سِفر ملاخي – الإصحاح ٣
مَلَاكُ العَهدِ
أولًا. مَجِيءُ المَلاَكَين
أ ) الآية (١): تَقْدِيم المَلاَكَين.
١«هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ، وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ»
١. هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي: هذا الْمَلاَكُ الذي تم التنبؤ به ليس سوى يوحنا المعمدان. تُظهر الآيات في كلٌّ من متى ١١: ١٠ ومرقس ١: ٢ ولوقا ٧: ٢٧ أن هذا الوعد قد تحقّق في يوحنا المعمدان.
• في نهاية ملاخي ٢، تذمّر شعب إسرائيل قائلين إنّ الله يبدو وكأنه يُكافئ الأشرار ولا يُجري عدله في الأرض. فيردّ الله على شكواهم بالقول: ’سأضع الأمور في نِصَابِهَا بمجيء المسيّا، وَقَبْلَهُ سيأتي مَلاَكِي.‘
٢. فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي: في المواكب الملكيّة القديمة، كان الرسول يسبق الملك ليُعلِنَ قدومه، ويُوضّح الطّريق، ويُزيل أيّ عائقٍ من أمامه. وقد حقّق يوحنا المعمدان هذه الخدمة عينها ليسوع. وترد الفكرة نفسها في إشعياء ٤٠: ٣-٥.
• قصد الله من إعلان هذه النبوّة بالذات على فم ملاخي في عصره كان على الأرجح لأنّ شعب إسرائيل تذمّر من أنّ الوعود المسيانيّة في حجّي وزكريّا لم تتحقّق. وهنا أوضح ملاخي أنّ الطريق للمسيّا يجب أن يُهَيَّأ أولًا، وأنّهم لم يكونوا مستعدّين بعد.
• أَمَامِي: لقد وَعَدَ الرَّبُّ أنّه هُو سيأتي بِنَفْسِهِ – لن يُرسِل مُجرّد نبيٍّ جديدٍ أو من هو أَعظَم، بل الرَّبُّ نَفْسُهُ سيأتي.
٣. وَمَلاَكُ الْعَهْدِ: هذا الملاك الثاني هو الرَّبُّ نفسه – أي يسوع الآتي إلى هَيْكَلِهِ ليُكمِّل العهدَ القديم ويُؤَسِّسَ عهدًا جديدًا.
ب) الآيات (٢-٥): هذا الملاك الثاني سيأتي أيضًا بِدَيْنُونَةٍ مُطهِّرة، وسيكون مجيئه مَخُوفًا.
٢وَمَنْ يَحْتَمِلُ يَوْمَ مَجِيئِهِ؟ وَمَنْ يَثْبُتُ عِنْدَ ظُهُورِهِ؟ لأَنَّهُ مِثْلُ نَارِ الْمُمَحِّصِ، وَمِثْلُ أَشْنَانِ الْقَصَّارِ. ٣فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لاَوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِيَكُونُوا مُقَرَّبِينَ لِلرَّبِّ، تَقْدِمَةً بِالْبِرِّ. ٤فَتَكُونُ تَقْدِمَةُ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ مَرْضِيَّةً لِلرَّبِّ كَمَا فِي أَيَّامِ الْقِدَمِ وَكَمَا فِي السِّنِينَ الْقَدِيمَةِ. ٥«وَأَقْتَرِبُ إِلَيْكُمْ لِلْحُكْمِ، وَأَكُونُ شَاهِدًا سَرِيعًا عَلَى السَّحَرَةِ وَعَلَى الْفَاسِقِينَ وَعَلَى الْحَالِفِينَ زُورًا وَعَلَى السَّالِبِينَ أُجْرَةَ الأَجِيرِ: الأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ، وَمَنْ يَصُدُّ الْغَرِيبَ وَلاَ يَخْشَانِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.
١. وَمَنْ يَحْتَمِلُ يَوْمَ مَجِيئِهِ؟: تكلَّم ملاخي ٣: ١ عن ملاكين سيأتيان – أحدهما ليُهَيِّئَ طريقَ الرَّبِّ، والآخر ليكونَ مَلاكَ العَهْدِ. أمّا الْمَجِيءُ الذي ينبغي للإنسان أَن يَحْتَمِلَهُ فهُو مجيءُ مَلاكِ العَهْدِ، لكنَّه مَجِيئُهُ الثَّانِي.
• “كأغلب أنبياء العهد القديم، خَلَطَ ملاخي، في صورته عن المسيح الآتي، بين المجيئَين الأول والثاني.” ألدِن (Alden)
٢. لأَنَّهُ مِثْلُ نَارِ الْمُمَحِّصِ، وَمِثْلُ أَشْنَانِ الْقَصَّارِ: إنّ مجيء هذا الملاك الثاني سيكون مهيبًا ومُرعبًا، لكنّ له غاية. فالمُمحِّص كما القَصَّار يعملان على التنقية والتطهير، لا على الإهلاك.
• فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ: “جَمَالُ هذه الصورة يكمن في أن المُمَحِّصَ يَنْظُرُ في البوتقة المفتوحة، أو الإناء، ويعرف أن عملية التنقية قد اكتملت وأن كُلَّ الشوائب قد احترقت، عندما يرى صورته منعكسة بوضوح في المعدن المنصهر.” بالدوين (Baldwin)
• “إن كان أحد منكم، أيها السامعون، يطلب الرب في هذا الوقت، فأريدكم أن تدركوا حقيقة الأمر: أنتم تطلبون نارًا ستمتحنكم، وستلتهم كثيرًا مما كان عزيزًا عليكم. فلا ينبغي أن نتوقّع أن المسيح سيأتي ليخلّصنا ونحن في خطايانا، بل سيأتي ليخلّصنا من خطايانا. لذلك، إن كنتم بالإيمان تقبلون المسيح مخلّصًا، فتذكّروا أنّكم تقبلوه أيضًا كمُنقّي ومطهِّر، لأنّه من الخطيّة يخلّصنا.” سبيرجن (Spurgeon)
• نُلاحِظ أنّه سيَجْلِسُ مُمَحِّصًا. “يا لها من تعزية أنّه لا يُسلِّم هذا العمل إلى أيدٍ أخرى غير يديه. فقد يوكل ملائكته أن ليحفظونا في وقت الخطر؛ لكنّه يُبقي عمل تطهيرنا تحت إشرافه الخاص.” مايَر (Meyer)
• في الوقت نفسه، لاحِظ أنّه سيَجْلِسُ مُمَحِّصًا. يُظهِر وَضعُ الجلوس أنّ المُمَحِّص قد يبدو غير مُبالٍ، لكنّه في الحقيقة ليس كذلك. فهو يعمل بعناية مع الفضّة، مُحرِقًا ونازعًا الزَّغَل الذي تُظهره النار على السطح. “اعتقد أنّي أرى في جلوس الممحِّص صبرًا راسخًا، وكأنّه يقول: ’هذا عمل قاسٍ، وسأجلس لأتمّمه، لأنّه يتطلب عناية ووقتًا ويقظة دائمة.‘” سبيرجن (Spurgeon)
• ”إن كنتِ الآن في النار، أيتها النّفسُ العزيزة، فتشجّعي – فهذا يُظهر على الأقل أنّك فِضَّةٌ، وقادرة على أداء خدمة أكثر قبولًا في هيكل الله المُقَدَّسِ.” ماير (Meyer)
٣. فَيُنَقِّي بَنِي لاَوِي: في الإصحاحَين الأوَّلَين من سفر ملاخي، تكلَّم الرب ضدَّ فساد الكهنوت. وهنا، قدم الله جوابه النهائي على ذلك الفساد – إذ سيُطهر المسيّا بَنِي لاَوِي.
• “هل تأمّلت يومًا في حقيقة أنّه حين يُتِمّم المسيح عملَ التَنْقِيَةِ فينا، لن تكون هناك حاجة إلى ذلك مرّةً أخرى؟ مبارَكٌ هو الله، فليس هناك نارٌ مُطَهِّرة. ولا داعي للخوف من عبور نيرانٍ مُنقِّيَةٍ في عالمٍ آخر.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. وَأَكُونُ شَاهِدًا سَرِيعًا عَلَى السَّحَرَةِ: إنّ قصد الله الأسمى هو أن يُطَهِّر المجتمع ويُغيِّر قلوب البشر. وعندما يعود يسوع في المجد ليملك على هذه الأرض، سيُعاقب الشرّ سَرِيعًا.
• السَّحَرَةِ: هذه الخطيّة ذُكرت أولًا لأن اليهود تعرّفوا على السحر والفنون السحرية الأخرى أثناء سَبيِهم في بابل.
ثانيًا. العودة إلى الله بدلًا مِن سَلْبِهِ
أ ) الآيات (٦-٧): في إعلانه عن رحمته، يطلب الله التوبة.
٦ لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ فَأَنْتُمْ يَا بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ تَفْنُوا. ٧ «مِنْ أَيَّامِ آبَائِكُمْ حِدْتُمْ عَنْ فَرَائِضِي وَلَمْ تَحْفَظُوهَا. ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. فَقُلْتُمْ: بِمَاذَا نَرْجعُ؟
١. لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ فَأَنْتُمْ يَا بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ تَفْنُوا: لو كان ممكنًا أن يغيّر الله فكره من نحونا، لفعل ذلك ولَفَنينا. لكن نشكر الله أنه لاَ يَتَغَيَّر في محبته لنا ولا في اختياره لنا.
٢. مِنْ أَيَّامِ آبَائِكُمْ حِدْتُمْ عَنْ فَرَائِضِي: كان ينبغي أن تقودهم محبة الله الثابتة إلى طاعة أكبر وخضوع أعمق له، لكنهم استخفّوا بأمانته وطول أناته.
٣. ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ: كانت هذه دعوةً بسيطةً إلى التَّوبة. فالذين ساروا مع الله يومًا والتزموا بعَهده، يجب أن يَرْجِعوا إِلَيْهِ. وعندما يفعلون ذلك، سيجدون أنه سَيَرْجِعُ إِلَيْهِم بالبركة وبإعلان حضوره.
• إن التوبة، في أبسط معانيها، هي الابتعاد عن الخطيّة والرجوع إلى الله. فالتوبة ليست شرطًا إن أردنا الرجوع إلى الله، بل هي تصف فعل الرجوع نفسه.
٤. بِمَاذَا نَرْجعُ؟ لم يعرف بني إسرائيل كيف يرجعون إلى الله. فإمّا أنّهم اختاروا ألّا يعرفوا، أو أنهم كانوا ببساطة جُهَلاء.
ب) الآيات (٨-١٢): كم كان إسرائيل في حاجةٍ إلى التوبة.
٨أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ. ٩قَدْ لُعِنْتُمْ لَعْنًا وَإِيَّايَ أَنْتُمْ سَالِبُونَ، هذِهِ الأُمَّةُ كُلُّهَا. ١٠هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ، وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ. ١١وَأَنْتَهِرُ مِنْ أَجْلِكُمْ الآكِلَ فَلاَ يُفْسِدُ لَكُمْ ثَمَرَ الأَرْضِ، وَلاَ يُعْقَرُ لَكُمُ الْكَرْمُ فِي الْحَقْلِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. ١٢وَيُطَوِّبُكُمْ كُلُّ الأُمَمِ، لأَنَّكُمْ تَكُونُونَ أَرْضَ مَسَرَّةٍ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.
١. أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟: قد يبدو غريبًا أن نتصوّر إنسانًا يمكن أن يَسْلُبَ الله. فما الذي يمكن أن يأخذه من الله؟ لكن الرب أوضح كيف يحدث ذلك – لقد سَلَبُوا الله حين حجبوا عنه الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَة.
• كان هذا تعبيرًا عن الدهشة: أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟
مدهشٌ لأنّه فعلٌ جريءٌ للغاية.
مدهشٌ لأنّه فعلٌ مخزٍ يفتقر إلى الامتنان.
مدهشٌ لأنّه فعلٌ غير عاقل مُدمّر للنفس.
مدهشٌ لأنّه سيُعاقَب عليه حتمًا.
• وصف الله ذلك بِالسَّلْبِ لأنهم امتلكوا بغير حقٍ ما يخُصّ الله. ولم يكن ذلك لأن الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَة وحدها تخصّ الله، بل في الواقع، كل ما نملك هو لله (مزمور ٢٤: ١). ومع ذلك، لا يطلب منا الله عادةً أن نقدّم كل ما يخصّه، بل يسمح لنا أن نحتفظ بجزء منه كوكلاء عنه. أمّا الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَة فمختلفة؛ فهي لم تُعطَ لنا لنُديرها، بل هي مخصَّصة لما يدعوه الرب: بَيْتِي، أي بَيْتِ الرب.
• إذا قدَّمنا العُشْر – أي ١٠% من دخلنا أو ممتلكاتنا – لله، فهذا لا يعني أنّ ٩٠% الباقية صارت لنا لنتصرّف بها كما نشاء. فكل شيء يخصّ الله، لكنّه يسمح لنا أن ندير مباشرةً الـ٩٠% الباقية كوكلاء له.
• شريعة موسى وضعت نظامًا مفصَّلًا للعطاء قائمًا على العُشْر (تثنية ١٤: ٢٢-٢٩ هو نص يشرح هذا النظام). وإذا امتنع أحد عن دفع العُشْر، كان عليه أن يدفع غرامة بنسبة ٢٠% (لاويين ٥: ١٤-١٦؛ ٢٢: ١٤؛ ٢٧: ٣١-٣٢). ومع ذلك، فإن ممارسة العشور ومبدؤها سبقا الشريعة بزمان طويل (تكوين ١٤: ١٨-٢٠).
٢. قَدْ لُعِنْتُمْ لَعْنًا وَإِيَّايَ أَنْتُمْ سَالِبُونَ: لأن الشعب لم يُعطِ كما أوصى الله، لم يباركهم ماديًا ولا روحيًا كما كان سيفعل لو أطاعوا. وقد أظهر بُخلهم أن قلوبهم كانت بعيدة عن الله، لأنه هو أعظم مُعْطٍ (يوحنا ٣: ١٦).
• كثيرون ممّن يواجهون مشاكل مالية يُخفقون في فعل الواجب الأهم: طاعة الله وتكريمه بمواردهم. فعندما نضع الله وملكوته في المقام الأوّل، فإنه يَعِد بأن يسدّد احتياجاتنا الأخرى (متى ٦: ٣٣).
٣. هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ: كان هذا هو الحلّ لمشكلاتهم – أن يفعلوا ما أوصاهم الله به، وأن يقدموا جَمِيعَ الْعُشُورِ إليه. لم تكن المشكلة أنهم لم يعطوا الله شيئًا، بل إنهم ببساطة لم يقدّموا له جَمِيعَ الْعُشُورِ. فلا ينبغي لهم أن يقصّروا في تقديم كل ما طلبه الله منهم.
• في العهد الجديد، هل نحن ملزَمون بوصيّة مماثلة بتقديم العُشور؟ لا يوصي العهد الجديد صراحةً بتقديم العُشور، لكنّه يتكلّم عنها بالتأكيد بصورة إيجابيّة إذا قُدِّمت بقلبٍ مستقيم (لوقا ١١: ٤٢).
• من المهم أيضًا أن نفهم أن العُشور ليس مبدأً يعتمد على شريعة موسى. توضح رسالة العبرانيين ٧: ٥-٩ أن تقديم العُشور كان يُمارَس ويُكرَّم من قبل الله قبل شريعة موسى بوقت طويل.
• ما يتكلّم عنه العهد الجديد بكل وضوحٍ هو مبدأ العطاء. توضّح رسالة كورنثوس الأولى ١٦: ١-٤ أنّ عطاءنا يجب أن يكون:
دوريًّا (يُقدَّم في أوقات منتظمة).
مُرتَّبًا (يُقرَّر مسبقًا قبل تقديم العطاء).
نسبيًّا (يُقدَّم بنسبة تتناسب مع بركاتنا).
سِرِّيًّا (لا يُقدَّم بقصد أن نُعرَف كمعطيّن أسخياء).
• وأيضًا، تُخبرنا رسالة كورنثوس الثانية ٩ أنّ العطاء يجب أن يكون:
سَخِيًّا (يُقدَّم أكثر لا أقل).
مُعطًى بحُرِّيّة (لا يُقدَّم بدافع الشعور بالذنب أو تحت التلاعب).
مَسْرُورًا (يُقدَّم بفرحٍ وابتهاجٍ في الله).
• بما أنّ العهد الجديد لا يُشدِّد على العُشور، قد لا يلتزم بعض المؤمنين به التزامًا صارمًا (مع أنّ بعض المؤمنين، وللأسف، يجادلون ضدّ العُشور بدافع المصلحة الشخصية). ومع ذلك، فبما أنّ العطاء يجب أن يكون متناسبًا مع دخلنا، فينبغي أن نقدِّم نسبةً ما، وتُعتبَر العشرة بالمئة مقياسًا جيّدًا. وبالنسبة لبعض الأشخاص، ينبغي أن يكون العُشر في الحقيقة بداية عطائهم لا نهايته.
• إذا كان سؤالنا: “ما هو أقل ما يمكنني أن أعطيه ومع ذلك أُرضي الله؟” فإن قلبنا ليس مستقيمًا أمام الله. ينبغي أن نتبنى موقف بعض المؤمنين الأوائل الذين قالوا في الأساس: “لسنا ملزمين بالعُشور – يمكننا أن نعطي أكثر!” فالعطاء وإدارة المال هما مسألتان روحيتان وليس مجرد مسألتين ماليتين (لوقا ١٦: ١١).
٤. لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ: كان الغرضُ من العُشور في الأساس هو إعالة الكهنة الذين يخدمون أمام الرّب. وعندما لم يقدّم الشعب عُشورَهم، لم يحصل الكهنة على ما يكفي من الإعالة، ولم يكن لهم من طَعَامٍ كافٍ في بَيْتِ الرَّب.
• كان العُشْرُ في إسرائيل يُستَخدم أيضًا لمساعدة الفقراء، وكان يُفرَز جزءٌ منه لهذا الغرض مرةً كلَّ ثلاثِ سنواتٍ (تثنية ١٤: ٢٨-٢٩). ومع ذلك، فإن الغايةَ الرئيسةَ من العُشْر كانت إعالةَ سبطِ لاوي والكهنة (تثنية ١٤: ٢٧).
• ينطبق المبدأ نفسه في العهد الجديد. فالبعض يزعمون أن الحصول على أجر مقابل الخدمة أمر مرفوض عند الله، لكن بولس أوضح أن الخدّام يستحقون دعم الذين يخدمونهم (١ تيموثاوس ٥: ١٨، ١ كورنثوس ٩: ٤-١٤)، بل إن دعمهم أحق حتى من دعم الفقراء (١ تيموثاوس ٥: ١٧). ومع ذلك، تنازل بولس بإرادته عن حقّه في هذا الدعم عندما رأى أن ذلك يصبّ في مصلحة الإنجيل (١ كورنثوس ٩: ١٢، ١٥).
٥. وَجَرِّبُونِي بِهذَا: من الصعب العثور على مقطع آخر مماثل في الكتاب المقدس حيث يأمر الرب شعبه أن يُجَرِّبُوهُ. وهنا، فيما يتعلّق بالعطاء وبركته له، قال لشعبه: جَرِّبُونِي بِهذَا. وكأن الله يقول: “انظروا إن كان بإمكانكم أن تعطوني وتصبحوا أفقر بسبب عطائكم. جرّبوا إن كان بإمكانكم أن تَفوقوني عطاءً.”
• “جاءت كلمات الله عن العُشور في سياق التعليم عن أمانته. فالعُشور كانت مجرد مثال يوضّح هذا التعليم.” بويز (Boice)
٦. أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ: هذا هو الرد الذي وعد به الله عندما يُقدم شعبه كما أوصاهم. فسوف يباركهم بالوفرة وبالحماية أيضًا (وَأَنْتَهِرُ مِنْ أَجْلِكُمْ الآكِلَ).
• الإشارة إلى كُوَى السَّمَاوَات تُذكِّرنا بالقصة المجيدة في ملوك الثاني الإصحاح ٧، حين وفَّر الله لشعبه طعامًا بطريقة غير متوقعة تمامًا. فالله لديه موارد لا نعرف عنها شيئًا، وغالبًا لا يفيد أن نحاول التنبؤ – أو القلق – بشأن الكيفية التي سيُوفِّر بها الله احتياجاتنا.
ثالثًا. أيُّ نفعٍ في خدمة الله؟
أ ) الآيات (١٣-١٥): شعب الله يطرح السؤال.
١٣«أَقْوَالُكُمُ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ، قَالَ الرَّبُّ. وَقُلْتُمْ: مَاذَا قُلْنَا عَلَيْكَ؟ ١٤قُلْتُمْ: عِبَادَةُ اللهِ بَاطِلَةٌ، وَمَا الْمَنْفَعَةُ مِنْ أَنَّنَا حَفِظْنَا شَعَائِرَهُ، وَأَنَّنَا سَلَكْنَا بِالْحُزْنِ قُدَّامَ رَبِّ الْجُنُودِ؟ ١٥وَالآنَ نَحْنُ مُطَوِّبُونَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَأَيْضًا فَاعِلُو الشَّرِّ يُبْنَوْنَ. بَلْ جَرَّبُوا اللهَ وَنَجَوْا».
١. أَقْوَالُكُمُ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ: تكلّم إسرائيل ضد الرّب بكلامٍ قاسٍ وخاطئ، ويبدو أنّهم حتى لم يُدرِكوا أنهم فعلوا ذلك.
٢. عِبَادَةُ اللهِ بَاطِلَةٌ: هذه كانت الكلمات القاسية التي تفوّه بها شعب الله ضدّه. فقد رأوا ازدهار الْمُسْتَكْبِرِينَ ونجاح فَاعِلِي الشَّرِّ، فظنّوا أنّ عِبَادَةَ اللهِ بَاطِلَةٌ ما دام الذين لا يخدمونه يعيشون في راحة.
• كان الالتزام بشَعَائِر الله يكلّفهم ثمنًا، وكان عليهم أن يتواضعوا ويسلكوا بِالْحُزْنِ قُدَّامَ رَبِّ الْجُنُودِ. غير أنّ شعب الله رأى أن هذه التكلفة لا تستحقّ المجازاة.
ب) الآيات (١٦-١٨): العزاء في معرفة أن الله يتذكر.
١٦حِينَئِذٍ كَلَّمَ مُتَّقُو الرَّبِّ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ، وَالرَّبُّ أَصْغَى وَسَمِعَ، وَكُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَةٍ لِلَّذِينَ اتَّقُوا الرَّبَّ وَلِلْمُفَكِّرِينَ فِي اسْمِهِ. ١٧«وَيَكُونُونَ لِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنَا صَانِعٌ خَاصَّةً، وَأُشْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى ابْنِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ. ١٨فَتَعُودُونَ وَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصِّدِّيقِ وَالشِّرِّيرِ، بَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَمَنْ لاَ يَعْبُدُهُ.
١. حِينَئِذٍ كَلَّمَ مُتَّقُو الرَّبِّ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ: شَعَرَ شعبُ الله بالإحباط من الإحساس بأن خدمة الله لا تستحقّ العناء، فاجتمعوا معًا وكلّم كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ، وشجّع بعضُهم بعضًا في الرّب.
• عندما يتحدّث شعب الله بعضهم مع بعض بهذه الطريقة، يُصغي الرّب من السّماء. فهو يُسرّ بأن يرى الشركة الحقيقية والمحبّة بين شعبه.
٢. وَكُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَةٍ لِلَّذِينَ اتَّقُوا الرَّبَّ وَلِلْمُفَكِّرِينَ فِي اسْمِهِ: عندما رأى الشعب الأشرار يُكافَأون والأبرار يتألّمون، ظنّوا أن الله قد نَسِيَ كلّ صلاحهم. لكن ملاخي يؤكّد هنا أنّ الله لا يَتَذَكَّر فقط، بل يَكْتُب ذلك أيضًا!
• إن فكرة أن لله سِفْرَ تَذْكَرَةٍ شائعة في الكتاب المقدس، وإنْ اختلفت صورها (خروج ٣٢: ٣٢-٣٣؛ مزمور ٦٩: ٢٨؛ ٨٧: ٦؛ دانيال ١٢: ١).
٣. وَيَكُونُونَ لِي… خَاصَّةً: في خضمّ الألم، وبينما كانوا مُثْقَلين بالشكوك والإحباط، لم يَشعُر شعب الله أنّهم خَاصَّةَ الله. لكن غياب هذا الشعور لا يُغيِّر الحقيقة، وكان عليهم أن يسمحوا لحقيقة الله أن تكون أعظم من مشاعرهم.
• كانت تلك فترة انحطاط روحيّ في تاريخ إسرائيل، إذ كان الكهنة والشعب غارقين في الفساد والفتور. ورغم ذلك، فالله دائمًا لديه خَاصَّةً. فحتى إن ارتدّ كل من حولك عن الرّب، يمكنك أن تكون واحدًا من خَاصَّتِهِ.
٤. فَتَعُودُونَ وَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصِّدِّيقِ وَالشِّرِّيرِ: سيأتي يوم تُحَلّ فيه هذه المعضلة، وفي النهاية سيكون التمييز بين الصِّدِّيقِ وَالشِّرِّيرِ واضحًا جليًّا.
