سِفر راعوث – الإصحاح ١
رحلة رَاعُوث
أولًا. خلفیة تاریخیة: أليمالكُ وابناه
أ) الآیة (١): الإقامة المؤقتة في موآب.
حَدَثَ فِي أَيَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ أَنَّهُ صَارَ جُوعٌ فِي الْأَرْضِ، فَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لَحْمِ يَهُوذَا لِيَتَغَرَّبَ فِي بِلَادِ مُوآبَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَابْنَاهُ.
- فِي أَیَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ: تبدأ هذه الرواية في أواخر عهد القضاة، تلك الفترة التي امتدت قرابة أربعمائة سنة من الفوضى والاضطراب والضيق، حين كان الإسرائیلیون بلا ملكٍ يحكمهم، بل كان الله يُقيم له، بين الحين والآخر، مُخلِصّين يقودونهم كلما عادت الأمة وطلبته من جديد.
- وكان من أبرز هؤلاء القضاة جدعون وشمشون ودبورة. وقد أقام االله كلًا منهم لا لیحكم كملك، بل لیقود إسرائیل في وقتِ تحدٍ معین، ثم ليعود بعد ذلك إلى الظل من جديد.
- فِي أَیَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ: كانت تلك الأیام مظلمةً على شعب إسرائیل، وقد تميّزت بتكرار العبارة الكتابية: كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ یَعْمَلُ مَا یَحْسُنُ فِي عَیْنَیْهِ. (قضاة ١:١٩، ١:١٨، ٦:١٧، ٢٥:٢١).
- رَجُلٌ مِنْ بَیْتِ لَحْمِ: في تلك الأیام غادر رَجُلٌ مِنْ بَیْتِ لَحْمِ أرض إسرائیل لِيَتَغَرَّبَ فِي بِلَادِ مُوآب بسبب المجاعة. ومع أن بيت لحم كانت منطقة زراعية خصبة – فالاسم يعني “بيت الخبز” – فقد اشتدت الضيقة، فاختار أن يرحل إلى أرض موآب الوثنیة.
- ولكي یفعل ذلك أضطرَّ أن یعبر ممر أریحا المُقفر، ويجتاز بریة الیهودیة القريبة من البحر المیت، ثم يعبر نهر الأردن وصولًا إلى أرض موآب. وكان هذا ابتعادًا صريحًا عن أرض الموعد، وعودة إلى البریة التي خلَّص االله منها إسرائیل منذ مئات السنین. لقد كانت هذه بلا شك خطواتٍ واضحة في الاتجاه الخاطئ.
- جُوعٌ فِي الأَرْضِ: كان الله قد وعد بوفرةٍ دائمةٍ في الأرض إن أطاعه الشعب؛ لذلك فإن وجود “جُوعٌ فِي الأَرْضِ” كان یعني أن إسرائیل لم تكن أُمّةً مطیعةً للرب. (تثنية ١٣:١١-١٧).
- لِیَتَغَرَّبَ فِي بِلاَدِ مُوآبَ: وهذا يشير إلى رحيلٍ كانت ترافقه نیّةُ الرجوع. وتخبرنا الآیة التالیة أن اسم ذلك الرجل كان أَلِیمَالِك، وأن قصده في القيام بزيارةٍ وجيزة انتهى بأن أمضى عشر سنوات ملیئة بالمآسي، ولم يرجع إلى اسرائیل قط. ومع أن اسم أَلِیمَالِك يعني “االله هو الملك،” إلا أنه لم یعشْ حقًا كما لو كان االله ملكَه.
ب) الآيات (٢-٥): مأساةٌ في موآب.
٢وَاسْمُ الرَّجُلِ أَلِيمَالِكُ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ نُعْمِي، وَاسْمَا ابْنَيْهِ مَحْلُونُ وَكِلْيُونُ، أَفْرَاتِيُّونَ مِنْ بَيْتِ لَحْمِ يَهُوذَا. فَأَتَوْا إِلَى بِلَادِ مُوآبَ وَكَانُوا هُنَاكَ. ٣وَمَاتَ أَلِيمَالِكُ رَجُلُ نُعْمِي، وَبَقِيَتْ هِيَ وَابْنَاهَا. ٤فَأَخَذَا لَهُمَا امْرَأَتَيْنِ مُوآبِيَّتَيْنِ، اسْمُ إِحْدَاهُمَا عُرْفَةُ وَاسْمُ الْأُخْرَى رَاعُوثُ. وَأَقَامَا هُنَاكَ نَحْوَ عَشَرِ سِنِينٍ. ٥ثُمَّ مَاتَا كِلَاهُمَا مَحْلُونُ وَكِلْيُونُ، فَتُرِكَتِ الْمَرْأَةُ مِنِ ابْنَيْهَا وَمِنْ رَجُلِهَا.
- وَمَاتَ أَلِیمَالِكُ رَجُلُ نُعْمِي: عندما وصل أَلِیمَالِك مع عائلته إلى موآب، لم یجدوا الحیاة هناك أسهل. وسرعان ما مات أَلِیمَالِك، فبقيت زوجته نُعمي تعتني بابنيهما، مَحْلُونُ وَكِلْيُون.
- لا يمكن الجزم بأن ما حدث كان عقابًا من االله، فالمآسي كثيرًا ما تبقى لغزًا لنا. لكن المؤكد أن تغيير المكان لم یُحَسِّن الأوضاع.
- نُقنع أنفسنا أحيانًا بأن الهروب يحلّ المشكلة، لكن المشكلات تلحق بنا لأننا نحملها في داخلنا. فحينما نذهب، نأخذ ذواتنا معنا، ولهذا تعود المتاعب نفسها لتطل برأسها من جديد.
- فَأَخَذَا لَهُمَا امْرَأَتَیْنِ مُوآبِیَّتَیْنِ: كَبِر محلون وكلیون، فتزوّجا امرأتین مُوآبِیَّتَیْنِ هما عُرفة وراعوث. ومرة أخرى، لم یكن هذا طاعة لوصية الله، لأن الله أوصى شعب إسرائیل بألا یتزوجوا من الأمم الوثنیة المحیطة بهم.
- ثُمَّ مَاتَا كِلاَهُمَا مَحْلُونُ وَكِلْیُونُ: ومع مرور الوقت (عَشَرِ سِنِينٍ) مات ابنا نعُمي، فأصبحت ثلاث أرامل بلا أولاد: نعمي وكنّتَاهَا عُرفة وراعوث.
- كانت الأرملة التي بلا أبناء تُعَدُّ، في العالم القدیم، من أدنى الطبقات وأكثرها حرمانًا. تخیل أن لا يكون لك من يعيلك، وأن تُضطر للاعتماد في معيشتك على كرم الغرباء. لم تكن لنعمي أية عائلة في موآب، ولا من يقدم لها العون. لقد كان وضعًا بائسًا بحقّ.
ثانيًا. العودة إلى يَهُوذَا
أ ) الآيات (٦-٧): عودة الأرامل الثلاث إلى يَهُوذَا.
٦ فَقَامَتْ هِيَ وَكَنَّتَاهَا وَرَجَعَتْ مِنْ بِلَادِ مُوآبَ، لِأَنَّهَا سَمِعَتْ فِي بِلَادِ مُوآبَ أَنَّ الرَّبَّ قَدِ افْتَقَدَ شَعْبَهُ لِيُعْطِيَهُمْ خُبْزًا. ٧ وَخَرَجَتْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَكَنَّتَاهَا مَعَهَا، وَسِرْنَ فِي الطَّرِيقِ لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ يَهُوذَا.
- لأَنَّهَا سَمِعَتْ فِي بِلاَدِ مُوآبَ أَنَّ الرَّبَّ قَدِ افْتَقَدَ شَعْبَهُ لِیُعْطِیَهُمْ خُبْزًا: في موآب البعیدة، سمعت نُعمي أن االله یصنع أمورًا عظیمة في اسرائیل، وطنها. فأرادت أن تكون جزءًا مما كان الله يصنعه هناك.
- ينبغي أن تكون حياتُنا مع االله سببًا يدفع الآخرین للرجوع إليه حين يرون ما يعمله فينا. فمسیرتنا مع الرب يجب أن تكون شيئًا يجعل الناس يقولون: “أريد أن أنال ما تنالونه أنتم أيضًا.”
- وَخَرَجَتْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِیهِ: قد میّز هذا الفعلُ نُعمي عن كثیرین غيرها. فكثيرون يسمعون عن الأمور الصالحة التي يصنعها االله في حیاة الآخرین، ویتمنون لو ينالون شيئًا منها من دون أن يخطوا خطوة واحدة نحو ذلك. كان يمكن لنعمي أن تبقى في موآب طوال حیاتها تتمنّى تغير الأحوال، لكنها فعلت ما يلزم لتنال ما أراد الله أن يمنحها إياه.
ب) الآيات (٨-٩): نُعمي تحُثّ كنّتَيْها على الرجوع إلى موآب.
٨ فَقَالَتْ نُعْمِي لِكَنَّتَيْهَا: «اذْهَبَا ارْجِعَا كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا. وَلْيَصْنَعِ الرَّبُّ مَعَكُمَا إِحْسَانًا كَمَا صَنَعْتُمَا بِالْمَوْتَى وَبِي. ٩ وَلْيُعْطِكُمَا الرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتِ رَجُلِهَا». فَقَبَّلَتْهُمَا، وَرَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَيْنَ.
- اذْهَبَا ارْجِعَا كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى بَیْتِ أُمِّهَا: بحسب كل منطق، كان هذا هو التصرف الحكيم. فقد كانت لعُرفة وراعوث روابط عائلیة أقوى في موآب مما لهما مع نعمي، ولذلك كان من الطبيعي أن تبقيا في موآب بدلًا من مرافقتها إلى أرضٍ جدیدة – أي إلى إسرائیل.
- وَلْيَصْنَعِ الرَّبُّ مَعَكُمَا إِحْسَانًا … وَلْيُعْطِكُمَا الرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً: بهذه الكلمات باركتهما نُعمي بمحبة صادقة، وصلّت أن تتزوج كلٌّ منهما من جديد (كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتِ رَجُلِهَا).
- إِحْسَانًا: تُترجم هذه الكلمة التعبير العبري القديم حِسِد (ḥesed). ويقول هيو (Huey): “تعني حِسِد أعمال رحمة ينجزها الطرف الأقوى لصالح الطرف الأضعف.”
- في راعوث ٩:١ وصفت نُعمي الزواج بأنه مكانُ راحة، إذ قالت: “وَلْیُعْطِكُمَا الرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَیْتِ رَجُلِهَا.” فقد قصد االله أن یكون الزواج موضع راحة وسلام وانتعاش في حياة الإنسان.
- قَبَّلَتْهُمَا، وَرَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَیْنَ: هذا التعبير العاطفي يُظهر عمق العلاق الحقيقية المليئة بالمحبة بين نُعمي وكنّتَيها.
ج) الآيات (١٠-١٣): نُعمي تتوسّل إلى كنّتَيْها أن تبقیا في موآب.
١٠ فَقَالَتَا لَهَا: «إِنَّنَا نَرْجِعُ مَعَكِ إِلَى شَعْبِكِ». ١١ فَقَالَتْ نُعْمِي: «ارْجِعَا يَا بِنْتَيَّ. لِمَاذَا تَذْهَبَانِ مَعِي؟ هَلْ فِي أَحْشَائِي بَنُونَ بَعْدُ حَتَّى يَكُونُوا لَكُمَا رِجَالًا؟ ١٢ اِرْجِعَا يَا بِنْتَيَّ وَاذْهَبَا لِأَنِّي قَدْ شِخْتُ عَنْ أَنْ أَكُونَ لِرَجُلٍ. وَإِنْ قُلْتُ لِي رَجَاءٌ أَيْضًا بِأَنِّي أَصِيرُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِرَجُلٍ وَأَلِدُ بَنِينَ أَيْضًا، ١٣ هَلْ تَصْبِرَانِ لَهُمْ حَتَّى يَكْبُرُوا؟ هَلْ تَنْحَجِزَانِ مِنْ أَجْلِهِمْ عَنْ أَنْ تَكُونَا لِرَجُلٍ؟ لَا يَا بِنْتَيَّ. فَإِنِّي مَغْمُومَةٌ جِدًّا مِنْ أَجْلِكُمَا لِأَنَّ يَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ».
- هَلْ فِي أَحْشَائِي بَنُونَ بَعْدُ: طبقًا لشرائع إسرائيل القدیمة، إذا تُوفّيَ زوج امرأةٍ شابة ولم يكن لها ابن، كان لأحد إخوة الزوج المتوفّى أن يتحمل مسؤولية القيام مقامه، فيتزوج الأرملة ليُقيم نسلًا لأخيه. وبناءً على هذا المبدأ، تقول نُعمي إنه لم يَعُد لها ابناء لتقدمهم لعُرفة أو لراعوث.
- يعلّق تراب (Trapp) على عبارة «وَإِنْ قُلْتُ لِي رَجَاءٌ أَیْضًا بِأَنِّي أَصِیرُ هذِهِ اللَّیْلَةَ لِرَجُل وَأَلِدُ بَنِینَ أَیْضًا» قائلًا: “إنها لا تفكر مجرد تفكير في إنجاب أولاد من دون زواج، بخلاف ما تفعله بعض العابثات، اللواتي بُفرطن في العفة ويُعرّضن أولادهن للعار، إشباعًا لشهوة عاجلة، ثم يندمن لاحقًا بمرارةٍ وخزي.”
- لأَنَّ یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ: من الواضح أن هذا كان يُثقل قلب نُعمي وعقلها. فقد شعرت أن المصيبة التي حلت بعائلتها جاءت بسبب عصيانهم، وربما لأنهم تركوا أرض الموعد في إسرائيل وزوّجوا أبناءهم من نساءٍ موآبيات.
- ربما شعرت نُعمي بذنب خاص؛ ربما كانت هي من دفعت زوجها إلى مغادرة إسرائيل، وهي أيضًا من رغبت في تزويج أبنائها.
- لأَنَّ یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ: رغم هذا الشعور، كانت نُعمي تعود إلى أرض إسرائیل وتعود إلى إلهها. ومع أنها قالت: لأَنَّ یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ، إلا أن قلبها لم يمتلئ مرارة تجاه الله. بل رجعت إليه بتوبة، عارفة أن الحل هو الاقتراب منه لا الابتعاد عنه.
- لم تتّهم نُعمي االله بأنه قد فعل شیئًا خاطئًا بحقها. بل لعترفت بسیطرته الكاملة على كل الطروف. وكان هذا في الحقيقة تعبيرًا عن الثقة به.
- لو كانت نُعمي ناقمة أو غاضبة على االله، لكانت قد سلكت طریقًا آخر، مبتعدة عن إله إسرائیل بدلًا من الرجوع إلیه. لكنها أظهرت أنها تثق في سيادة االله، وعرفت أنه رغم نكباتها الشخصیة، فهو إله صالح وهو الذي یبارك.
- ما لم تستطع نُعمي أن تراه هو أن ید الرب كانت ستمتد لها قريبًا. فلا سبب يدعونا إلى اليأس إذا اعتقدنا أن یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ علينا. فإن رجعنا إلیه، فستمتد یده لنا مرة أخرى. لم یكن لدى نُعمي أدنى فكرة عن مقدار البركة العظيمة التي كان الله سيمنحها لها في وقت قصير.
د) الآية (١٤): تَبقى عُرفة تبقى في موآب، وتتابع راعوث المسیر مع نُعمي.
١٤ثُمَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَيْنَ أَيْضًا. فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا
-
- ثُمَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَیْنَ أَیْضًا: كُلٌّ من عُرفة وراعوث حملتا محبةً عميقة لنُعمي. وكلتاهما كانتا قلقتین بشأن المستقبل. لكن كان لا بدّ من اتخاذ قرار: فاختارت عُرفة أن تبقى في موآب، بینما “لَصِقَتْ” راعوث بنعمي.
- فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا: یأتي وقت في تبعیتنا لله يتعين علينا فيه أن ننتقل إلى مرحلة الفعل. فقد شعرت راعوث وعُرفة بالمشاعر ذاتها، لكن راعوث تصرفت بشكل مختلف عن عُرفة.
- يكتفي البعض بمجرد الشعور بمشاعر مسیحیة – مثل الشعور بمحبة االله، أو بمحبة كلمته، أو بمحبة شعبه. لكن ماذا ستفعل أنت؟ نحن نشكر الله لأنه لم يكتفِ بأن يشعر بمحبته لنا، بل عمل شيئًا: “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ االلهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِیدَ.” يوحنا ١٦:٣
- فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا: ماذا حدث لعُرفة؟ بالطبع، لا نعلم. لكن الناس دائمًا یختلقون تقالید لتعويض ما يجهلونه. تقول التقاليد الیهودية أن هذا الطلب من نُعمي حدث على بُعد أربعة أمیال من موآب، وأن عُرفة لم تذرف سوى أربع دموع عند التفكير في فراق حماتها نُعمي. ويقول مُعلّمو اليهود أيضًا إنه مقابل الأميال الأربعة التي سارتها مع نُعمي، أنجبت عُرفة أربعة أبناء – جلیات وإخوته الثلاثة.
هـ) الآيات (١٥-١٨): إعلان راعوث البليغ لإيمانها.
١٥فَقَالَتْ: «هُوَذَا قَدْ رَجَعَتْ سِلْفَتُكِ إِلَى شَعْبِهَا وَآلِهَتِهَا. اِرْجِعِي أَنْتِ وَرَاءَ سِلْفَتِكِ». ١٦فَقَالَتْ رَاعُوثُ: «لَا تُلِحِّي عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجِعَ عَنْكِ، لِأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلَهُكِ إِلَهِي. ١٧حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ وَهُنَاكَ أَنْدَفِنُ. هَكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ بِي وَهَكَذَا يَزِيدُ. إِنَّمَا الْمَوْتُ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ». ١٨فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا مُشَدِّدَةٌ عَلَى الذَّهَابِ مَعَهَا، كَفَّتْ عَنِ الْكَلَامِ إِلَيْهَا.
- هُوَذَا قَدْ رَجَعَتْ سِلْفَتُكِ: فعلت نُعمي ما بوسعها لتثبيط راعوث عن الرجوع معها إلى اسرائیل. ولم یكن ذلك لأن نُعمي لم ترغب في مجيء راعوث، بل لأنها لم تكن تريد صديقة ترافقها فقط في الأيام السهلة.
- أَنَّهُ حَیْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَیْثُمَا بِتِّ أَبِیتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي: كان هذا إلتزامًا نبیلًا، بل مميزًا، من صدیقة لصدیقتها. لكن التزام راعوث بنُعمي ذهب أبعد من ذلك: وَإِلهُكِ إِلهِي.”
- لم يكن هذا مجرد تغيير في عنوان السكن. فقد كانت راعوث مستعدة أن تتخلى عن آلهة الموآبيين التي تربّت عليها، وأن تقبل إله اسرائیل. لقد اختارت أن تتبع الرب. هذه المرأة الأممیة، التي كانت يومًا بعیدة عن االله، أصبحت الآن قريبة منه.
- إِلهُكِ إِلهِي: معنى هذا أن علاقة نُعمي بالله كان لها أثر كبير في راعوث. وهذا أمر لافت، لأن حیاة نعمي لم تكن سهلة. فقد ترمّلت، وفقدت ابنیها، وكانت تعتقد أنها تسببت بكل كارثة بسبب عصيانها. ومع ذلك، كانت ما تزال تُكرم الرب وتحبّه.
- ينبغي للناس أن يجدوا في حياتك ما وجدته راعوث في حياة نُعمي، ويقولوا: “أرید أن یكون إلهك هو إلهي.” إن ثقتك باالله، والتجاؤك إلیه في الأوقات الصعبة، سيكونان غالبًا السبب الذي يجذب الآخرين إلى الرب.
- إِلهُكِ إِلهِي: لم تُثمر عشر سنوات من تنازل نُعمي في موآب أن تعترف راعوث بولائها لإله إسرائيل. لكن حالما قالت نُعمي: “أنا راجعة إلى إله إسرائیل، وسأضع مصیري في یدیه،” وقفت راعوث معها. إن كنت تعتقد أن التنازل عن إيمانك سيقنع أصدقاءك أو أقرباءك بيسوع، فأنت مخطئ. ربما تكون حسن النیة، لكنك مخطئ. فالموقف الجريء لأجل يسوع هو وحده الذي يحقق ذلك.
- “لا يمكنك أن تربح أي نفس إلى الحق من خلال المساومة مع الباطل. فالقرار من أجل المسيح وحقّه هو ما يملك أعظم تأثير في العائلة، وكذلك أعظم تأثير في العالم.” سبيرجن (Spurgeon)
- هَكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ بِي وَهَكَذَا يَزِيدُ. إِنَّمَا الْمَوْتُ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ: لم تكن راعوث تعرف الكثير عن الإله الحقيقي، إله اسرائیل، لكنها كانت تعلم أنه إله العدل والإنصاف، ولذلك أمكن أن يُطلب منه أن يُحاسِبها على هذا الوعد.
و) الآيات (١٩-٢١): عودة نُعمي وراعوث إلى بیت لحم.
١٩فَذَهَبَتَا كِلْتَاهُمَا حَتَّى دَخَلَتَا بَيْتَ لَحْمٍ. وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِهِمَا بَيْتَ لَحْمٍ أَنَّ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا تَحَرَّكَتْ بِسَبَبِهِمَا، وَقَالُوا: «أَهَذِهِ نُعْمِي؟» ٢٠فَقَالَتْ لَهُمْ: «لَا تَدْعُونِي نُعْمِيَ بَلِ ادْعُونِي مُرَّةَ، لِأَنَّ الْقَدِيرَ قَدْ أَمَرَّنِي جِدًّا. ٢١إِنِّي ذَهَبْتُ مُمْتَلِئَةً وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ فَارِغَةً. لِمَاذَا تَدْعُونَنِي نُعْمِي، وَالرَّبُّ قَدْ أَذَلَّنِي وَالْقَدِيرُ قَدْ كَسَّرَنِي؟»
- فَذَهَبَتَا كِلْتَاهُمَا حَتَّى دَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ: كان الطريق من موآب إلى بیت لحم طويلًا، وكانت الرحلة في أغلبها صعودًا. ويمكننا أن نتخيل راعوث في الطريق تسأل حماتها نُعمي عن إله اسرائیل وعن أرض إسرائیل.
- أَنَّ الْمَدِینَةَ كُلَّهَا تَحَرَّكَتْ بِسَبَبِهِمَا: كانت بیت لحم مجرد قریة كبیرة؛ وكان كل من في القرية يعرف بعضه بعضًا، ويتذكر الذين غادروها منذ سنوات.
- معنى اسم نُعْمِي هو “حُلْو، بهيج،” ومعنى اسم مُرَّةَ هو “علقم، مُر.” وقد استخدمت نُعمي هذا لتقول لأهل بیت لحم إن وقتها بعيدًا عن إسرائيل، وبعيدًا عن إله إسرائيل، لم يكن وقتًا مُبهجًا بل كان مُرًا.
- لم تكن نُعمي متصنّعة. لم تكن لتعود إلى بيتها وتتظاهر بأن كل شيء على ما یُرام وتبدو ’مبتهجة.‘ لكنها اختارت الصراحة، وقالت: “ها أنا ذا، وحياتي كانت مُرة.”
- الْقَدِیرَ قَدْ أَمَرَّنِي جِدًا… وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ فَارِغَةً… وَالرَّبُّ قَدْ أَذَلَّنِي وَالْقَدِیرُ قَدْ كَسَّرَنِي: لم تكن نُعمي تخشى أن ترى ید االله في كل ما أصابها من نكبات.
- عرفت نُعمي أن المأساة التي أصابتها لم تكن نتيجة للصدفة أو للحظ. فقد شعرت أن ما جرى كان نوعًا من تأديب الله، لأنها لم تكن ترى ما ستؤول إليه خطته. لكنها كانت تؤمن بوجود إله مُتسلط في السماء، ولم تعتبر ما حدث مجرد سلسلة من ’سوء الحظ.‘
- مع ذلك، ورغم كل هذه الظروف المُرّة، لم تكن نُعمي مُرّة تجاه الرب. ويمكننا أن نتصور أحد سكان القرية يسألها: “نُعمي، إن كان االله قد أمَّركِ جدًا، وإذا كان االله قد أرجعكِ فارغة، وإذا كان االله أذلكِ والقدیر كسركِ، فلماذا رجعت إذًا؟” كانت ستجيب: “لأنني أريد أن أستعيد علاقتي الصحيحة معه. لقد كانت الأمور صعبة للغاية، وليس الحل في الابتعاد أكثر عن الله، بل في الإقتراب منه.”
- لا یتفاعل الجميع مع المِحن كما فعلت نُعمي. “فالكثیرون يُذَلّون، لكنهم لا يصيرون متواضعین؛ ويُنخَفَضون، لكنهم لا يصبحون وديعين. هؤلاء فقدوا ثمرة شدائدهم، ولذلك فهم أشد بؤسًا.” تراب (Trapp)
ز) الآية (٢٢): فَرَجَعَتْ نُعْمِي.
٢٢فَرَجَعَتْ نُعْمِي وَرَاعُوثُ الْمُوآبِیَّةُ كَنَّتُهَا مَعَهَا، الَّتِي رَجَعَتْ مِنْ بِلاَدِ مُوآبَ، وَدَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ فِي ابْتِدَاءِ حَصَادِ الشَّعِیرِ.
- فَرَجَعَتْ نُعْمِي: رجعت نُعمي بتوبة وبإخلاص. فنراها تقول: “وَالْقَدِیرُ قَدْ كَسَّرَنِي.” ولكن في الإصحاحات اللاحقة، سنرى كیف أن االله سیباركها. ليتها كانت تستطيع أن ترى ذلك!
- وَدَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ: كان من السهل على نُعمي أن تركّز على ما فقدته. فقد فقدت زوجًا، وابنین، وكنّة. وفقدت كل أنواع الممتلكات المادیة. ولم يبق لها سوى كنّة واحدة، راعوث. لكن من خلال هذا الشيء الواحد الذي بقي لها، كان االله سيُدخل بركة لا تُصدق إلى حياتها.
- كل الخیر الذي سیحدث في الإصحاحات التالیة یبدأ من هنا: من توبة نُعمي الصادقة والتقية. فهذا سيُحدث فرقًا لیس فقط في حیاتها، بل في حیاة كنّتها راعوث، وفي مصیر أُمّة إسرائیل، وفي خلاصك الأبدي أیضًا.
- یستطیع االله أن یحقق أمورًا مذهلة، في الحاضر وللأبدیة، إذا رجعنا إلیه الیوم، لا بمشاعرنا فقط، بل بأفعالنا أيضًا.
