سِفر حبقوق – الإصحاح ٣
صلاة النبي
أولًا. طلب الإِحْيَاء والنهضة من الإله القدير
أ ) الآيات (١-٢): توسُّل لأجل الإِحْيَاء والنهضة.
١صَلاَةٌ لِحَبَقُّوقَ النَّبِيِّ عَلَى الشَّجَوِيَّةِ: ٢يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ خَبَرَكَ فَجَزِعْتُ. يَا رَبُّ، عَمَلَكَ فِي وَسَطِ السِّنِينَ أَحْيِهِ. فِي وَسَطِ السِّنِينَ عَرِّفْ. فِي الْغَضَبِ اذْكُرِ الرَّحْمَةَ.
١. صَلاَةٌ لِحَبَقُّوقَ النَّبِيِّ: قدّم الإصحاحان الأولان من سفر حَبقّوق وقتًا من الأسئلة والأجوبة بين النبيّ والله. وبعدما أجاب الله حَبقّوق، خَتَم النبيّ السفر بصلاة.
٢. يَا رَبُّ، عَمَلَكَ فِي وَسَطِ السِّنِينَ أَحْيِهِ: صلّى حَبقّوق ببساطة من أجل نهضة وإِحْيَاءٍ. لقد عرف كيف عمل الله في الماضي، وكيف استجاب له شعبه، فاشتاق حَبقّوق أن يرى ذلك يحدث مرةً أخرى.
تُظهِر لنا صلاة حَبقّوق أن النهضة هي من صُنع الله، وليست إنجاز بشري. ولكن يوجد ما يجب على الإنسان أن يفعله من أجل حدوث نهضة وهو أن يصرخ إلى الله ويتضرّع إليه ليُحيي عمله.
لاحِظْ الصلاة: عَمَلَكَ… أَحْيِهِ. فكثيرًا ما تكون صلاتي في الواقع: «لتُحْيِ عَمَلي»، لكن ينبغي أن يكون لي قلبٌ وعقلٌ مكرَّسان لعمل الله الذي يتجاوز بكثير الجزء الذي أشارك فيه. “انفُض عنك كل مرارة تتعلّق بالذات أو بالتحزّب، والآن صلِّ قائلًا: ’يا رب، أَحْيِ عَمَلَكَ، وإن كان عملك يجري بقوة أوضح في غصن من الكنيسة أكثر من الآخر، فلتمنحه يا رب أعظم نهضة. باركنا جميعًا، لكن دع مقاصدك تتحقّق، ومجدك أنت يكون هو الظاهر، وسنرضى تمامًا، حتى إن كنّا منسيّين ومجهولين.‘” سبيرجن (Spurgeon)
وفي الوقت نفسه، لا بدّ أن تكون هذه صلاة شخصية أيضًا: «يا رب، أحيِني أنا». فكثيرًا ما نلوم الكنيسة على الخطية، أو الفساد، أو الكسل، أو التراخي في الصلاة، أو ضعف القوة الروحية، أو غير ذلك، وننسى أننا نحن الكنيسة. صلِّ من أجل نهضة شخصية، وافحص نفسك بجدّية:
اِفْحَص سُلُوكَك – هل سلوكك يمجّد الرب كما ينبغي؟ ماذا عن سلوكك في الخفاء، الذي لا يراه أحد سوى الله؟
اِفْحَص كَلَامَك – هل يخرج من فمك كلام بذيء أو غير طاهر؟ هل تتحدث عن يسوع مع الآخرين؟
اِفْحَص شَرِكَتَك مع الله – هل تحيا حياة نامية وثابتة في المسيح؟
٣. فِي وَسَطِ السِّنِينَ عَرِّفْ: كان حَبقّوق يتوق أن يصنع الله عملاً يَظهر للجميع بوضوح أنه عمل من الله. وصلّى أن يُعرَف ذلك الإِحْيَاءِ في زمان ومكان محدّدَين (فِي وَسَطِ السِّنِينَ)، فلا يبقى مجرّد فكرة في ذهن أحدهم.
٤. فِي الْغَضَبِ اذْكُرِ الرَّحْمَةَ: صلّى حَبقّوق وهو يَعْلَمُ تمامًا أنهم لا يستحقّون أن يُحيي الربّ عمله في وسطهم، لذلك توجّه إليه طالبًا الرَّحْمَةَ. وكأنه يقول: “يا رب، أعلم أننا نستحقّ الْغَضَب، لكن فِي الْغَضَبِ اذْكُرِ الرَّحْمَةَ، وأحيِ عملك في وسطنا.”
“بحُزنٍ أقول، وليس بهدف الشكاية على الإخوة، يبدو لي أنه بالنظر إلى المسؤوليات التي أُوكلت إلينا، والوسائل التي أعطانا الله إيّاها، فإن الكنيسة عمومًا (مع وجود استثناءات مباركة) قد قدّمت القليل جدًا للمسيح، حتى إنّه لو كُتب على جبينها كلمة «إِيخَابُود» (أي: زَالَ الْمَجْدُ)، وطُرِدت من بيت الله، لكان ذلك عن استحقاق. لذلك لا يمكننا أن نطلب على أساس الاستحقاق، بل على أساس الرحمة.” سبيرجن (Spurgeon)
“ارحم، يا رب، كنيستك المسكينة، وتفقَّدها، وأحيِها من جديد. لم يبقَ فيها من قوة سوى القليل؛ وقد اجتهدت أن تحفظ كلمتك؛ فأنعشها بروحك، وردّ إليها قوتك، وامنحها أن تكون عظيمة من جديد في هذه الأرض.” سبيرجن (Spurgeon)
ب) الآيات (٣-١٥): قوة الله لأجل شعبه.
٣اَللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلاَهْ. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ. ٤وَكَانَ لَمَعَانٌ كَالنُّورِ. لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ، وَهُنَاكَ اسْتِتَارُ قُدْرَتِهِ. ٥قُدَّامَهُ ذَهَبَ الْوَبَأُ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْحُمَّى. ٦وَقَفَ وَقَاسَ الأَرْضَ. نَظَرَ فَرَجَفَ الأُمَمُ وَدُكَّتِ الْجِبَالُ الدَّهْرِيَّةُ وَخَسَفَتْ آكَامُ الْقِدَمِ. مَسَالِكُ الأَزَلِ لَهُ. ٧رَأَيْتُ خِيَامَ كُوشَانَ تَحْتَ بَلِيَّةٍ. رَجَفَتْ شُقَقُ أَرْضِ مِدْيَانَ. ٨هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ حَمِيَ يَا رَبُّ؟ هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ غَضَبُكَ؟ أَوْ عَلَى الْبَحْرِ سَخَطُكَ حَتَّى إِنَّكَ رَكِبْتَ خَيْلَكَ، مَرْكَبَاتِكَ مَرْكَبَاتِ الْخَلاَصِ؟ ٩عُرِّيَتْ قَوْسُكَ تَعْرِيَةً. سُبَاعِيَّاتُ سِهَامٍ كَلِمَتُكَ. سِلاَهْ. شَقَّقْتَ الأَرْضَ أَنْهَارًا. ١٠أَبْصَرَتْكَ فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ. سَيْلُ الْمِيَاهِ طَمَا. أَعْطَتِ اللُّجَّةُ صَوْتَهَا. رَفَعَتْ يَدَيْهَا إِلَى الْعَلاَءِ. ١١اَلشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَقَفَا فِي بُرُوجِهِمَا لِنُورِ سِهَامِكَ الطَّائِرَةِ، لِلَمَعَانِ بَرْقِ مَجْدِكَ. ١٢بِغَضَبٍ خَطَرْتَ فِي الأَرْضِ، بِسَخَطٍ دُسْتَ الأُمَمَ. ١٣خَرَجْتَ لِخَلاَصِ شَعْبِكَ، لِخَلاَصِ مَسِيحِكَ. سَحَقْتَ رَأْسَ بَيْتِ الشِّرِّيرِ مُعَرِّيًا الأَسَاسَ حَتَّى الْعُنُقِ. سِلاَهْ. ١٤ثَقَبْتَ بِسِهَامِهِ رَأْسَ قَبَائِلِهِ. عَصَفُوا لِتَشْتِيتِي. ابْتِهَاجُهُمْ كَمَا لأَكْلِ الْمِسْكِينِ فِي الْخُفْيَةِ. ١٥سَلَكْتَ الْبَحْرَ بِخَيْلِكَ، كُوَمَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ.
١. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ: فيما كان حَبقّوق يصلّي من أجل الإِحْيَاءِ الروحي، بدأ يُسبّح الإله الذي يُحيي ويُنهض شعبه. ففي هذه الترنيمة المملوءة بالتسبيح (التي تخلّلتها عدة تعابير من ’سِلاَهْ‘ كما في المزامير)، مجّد حَبقّوق الله من أجل قدرته وعظمته.
من الجيد أن نسبّح الله بهذه الطريقة. ويحتاج شعب الله أن يُكثِر من ذلك. فَتَسبيحُ الله أمرٌ صالح:
لأنّه يُقدِّم لله الإكرام والمجد اللائقين به.
لأنّه يُعلِن أعمال الله المُحدّدة.
لأنّه يُعلّمنا ويُذكّرنا بمن هو الله، وماذا قد صنع.
لأنّه يضع الإنسان في موضعه الصحيح تحت سلطان الله.
لأنّه يبني الثقة في قدرة الله وأعماله.
٢. خَرَجْتَ لِخَلاَصِ شَعْبِكَ، لِخَلاَصِ مَسِيحِكَ: حين تذكّر حَبقّوق كيف خلّص الله شعبه في الماضي، امتلأ إيمانًا بما يستطيع الله أن يفعله في الحاضر وفي المستقبل. كما أعلن أن الخلاص هو بواسطة مَسِيحِكَ – ومَسِيحُ الرَّبّ ليس إلا المسيّا، يسوع المسيح.
ثانيًا. انتصار إيمان النبيّ
أ ) الآيات (١٦-١٨): عالمًا بقوّة الله، استطاع حبقّوق أن يثق بالرب حتى في وسط الأزمة.
١٦سَمِعْتُ فَارْتَعَدَتْ أَحْشَائِي. مِنَ الصَّوْتِ رَجَفَتْ شَفَتَايَ. دَخَلَ النَّخْرُ فِي عِظَامِي، وَارْتَعَدْتُ فِي مَكَانِي لأَسْتَرِيحَ فِي يَوْمِ الضِّيقِ، عِنْدَ صُعُودِ الشَّعْبِ الَّذِي يَزْحَمُنَا. ١٧فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، ١٨فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي.
١. سَمِعْتُ فَارْتَعَدَتْ أَحْشَائِي: أظهر حَبقّوق الاستجابة الصحيحة لشخصٍ خاضع لسيادة الله المُطلقة. فقد أدرك ضعفه ومكانته المتواضعة أمام هذا الإله المملوء جلالًا وقدرة.
٢. الشَّعْبِ الَّذِي يَزْحَمُنَا: تذكّر النبيّ أن البابليّين قادمون، وأن هذا الإله، ربّ العزّة والسُّلطَان، هو من سيوجّه عملهم ضد يهوذا.
٣. فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ… فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ، وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلاَصِي: فيما كان أشبهَ برُؤيا، رأى حَبقّوق أرض يهوذا خرابًا، إمّا بسبب اجتياح البابليّين، أو نتيجة كارثة طبيعيّة. وفي وسط هذا الفقدان شبه الكامل، استطاع حَبقّوق أن يَبْتَهِج بِالرَّبِّ.
كان يعلم أن هذا الإله المملوء جلالًا وقدرة لا يتضاءل شأنه بسبب أن الإنسان يواجه تجارب صعبة. فنحن أحيانًا نفكّر قائلين: “إن كان الله عظيمًا وقادرًا، فلماذا أمُرّ بهذا الظرف الصعب؟” لكن حَبقّوق أدرك أن هذا السؤال، وهذه النظرة، كلاهما خاطئ. وبدلًا من ذلك، قال: “أنا أعلم أنك قويّ وقدير، وإن كنّا نعيش في ظروف بائسة، فذلك لأننا نستحقّ ذلك. ومع ذلك، سأسبّحك وأبتهج بك.”
أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ… وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلاَصِي: في ظلّ الظروف البائسة التي وصفها للتو، لم يستطع حَبقّوق أن يَفرح لا بالتِّينِ، ولا بالْكُرُومِ، ولا بالْحَقْلِ، ولا بالْغَنَمِ؛ غير أنّ الله لم يتغيّر. ولهذا، كان لا يزال بإمكان حبقّوق أَنْ يَبْتَهِجَ بِالرَّبِّ، لأنه ثابت لا يتغيّر.
لم يكن حَبقّوق يمارس التفكير الإيجابي، متجاهلًا شجر التين الذي لاَ يُزهِر، والحظائر الخالية من الغنم، بل رأى تلك المشكلات كما هي، وتذكّر أن الله أعظم من جميعها.
بنيامين فرانكلين – الذي لم يكن مؤمنًا، رغم احترامه الشديد للكتاب المقدّس – استخدم حَبقّوق ٣: ١٧-١٩ ليُحيّر مجموعة من المثقّفين المتحضّرين الذين كانوا يزدَروْن الكتاب المقدّس. فبينما كان في باريس، سمع تلك المجموعة تستهزئ بالكتاب المقدس، بل وبفرانكلين نفسه لإعجابه به. وفي إحدى الأمسيات، انضمّ إليهم قائلًا إنّ في حوزته مخطوطة تحوي قصيدة قديمة أُعجِب بها كثيرًا، وأراد أن يقرأها عليهم. فقرأ لهم حَبقّوق ٣:١٧-١٩، فاستقبلها السامعون بالإعجاب والتقدير قائلين: ’يا لها من قصيدة رائعة!‘ وأرادوا معرفة أين يمكنهم الحصول على نسخ منها، فنصحهم فرانكلين بالبحث عنها في الإصحاح الثالث من سفر حَبقّوق.” بويز (Boice)
ب) الآية (١٩): عالمًا بقوّة الله، استطاع حبقّوق أن يثق بالرب لينال القوّة.
١٩اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي.
١. الرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي: لم يستطع حَبقّوق أن يعلن هذا إلا بعد أن صلّى صلاة الإيمان في الآيات السابقة. وقد أعلن بحق أن قوّته لم تكن في التِّينِ، أو الْكُرُومِ، أو الْحَقْلِ، أو الْغَنَمِ، بل في الرَّبِّ السَّيِّدِ وحده.
يمكننا القول إن ما نُمجّده هو قوّتنا. فإن عاش الإنسان ليُمجد إنجازاته وإمكاناته بكلامه أو حياته أو قلبه، فهذه هي قوّته. وإن كان يُمجّد شخصًا ما أو فكرة ما، سواء بكلامه أو حياته أو قلبه، فتلك هي قوّته. أمّا حين نُمجّد الرَّبَّ السَّيِّد، فإننا بذلك نظهر أنه هو قُوَّتنا.
٢. وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ: تأمّل حَبقّوق في الأَيَائِلِ التي تعدو فوق الْمُرْتَفَعَات بخفّة، دون أن تتعثّر أو تسقط. بل إنها تَثِب وتَرْقُص بفرح، مفعمة بالحياة. ومن هذا المنطلق، أعلن النبي قائلًا: “سيثبّت الله خطواتي ويملأها بالحياة. وإذ أتّكل عليه، لن يدعني أزل أو أسقط، ولن أكتفي بالسير ببطء وثقل، بل سأقفز بكل حيوية وبهجة.”
