سِفر ملاخي – الإصحاح ٢
كَهَنَة غَير أُمَنَاء وزيجَات مُحَطَّمَة
أولًا. الله يَكشِف ويَدين كَهنُوت إسرائيل الفاسد
أ ) الآيات (١-٤): الله يتوعّد بتوبيخ شديد لِلْكَهنُوت الشّرير.
١وَالآنَ إِلَيْكُمْ هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الْكَهَنَةُ: ٢إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَجْعَلُونَ فِي الْقَلْبِ لِتُعْطُوا مَجْدًا لاسْمِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. فَإِنِّي أُرْسِلُ عَلَيْكُمُ اللَّعْنَ، وَأَلْعَنُ بَرَكَاتِكُمْ، بَلْ قَدْ لَعَنْتُهَا، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ جَاعِلِينَ فِي الْقَلْبِ. ٣هأَنَذَا أَنْتَهِرُ لَكُمُ الزَّرْعَ، وَأَمُدُّ الْفَرْثَ عَلَى وُجُوهِكُمْ، فَرْثَ أَعْيَادِكُمْ، فَتُنْزَعُونَ مَعَهُ. ٤فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ هذِهِ الْوَصِيَّةَ لِكَوْنِ عَهْدِي مَعَ لاَوِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.
١. إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَسْمَعُونَ: إن لم يَسمع الكهنة ويَتوبوا، وعد الله أن يَلعن بَرَكاتِهم. وقد يكون هذا إشارة إمّا إلى العطايا أو البركات التي كان الشعب يقدِّمها للكهنة، أو إلى البَرَكَات الكهنوتيّة التي يمنحها الكهنة للشعب.
٢. وَلاَ تَجْعَلُونَ فِي الْقَلْبِ: لقد انبثقَت خطيّتُهم من تديُّنٍ شكليّ أجوف. فقد كانت ديانةً مبنيّة على مشاعر سطحيّة ومظاهر خارجيّة، لكن بَلَا قَلْبٍ.
٣. وَأَمُدُّ الْفَرْثَ عَلَى وُجُوهِكُمْ: كانت الفَضَلاتُ في أمعاء الذبائح الحيوانيّة لا تزال باقيةً فيها، وقد أوصى الله بأن تُحرَق خارج المحلّة (خروج ٢٩: ١٤). وهنا قال الله إنّه سيَمُدّ ذلك الفَرْث (أي الفَضَلات) على وُجوهِهم، فيُطرَدون هم أيضًا إلى خارج المحلّة.
٤. لِكَوْنِ عَهْدِي مَعَ لاَوِي: هذا يوضّح قصد الله من وراء تأديب هؤلاء الكهنة الأشرار. لقد أراد الرَّبّ أن يكون هذا بمثابة تحذيرٍ للكهنة لكي يَحترموا عَهْدَه كما ينبغي.
ب) الآيات (٥-٧): ما ينبغي أن يكون عليه الكاهن – مِثالُ لاَوِي.
٥كَانَ عَهْدِي مَعَهُ لِلْحَيَاةِ وَالسَّلاَمِ، وَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُمَا لِلتَّقْوَى. فَاتَّقَانِي، وَمِنِ اسْمِي ارْتَاعَ هُوَ. ٦شَرِيعَةُ الْحَقِّ كَانَتْ فِي فِيهِ، وَإِثْمٌ لَمْ يُوجَدْ فِي شَفَتَيْهِ. سَلَكَ مَعِي فِي السَّلاَمِ وَالاسْتِقَامَةِ، وَأَرْجَعَ كَثِيرِينَ عَنِ الإِثْمِ. ٧لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ، لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ.
١. كَانَ عَهْدِي مَعَهُ: وَعَدَ الله لاَوِي بأن نَسْلُه سيتوزّع في كل إسرائيل. وقد تحوَّل هذا إلى بَرَكة عظيمة حين عُيِّن سبط لاَوِي ليكون السِّبط الكهنوتي، فانتشر الكهنة ليَخدِموا في كل أنحاء إسرائيل.
٢. فَاتَّقَانِي: اِستَخدَم الله لاَوِي مِثالًا للكهنة في أيّام ملاخي. فقد كان لاَوِي مثالًا في:
• الوَقَار: فَاتَّقَانِي، وَمِنِ اسْمِي ارْتَاعَ هُوَ.
• مَعرِفَةِ كَلِمَةِ الله: شَرِيعَةُ الْحَقِّ كَانَتْ فِي فِيهِ.
• التَّقوى: سَلَكَ مَعِي فِي السَّلاَمِ وَالاسْتِقَامَةِ.
• حِفْظ كلمة الله ونَشْرُها: شَفَتَي خادِم الرَّب تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ.
٣. شَرِيعَةُ الْحَقِّ كَانَتْ فِي فَمِه: كان الكهنة مكلّفين بمسؤولية خاصّة أن يَدرُسوا كَلِمَةَ الله ويَنشُروها (٢ أخبار الأيّام ٣١: ٤، نحميا ٨: ٧-٩). وقد أُعطِيَت كلمة الله للكهنة لِلْحَيَاةِ وَالسَّلاَمِ، حتى يَسلكوا بالمهابة أمام الرَّبّ.
٤. لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً: ولأنّه كان على الكهنة أن يَدرُسوا كَلِمَةَ الله ويَنشُروها، كان ينبغي على الكاهن أن يفعل ذلك بمَعْرِفَةً، حتى مِنْ فَمِهِ يَطْلُبُ الشعب الشَّرِيعَةَ. وهكذا ينبغي للقادة أن يكونوا رُسُلًا متمكّنين في كَلِمَةِ الله.
ج) الآيات (٨-٩): المفارقة بين المثال والواقع.
٨أَمَّا أَنْتُمْ فَحِدْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ وَأَعْثَرْتُمْ كَثِيرِينَ بِالشَّرِيعَةِ. أَفْسَدْتُمْ عَهْدَ لاَوِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. ٩فَأَنَا أَيْضًا صَيَّرْتُكُمْ مُحْتَقَرِينَ وَدَنِيئِينَ عِنْدَ كُلِّ الشَّعْبِ، كَمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَحْفَظُوا طُرُقِي بَلْ حَابَيْتُمْ فِي الشَّرِيعَةِ».
١. أَمَّا أَنْتُمْ فَحِدْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ: كان على الكهنة أن يَحفَظوا كَلِمَةَ الله بِمَعرِفَةٍ ومَهابةٍ وطاعةٍ. لكنّهم حَادُوا عَنِ الطَّرِيقِ، ولِذلك أَعْثَرْوا كَثِيرِينَ بِالشَّرِيعَةِ.
٢. فَأَنَا أَيْضًا صَيَّرْتُكُمْ مُحْتَقَرِينَ وَدَنِيئِينَ عِنْدَ كُلِّ الشَّعْبِ: لأن الكهنة في أيّام ملاخي ابتعدوا عن قصد الله لهم، ازدَرَى الشعبُ بهم.
ثانيًا. الله يكشف ويَدين خيانتهم، ولا سيّما في زيجاتهم
أ ) الآية (١٠): الله يوبخ كهنة إسرائيل على خيانتهم.
١٠أَلَيْسَ أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟ أَلَيْسَ إِلهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟ فَلِمَ نَغْدُرُ الرَّجُلُ بِأَخِيهِ لِتَدْنِيسِ عَهْدِ آبَائِنَا؟
١. أَلَيْسَ أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟ إن هذه الكلمات لا تُعلِّم فِكرَة أبوّة لله العالمية، أي العقيدة التي تزعم أن جميع الناس على علاقة صحيحة بالله بشكل تلقائي، أو أنّ الله هو أبٌ للجميع بالطريقة نفسها. بل تُؤكِّد ببساطة أنه بما أننا جميعًا مخلوقون على صورة الله، فعلينا أن نحترم بعضنا بعضًا ونتعامل بكرامة.
• بالإضافة إلى ذلك، قد يشير النص إلى أن لهم أبًا مشتركًا من جهة النَّسَب، وهو أبراهيم.
٢. فَلِمَ نَغْدُرُ الرَّجُلُ بِأَخِيهِ: سوف يطبّق ملاخي هذا بصورة خاصة على الزواج، غير أنّ خطيّة الخيانة لم تقتصر على عدم أمانتهم في الزواج.
• “إنَّ كُل أشكال الخيانة، من أبسط أشكال سُوءِ المُعاملة إلى أفدح صُورِ الظُّلم، تستحق رَفْضَ الله.” آلدِن (Alden)
ب) الآيات (١١-١٢): خطيّة الكهنة الأولى: الزواج من نِسَاءِ أجنبيّاتٍ.
١١غَدَرَ يَهُوذَا، وَعُمِلَ الرِّجْسُ فِي إِسْرَائِيلَ وَفِي أُورُشَلِيمَ. لأَنَّ يَهُوذَا قَدْ نَجَّسَ قُدْسَ الرَّبِّ الَّذِي أَحَبَّهُ، وَتَزَوَّجَ بِنْتَ إِلهٍ غَرِيبٍ. ١٢يَقْطَعُ الرَّبُّ الرَّجُلَ الَّذِي يَفْعَلُ هذَا، السَّاهِرَ وَالْمُجِيبَ مِنْ خِيَامِ يَعْقُوبَ، وَمَنْ يُقَرِّبُ تَقْدِمَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ.
١. قُدْسَ الرَّبِّ الَّذِي أَحَبَّهُ: هذا يُظهِر لنا بدقة نظرة الله إلى الزواج. فالزواج قُدْسٌ للرَّبِّ، وهو نِظَام أسّسه وأَحَبَّهُ.
• عندما نُخطئ بكسر عهود الزواج أو بالاستهانة بالزواج كعطيّة من الله، فإننا نُخطئ ضد ما هو مُقدَّس عند الله. فقد خصَّ اللهُ الزواجَ ليكون ذا معنى مميَّز وغاية خاصة في حياة شعبه.
• عندما نُخطئ بكسر عهود الزواج أو بالاستهانة بالزواج كعطيّة من الله، فإننا نُخطئ ضد نِظَام قد أسّسه الله نفسه. فالزواج فكرة إلهية لا بشرية؛ إذ أن الله هو الذي شكّل وأقام أوّل زواج ليكون نموذجًا لكل ما يليه (تكوين ٢: ٢٠-٢٥). وبما أنّه نظام إلهي، فلا يحقّ لنا أن نُعرّف الزواج كما يحلو لنا، لأن الله هو الذي أسس الزواج، وعلينا أن نخضع لما قد أسّسه.
• عندما نُخطئ بكسر عهود الزواج أو بالاستهانة بالزواج كعطيّة من الله، فإننا نُخطئ ضد شيء أَحَبَّهُ الله.
الله يُحَبّ الزواج لأنه يُظهر طبيعة علاقته بنا.
الله يُحَبّ الزواج لما يَجلبه من خير للمجتمع.
الله يُحَبّ الزواج لأنه يُلبّي احتياجات الرجال والنساء والأطفال.
الله يُحَبّ الزواج كأداة لتشكيل شعبه ليصبحوا مشابهين لصورة ابنه.
٢. وَتَزَوَّجَ بِنْتَ إِلهٍ غَرِيبٍ: كانت أوّلُ خيانةٍ ورِجْسٍ أدانهما الله هي الزواجُ المختلطُ بين شعبه وجيرانهم الأشرار. ولقد سُجِّلت مخاطرُ الزواجِ المختلطِ غيرِ المُقَدَّسِ بوضوحٍ في العهدين القديم والجديد.
• تزوّج رجالُ إسرائيل من نساءِ موآبِ، فجلبوا لعنة الله على الشعب (سِفر العدد ٢٥).
• تزوّج سليمان نساءً أجنبياتٍ فَصَرَفْنَ قلبه عن الله (١ ملوك ١١: ١-١٠).
• تزوّج أخآب من إيزابل – وهي امرأة أجنبية منغمسة في عبادة الأوثان – فقادت إسرائيل إلى أعماق جديدة من الفساد (١ ملوك ١٦: ٢٩-٣٣).
• قال بولس إنّه لا ينبغي للمؤمنين أن يرتبطوا بغير المؤمنين (٢ كورنثوس ٦: ١١-١٨).
٣. يَقْطَعُ الرَّبُّ الرَّجُلَ الَّذِي يَفْعَلُ هذَا، السَّاهِرَ وَالْمُجِيبَ مِنْ خِيَامِ يَعْقُوبَ، وَمَنْ يُقَرِّبُ تَقْدِمَةً: وعد الله بمعاقبة الكهنة الذين تزوجوا من نساء أجنبيات وثنيّات وظنوا أن ذلك لن يؤثر على خدمتهم للرب.
• ’السَّاهِرَ وَالْمُجِيبَ‘ عبارة يصعُب ترجمتُها. وقد استخدمت ترجمات أخرى عبارات مثل ’السيد والتلميذ،‘ ’المغرر والمُغوَي،‘ ’الشَاهِد والمُحامٍ،‘ ’القريب والبعيد،‘ أو حتى ’البَدوُ والمستوطنون.‘ “من الواضح أن العبارة العبرية ليست سوى طريقة أخرى لقول ’الجميع.‘” آلدِن (Alden)
• لم تكن لوصية الله ضدَّ الزواج المختلط في إسرائيل أيُّ علاقةٍ بالعِرق، بل بالإيمان. ففي سلسلة أنساب يسوع زوجةٌ أجنبية – راعوث الموآبية – التي تزوّجت رجلًا يهوديًّا اسمه بوعز، لكنها تركت آلهة موآب لأجلِ الرب. (راعوث ١: ١٦)
ج) الآيات (١٣-١٦): خطيّة الكهنة الثانية: تقليل شأن الزواج.
١٣وَقَدْ فَعَلْتُمْ هذَا ثَانِيَةً مُغَطِّينَ مَذْبَحَ الرَّبِّ بِالدُّمُوعِ، بِالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ، فَلاَ تُرَاعَى التَّقْدِمَةُ بَعْدُ، وَلاَ يُقْبَلُ الْمُرْضِي مِنْ يَدِكُمْ. ١٤فَقُلْتُمْ: «لِمَاذَا؟» مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الشَّاهِدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَةِ شَبَابِكَ الَّتِي أَنْتَ غَدَرْتَ بِهَا، وَهِيَ قَرِينَتُكَ وَامْرَأَةُ عَهْدِكَ. ١٥أَفَلَمْ يَفْعَلْ وَاحِدٌ وَلَهُ بَقِيَّةُ الرُّوحِ؟ وَلِمَاذَا الْوَاحِدُ؟ طَالِبًا زَرْعَ اللهِ. فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ وَلاَ يَغْدُرْ أَحَدٌ بِامْرَأَةِ شَبَابِهِ. ١٦«لأَنَّهُ يَكْرَهُ الطَّلاَقَ، قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، وَأَنْ يُغَطِّيَ أَحَدٌ الظُّلْمَ بِثَوْبِهِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ لِئَلاَّ تَغْدُرُوا».
١. مُغَطِّينَ مَذْبَحَ الرَّبِّ بِالدُّمُوعِ… فَلاَ تُرَاعَى التَّقْدِمَةُ بَعْدُ: جاءت زوجاتُ الكهنة المُهْمَلاتُ والمُطَلَّقاتُ يَبْكِينَ عند مذبح الله. وحين كان أزواجُهُنَّ الكهنة يُقَدِّمون الذبائحَ لله على المذبح نفسه، كان ذلك يُسيء إلى الله.
• “إنهم يُغَطُّون مذبحَ يَهْوَه الرب بالدموع، وذلك بإجبار الزوجاتِ المُطَلَّقات على عرضِ مَشاكِلِهِنَّ أمام الله في المَقْدِس.” كيل (Keil)
• إنه لأمرٌ مخزٍ أن يتسبّب رَاعٍ أو واعظٌ، بمعاملته القاسية أو المهملة أو غير المُحبّة لزوجته، في أن تصرخ أمام الله. “لقد جعلتم زوجاتكم المسكينات، اللواتي كان ينبغي أن يَكُنَّ فرحاتٍ في خدمة الله… يغطّين مذبح الرب بالدموع والبكاء والصراخ.” تراب (Trapp)
٢. مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الشَّاهِدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَةِ شَبَابِكَ الَّتِي أَنْتَ غَدَرْتَ بِهَا: أخطأ الكهنة إذ تركوا زوجاتهم اللواتي اقترنوا بهن في شبابهم، بكسر غاية الزواج (هِيَ قَرِينَتُكَ) وبكسر رباط الزواج (امْرَأَةُ عَهْدِكَ).
• “كانوا يحتفظون بزوجاتهم حتى يتجاوزن سنَّ الشباب، ثم يطلّقونهن ليأخذوا شابّاتٍ مكانهن.” كلارك (Clarke)
٣. أَفَلَمْ يَفْعَلْ وَاحِدٌ: يُشير الكتاب المقدس باستمرارٍ إلى هدفِ الله وخطِّته للزواج، كما هو مُعلن في سفر التكوين ٢: ١٨-٢٥. ومن أُسُسِ هذه الخطة أن تكون هناك وحدةٌ حقيقية بين الزوج والزوجة. وأحدُ الأسبابِ الجوهرية لهذه الوحدة هو تهيئةُ بيئةٍ صالحةٍ لتربيةِ ذريةٍ تقية (زَرْعَ اللهِ).
٤. لأَنَّهُ يَكْرَهُ الطَّلاَقَ: لا شكَّ أن الله يَكْرَهُ الطَّلاَقَ، لأنه يُدمِّر ما يُحبّه – فالزواج هو نظامٌ الرب المقدَّسٌ الذي يحبّه (ملاخي ٢: ١١). ويمكننا أن نقول على وجه التحديد إن الله يَكْرَهُ الطَّلاَقَ لِثَلاثَةِ أَسْبابٍ على الأقل:
• الله يَكْرَهُ الطَّلَاقَ لأنَّه يَنقُضُ عَهْدًا مُقَدَّسًا.
• الله يَكْرَهُ الطَّلَاقَ لأنَّه ضارٌّ ومُؤذٍ.
• الله يَكْرَهُ الطَّلَاقَ لأنَّه يُجَسِّدُ الارتدادَ والهلاك.
لا شكَّ أن اللهَ يسمحُ بالطّلاقِ في ظروف معيَّنة، لكنّه لم يوصِ بالطلاق قط. فقلبُ الله دائمًا يَنْحازُ إلى التوبة والمغفرة والمصالحة في إطار الزواج. لقد أخطأنا نحن ضد الله بما هو أعظمَ بكثيرٍ ممّا قد يَرتكِبُه شريكُ الزواج في حقِّنا، ومع ذلك لم يُطَلِّقْنا الله – مع أنَّ له كُلَّ الحقِّ في ذلك.
ولكن، بسبب طبيعتِنا الساقطة وقساوةِ قلوبِنا، يمنحُ الله إذنًا بالطلاق في حالتين: الزِّنى يُعَدّ سببًا مشروعًا (متى ١٩: ١-٩)، وكذلك مفارقة الزوج غيرِ المؤمن (١ كورنثوس ٧: ١٠-١٦).
من المهم أن نُدرك أن البؤس أو التعاسة أو الفقر أو عدم التوافق لا تُعَدّ أبدًا أسبابًا للطلاق. أمّا في حال وجُود خطرٍ أو إساءةِ معاملة، فالانفصال يكون جائزًا غالبًا بحسب ما ورد في ١ كورنثوس ٧: ١٠-١١، مع بقاء الزوجين المنفصلين أمناء لعهودِ زواجهما، حتى وإن عاشا منفصلين.
إن لم يكُن لأحدٍ أسبابٌ كتابية للطلاق، فالله يعتبره ما زال متزوّجًا، وأيُّ علاقةٍ لاحقة تُعَدّ زنى (متى ١٩: ٨-٩). فالأمر ليس مجرد أنه لا ينبغي الطّلاق لأسباب غير كتابيّة، بل إنّ الطّلاق لمثل هذه الأسباب غير جائز أصلًا. ومع ذلك، إذا وَقَعَ الطّلاق لوجود أسبابٍ كتابيةٍ صحيحةٍ، يكون الشخص حينئذٍ حُرًّا في أن يتزوّج من جديد (١ كورنثوس ٧: ١٥).
٥. وَأَنْ يُغَطِّيَ أَحَدٌ الظُّلْمَ بِثَوْبِهِ: كان جزءٌ من مراسم الزواج في زمن الكتاب المقدَّس أن يُغطّي الزوجُ زوجتَه بثوبه، رمزًا للحماية التي يمنحها لها. أمّا الآن فقد صارت ثيابُهم مُغطّاةً بالظُّلم. فعندما تُترَك الزوجة أو تُساء معاملتُها، يكون الرجل قد غطّى ثَوْبَهُ بالظُّلْمِ، لأن الزوج والزوجة جسدٌ واحد، ولا يمكن للرجل أن يُسيء إلى زوجته دون أن يجلب على نفسه الشقاءَ والدمار.
• هذا بالضبط ما قصده بولس في أفسس ٥: ٢٨ “كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ.” فبكل بساطة، عندما تُحب زوجتك، فأنت تُحسِن إلى نفسك. وربما يكون أوضح أن نقولها بصيغة سلبية: عندما تُهمِل زوجتَك، فإنك تُهمِل نفسَك، وسيعود ذلك عليك بالضرر.
• كلّنا نعرف ما يعنيه إهمال شيء ما – كإهمال صوتٍ مزعج أو عطلٍ في السيارة – إذ إنّ ذلك يعود علينا بالضّرر. وينطبق هذا بدرجةٍ أكبر على الأزواج، لأن الزوجة، في الحقيقة، جزءٌ من الزوج نفسه، فعندما يهملها، فهو لا يضرّها وحدها، بل يضرّ نفسه أيضًا.
٦. فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ: تكرّرت هذه العبارة مرّتَين لما لها من أهميّة بالغة. فالسبب في غَدر الكهنة بزوجاتهم هو أنّهم لَم يَحْذَروا لأرْواحِهِمْ، بل سمحوا لقلوبهم أن تصير قاسية، ناقدة، ومُرَّة تجاه المرأة التي كان ينبغي أن يعتبروها رفيقةً خاصّة لهم، عطيّةً من الله لهم، في وحدة الزواج.
• من المهم أن نُدرك أنّ بإمكاننا أن نُغيّر مشاعرَنا تجاه شُركاءِ حياتنا. فإذا لم نشعر بالمحبّة أو الترابط أو الاهتمام نحوهم، فإن تلك المشاعر يمكن أن تتغيّر إن نحن احترزنا لأرواحنا.
د ) الآية (١٧): السؤال الرابع: أَينَ إِلَهُ العَدلِ وَسطَ عَالَمٍ مَلِيءٍ بِالظُّلمِ؟
١٧لَقَدْ أَتْعَبْتُمُ الرَّبَّ بِكَلاَمِكُمْ. وَقُلْتُمْ: «بِمَ أَتْعَبْنَاهُ؟» بِقَوْلِكُمْ: «كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ فَهُوَ صَالِحٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَهُوَ يُسَرُّ بِهِمْ». أَوْ: «أَيْنَ إِلهُ الْعَدْلِ؟».
١. كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ فَهُوَ صَالِحٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ: كان شعبُ الله في أيّام ملاخِي محبَطين ويائسين، إذ بدا أن الأشرار ينعمون بالرخاء ويحظَون بحياةٍ أفضل من الأتقياء. وهذا ملأ قلوبُهم بالشكّ وعدم الإيمان، وتذمّروا قائلين: كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ فَهُوَ صَالِحٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ.
٢. أَيْنَ إِلهُ الْعَدْلِ؟ حين قارنوا أنفسهم بالآخرين، ظنّوا أنّه ليسَ مِنَ الْعَدلِ أن يُبارِك الله الآخرين ولا يُبارِكهم هم. ومع ذلك، يُظهِر سؤالهم هذا أنّهم لم يفهموا ما الذي يُقدِّمه لهم إِلهُ الْعَدْلِ بحسب عدله.
٣. لَقَدْ أَتْعَبْتُمُ الرَّبَّ بِكَلاَمِكُمْ: هذا النوع من الكلام غير الواعي، الخالي من الإيمان، والصادر عن شعب الله يُتعب الرَّبَّ. إنَّه يُظهر مقدار مقاومة الشعب لحقِّ الله وعملِهِ.
• “يُهان ويستاء الله عندما يَتَّهِمُه الناسُ بالظُّلم.” بويز (Boice)
