سِفر راعوث – الإصحاح ٣
راعوث تُقدِّمُ التماسًا
أولًا. تعليمات نُعمي لراعوث
أ) الآيات (١-٢أ): خَيرُ راعوث من خلالِ الوَلِيِّ.
١وَقَالَتْ لَهَا نُعْمِي حَمَاتُهَا: «يَابِنْتِي أَلَا أَلْتَمِسُ لَكِ رَاحَةً لِيَكُونَ لَكِ خَيْرٌ؟ ٢فَالْآنَ أَلَيْسَ بُوعَزُ ذَا قَرَابَةٍ لَنَا، الَّذِي كُنْتِ مَعَ فَتَيَاتِهِ؟…
- وَقَالَتْ لَهَا نُعْمِي حَمَاتُهَا: انقضى زمن الحصاد، وبلا شك كان بوعز وراعوث قد أمضيا وقتًا طويلًا معًا خلال أسابيع حَصَاد الشَّعِيرِ وَحَصَادُ الْحِنْطَةِ (راعوث ٢٣:٢). لقد كانت لديهما فرصة كافیة للتعرّف على بعضهما البعض.
- ومع ذلك، ووفقًا لتقالید ذلك العصر، لا یمكننا القول إن بوعز وراعوث كانا ’يتواعدان‘ بالمعنى الذي نفهمه اليوم في ثقافتنا الحديثة. فلم يقضيا وقتًا منفردًا معًا، بل كان وجودهما المتكرر معًا يتم دائمًا في إطار الجماعة – الرجال والنساء الذين كانوا يعملون مع بوعز في موسم الحصاد.
- ومن منظور إلهي، فإن كثيرًا مما يرتبط بما نسميه اليوم ’المواعدة‘ يُعيق تكوين علاقات ثابتة وسليمة. فكثيرون يرون في المواعدة سلسلة من الارتباطات العاطفية العابرة التي تبدأ وتنتهي بسرعة، وهي أنماطٌ تُدرّب الإنسان عمليًا على إنهاء العلاقات أكثر مما تُدربه على بناء علاقة تدوم.
- فوق ذلك، قد تكون المواعدة وسيلة سطحية نسبيًا للتعرّف إلى شخص ما، إذ يميل كل طرف إلى ارتداء قناع أمام الآخر. فكم من نساءٍ خُدِعن حين ظنن أن الرجل لطيف وصالح لمجرد أنه يظهر لُطفًا نحوهن أثناء المواعدة. وبالطبع يكون لطيفًا! فكثيرًا ما يكون هذا اللطف بدافع ما يرجوه من تلك العلاقة. لكن المعيار الأصدق لمعرفة الرجل أو المرأة هو مراقبة سلوكهما تجاه الآخرين في محيط جماعي – لأن الطريقة التي يعاملون بها الناس هناك، عاجلًا أم آجلًا، ستكون الطريقة ذاتها التي سيعاملونك بها. وهكذا، وخلال فترة الحصادين، تعرفت راعوث
- وهكذا، وخلال فترة الحصاد، تعرّف بوعز وراعوث أحدهما إلى الآخر على نحوٍ جيّد، من خلال مراقبة كلٍ منهما سلوك الآخر ضمن الجماعة.
- أَلاَ أَلْتَمِسُ لَكِ رَاحَةً: علمت نعمي أن خيرَ راعوث وراحتَها سيتحققان على أفضل وجه إن هي تزوّجت، لذلك أشارت عليها أن تتقدم إلى بوعز بطلب الزواج.
- الكلمة العبرية “رَاحَةً” في هذه الآية هي نفسها الواردة في راعوث ٩:١، حیث تمنت نُعمي لكنّتیها أن تجدا راحةً وأمانًا في بیت زوجٍ جدید. وهذه الكلمة العبرية (وتنطق مانوخاه) تصف ما ينبغي أن يكون عليه البيت: مكانًا للراحة والطمأنينة.
- فَالآنَ أَلَیْسَ بُوعَزُ ذَا قَرَابَةٍ لَنَا؟: قد يظن المرء بسهولة أن اقتراح نُعمي كان غير مناسب، وربما يتصور أنها خططت مع راعوث لتتصرف بطريقة تدفع بوعز إلى الزواج منها. لكن الأمر ليس كذلك مطلقًا؛ فاقتراح نُعمي كان متجذرًا في عُرفٍ خاص من أعراف إسرائيل القديمة – وهو المعنى الكامن وراء الكلمة العبرية (جوئيل) أي ’الوليّ.‘
- كان هذا هو المقصود من سؤال نُعمي الاستنكاري عن بوعز: “أَلَیْسَ بُوعَزُ ذَا قَرَابَةٍ لَنَا؟” فقد ذَكَّرت نُعمي راعوث بأن بوعز هو الوليّ (جوئيل) في عائلتهما.
- كان لكلمة الوليّ (جوئيل) دورٌ مُحدد في الحیاة العائلیة الإسرائیلیة:
- كان الوليّ مُكلَّفًا بفِداءِ إسرائيليٍّ آخر من العبودية (لاویین ٤٨:٢٥).
- وكان مُكلَّفًا بأن يكون ’المنتقِم للدم‘ ليُحاسب قاتل أحد أفراد العائلة على جريمته (عدد ١٩:٣٥).
- وكان مُكلَّفًا بأن يفتدي أرض العائلة التي فقدوها أو تنازلوا عنها (لاويين ٢٥:٢٥).
- وكان مُكلَّفًا بأن يُقيم اسمَ العائلة من خلال الزواج بأرملةٍ بلا أبناء (تثنية ١٠:٢٥).
- ومن خلال ذلك نرى أن ’الوليّ‘ كان مُكلَّفًا بحمایة نسل العائلة وأفرادها وممتلكاتها. “تُستعمل الكلمات المشتقة من جذر الكلمة العبرية ’جوئيل‘ بمعانٍ متعددة في العهد القديم، لكن الفكرة الجوهرية فيها هي القيام بالواجبات التي يلتزم بها القريب تجاه أسرته.” موريس (Morris)
- أَلَیْسَ بُوعَزُ ذَا قَرَابَةٍ لَنَا؟: وبما أن بوعز كان وليًّا مُعترفًا به لعائلة ألیمالك – زوج نُعمي الراحل وحمو راعوث – كان يحق لراعوث أن تتوجّه إليه لتطلب منه حفظ نسل ألیمالك وأخذها زوجةً له. وقد یبدو هذا الأمر جرئيًا في نظرنا اليوم، لكنه كان في ذلك الزمان سلوكًا لائقًا ومقبولًا.
- لو لم يُؤدِّ بوعز هذا الواجب تجاه ألیمالك (مع أنه قد مات)، لاندثر نسلُ ألیمالك واسمُه. فقد كان الحفاظ على اسم الرجل واستمرار نسله – في حالة أليمالك وفي كل بيتٍ في إسرائيل – يُعد واجبًا بالغ الأهمية. وتُظهر لنا التشريعات كم كان مهمًا لدى الله أن يحفظ مؤسسة العائلة في إسرائيل، وأن هذا الأمر لا يزال مهمًا لديه إلى يومنا هذا.
ب) الآيات (٢ب-٥): نُعمي تُرشد راعوث إلى كیفیة عرض الأمر على بوعز، ليباشر ممارسة مسؤولياته بوصفه الوليّ لها.
٢… هَا هُوَ يُذَرِّي بَيْدَرَ الشَّعِيرِ اللَّيْلَةَ. ٣فَاغْتَسِلِي وَتَدَهَّنِي وَالْبَسِي ثِيَابَكِ وَانْزِلِي إِلَى الْبَيْدَرِ، وَلَكِنْ لَا تُعْرَفِي عِنْدَ الرَّجُلِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. ٤وَمَتَى اضْطَجَعَ فَاعْلَمِي الْمَكَانَ الَّذِي يَضْطَجِعُ فِيهِ، وَادْخُلِي وَاكْشِفِي نَاحِيَةَ رِجْلَيْهِ وَاضْطَجِعِي، وَهُوَ يُخْبِرُكِ بِمَا تَعْمَلِينَ». ٥فَقَالَتْ لَهَا: «كُلَّ مَا قُلْتِ أَصْنَعُ».
- فَاغْتَسِلِي: أظهرت نُعمي، في نصائحها لراعوث، معرفة دقيقة بطبيعة سلوك الرجال. فقد أوصتها بأن تُهيئ نفسها وتبدو جميلة وعطره (تَدَهَّنِي وَالْبَسِي ثِیَابَكِ)، وأن تترك بوعز وشأنه بينما يأكل (وَلكِنْ لاَ تُعْرَفِي عِنْدَ الرَّجُلِ حَتَّى یَفْرَغَ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ).
- اكْشِفِي نَاحِیَةَ رِجْلَیْهِ وَاضْطَجِعِي: أوصت نُعمي راعوث بأن تدخل في الوقت المناسب، بقولها: “وَادْخُلِي وَاكْشِفِي نَاحِیَةَ رِجْلَیْهِ وَاضْطَجِعِي.” وقد یظن البعض أن هذا التصرف كان إيحاءً أو دعوة ذات طابع جنسي، وكأنها تعرض نفسها على بوعز. لكن هذا لم يكن المعنى المقصود في ذلك الزمان؛ ففي ثقافة تلك الأيام كان هذا الفعل يُفهم على أنه علامة خضوعٍ تام.
- في ذلك الزمان كان هذا السلوك يُفهم أنه دور الخادم: أن يستلقي عند قدمي سيده وأن يكون مستعدًا لأي أمر يصدر عنه. لذلك، حين أوصت نُعمي راعوث بأن تضطجع عند قدمي بوعز، كانت تطلب منها أن تأتي إلیه بروحٍ يملؤها التواضع والخضوع الكامل.
- لا ينبغي أن نغفل المشهد الأوسع: فقد جاءت راعوث لتطالب بحقها. فبوعز هو وليُّها، فاديها القريب، وكان من حقها أن تتوقع منه أن يتزوجها ويُقيم لها نسلًا يحفظ اسم أليمالك. غير أن نُعمي أسدت لراعوث مشورة حكيمة، إذ نصحتها ألا تأتي مطالبةً بحقوقها كضحيةٍ مُستضعفة، بل كخادمة متواضعة، واثقة بصلاح وليّها. وكأنها تقول لبوعز: “إنني أُقدّرك، وأثق بك، وأضع مصيري بين يديك.”
- وَهُو یُخْبِرُكِ بِمَا تَعْمَلِینَ: كان من الممكن أن تقع كارثة لو أساء بوعز معاملة راعوث بأيّ شكل. لكن نعمي وراعوث أُتيحت لهما الفرصة للتعرف إلى بوعز، وكانتا تعلمان ما هو عليه من خُلقٍ وتقوى؛ فقد كان رجلًا صالحًا وتقيًا، رجلًا استطاعت راعوث أن تخضع له بثقة.
- في العلاقة الزوجية، قد يتمنى كثيرٌ من الأزواج لو كانت زوجاتهم يخضعن لهم كما طُلب من راعوث هنا. لكن هل يقدمون لهن هم القيادة التقي، والرعاية، والاهتمام الذي أظهره بوعز نحو راعوث ونحو غيرها؟
- في العلاقة الزوجية، قد تتمنى كثيرٌ من الزوجات لو كان لهن زوجٌ يُحبهن، ويعتني بهن، ويعاملهن كما فعل بوعز مع راعوث. لكن هل يُظهرن هن القدر نفسه من الخضوع المتواضع والاحترام الذي أظهرته راعوث لبوعز؟
- كُلَّ مَا قُلْتِ أَصْنَعُ: قبلت راعوث مشورة حماتها بتواضع وحكمة.
- “لا بدّ أن نقول إنه، بوجهٍ عام، لو لم یكن بوعز شخصًا يتسم بتقوى استثنائية، وحكمةٍ، وضبطٍ للنفس، لكان هذا الاختبار كارثيًا بالنسبة لراعوث. ولا یمكننا بسهولة تفسير هذا التصرف؛ ولعل نُعمي كانت تعلم أكثر مما افصحت به لكنّتها. ومع ذلك، فقد كان هذا الاختبار محفوفًا بالمخاطر، ولا ينبغي بأي حالٍ من الأحوال أن يُقلَّد.” كلارك (Clarke)
- “فلا ینبغي لأحدٍ أن يتشجع بسبب هذا على الدخول في تدبیر االله عبر بابٍ يفتحه الشرير، لئلا ينال ما يوجعُه ويُعاقب عليه.” تراب (Trapp)
ثانیًا. راعوث وبوعز في البیدر
أ) الآيات (٦-٧): راعوث تضطجع عند قدمي بوعز.
٦فَنَزَلَتْ إِلَى الْبَيْدَرِ وَعَمِلَتْ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَتْهَا بِهِ حَمَاتُهَا. ٧فَأَكَلَ بُوعَزُ وَشَرِبَ وَطَابَ قَلْبُهُ وَدَخَلَ لِيَضْطَجِعَ فِي طَرَفِ الْعَرَمَةِ. فَدَخَلَتْ سِرًّا وَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ رِجْلَيْهِ وَاضْطَجَعَتْ.
- وَدَخَلَ لِیَضْطَجعَ فِي طَرَفِ الْعَرَمَةِ: كان هناك سبب وجيه لِمَ نام بوعز في البیدر. فقد كانت تلك أیام القضاة، حین ساد الاضطراب السياسي والاجتماعي في إسرائيل. ولم يكن من الغريب أن تأتي عصابات من اللصوص لتسرق المحصول الذي كدّ الفلاح في جمعه. ولذلك نام بوعز في البیدر لیحرس غلته من هجماتٍ كهذه، كما هو موصوف في صموئيل الأول ١:٢٣.
- فَدَخَلَتْ سِرًّا: فعلت راعوث تمامًا كما أوصتها حماتها نُعمي. فقد سمعت المشورة، وتعهدت بتنفيذها، ثم مضت وطبقتها بالفعل.
ب) الآيات (٨-٩): طلبُ راعوث.
٨وَكَانَ عِنْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ أَنَّ الرَّجُلَ اضْطَرَبَ، وَالْتَفَتَ وَإِذَا بِامْرَأَةٍ مُضْطَجِعَةٍ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. ٩فَقَالَ: «مَنْ أَنْتِ؟» فَقَالَتْ: «أَنَا رَاعُوثُ أَمَتُكَ. فَابْسُطْ ذَيْلَ ثَوْبِكَ عَلَى أَمَتِكَ لِأَنَّكَ وَلِيٌّ».
- وَكَانَ عِنْدَ انْتِصَافِ اللَّیْلِ أَنَّ الرَّجُلَ اضْطَرَبَ: كان المشهد بديعًا بحق. ويمكننا أن نتخیل بوعز وقد انتفض من نومه في منتصف الليل، إذ استدار في مضجعه فشعر بوجود شخصٍ عند قدميه، من غير أن يستطيع تبيّن ملامحه بوضوح بسبب الظلام والنعاس.
- ولأن بوعز كان هناك ليحمي المحصول من اللصوص، فلا بدّ أنه أصيب بصدمة حين استيقظ وعلِم أن هناك من يقترب منه. غير أن صدمته ما لبثت أن تحولت إلى دهشة عندما اكتشف أن الزائر امرأة.
- فَابْسُطْ ذَیْلَ ثَوْبِكَ عَلَى أَمَتِكَ لأَنَّكَ وَلِيٌّ: عرّفت راعوث عن نفسها وقدمت طلبًا بسیطًا. وباستخدامها تعبير ’أَمَتِكَ‘ أظهرت من جديد تواضعًا عظيمًا وخضوعًا صادقًا، إذ قدمت نفسها بوصفها أَمَةً لبوعز.
- فَابْسُطْ ذَیْلَ ثَوْبِكَ: هنا طلبت راعوث بجرأةٍ من بوعز أن يأخذها زوجةً له. وكان هذا تعبيرًا مألوفًا في ثقافة ذلك الزمان يعني: “أنا أرملة، فخذني زوجةً لك.”
- “إن بسط ذَیْلَ الثوب على الأرملة بوصفه وسيلةً لطلب الزواج منها كان تقليدًا معروفًا بين العرب في العصور القديمة، ويذكر (Jouon) أن هذا التقليد لا يزال قائمًا عند بعض العرب المعاصرين.” مورس (Morris)
- حتى یومنا هذا، عندما یتزوج الیهودي امرأة، یُلقي طرفَ شاله (طالِّيت) عليها ليُشير إلى أنه قد أخدها تحت حمايته.” كلارك (Clarke)
- في حزقيال ٨:١٦ يستخدم الله التعبير نفسه في حديثه مع إسرائيل، إذ يقول: “فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَیْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ. فَبَسَطْتُ ذَیْلِي عَلَیْكِ وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ، وَحَلَفْتُ لَكِ وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ یَقُولُ السَّیِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِي.”
- لأَنَّكَ وَلِيٌّ: يُظهر هذا أن ما فعلته راعوث تجاه بوعز لم يكن أمرًا غير لائق. كان التصرف جریئًا، نعم، لكنه لم يكن غير مناسب. فقد أدركت راعوث ذلك حين عرّفت بوعز بأنه الوليّ لها.
- ومع أن ألیمالك كان قد مات، إلا أن له الحق في أن يُحفظ اسم عائلته ويستمر. وبصفته الوليّ، كان على بوعز مسؤولية القيام بذلك نيابة عن أليمالك. ولم يكن ذلك ليتحقق إلا بأن يتزوج بوعز راعوث ويمنحها نسلًا يحمل اسم أليمالك. وقد طالبت راعوث بحقها بجرأة، لكن بتواضعٍ ولياقة.
ج) الآيات (١٠-١١): استجابة بوعز.
١٠فَقَالَ: «إِنَّكِ مُبَارَكَةٌ مِنَ الرَّبِّ يَا بِنْتِي لِأَنَّكِ قَدْ أَحْسَنْتِ مَعْرُوفَكِ فِي الْأَخِيرِ أَكْثَرَ مِنَ الْأَوَّلِ، إِذْ لَمْ تَسْعَيْ وَرَاءَ الشُّبَّانِ، فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ. ١١وَالْآنَ يَابِنْتِي لَا تَخَافِي. كُلُّ مَا تَقُولِينَ أَفْعَلُ لَكِ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَبْوَابِ شَعْبِي تَعْلَمُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ.
- إِنَّكِ مُبَارَكَةٌ مِنَ الرَّبِّ یَابِنْتِي … إِذْ لَمْ تَسْعَيْ وَرَاءَ الشُّبَّانِ: من الواضح أن هناك فارقًا ملحوظًا في السن بین راعوث وبوعز. ویبدو أیضًا أن بوعز، بسبب هذا الفارق، كان يرى نفسه غير جذاب في نظر راعوث، ولذلك استبعد تمامًا فكرة أي علاقة عاطفية قد تنشأ بينهما.
- یُظهر هذا جانبًا رائعًا آخر في شخصية بوعز. فمع أن له، بصفته الوليّ، الحق أن يفرض نفسه على راعوث، إلا أنه لم يفعل. فلم يقل: “هذه امرأة أريدها، ولي الحق فيها.” بل كان كریمًا بما يكفي ألا يمارس دور الوليّ تجاه راعوث ما لم تكن هي راغبة في ذلك.
- ويكشف هذا أيضًا جانبًا رائعًا آخر في شخصيّة راعوث؛ إذ كان انجذابها إلى بوعز قائمًا على الاحترام أكثر منه على الشكل أو المظهر. ومن المُحزن أن كثيرين يقعون في الحب بسبب شكلٍ أو مظهر، لا بسبب شخصٍ يستحق الاحترام.
- كُلُّ مَا تَقُولِینَ أَفْعَلُ لَكِ: جعل بوعز نصيحة نُعمي لراعوث تبدو في غاية الحكمة؛ فقد نجحت الخطة نجاحًا تامًا.
- لأَنَّ جَمِیعَ أَبْوَابِ شَعْبِي تَعْلَمُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ: انجذب بوعز إلى راعوث أيضًا بسبب شخصیّتها. فنحن لا نعرف كيف كان شكل راعوث، لكننا نعلم أنها كانت امرأة تقیة.
- حرفيًا، وصف بوعز راعوث بأنها امرأة فاضلة (حَيِّيل). والمعنى الأساسي لهذه الكلمة هو: “قوة أخلاقیة، خُلق رفیع، استقامة.” وهي الكلمة نفسها التي تُستخدم في الكتاب المقدس للدلالة على الأبطال: “رَجُلُ بَأْسٍ جَبَّار.” وكما أن الشجاعة والقوة تصنعان من الرجل بطلًا، هكذا شجاعة راعوث وقوتها – الظاهرة في فضيلتها – تجعلانها بطلة، وفق الصورة التي يقدمها سفر الأمثال ٣١ عن “المرأة الفاضلة.”
د) (الآيات ١٢-١٣): مشكلة محتملة، وليٌّ أقرب.
١٢وَالْآنَ صَحِيحٌ أَنِّي وَلِيٌّ، وَلَكِنْ يُوجَدُ وَلِيٌّ أَقْرَبُ مِنِّي. ١٣بِيتِي اللَّيْلَةَ، وَيَكُونُ فِي الصَّبَاحِ أَنَّهُ إِنْ قَضَى لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ فَحَسَنًا. لِيَقْضِ. وَإِنْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَقْضِيَ لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ، فَأَنَا أَقْضِي لَكِ. حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ. اِضْطَجِعِي إِلَى الصَّبَاحِ».
- یُوجَدُ وَلِيٌّ أَقْرَبُ مِنِّي: يبدو أنه، مع أن بوعز كان وَلِيًّا مُعترفًا به لراعوث، إلا أن هناك وَلِيًّا آخر أقرب صلة بحموها الراحل ألیمالك. لذلك لم يكن بوسع بوعز أن يمارس حقّه كوليٍّ ما لم يتخلَّ ذلك الوليّ الأقرب عن حقوقه تجاه راعوث.
- إِنْ لَمْ یَشَأْ أَنْ یَقْضِيَ لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ، فَأَنَا أَقْضِي لَكِ: وبشكل رائع، لم يكن بوعز مستعدًا لأن يختصر الطريق أو يتجاوز الأصول؛ بل كان عازمًا أن يتمم مشيئة الله على طريقة الله. فقد كان يعلم أنه إن كان الأمر حقًا من عند الرب، فيمكن انجازه بطريقة منظمة ولائقة.
ثالثًا. راعوث ترجع إلى بيتها
هـ) الآيات (١٤-١٥): بوعز يُعيد راعوث إلى بيتها.
١٤فَاضْطَجَعَتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ إِلَى الصَّبَاحِ. ثُمَّ قَامَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ الْوَاحِدُ عَلَى مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ. وَقَالَ: «لَا يُعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ جَاءَتْ إِلَى الْبَيْدَرِ». ١٥ثُمَّ قَالَ: «هَاتِي الرِّدَاءَ الَّذِي عَلَيْكِ وَأَمْسِكِيهِ». فَأَمْسَكَتْهُ، فَاكْتَالَ سِتَّةً مِنَ الشَّعِيرِ وَوَضَعَهَا عَلَيْهَا، ثُمَّ دَخَلَتَ الْمَدِينَةَ.
- لاَ یُعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ جَاءَتْ إِلَى الْبَیْدَرِ: لم یكونا بوعز وراعوث یحاولان إخفاء أمرٍ مُشين؛ فالمسألة أن بوعز لم يُرد لذلك الوليّ الأقرب أن يعلم بأن راعوث تطالب الآن بحقها في الزواج من ولِيٍّ قبل أن يُخبره هو شخصيًا بذلك.
- فَاكْتَالَ سِتَّةً مِنَ الشَّعِیرِ: وكرجُلٍ نبيل، لم يُرِد بوعز أن يُرسل راعوث إلى بيتها خالية الوفاض. فلمّا لم يكن لديه شيءٌ من الشوكولاتة، قدم لها ست حفناتٍ من الشعير.
- تذكر التقالید الیهودیة أن المقادير الستة من الشعیر التي قُدِمت لراعوث كانت علامةً على ستة رجال أتقياء سيخرجون من نسلها، مُنح كلٌّ منهم ستّ مواهب روحية: داود، ودانیال، وحنانیا، ومیشائیل، وعزریا، والمسيّا.
و ) الآيات (١٦-١٨): راعوث تُخبِر حماتها نُعمي بكل ما حدث.
١٦فَجَاءَتْ إِلَى حَمَاتِهَا فَقَالَتْ: «مَنْ أَنْتِ يَا بِنْتِي؟». فَأَخْبَرَتْهَا بِكُلِّ مَا فَعَلَ لَهَا الرَّجُلُ. ١٧وَقَالَتْ: «هَذِهِ السِّتَّةَ مِنَ الشَّعِيرِ أَعْطَانِي، لِأَنَّهُ قَالَ: لَا تَجِيئِي فَارِغَةً إِلَى حَمَاتِكِ». ١٨فَقَالَتِ: «اجْلِسِي يَا بِنْتِي حَتَّى تَعْلَمِي كَيْفَ يَقَعُ الْأَمْرُ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْدَأُ حَتَّى يُتَمِّمَ الْأَمْرَ الْيَوْمَ».
- اجْلِسِي یَابِنْتِي … لأَنَّ الرَّجُلَ لاَ یَهْدَأُ حَتَّى یُتَمِّمَ الأَمْرَ الْیَوْمَ: كان هذا وقتَ قلقٍ شديد بالنسبة لراعوث. فهي قد طالبت بحقها في الزواج، وكانت واثقة أنها ستتزوج. وكان السؤال الوحید هو: “مَن ستتزوج؟” هل سيكون بوعز أم الوليَّ الأقرب؟ وكانت المسألة ستُحسم في ذلك الیوم بعینه.
