاملًا من الأصوات، وربما تناغمات رائعة.
-
فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ: عندما خرج زكريا، كان من المفترض أن يقف على درجات الهيكل مُطلًا على الجُمُوع، وأن ينطق بالبركة الكهنوتية على الشعب (عدد ٢٤:٦-٢٦)، ثم يرددها الكهنة الآخرون من بعده. لكن زكريا لم يكن قادرًا على الكلام.
- وبأفضل ما استطاع، مستخدمًا إشارات يديه، روى ما حدث له في الهيكل. ومن الصعب أن نعرف إن كان الجميع قد صدّقوه.
و) الآيات (٢٤-٢٥): حَبَلُ أليصابات وفرحُها.
٢٤وَبَعْدَ تِلْكَ الْأَيَّامِ حَبِلَتْ أَلِيصَابَاتُ امْرَأَتُهُ، وَأَخْفَتْ نَفْسَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ قَائِلَةً: ٢٥«هَكَذَا قَدْ فَعَلَ بِيَ الرَّبُّ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ، لِيَنْزِعَ عَارِي بَيْنَ النَّاسِ».
- حَبِلَتْ أَلِيصَابَاتُ امْرَأَتُهُ: كانت علاقة زكريا بزوجته علاقة طبيعية، وقد شارك الله في إتمام الوعد. ولم يتوقع زكريا أن يأتي هذا الطفل من حبلٍ معجز.
- وَأَخْفَتْ نَفْسَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ: لم تذهب أليصابات لتختبئ بسبب حبلها، لكنها غابت الأشهر الخمسة الأولى، وهي الفترة التي يكون فيها الحمل غير واضح للعيان. ذهبت لتقضي وقتًا مع الرب، وتتأمل في مصير الطفل الذي في أحشائها.
ثالثًا. البشارة بميلاد يسوع
أ) الآيات (٢٦-٢٧): أُرسِلَ جبرائيل إلى مريم في الناصرة.
٢٦وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلَاكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، ٢٧إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ.
- وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلَاكُ: لم تنتهِ خدمة جبرائيل عند بشارته لزكريا في الهيكل، ففي الشَّهْرِ السَّادِسِ من حبل أليصابات، جاء الى قرية في الجليل.
-
إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ: من حيث التسلسل الزمني، يُعدّ هذا أول ذِكرٍ لمدينة النَّاصِرَة في أسفار العهدين القديم والجديد. وربما كان ما يميّز الناصرة هو أنها غير متميّزة، إذ لا يَرِد لها أي ذكر في العهد القديم، ولا في الأسفار الأبوكريفية، ولا في كتابات يوسيفوس.
- مع أن النَّاصِرَة تقع في الإقليم العام للجليل، فإنها تبعد نحو ٢٤ كيلومترًا عن بحر الجليل، كما تبعد ٩ كيلومترات عن أقرب طريق رئيسي. ولم تكن لمدينة النَّاصِرَة مصادر جيدة للمياه، بل كان فيها بئر واحدة فقط، ضعيفة نسبيًا، في وسط القرية.
- ارتبط يسوع بهذا الموضع ارتباطًا دائمًا، إذ دُعي مرارًا يَسُوع النَّاصِرِيّ (مرقس ٢٤:١، يوحنا ٧:١٨، ١٩:١٩، لوقا ٢٢:٢). كما دُعي أتباعه أيضًا النَّاصِرِيون (أعمال الرسل ٥:٢٤).
-
إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ: كانت مريم مَخْطُوبَة ليوسف. وكان للزواج اليهودي في ذلك الوقت ثلاث مراحل:
- العقد (اتفاق رسمي يُبرمه الآباء).
- الخطوبة (الاحتفال الذي تُقدم فيه الوعود المتبادلة).
-
الزواج (بعد نحو سنة، حين يأتي العريس ليأخذ عروسه في وقت غير متوقَّع).
- في مرحلة الخطوبة، كان الإخلاص ملزمًا، ولا يُفسخ هذا الارتباط إلا بالطلاق. ولم يكن هذا وعدًا عابرًا أو أمرًا شكليًا.
-
وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ: يُقال بوضوح إن مريم كانت عذراء. ولا يوجد أي التباس في هذا المعنى، إذ إنها لم تكن قد أقامت أي علاقة زوجية مع أي رجل.
- كان حبل يوحنا المعمدان، مُمهِّد طريق المسيّا، حبلًا معحزًا؛ ولذلك ينبغي أن نتوقع حبلًا أعظم وأشد تميزًا للمسيّا.
- “اسم ’ماري أو مريم‘ هو الصيغة اليونانية للاسم العبري ’مريم،‘ أخت موسى. ويني ’الممجدة‘ أو ’المرفوعة،‘ وهو وصف مناسب لمن ستصير أمًا للمسيّا.” بات (Pate)
ب) الآيات (٢٨-٢٩): تحيّة جبرائيل لمريم.
٢٨فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلَاكُ وَقَالَ: «سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». ٢٩فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ، وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ!».
-
فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلَاكُ وَقَالَ: قال جبرائيل ثلاث أشياء لمريم. وكانت كل واحدة منها صحيحة تمامًا عنها، إذ حظيت بامتياز فريد لم ينله أي إنسان عاش على الإطلاق.
- كانت مُنْعَمُ عَلَيْهَا.
- كان اَلرَّبُّ مَعَها.
-
كانت مُبَارَكَةٌ.
- ومع ذلك، فإن هذه الأمور كلها تنطبق أيضًا على المؤمن بيسوع. فنحن موضع نعمة عظيمة كما كانت مريم (أفسس ٦:١)، والرب معنا (٢٠:٢٨)، ونحن مباركون (أفسس ٣:١).
- صلاة الكنيسة الكاثوليكية التي تبدأ بعبارة: “السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمة” هي عبارة صحيحة. فقد كانت مريم ممتلئة نعمة، وكذلك المؤمن. لكن نعمة مريم كانت نعمة مُعطاة لها، لا نعمة تُعطيها للآخرين.
- فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ: حقيقةُ أن مريم اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ تُظهر تواضعها. فقد تعجبت مريم من سماع هذه الكلمات الجليلة التي قيلت لها.
ج) الآيات (٣٠-٣٣): جبرائيل يُعلن ميلاد المسيّا من مريم.
٣٠فَقَالَ لَهَا الْمَلَاكُ: «لَا تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. ٣١وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. ٣٢هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الْإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، ٣٣وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ».
-
لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ … وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا: لم يكن التركيز على مريم، بل على الِابْن الذي سيُسمى يَسُوع، وهو اسم شائع. وقد تم تحديد هوية هذا الِابْن بوضوح على أنه المسيّا الذي تنبأ به العهد القديم.
-
هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا: لم يؤثر أحدٌ في مجرى التاريخ أكثر من يسوع المسيح. “أليس واضحًا أنه عظيم؟ إن كان الفاتحون عظماء، فهو أعظمهم. وإن كان المنقذون عظماء، فهو أعظمهم. وإن كان المحررون عظماء، فهو أعظمهم. وإن كان المخلِّصون عظماء، فهو أعظمهم.” سبيرجن (Spurgeon)
- يسوع عظيم في كمال طبيعته.
- يسوع عظيم في سموّ وظائفه.
- يسوع عظيم في روعة إنجازاته.
- يسوع عظيم في كثرة الذين يخلصهم.
- يسوع عظيم في تقدير شعبه له.
- وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى: سيكون يسوع ابن مريم، لكنه ليس ابنها فقط، بل سيكون أيضًا، ويُعرَف، بابن الله.
- كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ: سيكون هو المسيّا الذي تنبأ به لداود (٢ صموئيل ١٢:٧-١٦)، وله الحقّ أن يملك على إسرائيل، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ.
-
- وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا: كانت مريم تعرف تمامًا ما كان جبرائيل يتحدث عنه، لأنها كانت امرأة تعرف كلمة الله. فعندما قال جبرئيل هذا، أدركت مريم أنه يقتبس من إشعياء ١٤:٧ “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا.”
د) الآيات (٣٤-٣٧): سؤال مريم وجواب جبرائيل.
٣٤ فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلَاكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟». ٣٥فَأَجَابَ الْمَلَاكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. ٣٦وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، ٣٧لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ».
- كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟ كان سؤال مريم منطقيًا، فقد طرحت السؤال نفسه الذي طرحه زكريا (لوقا ١٨:١). لكن سؤال زكريا خرج من شكٍّ وعدم إيمان، بينما جاء سؤال مريم من إيمانٍ مفعم بالدهشة.
-
وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ: أجاب جبرائيل بأن قُوَّةُ الْعَلِيِّ، في شخص الروح القدس، ستظلّل مريم.
- تعني كلمة تُظَلِّل “أن تُغطّي بسحابة،” كما في سحابة مجد الشكينة (خروج ١٠:١٦، ٩:١٩، ١٦:٢٤، ٥:٣٤، ٣٤:٤٠) أو سحابة التجلي (متى ٥:١٧، مرقس ٧:٩، لوقا ٣٤:٩).
- كانت السحابة إعلانًا منظورًا لمجد الله وحضوره، وهذا يعني أن قوة الله نفسها التي كانت مع موسى وغيره في العهد القديم، كانت الآن على وسك أن تصنع عملًا فريدًا في حياة مريم.
- “هذا التعبير الدقيق يستبعد أي تصور جسدي فجّ لعلاقة بين الروح القدس ومريم.” موريس (Morris)
- “لكن، إن أردنا التدقيق، تنبأ الملاك بالحَبَل العذراوي لا بالولادة العذراوية. وبحسب ما نعلم، كانت ولادة يسوع طبيعية، على عكس حَبَله.” بايت (Pate)
-
الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ: وبسبب حَبَله المعجزي، سيكون هو الْقُدُّوسُ، المتميز عن سائر البشر، ويُدْعَى ابْنَ الله.
- لا يترك هذا التعبير في نفوسنا اليوم الأثر نفسه، لأن فكرة أن يكون الإنسان ’ابن الله‘ ليست مألوفة لدينا. أما مريم، وكل اليهود في ذلك الوقت، فكانوا يدركون تمامًا ما يعنيه ذلك: أن هذا الطفل سيكون مُعَادِلًا لله (يوحنا ١٨:٥).
- لم يصبح يسوع ابن الله، بل دُعِيَ ابنَ الله، اعترافًا بطبيعته الأزلية منذ الأبد.
-
وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا: مع هذا الوعد الرائع، قدم جبرائيل أيضًا دليلًا، إذ أوضح أن أليصابات كانت حُبلى. فإن كان الله قد فعل ذلك، فهو قادر أيضًا أن يتمم ما وعد به مريم.
- “مع أن المؤمنين يكتفون بكلمة الله وحدها، فإنهم لا يتجاهلون أعماله التي تعزّز إيمانهم.” كالفن (Calvin)
-
لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ: المعنى واضح. وبصيغة قريبة من النص، يمكن ترجمتها هكذا: كلمة الله لا يعجزها شيء. فالله سيتمّم حتمًا ما قاله.
- “تُذكّرنا العبارة ’لَيْسَ شَيْءٌ (حرفيًا: ’لا وعد ولا قول إلهي‘) غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ‘ بوعد الله لسارة بأن يكون لها ابن (تكوين ١٤:١٨). وبهذا التذكير، يتأكّد مرة أخرى أن الله قادر على إتمام وعده لمريم.” بايت (Pate)
هـ) الآية (٣٨): استجابة الإيمان.
٣٨ فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ». فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلَاكُ.
-
هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ: تجاوبت مريم فورًا مع كلام جبرائيل. فقد كانت أمةُ (خَادِمَةُ) الرب فعلًا، ولم تُجادل سيّدها، بل قبلت ما قاله.
- “كان لا بدّ لهذا الأمر أن ينعكس سلبًا عليها، وأن يُربك بشدة الرجل الصالح الذي كانت مخطوبة له. لكن ما أن أدركت أن الله قد عيّن لها هذا الطريق، حتى قبلته بتواضع، وردت بهذه الكلمات التي تُعبّر عن إيمانٍ صبور.” ماير (Meyer)
-
لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ: ثم استجابت مريم بإقرارٍ صريح. فقولها ’لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ‘ هو الاستجابة اللائقة بكل مؤمن أمام كل وعد يقطعه الله.
- كان هذا يتطلب ثقة كبيرة في الرب. فقد وافقت مريم على حَمَلٍ قد يسيء إلى سمعتها، في ثقافة كان الزنى فيها قد يعرّض صاحبه لعقوبة الموت. وهكذا ارتضت مريم أن تُحسب مع الخطاة، ليتمّ قصد الله.
-
من الناحية الروحية، توجد أوجه تشابه بين عمل الله في مريم وعمله في كل مؤمن.
- يسكن يسوع في المؤمن روحيًا، كما سكن في مريم جسديًا.
- يسكن يسوع فينا روحيًا من خلال كلمته، كما سكن في مريم جسديًا.
- يُعلَن يسوع للعالم من خلالنا، كما أُعلِن من خلال مريم جسديًا.
- “لقد قال ربنا بحق لتلاميذه: ’هؤلاء هم أمي وأختي وأخي.‘ فنحن نتمتع بقربٍ روحي من المسيح، يماثل، بمعنى ما، القرب الذي عاشته العذراء أمه حين حملته جسديًا.” سبيرجن (Spurgeon)
-
فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلَاكُ: لا نعرف اللحظة التي حُبل فيها بيسوع في رحم مريم. قد يكون ذلك حين كلّمها جبرائيل، أو بعد ذلك بقليل. ومهما تكن اللحظة، فقد ظلّلت مريم سحابةُ مجد الله (لوقا ٣٥:١)، وحُبِل بيسوع في رحمها على نحوٍ معجزي. وأما ولادة يسوع الناتجة عن هذا الحَبَل، فهي ما نسمّيه ’الولادة العذراوية.‘
- عندما نقترب من الحدث الذي نسميه الولادة العذراوية، لا بد أن نوافق تحليل بولس: عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى (تيموثاوس الأولى ١٦:٣). ومع ذلك، تبقى رسالة الكتاب المقدس واضحة في ما يخص الولادة العذراوية. فلا مجال للتشكيك في الولادة العذراوية، بل إن السؤال الحقيقي يتعلق بسلطان الكتاب المقدس ومصداقيته.
- الولادة العذراوية فريدة من نوعها. فالكثير من الأساطير تتحدث عن إلهٍ أمام علاقات جنسية مع امرأة وأنجب منها نسلًا، أما فكرة الولادة من عذراء فهي أمر يختص بالمسيحية وحدها.
رابعًا. ترنيمة مريم
أ) الآيات (٣٩-٤١): زيارة مريم لأليصابات.
٣٩ فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا، ٤٠وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ. ٤١فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلَامَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلَأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
-
فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ: سمعت مريم من جبرائيل أن قريبتها أليصابات كانت حُبلى (لوقا ٣٦:١). لذلك قطعت مسافة طويلة، تُقدر بحوالي ١٦٠ كيلومترًا، من منطقة الجليل إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا الواقعة في الجبال لزيارتها.
- عرفت مريم أن قلّة من الناس سيفهمون ما اختبرته مع جبرائيل والحَبَل المعجزي، وربما كانت أليصابات وحدها القادرة على فهمها.
-
ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا: عندما رأت أليصابات مريم، قفز الجنين في بطنها، يوحنا المعمدان، فرحًا. وعلى الرغم من أن يوحنا لم يكن قد وُلد بعد، فقد كان لديه إدراك روحي، واستطاع أن يستجيب لروح الله.
- “يا لها من تعزية في حضور المسيح، ولو كان بعدُ في الرحم، حتى جعل يوحنا يتهلل فرحًا. فكيف يكون الأمر إذًا في السماء، يا تُرى؟” تراب (Trapp)
ب) الآيات (٤٢-٤٥): بركة أليصابات لمريم.
٤٢ وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! ٤٣فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ ٤٤فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلَامِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي. ٤٥فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ».
-
مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! لم يكن يوحنا المعمدان قد وُلد بعد، وكان زكريا لا يزال أخرس. ومع ذلك، آمنت أليصابات بوعد الله لزوجها زكريا وهو في الهيكل. ففي الهيكل أخبره جبرائيل أن ابنهما الموعود سيُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا (١٧:١).
- آمنت أليصابات بذلك، وأدركت أيضًا بأن الجنين في أحشاء مريم هو الرَّبّ الذي سيُعدّ له ابنها الطريق (أُمُّ رَبِّي). وكان هذا الإيمان في أليصابات لأنها امْتَلَأَتْ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
- فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا: عرفت أليصابات أن إيمان مريم كان له دور في استقبالها للوعد. فوعود الله لا ينبغي أن تجعلنا سلبيين، بل يجب أن تدفعنا إلى التمسك بها بالإيمان. ولأن أليصابات أرادت أن تشجّع إيمان مريم، أعلنت قائلة: فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ.
ج) الآيات (٤٦-٥٦): تسبيحة مريم للرب.
٤٦ فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، ٤٧وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، ٤٨لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الْآنَ جَمِيعُ الْأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، ٤٩لِأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، ٥٠وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الْأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. ٥١صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. ٥٢أَنْزَلَ الْأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. ٥٣أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الْأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. ٥٤عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، ٥٥كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لِإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الْأَبَدِ». ٥٦فَمَكَثَتْ مَرْيَمُ عِنْدَهَا نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا.
-
تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ: هذه الترنيمة (التي تُعرَف غالبًا باسم المَجنِيفِيكَات، نسبةً إلى الترجمة اللاتينية لكلماتها الأولى) تُشبه ترنيمة حنّة في صموئيل الأول ١:٢-١٠، لكنها تحتوي أيضًا على ما لا يقل عن اثنتي عشرة إشارة أخرى إلى العهد القديم. وهذا يدل على أن مريم كانت امرأة تدرس كلمة الله وتعرفها جيدًا. فقد كانت الأسفار المقدسة حاضرة في قلبها، وانسكبت من خلال ترنيمتها.
- “يظهر من البناء العام لهذه الترنيمة المقدسة أن العذراء المباركة كانت متمرّسة جيدًا في الأسفار المقدسة، إذ تستحضرها وتوظفها بكثرة في مواضع متعددة. فقد جعلتها قراءتها المتواصلة، كما قال أحد الآباء، مكتبةً للمسيح، ويبدو أنها تعلمت كلمة الله الصالحة منذ حداثتها.” تراب (Trapp)
- حظيت مريم بامتياز عظيم وبركة وافرة. وقد فعلت ما ينبغي لكل من ينال بركة من الله أن يفعله: مجَّدت الرب. فتمجيد الرب يحفظ القلب من الكبرياء والافتخار بالنفس، وهو ما يجدر بكل مؤمن نال البركة أن يفعله.
-
وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي: هذا يعني أن مريم كانت بحاجة إلى مخلّص، وقد عرفت تمامًا حاجتها إلى مخلّص.
- “يُبيّن كلام مريم بوضوح تعارضه مع تعليم الكنيسة الكاثوليكية القائل بـ ’الحَبَل بلا دنس،‘ الذي يرى أن مريم، منذ لحظة حَبَلها، حُفظت بنعمة الله ’خالية من كل دنس الخطية الأصلية.‘ غير أن الحقيق البسيطة هي أن الخطاة وحدهم يحتاجون إلى مخلّص.” ليفيلد (Liefeld)
- “كانت مريم مثل غيرها من الجنس الخاطئ، لكنها نالت كرامة عظيمة. لذلك ينبغي أن تكون نظرتنا لها، وكلامنا عنها، مليئَين بالوقار والاحترام، كما فعل جبرائيل. فقد نالت مريم أسمى شرف للأمومة، ويجدر بنا أن نفكر فيها ونتحدث عنها بإجلال.” مورجان (Morgan)
-
لِأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ: تحتفل هذه التسبيحة أساسًا بصلاح الله وأمانته وقدرته. وهي تُظهر عبث الاتكال على النفس، أو على القوة السياسية، أو على الغِنى. أما مريم فقد وضعت ثقتها في الله، وقد كوفئت هذه الثقة.
- يعلّق تراب (Trapp) على قولها ’صَنَعَ بِي عَظَائِمَ‘ قائلًا: “لا يمكن أن تصدر أمور صغيرة عن يدٍ عظيمة كهذه. فهو يعطي بما يليق بذاته.”
- فرحت مريم وافتخرت بالرب، مع أن الطفل لم يكن قد وُلد بعد. “أيها الأخوة، بينكم من لا يستطيع أن يرنّم حتى بعد أن تُولد النعمة، أما هذه المرأة فتُرنم على نعمةٍ لم تُولد بعد.” سبيرجن (Spurgeon)
- “نالت مريم بركة أن تكون أمّ ابن الله… لكن هذه البركة كانت ستغدو سيفًا يخترق قلبها، لأنها ستشهد يومًا ما ابنها معلّقًا على الصليب.” باركلي (Barclay)
خامسًا. ميلاد يوحنا المعمدان
أ) الآيات (٥٧-٦٦): ميلاد يوحنا المعمدان وتسميته.
٥٧ وَأَمَّا أَلِيصَابَاتُ فَتَمَّ زَمَانُهَا لِتَلِدَ، فَوَلَدَتِ ابْنًا. ٥٨وَسَمِعَ جِيرَانُهَا وَأَقْرِبَاؤُهَا أَنَّ الرَّبَّ عَظَّمَ رَحْمَتَهُ لَهَا، فَفَرِحُوا مَعَهَا. ٥٩وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ جَاءُوا لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ، وَسَمَّوْهُ بِاسْمِ أَبِيهِ زَكَرِيَّا. ٦٠فَأَجَابَتْ أمُّهُ وَقَالَتْ: «لَا! بَلْ يُسَمَّى يُوحَنَّا». ٦١فَقَالُوا لَهَا: «لَيْسَ أَحَدٌ فِي عَشِيرَتِكِ تَسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ». ٦٢ثُمَّ أَوْمَأُوا إِلَى أَبِيهِ، مَاذَا يُرِيدُ أَنْ يُسَمَّى. ٦٣فَطَلَبَ لَوْحًا وَكَتَبَ قَائِلًا: «اسْمُهُ يُوحَنَّا». فَتَعَجَّبَ الْجَمِيعُ. ٦٤وَفِي الْحَالِ انْفَتَحَ فَمُهُ وَلِسَانُهُ وَتَكَلَّمَ وَبَارَكَ اللهَ. ٦٥فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى كُلِّ جِيرَانِهِمْ. وَتُحُدِّثَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ جَمِيعِهَا فِي كُلِّ جِبَالِ الْيَهُودِيَّةِ، ٦٦فَأَوْدَعَهَا جَمِيعُ السَّامِعِينَ فِي قُلُوبِهِمْ قَائِلِينَ: «أَتَرَى مَاذَا يَكُونُ هَذَا الصَّبِيُّ؟». وَكَانَتْ يَدُ الرَّبِّ مَعَهُ.
- فَوَلَدَتِ ابْنًا: تحقق الوعد تمامًا كما قال الله. فالله دائمًا يفي بوعوده.
-
فَفَرِحُوا مَعَهَا: كان هذا إتمامًا لوعد جبرائيل المُسجّل في لوقا ١٤:١، (كَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلَادَتِهِ).
- يروي وليام باركلي عادةً كانت سائدة في ذلك الزمان: “عند اقتراب موعد الولادة، كان الأصدقاء والمغنّون المحليّون يجتمعون قرب البيت. فإذا أُعلن أن المولود صبيّ، اندفع المغنّون إلى الغناء، وعمّت التهاني. أما إذا كانت المولودة بنتًا، فكان المغنّون ينصرفون بصمتٍ وحسرةٍ.”
- وَسَمَّوْهُ بِاسْمِ أَبِيهِ زَكَرِيَّا: كان كلٌ من زكريا وأليصابات يعلمان أن اسم الطفل ينبغي أن يكون يوحنا، وفقًا للأمر الذي صَدَرَ من الملاك (لوقا ١٣:١).
- أَوْمَأُوا إِلَى أَبِيهِ: كانوا يُعاملون زكريا كأنه أصم، لا أخرس. ولا بدّ أن هذا أزعجه باستمرار.
-
اسْمُهُ يُوحَنَّا: أما الآن، فقد استجاب زكريا بإيمانٍ كامل. لم يقل: “اعتقد أن اسمه يجب أن يكون يوحنا،” بل أعلن الاسم كحقيقة، لا اقتراحًا.
- رغم أنه كان قد أخفق من قبل، فإن الله منح زكريا فرصة ثانية للإيمان. وهو يمنحنا الفرصة نفسها اليوم.
- “كان هذا تحولًا من الشك إلى الإيمان، واختيارًا للسير طوعًا في الطريق الذي حدَّدهُ الله.” مورجان (Morgan)
- وفِي الْحَالِ انْفَتَحَ فَمُهُ وَلِسَانُهُ: كما قال جبرائيل، استعاد زكريا قدرته على الكلام… فتَكَلَّمَ وَبَارَكَ اللهَ. وكان من اللائق أن تكون أولى كلمات زكريا تسبيحًا لله. فتأديبُ الله لم يترك في قلبه مرارة، بل زاده رغبةً في الاتكال على الله في كل حين.
ب) الآيات (٦٧-٨٠): نبوّة زكريا.
٦٧ وَامْتَلَأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ قَائِلًا: ٦٨«مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، ٦٩وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلَاصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ. ٧٠كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُمْ مُنْذُ الدَّهْرِ، ٧١خَلَاصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا. ٧٢لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا وَيَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ، ٧٣الْقَسَمَ الَّذِي حَلَفَ لِإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا: ٧٤أَنْ يُعْطِيَنَا إِنَّنَا بِلَا خَوْفٍ، مُنْقَذِينَ مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِنَا، نَعْبُدُهُ ٧٥بِقَدَاسَةٍ وَبِرٍّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِنَا. ٧٦وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لِأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ. ٧٧لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلَاصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ، ٧٨بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ إِلَهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلَاءِ. ٧٩لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلَالِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلَامِ».٨٠أَمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لِإِسْرَائِيلَ.
-
وَامْتَلَأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ: صمتَ الصوتُ النبويُّ للرب نحو أربعمئة عام. والآن تكلم الله من جديد، فتكلم بواسطة جبرائيل (لوقا ١٣:١، ٢٨:١)، وبواسطة أليصابات (لوقا ٤١:١-٤٢)، وبواسطة مريم (لوقا ٤٦:١-٥٥)، والآن بواسطة زكريا. وحين تكلم الله من جديد، كان كل شيء مرتبطًا بِشَخصِ يسوع وعمله.
- كان بوسع زكريا أن يقول بحقّ: “مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ.” وكأن الله كان حاضرًا لشعب إسرائيل (افْتَقَدَ) بطريقة لم يختبروها منذ زمنٍ طويل.
- يُطلق على هذه الترنيمة اسم ’بِنِدِكتُوس (Benedictus)،‘ نسبةً إلى أُولى كلماتها في الترجمة اللاتينية، وتُعرفُ في العربية باسم تَسبِيحَةِ زَكَرِيَّا.
-
وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلَاصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ: نعرِفُ أن هذه نبوّة موحى بها حقًا من الروح، لأن تركيزها الأول لم يكن على ابنه الجديد يوحنا، بل على يسوع الذي لم يكُن قد وُلِدَ بعد.
- يسوع هو قَرْنَ خَلاَصٍ لَنَا (لوقا ٦٩:١).
- يسوع هو الذي يُخَلِّصُنا مِنْ أَعْدَائِنَا (لوقا ٧١:١).
- يسوع هو الذي يَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا (لوقا ٧٢:١).
- يسوع هو الذي يَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ (لوقا ٧٢:١).
-
يسوع هو الذي يجعلنا قادرين أَنْ نَعْبُدُهُ بِلَا خَوْفٍ (لوقا ٧٤:١).
- “كانت تسبيحةَ خلاصٍ، وتحمل في طيّاتها عُمقًا لم يكن المُرنّم واعيًا له آنذاك.” مورجان (Morgan)
- لم يكن زكريا قد عرف يسوع بعد، لكنه مجّده وعبر عن محبته الشديدة له. في المقابل، نحن نعرف عن يسوع أكثر بكثير مما كان يعرف زكريا، ومع ذلك نجد في قلوبنا عدم مبالاة نحوه. فما هو السبب يا تُرى؟
- علّق تراب (Trapp) على الآية ’تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ‘ قائلًا: “كان هناك العديد من الأنبياء، لكنهم جميعًا كانوا بفم واحد، فما أروع تناغمهم.”
-
وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى: بعد التركيز الأول على يسوع، قاد الروح القدس زكريا ليتكلم عن ابنه المولود حديثًا، وعن مكانته في خطة الله العظيمة.
- كان يوحنا نبيًا حقيقيًا، نَبِيَّ الْعَلِيِّ (لوقا ٧٦:١).
- كان ليوحنا دعوة فريدة، أن يَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِيُعِدَّ طُرُقَهُ (لوقا ٧٦:١).
- كان يوحنا سيُعلِّم شعب الله ويُعْطِيَهم مَعْرِفَةَ الْخَلَاصِ (لوقا ٧٧:١).
- كان يوحنا يُعلنُ للناس أن هناك مَغْفِرَة لخَطَايَاهُمْ (لوقا ٧٧:١).
- كان يوحنا يُضِيءُ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ (لوقا ٧٩:١).
- كان يوحنا يَهْدِي شعب الله فِي طَرِيقِ السَّلَامِ (لوقا ٧٩:١).
- أَمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ: تحقَّق وعد الله في حياة يوحنا. وكان يوحنا فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ لأن هناك يهيئ الله كثيرًا من أنبيائه.
