سِفر حجّي – الإصحاح ٢
مَجدُ الهَيكَل الثَّاني
أولًا. الكَلمِة الثّانية مِن الله: مَجْدُ الْهَيْكَل الجَدِيد
أ ) الآيات (١-٣): هل الهيكل الجديد لا يُقارَن بهيكل سليمان؟
١فِي الشَّهْرِ السَّابعِ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّي النَّبِيِّ قَائِلاً: ٢«كَلِّمْ زَرُبَّابِلَ بْنَ شَأَلْتِيئِيلَ وَالِي يَهُوذَا، وَيَهُوشَعَ بْنِ يَهُوصَادِقَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ وَبَقِيَّةِ الشَّعْبِ قَائِلاً: ٣مَنِ الْبَاقِي فِيكُمُ الَّذِي رَأَى هذَا الْبَيْتَ فِي مَجْدِهِ الأَوَّلِ؟ وَكَيْفَ تَنْظُرُونَهُ الآنَ؟ أَمَا هُوَ فِي أَعْيُنِكُمْ كَلاَ شَيْءٍ!
١. فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ: جاءت هذه الرسالة في شهر تشرين الأول/أكتوبر من عام ٥٢٠ ق.م. وكان ذلك وقت الأعيادٍ في إسرائيل، حيث كانوا يحتفلون بيوم الكفّارة وعِيدُ الْمَظَال.
٢. مَنِ الْبَاقِي فِيكُمُ الَّذِي رَأَى هذَا الْبَيْتَ فِي مَجْدِهِ الأَوَّلِ؟ تكلّم حجّي بعد نحو ستٍّ وستين سنة من تدمير الهيكل. ومن المؤكّد أن هناك بعض الشيوخ الذين كانوا قد رأوا هيكل سليمان في عظمته.
• يَصِفُ عزرا ٣: ١٢-١٣ مشاعر أولئك الذين رأوا الهيكل الأول، وذلك قبل ١٦ عامًا من نبوّة حجّي، عندما بدأ العمل أولًا في إعادة بناء الهيكل:
وَكَثِيرُونَ مِنَ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ وَرُؤُوسِ الآبَاءِ الشُّيُوخِ، الَّذِينَ رَأَوْا الْبَيْتَ الأَوَّلَ، بَكَوْا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ عِنْدَ تَأْسِيسِ هذَا الْبَيْتِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ. وَكَثِيرُونَ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْهُتَافِ بِفَرَحٍ. وَلَمْ يَكُنِ الشَّعْبُ يُمَيِّزُ هُتَافَ الْفَرَحِ مِنْ صَوْتِ بُكَاءِ الشَّعْبِ، لأَنَّ الشَّعْبَ كَانَ يَهْتِفُ هُتَافًا عَظِيمًا حَتَّى أَنَّ الصَّوْتَ سُمِعَ مِنْ بُعْدٍ. (عزرا ٣: ١٢-١٣)
• بكى الرجال المذكورون في عزرا ٣ لأنهم رأوا هذَا الْبَيْتَ فِي مَجْدِهِ الأَوَّلِ. فعندما بنى سليمان الهيكل الأول، لم يُوفّر في تكاليف البناء، بل استخدم أثمن المواد واستعان بأفضل المهارات حينها. لم يكن ممكنًا للهيكل الذي يُعاد بناؤه أن يُضاهي عظمة ذلك الهيكل الأول.
٣. أَمَا هُوَ فِي أَعْيُنِكُمْ كَلاَ شَيْءٍ! مثل هذه المقارنات بين ’الأيام الخوالي‘ والواقع الحاضر – أو بين عمل الله في أزمنة وأماكن مختلفة – نادرًا ما تكون مفيدة. لم ينفع الشعب في زمن حجّي أن يشغلوا أذهانهم بعظمة هيكل سليمان مقارنةً بما كانوا يبنونه بأيديهم.
• “قد تكون مواهبنا الوضيعة سببَ تجربة لنا؛ فنحن نشعر بضعفنا الشديد وضاءلتنا أمام عظمة الله وعظمة قضيته، فنصاب بالإحباط ونظن أن المحاولة ضربٌ من العبث. فالعدو يُقارن عملنا بعمل الآخرين وبأولئك الذين سبقونا، فنقول لأنفسنا: ’نحن لا نُنجز إلا القليل مقارنةً بغيرنا، فلنكفَّ إذًا. لا يمكننا أن نبني كما بنى سليمان، فلماذا نواصل البناء أصلًا؟‘ ومع ذلك، أيها الإخوة، إن في هذا كلّه وهمًا مضلِّلًا، إذ في الحقيقة لا شيء يرقى إلى مستوى الله. إن أعظم أعمال الآخرين، بل وحتى روائع سليمان المذهلة، لا ترتقي إلى مجده.” سبيرجن (Spurgeon)
• يقدم لنا أ. و. توزر (A.W. Tozer) هذه الصلاة فيما يتعلّق بميلنا إلى المقارنة والمنافسة: “يا إلهي الحبيب، إِنّني أَرفُضُ مُنْذُ الآن، أن أُنافِس أيًّا من خُدّامك. فإن كان لديهم رعايا أكثر من رعيّتي، حسنًا، فليكن. أنا أفرح بنجاحهم. لديهم مواهب أفضل، لا مشكلة في ذلك، فلا سلطان لهم على ذلك، ولا لي. أشكرك بكل تواضع على ما منحتَهم من مواهب متميّزة، وما منحتَني من مواهب بسيطة. أنا لا أطلب سوى أن أستخدم تلك المواهب المتواضعة التي منحتني إياها، لمجدك وحدك. لن أُقارن نفسي بأحد، ولن أسعى إلى تعزيز تقديري لذاتي بملاحظة مواضع تفوّقي على غيري في عملك المقدّس. إنني بهذا، أُعلن أني أتخلّى بالكامل عن كل استحقاق ذاتي. لستُ سوى عبدٍ لا نفع فيه. أنحني عند الصليب، معترفًا بأنني الأَصْغَرَ بين شعبك. وإن كنتُ مخطئًا في حكمي على نفسي، وكنتُ في الواقع أُقَلِّل من قَدْري، فلا أُريد أن أعلم بذلك. أعتزم أن أُصلّي لأجل الآخرين، وأن أفرح بتقدّمهم وكأنه تقدّمي أنا. في الحقيقة هو تقدّمي أنا أيضًا إن كان من تقدم أخي من عندك يا رب، لأن ما هو لك هو لي. وَاحِدٌ يَزرَع، وَآخَرُ يَسْقِي، لَكِنَّكَ أَنْتَ تُنْمِي.” أ. و. توزر (A.W. Tozer) – ثمن الإهمال (The Price of Neglect)
ب) الآيات (٤-٥): تابِعوا العمل بقوّة ويقين.
٤فَالآنَ تَشَدَّدْ يَا زَرُبَّابِلُ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَتَشَدَّدْ يَا يَهُوشَعُ بْنُ يَهُوصَادِقَ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ، وَتَشَدَّدُوا يَا جَمِيعَ شَعْبِ الأَرْضِ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَاعْمَلُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. ٥حَسَبَ الْكَلاَمِ الَّذِي عَاهَدْتُكُمْ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَرُوحِي قَائِمٌ فِي وَسَطِكُمْ. لاَ تَخَافُوا.
١. تَشَدَّدْ… تَشَدَّدْ… تَشَدَّدُوا… وَاعْمَلُوا… لاَ تَخَافُوا: أعطى الله قادة إسرائيل وشعبها ثلاث وصايا واضحة. وكانت كل واحدة منها ضرورية لإنجاز عمل الله. فالأمور العظيمة لا تتحقَّق بدون عمل.
• “ما كان مفقودًا هو عدم الرضا عن الواقع، والدافع الذي يُحرّك الإرادة نحو العمل. لقد خنق الاستسلام الإيمان.” بولدوين (Baldwin)
٢. فَإِنِّي مَعَكُمْ… حَسَبَ الْكَلاَمِ الَّذِي عَاهَدْتُكُمْ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ: إن الإله الذي صنع عظائم في الماضي كان هو نفسه حاضرًا في وسطهم اليوم حتى يتشجّعوا.
• “لا شكّ أن الخوف قد استولى على كثير من العائدين من أن يكون الله قد كتب إلى الأبد كلمة ’إِيخَابُود‘ (أي: قَدْ زَالَ الْمَجْدُ) على أورشليم.” ألدن (Alden)
٣. رُوحِي قَائِمٌ فِي وَسَطِكُمْ: كان هذا وعدًا رائعًا، وكان ينبغي أن يمنح شعب الله ثقة عظيمة. لكن في العهد الجديد لدينا وعدًا أعظم بكثير. ففي العهد القديم، كان الروح القدس حاضرًا وسط الشعب، أمّا في العهد الجديد، فهو يسكن داخل شعب الله.
ج) الآيات (٦-٩): لِماذا سيكون الهيكل الجديد أَعْظَم مجدًا من هيكل سليمان؟
٦لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هِيَ مَرَّةٌ، بَعْدَ قَلِيلٍ، فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَالْيَابِسَةَ، ٧وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ، فَأَمْلأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. ٨لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. ٩مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ».
١. هِيَ مَرَّةٌ… فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: هذا هو الجزء الوحيد الذي تم اقتباسه من سفر حجّي في العهد الجديد (عبرانيين ١٢: ٢٦). وهو يُعلِن نية الله على زَلْزَلَة النظام الحاضر في يوم دينونته الآتي.
٢. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ: يرى كثير من المفسّرين القُدامى أن هذه نبوّة عن مجيء المسيّا إلى هذا الهيكل الذي أُعيد بناؤه في أيّام حجّي وعزرا. وقد بدأ هذا الفهم مع معلّمي اليهود القُدامى واستمرّ بين المسيحيّين، وهو ينسجم تمامًا مع الوعد الإلهي: فَأَمْلَأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا.
• يشير بعض المفسّرين إلى أن كلمة مُشْتَهى يمكن أيضًا أن تُترجم ذخائر أو كُنُوز. ونحن نعلم أن الأُمم سيقدّمون تقدمات (ثرواتهم) للرَّبّ في المُلك الألفي (إشعياء ٦٠: ٥)، غير أن هذا لن يجلب كنوزًا إلى الهيكل الذي أُعيد بناؤه في أيّام عزرا وحجّي.
• إنّ ’مُشْتَهى كُلِّ الأُمَمِ‘ الحقيقي هو يسوع، حتى وإن كانت الأُمم نفسها لا تدرك ذلك. “هو وحده المُصلِح الحقيقي، والمُقوِّم لكل اعوجاج، وبهذا المعنى هو مُشْتَهى كُلِّ الأُمَمِ. آه، لو استطاع العالم أن يجمع كل مُشتهياته الصالحة، وأن يُكثّف في صرخة واحدة كلّ أمنياته الجامحة، ولو تمكّن كل محبّي البشر من اختصار نظرياتهم واستخلاص عصارة الحكمة الصافية منها، لانتهى الأمر إلى هذه الحقيقة الواحدة: نحن نحتاج إلى إله مُتجسِّد، وأنتم قد نِلتم الإله المُتجسِّد! آه أيتها الأُمم، غير أنّكم لا تُدركون ذلك! أنتم، في الظُّلمة، تتحسّسون طريقكم نحوه، ولا تعلمون أنّه موجود.” سبيرجن (Spurgeon)
• تُشَجِّعُنا معرفة أن يسوع هو ’مُشْتَهى كُلِّ الأُمَمِ‘ أيضًا على الكرازة. “أيّها الإخوة، أستطيع أن أُضيف أن المسيح هو بلا شك ’مُشْتَهى كُلِّ الأُمَمِ‘ من هذه الناحية: إنّنا نَشْتَهِيه لكلّ الأُمَم. آه، لو أنّ العالم كان يغمره حقُّ الإنجيل! متى سيأتي ذلك اليوم، متى يأتي اليوم الذي تعرفه فيه جميع الأُمم؟ فلنُصلِّ لأجل ذلك، ولنَعمل لأجل ذلك.” سبيرجن (Spurgeon)
٣. لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: لم يكن هناك ما يدعوهم إلى الإحباط بسبب نقص الموارد المادية لمشروع البناء، بل كان عليهم أن يثقوا بجرأة بالإله الذي يملك كل الموارد، ثم يُعطوا بسخاء.
• عندما نثق بالله حقًا، سنُعطي بسخاء. هدسون تايلور (Hudson Taylor)، المُبَشِّر الرائد إلى المناطق الداخلية من الصين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اختبر هذا المبدأ في وقت مبكر من حياته. فحين كان شابًا، كان يكرز في مساكن الفقراء داخل أحياء لندن المُعدَمة. طلب منه رجل مُعدم أن يأتي معه ليُصلّي من أجل زوجته التي كانت تعاني من مضاعفات الولادة وتُصارع الموت. لم يكن لدى الرجل أي نقود، ولم يكن بمقدوره دفع أجر كاهن ليأتي ويؤدّي طقوس الاحتضار الأخيرة. ذهب تايلور إلى غرفة الرجل، ورأى مشهدًا مفجعًا – أطفال صِغار، وأم متألمة، ورضيع عمره ثلاثة أيام، يعيشون في قذارة وبؤس شديد، بلا طعام أو مال. كان في جيب تايلور قطعة نقدية تعادل نحو عشرين دولارًا وهي كل ما يملكه في العالم، لكنها تكفي لتغطية احتياجاتهم العاجلة. بدأ يشاركهم عن الله، لكنّ الرب كلّمه قائلًا: “يا مُرائي! تشارك هؤلاء الناس غير المؤمنين عن أب مُحبّ وكريم في السماء، وأنت نفسك غير مستعدّ أن تثق به من دون العشرين دولارًا التي في جيبك!” تمنى تايلور لو كانت لديه قطعتان من فئة العشرة دولارات ليعطيهم إحداهما، لكن كل ما كان يملكه هو قطعة واحدة من فئة العشرين. شعر بالارتباك، لكنه قرّر أن يقود العائلة في الصلاة الربانية. وما إن نطق بالكلمات: ’أبانا الذي في السماوات،‘ حتى وبّخه الرب مجددًا على ريائه. أنهى الصلاة بصعوبة تحت وطأة تبكيت شديد، ثم سلّم الأب قطعة العشرين دولارًا. وقد كان هذا العطاء سببًا في إنقاذ حياة الأم ونجاة العائلة بأكملها.
• الدرس جليّ واضح: إن إدراكنا أن الله يَسُدّ الاحتياجات يجب أن يجعلنا أكثر سخاءً، لا أقل، فلا نقول (لستُ مضطرًا أن أعطي لتسديد احتياجهم، فالله سيتكفّل بأمرهم بطريقة ما).
٤. مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ: لقد كان مجد هذا الهيكل أَعْظَم في الواقع. أولًا، لأن هيرودس جدّد هذا الهيكل الثاني وحوّله إلى ما هو أَعْظَم من هيكل سليمان. وثانيًا، لأن ربّ المجد – يسوع – زاره شخصيًا وعَبَدَ فيه. وهذا وحده جعل منه هيكلًا أَعْظَم.
• “لأن المسيح، الذي هو بَهَاءُ مَجْدِ أبيه، سيأتي ويُعلِّم فيه.” تراب (Trapp)
• يفترض بعض المفسّرين أن هيرودس جدّد بنيّة الهيكل بقصد تحقيق نبوّة ’مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ،‘ إذ أراد أن ينسب تحقيقها إلى نفسه عوضًا عن المسيّا.
٥. وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ: السَّلاَمَ الموعود به هو شَالُوم. والكلمة تعني أكثر بكثير من مجرّد وقفٍ للصِّراع – إنّه يشير إلى إقامةِ نظامٍ دائمٍ، قائمٍ على البرّ.
ثانيًا. الكَلمِة الثّالثة مِن الله: الطاهر والنّجس
أ ) الآيات (١٠-١٤): سؤالٌ للكَهَنَة.
١٠فِي الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ التَّاسِعِ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ، كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّي النَّبِيِّ قَائِلاً: ١١«هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: اِسْأَلِ الْكَهَنَةَ عَنِ الشَّرِيعَةِ قَائِلاً: ١٢إِنْ حَمَلَ إِنْسَانٌ لَحْمًا مُقَدَّسًا فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ وَمَسَّ بِطَرَفِهِ خُبْزًا أَوْ طَبِيخًا أَوْ خَمْرًا أَوْ زَيْتًا أَوْ طَعَامًا مَّا، فَهَلْ يَتَقَدَّسُ؟» فَأَجَابَ الْكَهَنَةُ وَقَالُوا: «لاَ». ١٣فَقَالَ حَجَّي: «إِنْ كَانَ الْمُنَجَّسُ بِمَيْتٍ يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ هذِهِ، فَهَلْ يَتَنَجَّسُ؟» فَأَجَابَ الْكَهَنَةُ وَقَالُوا: «يَتَنَجَّسُ». ١٤فَأَجَابَ حَجَّي وَقَالَ: «هكَذَا هذَا الشَّعْبُ، وَهكَذَا هذِهِ الأُمَّةُ قُدَّامِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَهكَذَا كُلُّ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ وَمَا يُقَرِّبُونَهُ هُنَاكَ. هُوَ نَجِسٌ.
١. فَهَلْ يَتَقَدَّسُ؟… فَهَلْ يَتَنَجَّسُ؟: طرح حجّي سؤالًا على الكهنة – الذين اعتادوا الإجابة عن مثل هذه الأسئلة – بشأن انتقال كلٍّ من القداسة والنجاسة. وقد أجاب الكهنة إجابة صحيحة بحسب شريعة موسى: القداسة ليست مُعْدِيَة، لكن النجاسة مُعْدِيَة.
• لا يمكن لطفلٍ مريض أن يستعيد عافيته بمجرد ملامسته لطفلٍ سليم، ولكن الطفل السليم يمكن أن يُصاب بالمرض. فمبدأ انتقال العدوى ينتقل في العادة في اتجاهٍ واحدٍ فقط.
٢. هكَذَا هذَا الشَّعْبُ، وَهكَذَا هذِهِ الأُمَّةُ قُدَّامِي: وبالمبدأ نفسه، فإن السكن في الأرض المقدسة وتقديم الذبائح لن يجعلا الشعب مقبولًا ما داموا أنجاسًا بسبب إهمالهم لبيت الرب.
• انصبّ اهتمام شعب إسرائيل، مُنذُ سَبْيِهِم إلى بابل، على الرجوع إلى أرض الموعد. لم يكن هذا في حد ذاته هدفًا سيئًا، لكنه قادهم إلى التفكير في أن مجرد عودتهم إلى أرض الموعد سيكون كل شيء على ما يرام. وقد ذكّرهم حجّي بأن وجودهم في أرض الموعد لا يجعل كل ما يفعلونه مقدّسًا. فإن كانت أولويات قلوبنا خاطئة، فلا شيء مما نفعله يكون مقدّسًا أمام الله.
• “كانت بقايا الهيكل المدمَّر مثل جثة ميتة تتحلّل في أورشليم، وتنجّس كل ما حولها.” بولدوين (Baldwin)
ب) الآيات (١٥-١٩): الله يرى تغيير قلوبهم ويَعِد بحصاد من البركة في المستقبل.
١٥وَالآنَ فَاجْعَلُوا قَلْبَكُمْ مِنْ هذَا الْيَوْمِ فَرَاجِعًا، قَبْلَ وَضْعِ حَجَرٍ عَلَى حَجَرٍ فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ. ١٦مُذْ تِلْكَ الأَيَّامِ كَانَ أَحَدُكُمْ يَأْتِي إِلَى عَرَمَةِ عِشْرِينَ فَكَانَتْ عَشَرَةً. أَتَى إِلَى حَوْضِ الْمِعْصَرَةِ لِيَغْرُفَ خَمْسِينَ فُورَةً فَكَانَتْ عِشْرِينَ. ١٧قَدْ ضَرَبْتُكُمْ بِاللَّفْحِ وَبِالْيَرَقَانِ وَبِالْبَرَدِ فِي كُلِّ عَمَلِ أَيْدِيكُمْ، وَمَا رَجَعْتُمْ إِلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ. ١٨فَاجْعَلُوا قَلْبَكُمْ مِنْ هذَا الْيَوْمِ فَصَاعِدًا، مِنَ الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ التَّاسِعِ، مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ تَأَسَّسَ هَيْكَلُ الرَّبِّ، اجْعَلُوا قَلْبَكُمْ. ١٩هَلِ الْبَذْرُ فِي الأَهْرَاءِ بَعْدُ؟ وَالْكَرْمُ وَالتِّينُ وَالرُّمَّانُ وَالزَّيْتُونُ لَمْ يَحْمِلْ بَعْدُ. فَمِنْ هذَا الْيَوْمِ أُبَارِكُ».
١. قَدْ ضَرَبْتُكُمْ بِاللَّفْحِ وَبِالْيَرَقَانِ وَبِالْبَرَدِ فِي كُلِّ عَمَلِ أَيْدِيكُمْ، وَمَا رَجَعْتُمْ إِلَيَّ: كانت تلك الضربات التي استخدمها الله للتأديب حقيقية، لكن شعب الله لم يتعظ منها. فالظروف الصعبة لا تقرّبنا إلى الله بالضرورة.
٢. فَمِنْ هذَا الْيَوْمِ أُبَارِكُ: وعد الله شعبه بالبركة إن أعادوا ترتيب أولوياتهم، مُعْطِينَ الأولويّة له ولعمله دون سواه. ومع ذلك، قد لا تأتي البركات فورًا، ولم يُرِد لهم أن يصابوا بالإحباط، بل أن يثقوا بوعده: فَمِنْ هذَا الْيَوْمِ أُبَارِكُ.
ثالثًا. الكلمة الأخيرة من الله: اللّٰهُ يَمْلِك
أ ) الآيات (٢٠-٢٢): الله يُؤكّد سِيَادَتَه على الأُمم.
٢٠وَصَارَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ ثَانِيَةً إِلَى حَجَّي، فِي الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ قَائِلاً: ٢١«كَلِّمْ زَرُبَّابِلَ وَالِي يَهُوذَا قَائِلاً: إِنِّي أُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، ٢٢وَأَقْلِبُ كُرْسِيَّ الْمَمَالِكِ، وَأُبِيدُ قُوَّةَ مَمَالِكِ الأُمَمِ، وَأَقْلِبُ الْمَرْكَبَاتِ وَالرَّاكِبِينَ فِيهَا، وَيَنْحَطُّ الْخَيْلُ وَرَاكِبُوهَا، كُلٌّ مِنْهَا بِسَيْفِ أَخِيهِ.
١. إِنِّي أُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَأُقْلِبُ كُرْسِيَّ الْمَمَالِكِ، وَأُبِيدُ قُوَّةَ مَمَالِكِ الأُمَمِ: كان من السهل على المسبيّين العائدين أن يشعروا بأنهم بلا قيمة في العالم، وكأنهم مجرّد بيادق (قطع شطرنج) أو متفرّجين. لكن الله أرادهم أن يعلموا أنه، حتى وإن كانوا صغارًا في عيون القوى العظمى في العالم، فهم خُدّامٌ للإله كُلِّيُّ القُدْرَة. وأنهم كانوا في صف الغالبين.
• يبدو أن كاتب رسالة العبرانيين يشير إلى هذه العبارة في عبرانيين ١٢: ٢٥-٢٦ “اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ! الَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ الأَرْضَ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَعَدَ قَائِلًا: «إِنِّي مَرَّةً أَيْضًا أُزَلْزِلُ لاَ الأَرْضَ فَقَطْ بَلِ السَّمَاءَ أَيْضًا.»” ثم تابع كاتب العبرانيين بتطبيق هذه الحقيقة بأن الله سيُزلزل السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: “فَقَوْلُهُ: مَرَّةً أَيْضًا، يُدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الأَشْيَاءِ الْمُتَزَلْزِلَةِ كَمَا بُنِيَتْ، لِكَيْ تَبْقَى الأَشْيَاءُ الَّتِي لا تَتَزَلْزَلُ”. (عبرانيين ١٢: ٢٧)
٢. وَأُقْلِبُ الْمَرْكَبَاتِ وَالرَّاكِبِينَ فِيهَا: تُظهر هذه الكلمة التشجيعية أن رسائل حجّي من الله كانت مزيجًا من التوبيخ والتشجيع. فقد وعد الله أن يُحارب عن شعبه فِي يَوْمِهِ الخاص بالاسترداد والإنقاذ.
ب) الآية (٢٣): وَعدٌ لِزَرُبَّابِل.
٢٣فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، آخُذُكَ يَا زَرُبَّابِلُ عَبْدِي ابْنُ شَأَلْتِيئِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَجْعَلُكَ كَخَاتِمٍ، لأَنِّي قَدِ اخْتَرْتُكَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ».
١. آخُذُكَ يَا زَرُبَّابِلُ… وَأَجْعَلُكَ كَخَاتِمٍ: كان خَاتِم المَلِك رمزًا للسلطة الملكية، تمامًا مثل العرش أو التاج أو الصولجان.
• “هذا ليس وعدًا شخصيًا لِزَرُبَّابِل فقط، إذ لم يملك هو ولا نسله في أورشليم، ولم يرتقِ أحدٌ منهم إلى مكانة بارزة في ممالك هذا العالم.” دِين (Deane)
٢. لأَنِّي قَدِ اخْتَرْتُكَ: كان زربّابل مختارًا بحقّ من الله، وقد أُدرج اسمه في سلسلة نسب يسوع، بصفته حفيد الملك يَكُنيَا وواحدًا من نسل سُليمان. وكان زربّابل ضمن النسب الذي يسبق يوسف، والد يسوع بالتبنّي (متى ١: ١٢). كما يظهر شخص آخر يُدعى زربّابل في نسب مريم (نسب يسوع بحسب الجسد، لوقا ٣: ٢٧)، لكن يبدو أنّه رجل مختلف يحمل الاسم نفسه.
• لقد استخدم الله هاتين السلالتين في نسب يسوع، لأنه أنزل لعنة على نسل يَكُنيَا (المعروف أيضًا باسم كُنْياهُو أو يَهُويَاكِين)، كما ورد في إرميا ٢٢: ٣٠. وكان ذلك النسل هو السلالة المَلَكيّة لداود، فإن كان لا بدّ للمسيّا أن يكون مؤهَّلًا لعرش داود (لوقا ١: ٣١-٣٣)، وجب أن يكون من نسل داود من الناحية الشرعية، دون أن يكون بالضرورة من نسله الجسدي المباشر.
• كان يَكُنيَا آخر مَلِك شرعي ليهُوذا، وكانت السلالة المَلَكيّة لداود تمرّ من خلاله. أمّا خَليفتهُ الوحيد فكان صِدْقِيَّا، عمَّهُ، الذي لم يُعَيَّن بموجب حَقٍّ شَرْعِيّ، بل من قِبَل الحاكم البابلي المُحتَلّ (٢ ملوك ٢٤: ١٧-٢٠). وحتى في أواخر حياته، اعترف البابليون بيَكُنيَا بوصفه الملك الشرعي ليهوذا (٢ ملوك ٢٥: ٢٧-٣٠).
• ولأن زربّابل كان من نسل آخر مَلِكٍ شَرْعِيٍّ ليهوذا، فقد كان من الممكن الاعتراف به شرعًا كحاكم (وإن لم يكن مَلِكًا) للمسبيّين العائدين.
