الكَلِمَةُ الأَزلِيَّةُ

فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. (يوحنا ١:١-٢)

بدأ متَّى إنجيلهُ في بيتِ لحمٍ، وبدأ لوقا في أورشليم، وبدأ مرقُس في اليهودية، أما يوحنا فلم يبدأ من مدينةٍ ولا من أرضٍ، بل رفعنا فوقَ الزمانِ كُلِّهِ إلى: فِي الْبَدْءِ. وهذا التَّعبِيرُ يُعِيدُنا إلى تلك الأزليَّةِ التي يَفتتِحُ بها الكتابُ المقدَّسُ في سِفرِ التكوين ١:١. ويُخبرنا يوحنا أنهُ حينَ بدأ الْبَدْءُ كَانَ الْكَلِمَةُ موجودًا، لم يبدأ مع الزمانِ، ولم يظهَر مع الخليقةِ، بل كان قَبْلَ كُلِّ شيءٍ، فالْكَلِمَةُ لا بدايةَ لهُ، بل كانَ هُناك فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ قَبْلَ أن يوجدَ شيءٌ أَصلًا.

الكَلِمَةُ الأَزلِيَّةُ

هُنا في يوحنا الإصحاح الأول، تُتَرجمُ كلمةُ ’الْكَلِمَة‘ المصطلح اليوناني القديم لُوغُوس. وكانَ لفكرة اللُّوغُوسِ جذورٌ عميقةُ في كلٍّ من الفِكرِ اليهودي والفكرِ اليوناني.

كانَ المعلمونَ اليهود كثيرًا ما يشيرون إلى اللهِ، ولا سيما عندما يتحدَّثونَ عن قُربِهِ وحُضُورِهِ وَسَطَ شَعبهِ، بتَعبيرِ كَلِمَتِهِ. ففي ذهن اليهود القدماء كان يُمكنُ أن تستخدمَ عبارة ’كلمةِ اللهِ‘ للإشارة إلى اللهِ نفسِهِ.

رأى الفلاسفةُ اليونان في اللُّوغُوس القوَّةَ التي تُضفي معنىً على العالمِ، فتجعلُهُ مُنظمًا لا فوضويًا. وكان اللُّوغُوس في نظرهِم القوَّةَ التي أقامتِ العالمَ على نظامٍ مُحكمٍ وأبقتهُ ثابتًا في ذلك النِّظامِ. وكانوا يرونَ في اللُّوغُوس ’العقلَ الأسمى‘ الذي يُدبِّرُ كلَّ شيءٍ ويضبِطُهُ.

لذلك، في هذهِ الافتتاحيَّة، يُخاطبُ يوحنا اليهودَ واليونانَ معًا قائلًا: لقد تحدثتُم وفكَّرتُم وكتبتُم عبرَ القرونِ عن الْكَلِمَة، عن اللُّوغُوس (logos)، والآن أُعرِّفُكُم من هُوَ. وهكذا كلَّمهُم بلُغتِهم التي يفهمُونها، وقدَّمَ لهم يَسُوعَ بمفاهيمَ كانت مَألُوفَةً لديهم.

وكَشَفَ يوحنا أيضًا أن الْكَلِمَةَ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. وبهذا التَّصريحِ البَارِعِ يَضَعُ يوحنا أَحَدَ أَبسطِ وأَرسخِ أُسُسِ إِيمانِنا، وهُو الثَّالوثُ. ويُمكِنُنا أن نتتبَّعَ مَنطِقَ يوحنا هكذا:

هُناكَ كائِنٌ يُعرَفُ بِاسْمِ الْكَلِمَةِ.

هذا الكائِنُ هُوَ اللهُ، لأنهُ أزَليٌّ (فِي الْبَدْءِ).

هذا الكائِنُ هُوَ اللهُ، لأنهُ يُدعَى بوضوح اللهَ (وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ).

وفي الوقتِ نفسِهِ، لا يشملُ هذا الكائِنُ كُلَّ ما هو اللهُ. فالآبُ شخصٌ مميزٌ عن الْكَلِمَةِ (وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ).

إذًا، الآبُ والابنُ (الابنُ هُنا يُعرَف بـ ’الْكَلِمَةِ‘)، مُتَساويَانِ في الأُلُوهيَّةِ، ومع ذلك متميِّزانِ في الأُقنُومِيّة. فالآبُ ليسَ هو الابنَ، والابنُ ليسَ هو الآبَ. ولكنهما متساويّان في كونهما الله، ومع الرُّوح القُدُس هُم إلهٌ واحدٌ في ثلاثةِ أقانيم.

لمدَّةِ ثلاثِ سنواتٍ كان يوحنا من أَقربِ الناسِ إلى يسوعَ. وحينَ بدأَ يَروي قصةَ حياةِ يسوعَ، افتتحها بإعلانٍ واضحٍ قائلًا: هذا الرَّجلُ الذي عَاَشَ بيننا، وسارَ معنا، وتكلَّمَ أمامنا، لم يكُن مُجرَّدَ إنسانٍ، بل كان ومَا زَالَ اللهَ.

يَسُوعُ الذي يُحِبُّ ويُخَلِّصُ، الذي ماتَ وقامَ من بين الأمواتِ، يسوعُ الكتابِ المُقدَّسِ، هُوَ اللهُ. وهو مُستحِقٌّ أن نعبُدَهُ ونَثِقَ بِهِ اليَومَ.

اضغط هنا لقراءة تفسير القس ديفيد كوزيك لإنجيل يوحنا ١

اضغط هنا لقراءة المزيد من التأملات اليومية للقس ديفيد كوزيك