سِفر حبقوق – الإصحاح ٢
الله يُبَرِّر دينونته
أولًا. تَوبِيخ المُتكبّر
بالنظر إلى السياق، تُعتبَر حَبَقُّوق ٢: ١ خاتمة لتفسير الإصحاح الأول.
أ ) الآيات (٢-٣): الاستعداد للإجابة: كيفية إعلان الرؤيا.
٢فَأَجَابَنِي الرَّبُّ وَقَالَ: «اكْتُبِ الرُّؤْيَا وَانْقُشْهَا عَلَى الأَلْوَاحِ لِكَيْ يَرْكُضَ قَارِئُهَا، ٣لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ، وَفِي النِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلاَ تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا لأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلاَ تَتَأَخَّرُ.
١. اكْتُبِ الرُّؤْيَا وَانْقُشْهَا: أمر الله حَبَقُّوق أن يُدوِّن هذا الحوار بينه وبين الله لفائدة الآخرين – لِكَيْ يَرْكُضَ قَارِئُهَا. لم تكن رؤيا حبقّوق خاصة به وحده، بل أُعطيت أيضًا لتشجيع الآخرين. فالذين يَقرَؤونها سوف يتقدّمون بسرعة (يَرْكُضَ)، لكنّهم ما كانوا ليقدروا على ذلك لو لم يكتبها وينْقُشْهَا حَبَقّوق.
كان على حبقّوق أوّلًا أن يرى الرؤيا. وهكذا الواعظ، لا يمكنه أن يجعل أحدًا يرى ما لم يره هو بنفسه.
ثمّ كان على حبقّوق أن يُعلِن الرؤيا. وهكذا على الواعظ أن يفعل ما بوسعه ليُعلن كلمة الله ويذيعها بكل السُبل المُمكنة.
كان على حبقّوق أن يُعلن الرؤيا بشكل دائم قدر الإمكان – فقد طُلِب منه أن يكْتُب الرُّؤْيَا. وهكذا على الواعظ أن يفعل ما بوسعه ليترك تأثير دائم في مستمعيه.
كان على حبقّوق أن ينقش الرؤيا ويُوضحها. وهكذا يجب على الواعظ أن يُعلن حقّ كلمة الله بأقصى قدر من الوضوح. “غالبًا ما أفكّر في أن بعض الخُدّام الذين يتوهّمون أن واجبهم تعقيد الرسالة، والغوص في أعماق الموضوع، وتحريك كل الوحل الذي يمكن إيجاده هناك، حتى يعجز السامع عن رؤيتهم، ويعجزوا هم عن رؤية طريقهم أصلًا… أولئك يحدّثون الناس عن كلّ الصعوبات التي اكتشفوها في الكتاب المقدّس – وهي صعوباتٌ لم يكن معظم مستمعيهم ليعرفوا عنها شيئًا، لولا أن وعّاظهم هم من أخبروهم بها.” سبيرجن (Spurgeon)
كان على حبقّوق أن يجعل الرؤيا عمليّة – لِكَيْ يَرْكُضَ قَارِئُهَا. لم يقل النص: لكي يقرأها من يركض، بل لِكَيْ يَرْكُضَ قَارِئُهَا. فالركض – أي النشاط والتقدّم – ينبع من كلمة الله. وعلى الواعظ أن يسعى إلى ربط حقّ كلمة الله بواقع حياة السامعين.
٢. لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ: تكلّم حبقوق إلى زمن يتجاوز زمانه. فغزو بابل لم يكن ظاهرًا في أيّامه، بل في المستقبل.
ب) الآيات (٤-٨): الله يعلم كيف يُجازي المُتكبّر.
٤«هُوَذَا مُنْتَفِخَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ نَفْسُهُ فِيهِ. وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا. ٥وَحَقًّا إِنَّ الْخَمْرَ غَادِرَةٌ. الرَّجُلَ مُتَكَبِّرٌ وَلاَ يَهْدَأُ. الَّذِي قَدْ وَسَّعَ نَفْسَهُ كَالْهَاوِيَةِ، وَهُوَ كَالْمَوْتِ فَلاَ يَشْبَعُ، بَلْ يَجْمَعُ إِلَى نَفْسِهِ كُلَّ الأُمَمِ، وَيَضُمُّ إِلَى نَفْسِهِ جَمِيعَ الشُّعُوبِ. ٦فَهَلاَّ يَنْطِقُ هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ بِهَجْوٍ عَلَيْهِ وَلُغْزِ شَمَاتَةٍ بِهِ، وَيَقُولُونَ: وَيْلٌ لِلْمُكَثِّرِ مَا لَيْسَ لَهُ! إِلَى مَتَى؟ وَلِلْمُثَقِّلِ نَفْسَهُ رُهُونًا؟ ٧أَلاَ يَقُومُ بَغْتَةً مُقَارِضُوكَ، وَيَسْتَيْقِظُ مُزَعْزِعُوكَ، فَتَكُونَ غَنِيمَةً لَهُمْ؟ ٨لأَنَّكَ سَلَبْتَ أُمَمًا كَثِيرَةً، فَبَقِيَّةُ الشُّعُوبِ كُلِّهَا تَسْلُبُكَ لِدِمَاءِ النَّاسِ وَظُلْمِ الأَرْضِ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِيهَا.
١. هُوَذَا مُنْتَفِخَةٌ: تساءل حبقّوق لماذا تُستخدَم بابل – وهي أمّة أكثر شرًّا من يهوذا – لتنفيذ دينونة الله. وفي ردّه على النبي، أكّد الله له أوّلًا أنّه يرى المُتكبّر (مُنْتَفِخَةٌ)، ويعلم أن نَفْسُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فِيه.
الكبرياء موجود في كل مكان، ويتّخذ شتّى الأشكال والصور.
يفتخر الغَنِيّ بما يملك.
يفتخر الفقير بـ”شَرَفِهِ” وقلّة ما يملك.
يفتخر الموهوب بإمكاناته وما يستطيع أن يفعله.
يفتخر قليل المواهب بجِدّه واجتهاده.
يفتخر المتديّن بتديّنه.
يفتخر غير المؤمن بعدم إيمانه.
يفتخر رجل الدولة والمؤسسات بمكانته في المجتمع.
يفتخر الخارج عن الثقافة السائدة بكونه “منبوذًا.”
يفتخر المتعلّم بذكائه ومعرفته.
يفتخر البسيط ببساطته.
“إن وُجدت خطيّةٌ عامّة تشمل الجميع، فهي الكبرياء. فأين لا تُوجَد؟ فتّش عنها بين أعلى الناس شأنًا وأرفعهم مقامًا في هذا العالم، وستجدها هناك؛ ثم اذهب وابحث بين أفقر الناس وأشدّهم بؤسًا، وستجدها هناك أيضًا. قد يسكن الكبرياءُ خِرقةَ شحّاذ كما يسكن عباءةَ أمير؛ وقد تكون الزانية مُعتدّة بنفسها بقدر ما تعتزّ العفيفة بعفّتها. الكبرياء مخلوقٌ عجيب؛ لا يُبالي أين يسكن. يسكن القصور في راحة، ويسكن الأكواخ في راحة مماثلة. هل من إنسانٍ لا يكمن الكبرياءُ في قلبه؟” سبيرجن (Spurgeon)
يمكن أن يكون الكبرياء خطيرًا بشكل خاص بين شعب الله. فقد جاء رجلٌ يومًا إلى جون بَنيان (John Bunyan) بعد أن ألقى عظة، وقال له: “لقد كانت عظة رائعة.” فأجابه بَنيان: “جئتَ متأخّرًا – فالشيطان قال لي ذلك قبل أن أنزل عن المنبر.” يستطيع الشيطان أن يهمس للأخ المُصلّي أن يفتخر بقدرته على الصلاة؛ وللأخ النامي أن يفتخر بنموّه الروحي؛ وحتى للأخ المتواضع أن يفتخر بتواضعه.
“أينما وُجد الكبرياء، فهو دائمًا مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. ولما لا؟ فالكبرياء مكروه حتى عند البشر. فلا أحد يحتمل الإنسان المتكبّر؛ ولهذا، فإن المتكبّر، إن بقي فيه شيء من العقل، يُدرك ذلك غالبًا، فيتظاهر بالتواضع. إنه يحاول أن يبدو متواضعًا – مع أنه في الواقع ليس كذلك – إذا ساوره الشكّ في أن من حوله سيبغضونه إن عرفوا بكبريائه. أمّا الله، فهو يمقت الكبرياء، وإذلال المتكبّرين هو جزء من عمله اليومي.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا: على النقيض من المُنْتَفِخ، هناك الْبَارّ. ومبدأ حياة أولئك هو الإِيمَانِ بدلًا من الكبرياء الذي ينظر إلى الذات. فالإِيمَانِ الحقيقي ينظر إلى ما هو خارج الذات، إلى الرَّب الإله، أمّا الكبرياء، فينظر دومًا إلى الذات.
إنَّ هذا التصريح الموجز للنبي حبقّوق يُعدّ من أهم العبارات في العهد القديم، وأكثرها اقتباسًا في العهد الجديد. فقد استخدمه بولس ليُبيّن أنَّ الْبَارَّ يَحْيَا بِالإِيمَانِ، وليس بالناموس. فالعيش تحت الناموس ليس هو الطريق إلى التبرير أمام الله، بل العيش بالإيمان.
إن كنتَ قد صرت بارًّا في عيني الرب – أي مقبولًا – أمام الله، فقد قَبِلَك بسبب علاقة مبنيّة على الإِيمَان. أمّا إن كنت تعيش تحت الناموس، فإن الله لا يراك مقبولًا.
في الرسالة إلى العبرانيين، يتكوّن الجزء المهم من الآية من ثلاث كلمات فقط: “البارّ،” “بِالإِيمَانِ،” و”يحيَا.” إن كلّ كلمة في حبقّوق ٢: ٤ تحمل أهميّة بالغة، وقد اقتبس الرب هذه الآية ثلاث مرّات في العهد الجديد ليُبرز المعنى العميق الكامن في كلّ كلمة.
رسالة رومية ١: ١٧ هي تفسير لكلمة البارّ- الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا.
رسالة العبرانيين ١٠: ٣٨ هي تفسير لكلمة الإِيمَانِ – الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا.
رسالة غلاطية ٣: ١١ هي تفسير للسلوك المسيحي – الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا.
قبل إعلانه الجريء لحقّ الإنجيل، كان مارتن لوثر راهبًا أوغسطينيًّا. وكراهب، قام برحلة حجّ إلى روما، وأثناء عبوره جبال الألب أصيب بمرض شديد كاد أن يودي بحياته. وبينما كان طريح الفراش، يعاني اضطرابًا جسديًّا وروحيًّا، تذكر آية سبق أن لمَست قلبه: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا» (رومية ١: ١٧؛ حبقّوق ٢: ٤). وبعد تعافيه، واصل رحلته إلى روما، وزار المواقع التي اعتاد الحجّاج زيارتها. وفي أحد الأيام، زار كنيسة القدّيس يوحنا اللاتيراني، حيث يوجد سُلَّم يُقال إنه من دَارِ حكم بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ. وكان من عادة الحجّاج أن يصعدوا هذا السُلّم، لا بأقدامهم، بل على رُكَبهم، دَرَجَة تلو الأخرى، مردّدين صلوات ومُقبّلين الدرجات التي يُعتقد أن دم يسوع سقط عليها. جاء لوثر إلى هذا المكان وبدأ يفعل كما يفعل سائر الحجّاج، إذ وعد البابا بغفران كامل لمن يصعد هذه الدَّرَجَات على رُكَبِه ويُصلّي. وبينما كان يفعل ذلك، تذكّر لوثر كلمات رومية، المقتبسة من حبقّوق: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا». ويُقال إنه ما إن تذكّرها، حتى توقّف ونهض ونزل السلّم، وعاد مباشرة إلى ألمانيا. ويقول البعض إن الإصلاح الإنجيلي بدأ من على تلك الدَّرَجَات.
“قبل أن أشرقت تلك الكلمات في ذهني، كنت أكره الله وكنت غاضبًا منه، لأنه لم يكتفِ بأن يُرعبنا نحن الخطاة بالناموس وبمآسي الحياة، بل زاد عذابنا برسالة الإنجيل. ولكن عندما فهمت تلك الكلمات بروح الله: ’الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا! الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا! ‘شعرت وكأني وُلِدتُ ثانية، كإنسان جديد؛ دخلتُ من الأبواب المفتوحة إلى فردوس الله ذاته.” لوثر (Luther)، نقلًا عن بويس (Boice)
لقد دُعينا أن نحيا بالإيمان ولا شيء غيره.
بعض المؤمنين يحيَون بحسب الطقوس الروحيّة.
بعض المؤمنين يحيَون بالأعمال.
بعض المؤمنين يحيَون بالمشاعر.
بعض المؤمنين يحيَون بالظروف.
كلّ أمر من هذه الأمور عديم المعنى، بل وقد يكون خطيرًا، بدون الإيمان.
٣. الَّذِي قَدْ وَسَّعَ نَفْسَهُ كَالْهَاوِيَةِ، وَهُوَ كَالْمَوْتِ فَلاَ يَشْبَعُ: الله يرى الإنسان المُتَكَبِّر، وكيف أنه لاَ يَشْبَعُ. إن الذي أُعلِن بارًّا بالإيمان مكتفٍ، أمّا المُتَكَبِّر فلا يكفّ عن الأخذ.
٤. لأَنَّكَ سَلَبْتَ أُمَمًا كَثِيرَةً، فَبَقِيَّةُ الشُّعُوبِ كُلُّهَا تَسْلِبُكَ: هنا طمأن الله حبقّوق بأنه يعرف كيف يتعامل مع أممٍ مثل بابل. فقد وعد بابل بأنه كما أنها سَلَبْتَ أُمَمًا كَثِيرَةً، فسيأتي يومٌ تَسْلِبُهُ فيه بَقِيَّةُ الشُّعُوبِ.
كان البابليّون مثالًا واضحًا للمُتَكَبِّرين الذين يَقِفون ضدّ الذين أُعلِنوا أبرارًا بالإيمان – وكان في وسع حبقّوق أن يتعزّى في حقيقة أنّ الله سيتولّى أمرهم.
“كانت القيمة المباشرة لهذا الكلام أن حبقّوق أدرك أن استخدام الله للكلدانيّين لم يكن يعني الهيمنة الدائمة لهذا الشعب الشرير.” مورجان (Morgan)
ثانيًا. أربع وَيْلَات لإسكات الإنسان الشرير
أ ) الآيات (٩-١١): وَيْلٌ للطَّمَّاعِ.
٩«وَيْلٌ لِلْمُكْسِبِ بَيْتَهُ كَسْبًا شِرِّيرًا لِيَجْعَلَ عُشَّهُ فِي الْعُلُوِّ لِيَنْجُوَ مِنْ كَفِّ الشَّرِّ! ١٠تَآمَرْتَ الْخِزْيَ لِبَيْتِكَ. إِبَادَةَ شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ وَأَنْتَ مُخْطِئٌ لِنَفْسِكَ. ١١لأَنَّ الْحَجَرَ يَصْرُخُ مِنَ الْحَائِطِ فَيُجِيبُهُ الْجَائِزُ مِنَ الْخَشَبِ.
١. وَيْلٌ لِلْمُكْسِبِ بَيْتَهُ كَسْبًا شِرِّيرًا: وجّه الله كلامه إلى الإنسان الطمّاع، وأخبره أنه مُهَيَّأٌ للدينونة. لقد سعى الطمّاع لحماية نفسه إِذْ جَعَلَ عُشَّهُ فِي الْعُلُوِّ، لكن كلّ وسائل دفاعه ستبوء بالفشل.
٢. وَأَنْتَ مُخْطِئٌ لِنَفْسِكَ: إنّ الإنسان الطمّاع لا يفكّر إلا في الربح، لكنه في النهاية يخسر نفسه. ومَثَل يسوع في لوقا ١٢: ١٦-٢١ هو مثلٌ جليّ للإنسان الطمّاع الذي أخطأ لِنَفْسِه.
٣. لأَنَّ الْحَجَرَ يَصْرُخُ مِنَ الْحَائِطِ: صوّر حبقّوق بيتًا جميلًا بناه رجل طمّاع، لكنّ حَجَر البيت نفسه كان يَصْرُخُ مِنَ الْحَائِطِ ضدّ طمع ذلك الرجل.
ب) الآيات (١٢-١٤): وَيْلٌ لِلْعَنِيفِ.
١٢«وَيْلٌ لِلْبَانِي مَدِينَةً بِالدِّمَاءِ، وَلِلْمُؤَسِّسِ قَرْيَةً بِالإِثْمِ! ١٣أَلَيْسَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْجُنُودِ أَنَّ الشُّعُوبَ يَتْعَبُونَ لِلنَّارِ، وَالأُمَمَ لِلْبَاطِلِ يَعْيَوْنَ؟ ١٤لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَجْدِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ.
١. وَيْلٌ لِلْبَانِي مَدِينَةً بِالدِّمَاءِ: لم يكن الرَّب مستاء من الإنسان الطمّاع فحسب، بل نطق أيضًا بِوَيْلٍ على الإنسان العنيف.
٢. لأَنَّ الأَرْضَ تُمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَجْدِ الرَّبِّ: يظنّ الإنسان العنيف أنّ قوته تُعطيه الحق في استغلال الآخرين لتحقيق مكاسبه. وكتصحيح وتوبيخ، ذكّر الرَّب الإنسان العنيف أنه هو الذي له الانتصار النهائي المُطلق.
ج) الآيات (١٥-١٧): وَيْلٌ لِلسَّكْرَانِ.
١٥«وَيْلٌ لِمَنْ يَسْقِي صَاحِبَهُ سَافِحًا حُمُوَّكَ وَمُسْكِرًا أَيْضًا، لِلنَّظَرِ إِلَى عَوْرَاتِهِمْ. ١٦قَدْ شَبِعْتَ خِزْيًا عِوَضًا عَنِ الْمَجْدِ. فَاشْرَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاكْشِفْ غُرْلَتَكَ! تَدُورُ إِلَيْكَ كَأْسُ يَمِينِ الرَّبِّ، وَقُيَاءُ الْخِزْيِ عَلَى مَجْدِكَ. ١٧لأَنَّ ظُلْمَ لُبْنَانَ يُغَطِّيكَ، وَاغْتِصَابَ الْبَهَائِمِ الَّذِي رَوَّعَهَا، لأَجْلِ دِمَاءِ النَّاسِ وَظُلْمِ الأَرْضِ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِيهَا.
١. وَيْلٌ لِمَنْ يَسْقِي صَاحِبَهُ… فَاشْرَبْ أَنْتَ أَيْضًا: من خلال النبي حبقّوق، وبّخ الرَّبّ كلًا من السَّكْرَان، ومن يُشجّع على السُّكر. فمع أنهم ظنّوا أن الخمر تُشعِرهم باللذّة، إلا أن الله قال بالحق أنهم قد شَبِعوا خِزْيًا عِوَضًا عَنِ الْمَجْدِ.
في أفسس ٥: ١٨ وصف الرسول بولس السُّكر بالخَلاَعَة؛ فالسُّكر يُعد تبديدًا للموارد التي ينبغي أن تُخضع للمسيح. وقد كتب جون تراب (John Trapp) أن شُرب الخمر يؤدي إلى “النفاذ الثلاثي” فيقول: “نفاذ الجعة من الكأس، والمال من المحفظة، والعقل من الرأس.” (تفسير تراب لرسالة غلاطية ٥: ٢١)
إن أضرار السُّكر لا تقتصر على الفعل نفسه، بل تمتدّ إلى ما يُخلّفه من آثار مدمّرة في الحياة والأسَر. ففي تسعينيات القرن العشرين، تم تسجيل أن الكحول كان مسؤولًا سنويًا في الولايات المتحدة عن نحو ١٠٠ ألف حالة وفاة (منها ٢٥ ألف حالة بسبب السائقين المخمورين وحدهم)، ٦ ملايين إصابة غير مميتة، وأكثر من ١٠٠ مليار دولار من الخسائر الاقتصاديّة، مثل البطالة وتراجع الإنتاجية.
٢. تَدُورُ إِلَيْكَ كَأْسُ يَمِينِ الرَّبِّ: لقد أحبّ السَّكْرَان ومن يُروّج للسُّكر كأسهم المملوءة بالشراب؛ أمّا الآن، فإنّ الله يعدّهم بِكَأْسٍ من نوعٍ آخر – كَأْسِ دينونةٍ وجزاءٍ عادلٍ على خطيّتهم.
د ) الآيات (١٨-٢٠): وَيْلٌ لِعَابِدِ الأَوْثَانِ.
١٨«مَاذَا نَفَعَ التِّمْثَالُ الْمَنْحُوتُ حَتَّى نَحَتَهُ صَانِعُهُ؟ أَوِ الْمَسْبُوكُ وَمُعَلِّمُ الْكَذِبِ حَتَّى إِنَّ الصَّانِعَ صَنْعَةً يَتَّكِلُ عَلَيْهَا، فَيَصْنَعُ أَوْثَانًا بُكْمًا؟ ١٩وَيْلٌ لِلْقَائِلِ لِلْعُودِ: اسْتَيْقِظْ! وَلِلْحَجَرِ الأَصَمِّ: انْتَبِهْ! أَهُوَ يُعَلِّمُ؟ هَا هُوَ مَطْلِيٌّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلاَ رُوحَ الْبَتَّةَ فِي دَاخِلِهِ! ٢٠أَمَّا الرَّبُّ فَفِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. فَاسْكُتِي قُدَّامَهُ يَا كُلَّ الأَرْضِ».
١. وَيْلٌ لِلْقَائِلِ لِلْعُودِ: اسْتَيْقِظْ! بعدما تناول الله الطمّاع، والعَنِيف، والسِّكِّير، تكلّم إلى عابد الأوثان – الذي يُعامل الأوثان الصمّاء وكأنّ لها حياةً وعقلًا.
٢. وَلاَ رُوحَ الْبَتَّةَ فِي دَاخِلِهِ! أَمَّا الرَّبُّ فَفِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ: على النقيض من الْحَجَرِ الأَصَمِّ الذي لاَ رُوحَ فِيهِ، كان الرَّب حيًّا ومجيدًا فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. وستنكشف حماقة عابد الصنم أمام جلال الإله الحي.
من خلال كلّ ذلك، يتبيّن المغزى. لم يكن حبقّوق قادرًا على فَهم كيف يَدين الله أُمّة عاصية (يهوذا) بأُمّة أكثر شرًّا منها (بابل). لكنّ الله ذكّر حبقوق بحكمته وقوّته وبانتصاره النهائي على الأشرار. لقد كان الله يعلم أن بابل مليئة بالمُتَكَبِّرين، والطَمّاعين، والعُنفاء، والسِّكِّيرين، وعَابِدي الأَوْثَان – وكان الرَّبّ يعرف تمامًا كيف يتعامل معهم جميعًا. ”
