سِفر راعوث – الإصحاح ٤
زواج بُوعز وراعُوث
أولًا. الوليّ الأقرب يتنازل عن حقّ الفِكَاك
أ) الآيات (١-٢): بوعز یقابل الوليّ الأقرب عند أبواب المدینة.
١فَصَعِدَ بُوعَزُ إِلَى الْبَابِ وَجَلَسَ هُنَاكَ. وَإِذَا بِالْوَلِيِّ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ بُوعَزُ عَابِرٌ. فَقَالَ: «مِلْ وَاجْلِسْ هُنَا أَنْتَ يَا فُلَانُ الْفُلَانِيُّ». فَمَالَ وَجَلَسَ. ٢ثُمَّ أَخَذَ عَشَرَةَ رِجَالٍ مِنْ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ وَقَالَ لَهُمُ: «اجْلِسُوا هُنَا». فَجَلَسُوا.
- فَصَعِدَ بُوعَزُ: انتهى الإصحاح السابق على نبرةٍ درامية. فقد بدا أن راعوث وبوعز واقعان في الحب ویرغبان في الزواج، على أن يمارس بوعز دور الوليّ. ومع ذلك، كان هناك وليٌّ أقرب إلى راعوث، وله الأسبقية في هذا الحق. فهل سیطالب هذا الوليّ بحقه تجاه راعوث، فیمنعها هي وبوعز من الارتباط؟
- فَصَعِدَ بُوعَزُ إِلَى الْبَابِ: كان الْبَاب دائمًا المكان الذي يجلس فیه رجال المدینة المرموقون ونبلاؤها. وفي المدن القديمة في إسرائيل، كان باب المدينة يجمع بين دور مجلس المدينة وقاعة المحكمة.
- “كان باب المدينة بمثابة محكمة مفتوحة في الهواء الطلق، تُحسم فيها القضايا على يد الشيوخ والرجال الذين نالوا ثقة الناس واحترامهم. وكان أيضًا مكانًا تُبرم فيه الصفقات التجارية، ومكانًا عامًا يلتقي فيه أهل المدينة.” هیو (Huey)
- وَإِذَا بِالْوَلِيِّ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ بُوعَزُ عَابِرٌ: كان بوعز قد فاجأ راعوث في الإصحاح الثالث (راعوث ١٢:٣) حين أخبرها بوجود وليٍّ أقرب منه. وها هو ذاك الرجل يمرّ عند باب المدينة بينما كان بوعز جالسًا هناك.
- ولأن راعوث كانت قد عادت إلى بيتها بهدوء بحسب إرشاد بوعز بعد وجودها في البيدر (راعوث ١٤:٣)، كان اقتراب بوعز من ذلك الوليّ الأقرب خطوة مباغِتة للرجل تمامًا، الأمر الذي وضع بوعز في موقعٍ أقوى.
- مِلْ وَاجْلِسْ هُنَا أَنْتَ یَا فُلاَنُ الْفُلاَنِيُّ: عندما حيّا بوعز الوليّ الأقرب، دعاه حرفیًا في العبریة القدیمة بـ “فُلاَنُ الْفُلاَنِيُ.” ولم يذكر كاتب سفر راعوث اسم هذا الوليّ لأنه لم يكن مستحقًا لهذا الشرف، إذ رفض إتمام إلتزاماته بصفته الوليّ الأقرب لراعوث.
- “لا شك أن بوعز كان يعرف اسمه وناداه به، لكن الوحي المقدس تعمّد إفال الاسم؛ ليس لأن ذكره غير ضروري فحسب، بل لأن في هذا التجاهل ازدراءً مقصودًا، وهو أسلوب مألوف، وكان ذلك عقابًا عادلًا لذلك الرجل: فمن يرفض أن يُقيم اسم أخيه، يفقد اسمه هو أيضًا، ويُدفن في قبر النسيان الأبدي.” بووله (Poole)
ب) الآيات (٣-٤): بوعز یطلب من الوليّ الأقرب أن يَفُكَّ أرض نعمي (وألیمالك)
ثُمَّ قَالَ لِلْوَلِيِّ: «إِنَّ نُعْمِيَ الَّتِي رَجَعَتْ مِنْ بِلَادِ مُوآبَ تَبِيعُ قِطْعَةَ الْحَقْلِ الَّتِي لِأَخِينَا أَلِيمَالِكَ. ٤فَقُلْتُ إِنِّي أُخْبِرُكَ قَائِلًا: اشْتَرِ قُدَّامَ الْجَالِسِينَ وَقُدَّامَ شُيُوخِ شَعْبِي. فَإِنْ كُنْتَ تَفُكُّ فَفُكَّ. وَإِنْ كُنْتَ لَا تَفُكُّ فَأَخْبِرْنِي لِأَعْلَمَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرُكَ يَفُكُّ وَأَنَا بَعْدَكَ». فَقَالَ: «إِنِّي أَفُكُّ».
- نُعْمِيَ … تَبِیعُ قِطْعَةَ الْحَقْلِ: كانت مسؤولية الوليّ تتجاوز مجرد الحفاظ على اسم عائلة أخيه داخل اسرائیل؛ إذ شملت أيضًا إبقاء الأرض التي خُصصت لأفراد العشيرة ضمن حدود العشيرة نفسها.
- عندما دخل إسرائيل أرض الموعد في أيام يشوع، قُسِّمت الأرض بين الأسباط ثم بين العائلات. وكان قصد االله أن تبقى الأرض ضمن تلك الأسباط والعائلات، لذلك لم يكن مسموحًا بيعها بيعًا دائمًا. فكل خمسین سنة كان يجب أن تعود إلى العائلة التي خُصصت لها أصلًا (لاويين ٨:٢٥-١٧).
- لكن خمسین سنة فترةٌ طویلة، لذلك وضع االله تدبیرًا يسمح بأن تُفَكَّ الأرضُ التي ’تُباع‘ وتعود إلى العائلة بواسطة الوليّ.
- ومرةً أخرى، كان على الوليّ الأقرب مسؤوليةُ حماية الأشخاص والممتلكات وامتداد السلالة في إطار العائلة الكبرى، ولا يمكن لهذه الواجبات أن تتجزأ.
- قِطْعَةَ الْحَقْلِ: عندما طرج بوعز الأمر أمام الوليّ الأقرب، عرضه بوصفه مسألةً تتعلّق بالممتلكات، وهو أمر يجذب اهتمام أي رجل. فكل واحدٍ يرغب في استرداد قطعة أرضٍ والحفاظ على اسم العائلة من خلال الاحتفاظ بها لنفسه.
- فَإِنْ كُنْتَ تَفُكُّ فَفُكَّ: عندما قدم بوعز الأمر كأنه مجرد صفقة أرض، لم یتردد الوليّ الأقرب لحظة، وقال ببساطة: «إِنِّي أَفُكُّ».
- من المؤكد أن راعوث ونُعمي كانتا تراقبان وتُصغيان. ولا شك أن قلوبهما قد انقبضت حين سمعتا الوليّ الأقرب یقول: «إِنِّي أَفُكُّ». فقد أدركتا من كلامه أنه سيمارس حقَّه كوليّ، وهذا یعني أنه سيستحوذ على الأرض المعنيّة، وسيتزوج من راعوث أيضًا، بدلًا من بوعز. لكن بوعز كان يعرف تمامًا ما یفعل، وكانت الأمور تحت سيطرته بالكامل.
ج) الآية (٥): بوعز يُخبِر الوليّ الأقرب بواجبه في الحفاظ على نسل ألیمالك، إن كان سیستردّ ممتلكات ألیمالك.
٥فَقَالَ بُوعَزُ: «يَوْمَ تَشْتَرِي الْحَقْلَ مِنْ يَدِ نُعْمِي تَشْتَرِي أَيْضًا مِنْ يَدِ رَاعُوثَ الْمُوآبِيَّةِ امْرَأَةِ الْمَيِّتِ لِتُقِيمَ اسْمَ الْمَيِّتِ عَلَى مِيرَاثِهِ».
- یَوْمَ تَشْتَرِي الْحَقْلَ مِنْ یَدِ نُعْمِي تَشْتَرِي أَیْضًا مِنْ یَدِ رَاعُوثَ الْمُوآبِیَّةِ: فاجأ بوعز الوليّ الأقرب إذ أخبره أن الأمر لا يقتصر على نُعمي وممتلكات أليمالك، بل إن عليه أيضًا أن يتولّى شؤون راعوث.
- ولأن نُعمي كانت متقدمة في السن وغير قادرة على الإنجاب، لم یكن متوقعًا من الوليّ الأقرب أن یتزوجها ويُقيم نسلًا لاسم زوجها المتوفى أليمالك. أما راعوث فكان وضعُها مختلفًا تمامًا، إذ كانت قادرة على الزواج والإنجاب.
- تَشْتَرِي أَیْضًا مِنْ یَدِ رَاعُوثَ الْمُوآبِیَّةِ امْرَأَةِ الْمَیِّتِ لِتُقِیمَ اسْمَ الْمَیِّتِ عَلَى مِیرَاثِهِ: شرح بوعز ما كان الجميع يعرفه: فالأمر صفقة واحدةً متكاملة. فمن أراد أن يمارس حق الوليّ تجاه أليمالك المتوفى، وجب عليه أن يفي بالواجب المتعلق بالأرض وبالنسل معًا.
- بفضل طریقة بوعز الحكیمة – وربما البصيرة – في عرض الأمر، كانت تلك هي المرة الأولى التي ینظر فیها الولي الأقرب في المسالة، وكان الأمر برمته صعبًا عليه لیستوعبه على الفور. فعندما كان الموضوع محصورًا في الأرض وحدها، كان القرار سهلًا؛ أما إذا كان عليه أن يأخذ راعوث زوجةً، فكان الأمر مختلفًا تمامًا.
د ) الآية (٦): الولي الأقرب يتنازل عن حقه في فِكاك ممتلكات أليمالك ونسله.
٦فَقَالَ الْوَلِيُّ: «لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفُكَّ لِنَفْسِي لِئَّلَا أُفْسِدَ مِيرَاثِي. فَفُكَّ أَنْتَ لِنَفْسِكَ فِكَاكِي لِأَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفُكَّ».
- لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفُكَّ لِنَفْسِي: ومع أن أخذ الأرض المرتبطة براعوث كان أمرًا مُغريًا، أدرك الوليّ الأقرب أن أخذ راعوث إلى بیته وإقامة نسلٍ لها سيُفسد ميراثه.
- لِئَلاَّ أُفْسِدَ مِیرَاثِي: يُرجَّح أن لذلك الرجل أبناءً بالغين قد نالوا نصيبهم من الميراث في الأراضي. وكانت مشكلةُ تقسیم ذلك المیراث بین الأبناء الحاليين وأي أبناءٍ مستقبليين قد يُرزق بهم من راعوث أمرًا لا يريد الخوض فيه مطلقًا.
- لا شكّ في أن ذلك الرجل كان متزوجًا، وكان يدرك أن استقبال راعوث في بيته زوجةً ثانية لن يمر دون حرج كبير – في أحسن الأحوال.
- فَفُكَّ أَنْتَ لِنَفْسِكَ فِكَاكِي لأَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفُكَّ: كان وقعُ هذه الكلمات على آذانِ نعمي وراعوث رائعًا. فمنذ برهة بدا الموقف میؤوسًا منه عندما قال الوليّ الأقرب: إِنِّي أَفُكُّ، لكن خطة بوعز كانت تحمل مفاجأةً وحكمةً غير متوقعة، وقد نجحت بالفعل!
- ربما رأى البعض أن خطة بوعز كانت طائشة: فكيف يسعى إلى الزواج من راعوث وهو يعرضها، مع أرضها، على الوليّ الأقرب؟ كيف يمكن أن تنجح مثل هذه الخطة؟ ومع ذلك، نجحت الخطة التي ظنها البعض غير مدروسة.
ثانیًا. المراسم لتوثیق الإجراءات
أ) الآيات (٧-٨): عادةُ خلع النعل في المعاملات.
٧وَهَذِهِ هِيَ الْعَادَةُ سَابِقًا فِي إِسْرَائِيلَ فِي أَمْرِ الْفِكَاكِ وَالْمُبَادَلَةِ، لِأَجْلِ إِثْبَاتِ كُلِّ أَمْرٍ. يَخْلَعُ الرَّجُلُ نَعْلَهُ وَيُعْطِيهِ لِصَاحِبِهِ. فَهَذِهِ هِيَ الْعَادَةُ فِي إِسْرَائِيلَ. ٨فَقَالَ الْوَلِيُّ لِبُوعَزَ: «اشْتَرِ لِنَفْسِكَ». وَخَلَعَ نَعْلَهُ.
- وَهَذِهِ هِيَ الْعَادَةُ سَابِقًا فِي إِسْرَائِيلَ: يصف سفر التثنية ٥:٢٥-١٠ المراسم التي كانت تُجرى عندما يرفض الوليّ القيام بمسؤوليته. فالذي يرفض كان يَخْلَعُ نَعْلَه، وتبصق المرأة في وجهه تعبيرًا عن العار الذي جلبه على نفسه. أما في هذا الموقف، ولأن الأمر لم يتضمن انتقاصًا من الكرامة، فقد اكتفوا بالجزء المتعلق بخلع النعل فقط.
- اشْتَرِ لِنَفْسِكَ: قال الوليّ الأقرب: “الأرضُ لك لتفكّها، لأنك مستعد أيضًا أن تفكّ نسل أليمالك بأخذ راعوث زوجةً لك، وهو ما لستُ راغبًا في القيام به.”
ب) الآيات (٩-١٠): بوعز يُعِلن أمام الشيوخ والشعب.
٩فَقَالَ بُوعَزُ لِلشُّيُوخِ وَلِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «أَنْتُمْ شُهُودٌ الْيَوْمَ أَنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُ كُلَّ مَا لِأَلِيمَالِكَ وَكُلَّ مَا لِكِلْيُونَ وَمَحْلُونَ مِنْ يَدِ نُعْمِي. ١٠وَكَذَا رَاعُوثُ الْمُوآبِيَّةُ امْرَأَةُ مَحْلُونَ قَدِ اشْتَرَيْتُهَا لِيَ امْرَأَةً، لِأُقِيمَ اسْمَ الْمَيِّتِ عَلَى مِيرَاثِهِ وَلَا يَنْقَرِضُ اسْمُ الْمَيِّتِ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ وَمِنْ بَابِ مَكَانِهِ. أَنْتُمْ شُهُودٌ الْيَوْمَ».
- فَقَالَ بُوعَزُ لِلشُّيُوخِ وَلِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أعلن بوعز بإبتهاج – مُبرمًا الصفقة قانونيًا – أنه سيفكّ ممتلكات أليمالك ونسله، وأنه، وهذا هو الأروع، سيأخذ راعوث، المرأة التي أحبها، زوجةً له.
- “لِأُقِيمَ اسْمَ الْمَيِّتِ عَلَى مِيرَاثِهِ وَلَا يَنْقَرِضُ اسْمُ الْمَيِّتِ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ وَمِنْ بَابِ مَكَانِهِ” هي وصفٌ جيد لفكرة الحفاظ على نسل المتوفّى.
- رَاعُوثُ… قَدِ اشْتَرَيْتُهَا لِيَ امْرَأَةً: بالرجوع إلى الإصحاح الأول، بدا وكأن راعوث تتخلى عن أفضل فرصة أمامها للزواج حين تركت أرضها في موآب وأعطت قلبها وحياتها لإله إسرائيل. لكن عندما وضعت راعوث الله في المقام الأول، دبر لها علاقةً أعظم مما كانت تتخيل. وهكذا اليوم، سيبارك الله كل من يرغب في الزواج بالطريقة عينها، إن وضع الله أولًا.
- أَنْتُمْ شُهُودٌ الْيَوْمَ: وهذا يفسِّر لماذا تُعد مراسمُ الزواج أمرًا مهمًا، ولماذا ينبغي أن تعترف بها السلطات المدنية. فقد كان حُبُّ بوعز لراعوث حبًا مُعلَنًا، حُبًا يرغب في أن يشهده الجميع وأن يُسجَّل رسميًا.
- أحيانًا يتساءل البعض عن سبب أهمية مراسم الزواج أو شهادة الزواج: “ألا يمكننا أن نتزوج أمام الله فقط؟” ولكن المحبة التي ترفض أن تُعلَن أمام الجميع، ولا تريد شهودًا، ولا ترغب برباطها لدى السلطات المدنية، هي محبة يشوبها نقصٌ كبير. فمثل هذه المحبة لا ترقى إلى أن تكون محبة زوجية حقيقية.
- وهكذا، فإن من يقول: “حسنًا، لو كنا في جزيرة نائية ولا يوجد من يُزوّجنا، أفلا يمكن أن نتزوج أمام الله؟” يحتاج أن يسمع الجواب: “نعم صحيح، إن كنتَ تعيش على جزيرة نائية – لكنك لا تعيش هناك. فهناك شهود، وهناك سُلطاتٌ مدنية تستطيع أمامها إعلان التزامك بالمحبة الزوجّية. والله يريدك أن تفعل ذلك.”
ج ) الآيات (١١-١٢): بركةُ شهود الزواج.
١١فَقَالَ جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِينَ فِي الْبَابِ وَالشُّيُوخُ: «نَحْنُ شُهُودٌ. فَلْيَجْعَلِ الرَّبُّ الْمَرْأَةَ الدَّاخِلَةَ إِلَى بَيْتِكَ كَرَاحِيلَ وَكَلَيْئَةَ اللَّتَيْنِ بَنَتَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. فَاصْنَعْ بِبَأْسٍ فِي أَفْرَاتَةَ وَكُنْ ذَا اسْمٍ فِي بَيْتِ لَحْمٍ. ١٢وَلْيَكُنْ بَيْتُكَ كَبَيْتِ فَارَصَ الَّذِي وَلَدَتْهُ ثَامَارُ لِيَهُوذَا، مِنَ النَّسْلِ الَّذِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ مِنْ هَذِهِ الْفَتَاةِ».
- فَقَالَ جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِينَ فِي الْبَابِ وَالشُّيُوخُ: “نَحْنُ شُهُودٌ”: لا شكّ أن الحاضرين قد ابتهجوا جدًا. فالرجال أُعجِبوا بجمال راعوث الآسر، والنساء رأين في بوعز رجلًا وسيمًا. وأدرك الجميع أن ما يحدث أمامهم هو مناسبةٌ مفعمةٌ بالمحبة والعاطفة.
- كَرَاحِيلَ وَكَلَيْئَةَ: لقد كان بين هاتين المرأتين ثلاثة عشر ولدًا، وكانتا بمنزلة ’أم‘ أمّة إسرائيل كلها. وما نطق به الشهود على بوعز وراعوث كان بركة عظيمة بحقّ.
- كَبَيْتِ فَارَصَ: ما الذي كان مميزًا في فَارَص؟ إن قصة ميلاده مذكورة في سفر التكوين ٢٧:٣٨-٣٠.
- علّق تراب (Trapp) على عبارة ’لْيَكُنْ بَيْتُكَ كَبَيْتِ فَارَصَ‘ قائلًا: “صانعُ الشّقِ، كما سمَّته القابلة، أصرَّ أن يُولد قبل أخيه، فانتزع لنفسه حق البكورية. ثم صار بعد ذلك سعيدًا بنسلٍ كثيرٍ وشريف.”
- “يبدو بالفعل أن فارص كان الجدَّ الأكبر لغالبية عائلات بيت لحم (أخبار الأيام الأولى ٥:٢، ١٨، ٥٠). وفضلًا عن ذلك، فقد أعطى فارص اسمه للفرع من سبط يهوذا الذي انحدر منه نسله (عدد ٢٠:٢٦).” كيدنر (kidner)
ثالثًا. عاشا في سعادةٍ دائمة
أ) الآية (١٣): راعوث وبوعز يُنجبان طفلهما الأول.
١٣فَأَخَذَ بُوعَزُ رَاعُوثَ امْرَأَةً وَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَاهَا الرَّبُّ حَبَلًا فَوَلَدَتِ ابْنًا.
- فَأَعْطَاهَا الرَّبُّ حَبَلًا: لم تكن عطية الأولاد أمرًا مُسلمًا به في إسرائيل. وكانت حقيقةُ أن بوعز وراعوث تمكنا من إنجاب ابنٍ يُقيم اسم أليمالك المتوفى دليلًا واضحًا على بركة الله.
ب) الآيات (١٤-١٦): حياة نُعمي المباركة.
١٤فَقَالَتِ النِّسَاءُ لِنُعْمِي: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُعْدِمْكِ وَلِيًّا الْيَوْمَ لِكَيْ يُدْعَى اسْمُهُ فِي إِسْرَائِيلَ. ١٥وَيَكُونُ لَكِ لِإِرْجَاعِ نَفْسٍ وَإِعَالَةِ شَيْبَتِكِ. لِأَنَّ كَنَّتَكِ الَّتِي أَحَبَّتْكِ قَدْ وَلَدَتْهُ، وَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ سَبْعَةِ بَنِينَ». ١٦فَأَخَذَتْ نُعْمِي الْوَلَدَ وَوَضَعَتْهُ فِي حِضْنِهَا وَصَارَتْ لَهُ مُرَبِّيَةً.
- مُبَارَكٌ الرَّبُّ: انظُر إلى نُعمي المباركة! لقد صار لها الآن حفيد، واشتهرت في إسرائيل، وصارت مُرَبِّيَةً لحفيدها.
- الَّذِي لَمْ يُعْدِمْكِ وَلِيًّا الْيَوْمَ: كان من الملائم أن تحظى هذه البركات في حياة نُعمي باهتمامٍ كبيرٍ في ختام السِفر. فقد كان رجوعها إلى الرب هو البداية التي انطلق منها عملُ الله الرائع هذا. فلو لم تقرر نُعمي العودة إلى بيت لحم، إلى أرض إسرائيل وإله إسرائيل، لما حدث شيءٌ من هذا كله.
- هذا مثالٌ رائع على ما يستطيع الله أن يفعله من خلال امرأة فقيرة قد استقامت أمامه.
- وكان ملائمًا أيضًا، لأن نُعمي هي التي قالت في الإصحاح الأول: الْقَدِيرَ قَدْ أَمَرَّنِي جِدًّا … وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ فَارِغَةً … وَالرَّبُّ قَدْ أَذَلَّنِي وَالْقَدِيرُ قَدْ كَسَّرَنِي؟ (راعوث ٢٠:١-٢١). يا ليت نُعمي استطاعت حينها أن ترى كم سيفيض الرب عليها من بركات عظيمة في النهاية.
- لا يمكننا أن نلوم نُعمي، فنحن بلا شك نفعل الشيء نفسه. لكن ينبغي لنا أيضًا أن نتعلم ما تعلمته هي. علينا أن ندرك أن خطة الله كاملة ومملوءة محبة، وأنه حتى عندما نعجز عن فهم ما يفعله وتبدو الظروف ميئوسًا منها، نثق أنه ما زال يعرف ما يصنعه. وينبغي أن نتذكر دائمًا “أَنَّ كُلَّ الْأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ.” (رومية ٢٨:٨).
ج ) الآيات (١٧-٢٢): راعوث وبوعز: الجدان الأكبر لداود، ملك إسرائيل.
١٧وَسَمَّتْهُ الْجَارَاتُ اسْمًا قَائِلَاتٍ: «قَدْ وُلِدَ ابْنٌ لِنُعْمِي» وَدَعَوْنَ اسْمَهُ عُوبِيدَ. هُوَ أَبُو يَسَّى أَبِي دَاوُدَ. ١٨وَهَذِهِ مَوَالِيدُ فَارَصَ: فَارَصُ وَلَدَ حَصْرُونَ، ١٩وَحَصْرُونُ وَلَدَ رَامَ، وَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ، ٢٠وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ، وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ، ٢١وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ، وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ، ٢٢وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى، وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ.
- قَدْ وُلِدَ ابْنٌ لِنُعْمِي: أنجب بوعز وراعوث عوبيد، وأنجب عوبيد يسّى، وأنجب يسّى داود، ومن نسل داود جاء يسوع.
- “إن يد الله حاضرة في التاريخ كله. فهو يُنجز مقاصده جيلًا بعد جيل. وبما أننا محصورون في حياة واحدة، فلا يرى سوى النزر اليسير مما يحدث. وتأتي سلسلة الأنساب لتُظهر لنا بطريقة لافتة استمرارية مقاصد الله عبر العصور. فمسار التاريخ ليس عشوائيًا؛ بل له غاية. وتلك الغاية هي غاية الله نفسه.” كيدنر (kidner)
- أَبِي دَاوُدَ: عودة نُعمي إلى بيت لحم، وجذورُ داود في بيت لحم التي تمتد إلى راعوث وبوعز، كانت جميعُها أسبابًا دفعت يوسف ومريم إلى الذهاب إلى بيت لحم لتسجيل اسميهما في إحصاء أوغسطس قيصر (لوقا ٢: ١–٥). فراعوث وبوعز هما السبب في أن يُولَدَ يسوع في بيت لحم.
-
- كان على الوليّ الفادي واجبُ فداء أفراد العائلة من العبودية؛ وقد فدانا يسوع من عبودية الخطية والموت.
- كان على الوليّ الفادي واجبُ استرداد الأرض المفقودة؛ وهكذا سيسترد يسوع الأرض التي كان الإنسان قد ’باعها‘ للشيطان.
- لم يكن بوعز، وليّ راعوث، مدفوعًا بأي مصلحة ذاتية، بل كانت محبته هي الدافع. وهكذا فإن دافع يسوع في فدائنا هو محبته العظيمة لنا.
- كان لدى بوعز، بصفته الوليّ الفادي، خطة لاسترداد راعوث لنفسه، وربما رأى البعض أنها خطة حمقاء. وكذلك كان ليسوع خطة لفدائنا أيضًا، وربما رأى البعض أنها خطة حمقاء (أيكون خلاص البشر بالموت على صليب قاسٍ؟)، لكن هذه الخطة نجحت نجاحًا مجيدًا.
- أخذ بوعز راعوث عروسًا له بصفته وليها الفادي؛ والذين فداهم يسوع يُدعون معًا عروسه (أفسس ٣١:٥-٣٢، رؤيا يوحنا ٩:٢١).
- وفر بوعز لراعوث، بصفته وليها الفادي، مصيرًا مجيدًا؛ وكذلك يمنح يسوع، فادينا، مصيرًا مجيدًا لنا.لكن التأمل في شخص يسوع في سفر راعوث لا يبدأ عند ذِكر الملك داود؛ فيسوع حاضر في السفر كلّه، مُجسدًا في بوعز ووظيفة الوليّ الفادي.
- كان على الوليّ الفادي أن يكون فردًا من العائلة، ولذلك اتّخذ يسوع، الإله السرمدي، طبيعتنا البشرية لكي يصير قريبًا لنا ويخلّصنا.
- ومع ذلك، يبقى جوهر الأمر كله في حقيقة أن يسوع هو وليَّنا الفادي؛ ولهذا صار إنسانًا. كان بإمكان الله أن يرسل ملاكًا ليُخلِّصنا، لكن الملاك لا يمكن أن يكون وليًّا لنا. ويسوع، في مجده الأزلي، لو لم يتجسد ويأخذ طبيعتنا البشرية، لكان قادرًا أن يُخلِّصنا، لكنه ما كان ليصبح وليًّا لنا. وربما أمكن للنبي أو الكاهن أن يكون وليًّا لنا، لكن خطيته كانت ستسقط عنه أهلية الفداء. وحده يسوع – الإله الأزلي الذي أخذ طبيعتنا البشرية – هو وحده القادر أن يكون الوليَّ والفادي للإنسان.
- تصف الآيات في إشعياء ٤:٥٤-٨ روعة خدمة الرب لشعبه بوصفه وليّهم الفادي: “لَا تَخَافِي لِأَنَّكِ لَا تَخْزَيْنَ، وَلَا تَخْجَلِي لِأَنَّكِ لَا تَسْتَحِينَ… وَوَلِيُّكِ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ… لِأَنَّهُ كَامْرَأَةٍ مَهْجُورَةٍ وَمَحْزُونَةِ الرُّوحِ دَعَاكِ الرَّبُّ… وَبِمَرَاحِمَ عَظِيمَةٍ سَأَجْمَعُكِ… قَالَ وَلِيُّكِ الرَّبُّ.”
- منذ الأزل، خطط الله أن يجمع بين راعوث وبوعز، ليجعل من بيت لحم بوابة دخول يسوع إلى العالم، وليّنا الفادي الحقيقي، الإله الكامل والإنسان الكامل. وفي معنى روحي واقعي، ينبغي للجميع أن يأتوا إلى بيت لحم، إلى موضع الفداء الذي لا يقدر أن يقدمه إلا يسوع وحده.
-
