إنجيل لوقا – الإصحاح ٤
تجربة يسوع وبداية خدمته في الجليل
أولًا. تجربة يسوع
أ) الآيات (١-٢أ): اقتياد يسوع بالروح إلى البرية.
١أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الْأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ ٢أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ.
- مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ: في لوقا ٢١:٣-٢٢ نقرأ كيف أن الروح القدس حلَّ على يسوع بطريقة غير اعتيادية عند معموديته. ولا ينبغي أن نستنتج من ذلك أنه لم يكن ممتلئًا من الروح القدس قبل ذلك، بل أنهُ الآن كان ممتلئًا من الروح القدس بطريقة غير اعتيادية وعلنية.
- يمكننا أن نقول إن يسوع عاش حياته وأتم خدمته كإنسان ممتلئ من الروح، واختار طوعًا ألا يتكل على طبيعته الإلهية، بل أن يعمل بإرشاد الله الآب وقوة الروح القدس.
- وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ: بعد أن اتَّحَدَ مع الخطاة في المعمودية (لوقا ٢١:٣-٢٢)، اتَّحَدَ معهم أيضًا في التجربة. لِأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلَا خَطِيَّةٍ (عبرانيين ١٥:٤).
- نظنُّ أحيانًا أن تجارب يسوع لم تكن حقيقية، لأنها لا تُشبه ما نَمُرّ به. فلم يكن في يسوع صراعٌ مع الخطية، كما فينا. ولكن في واقع الأمر، كانت تجارب يسوع أشد وأقسى. فبالنسبة لنا، يَخِفُّ ضغط التجربة عندما نستسلم لها، أما يسوع فلم يستسلم قط. لذلك كان احتماله للتجربة أعظم مما يحتمله أيٌّ منا.
- تُستَخدمُ كلمة أو فكرة “التجربة” في الكتاب المقدس بثلاثةِ معانٍ مختلفةٍ:
- يُجربُنا الشيطان، عاملًا من خلال شهواتنا، ليجذبنا ويُغرينا بارتكاب الشر (كورنثوس الأولى ٥:٧، ١٤).
- ونُجَرِّبُ نحن الله، أي نضعه على نحوٍ خاطئٍ موضع الاختبار (أعمال الرسل ٩:٥، كورنثوس الأولى ٩:١٠).
- ويختبرنا الله، لكن ليس بتحريضٍ أو بإغراءٍ على فعل الشر (عبرانيين ١٧:١١).
- “هذه قصة مقدسة، لأنها لا يمكن أن تكون قد جاءت إلا من يسوع نفسه. ولا شك أنهُ في وقتٍ ما قصَّ على تلاميذه هذه الخبرة الخاصة التي مرَّ بها.” باركلي (Barclay)
- مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ… وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ: وإن كان يسوع يسلك بالروح، قاده الروح مع ذلك إلى البرية حيث جُرِبَ. وكذلك يقودنا الروح القدس إلى أزمنة في البرية، كما يقودنا أيضًا إلى أزمنة مراعٍ خضراء.
- هناك أوجه شبه بين تجربة يسوع وتجربة آدم؛ لكن آدم واجه تجربته في أفضل الظروف الممكنة، أما يسوع فقد واجه تجاربة في ظروفٍ صعبةٍ وقاسيةٍ.
- أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ: جُرِبَ يسوع أَرْبَعِينَ يَوْمًا كاملةً. وما يلي ذلك هو أبرزُ ملامح تلك الفترة من التجربة.
ب) الآيات (٢ب-٤): التجربة الأولى: تحويل الحجر إلى خُبزٍ لسد احتياجٍ شخصيٍّ.
وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا. ٣وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا». ٤فَأَجَابَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: «مَكْتُوبٌ: أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ».
- وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا… جَاعَ أَخِيرًا: أن يُجَرَّبَ إنسانٌ بالطعام بعد صومٍ دام أربعين يومًا يبدو أمر غير عادل البتة. لكن الآب سمح بذلك، لأنه كان يعلم أن يسوع قادرٌ على الاحتمال. والله لن يسمح أبدًا أن نُجَرَّبَ فوق ما نستطيع (١ كورنثوس ١٣:١٠).
- إن ملاحظة لوقا الطبيب أنه جَاعَ أَخِيرًا هي ملاحظة مهمة. فبعد صومٍ طويلٍ مثل هذا، يكون اشتدادُ الجُوعِ في الغالب دليلًا على حاجةِ الإنسان إلى الطعام. كان يسوع على وشَكِ الموتِ جُوعًا.
- كان يسوع جائعًا، لكنه كان ممتلئًا من الروح. وأما نحن فنكون أحيانًأ على العكس، بُطُونٌ مُشبَعَةٌ وأَروَاحٌ فَارِغَةٌ.
- وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: يُعلّم الكتاب المقدس بوضوح وجود كائن شرير ذي قوة عظيمة ومكرٍ شديد ونشاطٍ دائمٍ، وشُغلهُ الشاغل أن يعمل ضد الله وشعبه. ويدعى هذا أحيانًا إِبْلِيس، وأحيانًا الشيطان (لوقا ٨:٤)، وله أيضًا أسماءٌ أو ألقابٌ أُخرى كثيرة.
- إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ: يمكن ترجمة هذه العبارة بدقة أكبر هكذا ’بما أنك ابنُ الله.‘ فلم يكن إبليس يُشَكِّك في هوية يسوع، بل كان يتحداه أن يُظهِر هويته.
- يُمكِنُ أن نُعيدَ صياغة التجربة هكذا: “بما أنك المسيّا المنتظر، فلماذا تعيش في هذا الحرمان؟ افعل شيئًا لنفسك.” ونفس هذه التجربة تأتينا نحن أيضًا: “إن كُنتَ ابن الله، فلماذا تبدو الأمور صعبة إلى هذا الحد؟ افعل شيئًا لنفسك.”
- فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا: أغرى إبليس يسوع أن يستخدم قوة الله لأغراض أنانية. وقد نجحت تجربةُ أَكلِ ما لا يليق مع آدم الأول الذي كان بلا خطية (تكوين ٦:٣)، فظن إبليس أنه سينجح إن استخدم نفس الحيلة مع آدم الثاني الذي كان بلا خطية.
- “لم تكن هذه البرية برية رمالٍ، بل كانت مكسوة بقطعٍ صغيرةٍ من حجارةٍ جيريَّةٍ تشبهُ أرغِفةَ الخُبز.” باركلي (Barclay)
- وبهذا نرى أيضًا كيف تعمل التجربة في الغالب. فكثيرًا ما يكون هذا هو نمط التجربة:
- خاطب إبليس رغبة مشروعة في داخِلِ يسوع، وهي الرغبة في الأكل والبقاء على قيد الحياة.
- اقترح إبليس أن يُشبِعَ يسوع هذه الرغبة المشروعة بطريقة غير مشروعة.
- فَأَجَابَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: «مَكْتُوبٌ: أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ»: وبهذا واجه يسوع اقتراح إبليس بكلمة الله (تثنية ٣:٨). فما قاله إبليس بدا منطقيًا: “لماذا تموت جوعًا؟” لكن أجابه يسوع: ’مَكْتُوبٌ‘ كانت أكثر منطقية. فقد ذَكَّر يسوع إبليس بالحق الكتابي أنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنَ الله أَهَمُّ حتى من الخُبزِ الذي نأكُلُه.
- استخدم يسوع الكتاب المقدس لمواجهة تجربة إبليس، لا قوةً روحيةً خاصةً ليست في متناولنا. فقد خاض يسوع هذه المعركة بصفته إنسانًا ممتلئًا من الروح ومن كلمة الله، ولم يستمد أيَّ مواردٍ إلهيّةٍ لا تكون متاحةً لنا.
- نُقاوِمُ التجربة كما قاومها يسوع: ونحن ممتلئون من الروح القدس، ونواجه أكاذيب إبليس بنورِ حَقّ الله. أما الجَهلُ بحق الله فيجعلنا ضعفاء في مواجهة التجربة.
ج) الآيات (٥-٨): التجربة الثانية: جميع ممالك هذا العالم مُقابل لحظة سجود.
٥ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. ٦وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لِأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. ٧فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». ٨فَأَجَابَهُ يَسُوعُ وَقَالَ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».
- ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ: يبدو أن الأَفضَلَ فَهْمُ هذا على أنه رؤيا ذهنية أو روحية. فالتجربة والخبرة كانتا حقيقيتين، لكن لا يبدو أن هناك جبلًا عاليًا بما يكفي لأن تُرى جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ بِالعَيْنِ.
- جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ … لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ: كان إبليس يَعلَمُ أن يسوعَ قد جاء ليربحَ مَمَالِكَ الْمَسْكُونَةِ. كانت هذا عرضًا لاسترداد العالم دُونَ طريق الصليب. فكان إبليس سيُقدم ذلك ليسوع ببساطةٍ، إن سَجَدَ أمامهُ.
- لِأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ: ادَّعى إبليس أن السُلطان على ممالك الأرض قد دُفِعَ إليه، ولم يُناقشهُ يسوع في هذا الادعاء. ويمكننا أن نقول إن آدم ونسله، عندما منح الله الإنسان السيادة على الأرض، فقدوا هذا السلطان، وسلَّموهُ إلى إبليس بسبب سقُوطِهم (تكوين ١).
- إبليس هُوَ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ (يوحنا ٣١:١٢) وهو أيضًا رَئِيسُ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ (أفسس ٢:٢) وذلك باختيار البشر أنفسهم منذ أيام آدم.
- وبما أن إبليس يمتلك مَجْدَ ممالكِ هذا العالم، ويستطيع أن يُعطيه لمن يشاء، فلا ينبغي أن يفاجئنا أن نرى الأشرار في مواقع سلطانٍ ونفوذٍ.
- فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ: كانت خطة الآب ليسوع أن يتألمَ أولًا، ثم يدخل إلى مجدِهِ (لوقا ٢٥:٢٤-٢٦). أما إبليس فقد عرض على يسوع طريقًا للخروج من الآلام.
- في يومٍ ما، سيُقال إن مَمَالِكَ الْعَالَمِ قد صارت لِرَبِّنَا وَلمَسِيحِهِ، وأنهُ سَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ (رؤيا يوحنا ١٥:١١). قَدَّمَ إبليس هذا ليسوع الآن، قَبْلَ آلامِ الصليب.
- لو قَبِلَ يسوع هذا العرض، لأصبح خلاصُنا مستحيلًا. كان يمكن أن ينال سلطانًا للحُكم، مفوضًا من إبليس، لكنه ما كان ليفدي الخطاة بذبيحته.
- فَأَجَابَهُ يَسُوعُ وَقَالَ: اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ: تَعَرَّضَ يسوع لتجربةٍ صعبةٍ من إبليس، فقاوم يسوع تأثيره أولًا بقوله: اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! وبهذا أتَمَّ يسوع الوصية التي عُبِّر عنها لاحقًا في يعقوب ٧:٤ “قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ.”
- إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ: للمرة الثانية، واجه يسوع خِدَاعَ إبليس بالحق الكتابي، مُستشهدًا بتثنية ١٣:٦. وربما بدا في تجنُّب الصليب منفعةٌ ما، لكن يسوع أكد لنفسه، وذكَّرَ إبليس، أن الوصية: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ أسمَى من أيَّةِ منفعةٍ موهومةٍ في السُّجود لإبليس.
- مرة أخرى، أجاب يسوع إبليس بالسِّلَاحِ نَفسِهِ المُتاح لكل مؤمن: كلمةِ الله، كما يستخدمه مؤمن ممتلئ من الروح. وفي مقاومته هذه التجارب بصفته إنسانًا، أثبت يسوع أن آدم كان بإمكانه ألا يُخطئ، ولم يكن فيه خَلَلٌ يُجبِرهُ على الخطية. فقد واجه يسوع ما هو أَسوأ ممَّا واجهه آدم، ومع ذلك لم يخطئ قط.
د) الآيات (٩-١٣): التجربة الثالثة: تجربة الله بالآيات والعجائب.
٩ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلُ، ١٠لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ، ١١وَأَنَّهُمْ عَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لَا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». ١٢فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «إِنَّهُ قِيلَ: لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ». ١٣وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ.
- وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ: أخذ إبليس يسوع إلى موضعٍ مرتفعٍ وظاهرٍ. ومن هذا السُّور المحيط بجبل الهيكل، كان الانحدار إلى قاع الوادي الصخري أَسفَلَهُ يبلغُ مئات الأقدام. ولو استجاب يسوع لطلب إبليس: اطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلُ، لكن ذلك استعراضًا مذهلًا.
- وفقًا لـ Geldenhuys (غِلْدِنهَايس)، تَذكُرُ الكتابة اليهودية القديمة Pesiqta Rabbati (بِسِيقتَا رَبَّاتِي) أنَّ اعتقادًا تقليديًا كان سائدًا بأن المسيا سيُظهرُ نفسَهُ لإسرائيل وهو واقفٌ على سطح الهيكل. ولو فعل يسوع ما اقترحه إبليس، لكان ذلك يُحققُ التوقع المسياني السائد في زمانه.
- فاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا: لم يكن بإمكان إبليس أن يطرح يسوع من سطح الهيكل، وما كان لهُ سوى أن يقترح، لذلك طلب من يسوع أن يطرح نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.
- لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ: في هذه المرة، استخدم إبليس معرفته بالكتاب المقدس في تجربته، مقتبسًا من مزمور ١١:٩١-١٢. وكأنه يقول: “هيا يا يسوع… إن فعلت هذا، فالكتاب يَعِدُ أن الملائكة ستُنقذك، وسيكون ذلك استعراضًا لافتًا للأنظار.”
- استخدام إبليس للكلمات “لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ،” يُذَكِّرُنَا بأنه خبيرٌ بالكتاب المقدس، ويعرف كيف يُحَرِّف معنى نُصُوصِهِ باقتطاعها من سياقها. ومع الأسف، يَقبَلُ كثيرون أي شخصٍ يقتبس آية كتابية كأنه يُعلِّم حَقَّ الله، مع أن استخدام ألفاظ الكتاب المقدس بحد ذاته لا يعني بالضرورة أنه يُعَبِّرُ عن إرادة الله.
- يقترح بعضهم أن إبليس خبيرٌ إلى هذا الحد بالكتاب المقدس، لأنه أمضى قرونًا يبحثُ عن ثغراتٍ فيه.
- فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «إِنَّهُ قِيلَ: لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ»: رد يسوع على سوء استخدام إبليس للآية من الكتاب المقدس بالاستخدام الصحيح لها، مقتبسًا تثنية ١٦:٦. وإذ رفض يسوع تحريف إبليس للنصوص، تعامل مع كلمة الحق باستقامة، وفهمها في سياقها الصحيح.
- فَهِمَ يسوع، من معرفته بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ (أعمال الرسل ٢٧:٢٠)، أن إبليس قد حَرَّفَ هذا المقطع من مزمور ٩١. وكان يسوع يعرِف كيف يتعامل مع كلمة الحق باستقامة، ويفهمها في سياقها الصحيح (٢ تيموثاوس ١٥:٢).
- فَهِمَ يسوع أن إبليس كان يُغريه بأن يخطو خطوة ’إيمان‘ ظاهِريٍّ، لكنها في الحقيقة كانت تجربة لله بطريقةٍ خبيثةٍ. وقد وصِفَت التجربة على النحو الآتي: “ربما كانت التجربة أن يصنع يسوع معجزة مُبهِرة، لكنها بغير غايةٍ، لفرض الدهشة وإيمانٍ ناتجٍ عن الانبهار.” موريس (Morris)
- وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ: عندما رأى إبليس أنه لم يَعُد يُحَقِّقُ شيئًا، فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ. فإبليس سيسعى دائمًا أن يعود في أيِّ وقتٍ مُناسبٍ، لذلك ينبغي ألا نعطيه أي فرصةٍ.
- “لم يبقَ للشر شيءٌ يقدمِهُ من اقتراحٍ. وكانت شمولية التجربة هي عينها كَمَالَ الغلبة.” مورجان (Morgan)
- ليس إبليس غبيًا؛ فهو لا يبدد موارده المحدودة في معركة لا تُجدي. فإن أردت أن يتركك إبليس إِلَى حِينٍ، ينبغي أن تُواصِلَ مقاومته. وكثيرون تتكاتف عليهم الهجمات، لأن مقاومتهم ضعيفة.
- قَاوَمَ يسوع هذه التجارب لأنه سَلَكَ في كلمة الله وفي الرُّوح. وهذان هما المَورِدَان للحياة المسيحية. فالإكثار من الكلمة دون الرُّوح يؤدي إلى الانتفاخ، بمعنى الكبرياء. والإكثار من الرُّوح دون الكلمة يؤدي إلى الانفجار. أما اجتماع الكلمة والرُّوح معًا، فيؤدي إلى النُّضج والنُّمو.
ثانيًا. رَفْضُ يسوع في النَّاصرة
أ) الآيات (١٤-١٥): بدايات الخدمة في الجليل.
١٤وَرَجَعَ يَسُوعُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ إِلَى الْجَلِيلِ، وَخَرَجَ خَبَرٌ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ. ١٥وَكَانَ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ مُمَجَّدًا مِنَ الْجَمِيعِ.
- وَرَجَعَ يَسُوعُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ: خرج يسوع من تجربته أكثر قوة، ورغم أنه كان ممتلئًا بالروح منذ البداية (لوقا ١:٤)، استمر يسلك بِقُوَّةِ الرُّوحِ بعد انتصاره في البرية.
-
- “إن الذي، بنعمة الله، يقاوم التجربة ويتغلب عليها، يخرج منها دائمًا أفضل حالًا مما كان. وهذا إحدى بركات نعمة الله، إذ إن الأمور نفسها التي صُمِّمت لهلاكنا الكامل يجعلها الله أدواتٍ لخيرنا.” كلارك (Clarke)
- إِلَى الْجَلِيلِ … الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ: كانت منطقة الْجَلِيلِ إقليمًا خصبًا ومتقدمًا، ويعجّ بالسكان. ووفقًا لما يورده المؤرخ اليهودي يوسيفوس، بلغ عدد سكان الجليل نحو ثلاثة ملايين نسمة. وحتى مع افتراض وجود شيءٍ من المبالغة في أرقام يوسيفوس، فإنها تظل تشير إلى إقليم شديد الكثافة السكانية، رغم مساحته المحدودة جدًا.
- كتب يوسيفوس، الذي كان في وقتٍ ما واليًا على الجليل، أن الجليل كان يضم ٢٤٠ قرية ومدينة (كتاب الحياة ٢٣٥)، وكان في كل واحدةٍ منها عددٌ لا يقل عن ١٥٠٠٠ نسمة.
- وَكَانَ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ: كان تركيز يسوع في خدمته على التعليم، وفي هذه المرحلة المبكرة لم تكن هناك بعدُ معارضة منظَّمة ضده، إذ كان مُمَجَّدًا مِنَ الْجَمِيعِ.
ب) الآيات (١٦-١٧): يسوع يدخل مَجْمَعَهُ في الناصرة.
١٦وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ، ١٧فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ.
- وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى: وبما أنها كانت بداية خدمته، لم يكن قد مرّ وقت طويل على إقامته وعمله في الناصرة. وكان أهل تلك القرية يعرفونه جيدًا، ويُرجَّح أنه قدم خدمات النجارة أو البناء لكثيرين منهم.
- وقبل ذلك بقليل، انتقل يسوع من الناصرة إلى كفرناحوم، الواقعة على شواطئ بحر الجليل (متى ١٢:٤-١٣).
- وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ: جعل يسوع من عَادَتِهِ أن يجتمع مع شعب الله للعبادة ودراسة كلمة الله. وإن كان أحدٌ لا يحتاج إلى الذهاب إلى الكنيسة، إن صحَّ التعبير، فهو يسوع نفسه، ومع ذلك كان يذهب بحَسَبَ عَادَتِهِ.
- وَقَامَ لِيَقْرَأَ: كان ترتيب العبادة في المجمع يبدأ بصلاة افتتاحية وتسبيح، ثم قراءة من الناموس، تليها قراءة من الأنبياء، ثم عظة، وغالبًا ما كان يلقيها أحد الزوار المتعلمين. وفي تلك المناسبة كان يسوع هو ذلك الزائر. وبما أن هذا المجمع كان في الناصرة، فقد اعتاد يسوع ارتياده من قبل، أما الآن فكان يقرأ ويعلّم في مجمع مدينته.
ج) الآيات (١٨-١٩): يسوع يقرأ من إشعياء ١:٦١-٢.
١٨«رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّهُ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لِأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالْإِطْلَاقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، ١٩وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ».
- رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ: المتكلم في هذا المقطع من إشعياء هو الممسوح، أي المسيا المنتظر، بيسوع المسيح.
- مَسَحَنِي: تعني كلمة “يَمْسَحُ” أن يُفْرَكَ الشيء أو يُرَشَّ عليه، أي أن يوضع عليه دُهنٌ أو مِرهمٌ أو سائلٌ زيتيّ. وفي العهد القديم كان الأشخاص يُمسَحُون حرفيًا بالزيت في كثيرٍ من الأحيان. فعلى سبيل المثال، كان الكهنة يُمسَحُون تكريسًا لخدمتهم الخاصة للرب (خروج ٤١:٢٨). كان الزيت الحقيقي يوضع عليهم، لكنه كان علامةً على حُلُول الروح القدس على حياتهم وخدمتهم. فالزيت على الرأس لم يكن سوى التعبير الخارجي عن العمل الروحي الحقيقي الذي كان يَجرِي في داخلهم.
- لِأَنَّهُ مَسَحَنِي لِـ …: في هذه النبوة، أعلن المسيّا أنه جاءَ ليشفي الأذى الخُماسِيَّ الذي تجلبه الخطية. وبما أن الخطية تُلحِقُ دمارًا عظيمًا، فلا بد أن يكون عملُ الفداء عظيمًا بالقدر نفسه.
- أُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ: الخطية تُفْقِرُ، والمسيا يأتي ببشرى سارة للْمَسَاكِينَ.
- أشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ: الخطية تكسر القلوب، والمسيا ليه بشرى سارة للْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ.
- أُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالْإِطْلَاقِ: الخطية تجعل الناس أسرى وتستعبدهم، والمسيا يأتي ليُنادي لِلْمَأْسُورِينَ بِالْإِطْلَاقِ.
- ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ: الخطية تُعْمِينَا، والمسيا يأتي ليشفي عَمَانَا الروحي والأخلاقي.
- وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ: الخطية تقمع ضحاياها، والمسيا يُرسِلُ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ.
- ولكننا نَحمَدُ الله أن يسوع لم يأتِ ليُبشر بالحرية فقط، ولا حتى ليجلبها، بل جاء ليكون هو نَفسُهُ الحرية لنا. “كان المسيح العدو الأكبر للقيود، وكان المُحب الأول للحرية ونُورها.” موريسن (Morrison)
- وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ: يبدو أن هذا يشير إلى مفهوم سَنَةِ اليُوبِيل في العهد القديم (لاويين ٩:٢٥-١٥ وما يليها). في سَنَةِ اليُوبِيل كانت العبيد تُعتَقُ، وتُسقَطُ الدُّيونُ، وتُردُّ الأمورُ إلى بداياتها.
- “جاء يسوع ليُبشر بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَة، وهي اشارةٌ الى سَنَةِ اليُوبِيل. وربما كانت عودةُ يسوع إلى مدينته مرتبطة بكونها سَنَةَ اليُوبِيل.” بايت (Pate)
- يساعدنا الموضع الذي توقف عنده يسوع في قراءته من إشعياء على فهم طبيعة النبوة وعلاقتها بالزمن النبوي. فإن نص إشعياء يستمر ليصف ما سيفعله يسوع في مجيئه الثاني (وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لِإِلَهِنَا، إشعياء ٢:٦١). وهناك نجد فاصلةً نبويةً في النص، يفصل بين شِقيَّها نحو ٢٠٠٠ عامٍ.
د) الآيات (٢٠-٢٢): يسوع يُعلّم إشعياء ١:٦١-٢.
٢٠ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ، وَجَلَسَ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ كَانَتْ عُيُونُهُمْ شَاخِصَةً إِلَيْهِ. ٢١فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ». ٢٢وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هَذَا ابْنَ يُوسُفَ؟».
- وَجَلَسَ: وإذ جَلَسَ يسوع، استعدَّ للتعليم بدلًا من العودة إلى مقعده بين الجماعة. وكان الجميعُ يتساءلُ كيف سيُفسِرُ ما قد قرأه.
- إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ: وبهذه الكلمات أجاب يسوع عن سؤالين.
- عمن كَتَبَ إشعياء؟” فأجاب يسوع: “كَتَبَ إشعياء عَنِّي.”
- “مَتَى يتحقق هذا؟” فأجاب يسوع: “كَتَبَ إشعياء عن الآن.”
- وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ: ومن هذا نفهم أن يسوع واصل الكلام في الموضوع الذي ذُكِرَ توًا، وفعل ذلك بكلماتٍ ممتلئةٍ نعمةً. ولمسوا صلاح الله ونعمته في الإعلان أن خدمة المسيا كانت حاضرة الآن.
- أَلَيْسَ هَذَا ابْنَ يُوسُفَ؟: ويُظهِر رد فعل يسوع الذي تلا ذلك أن هذا لم يكن تعليقًا محايدًا. فبعد دهشتهم الأولى، بدأوا يشعرون بالاستياء أن شخصًا مألوفًا لهم إلى هذا الحد، ابْنَ يُوسُفَ، يتكلم بمثل هذه النعمة ويَدَّعي أَنَّهُ هو تَحَقُّقُ تلك النبوات الرائعة.
هـ) الآيات (٢٣-٢٧): يسوع يُجِيبُ اعتراضاتهم.
٢٣فَقَالَ لَهُمْ: «عَلَى كُلِّ حَال تَقُولُونَ لِي هذَا الْمَثَلَ: أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ! كَمْ سَمِعْنَا أَنَّهُ جَرَى فِي كَفْرِنَاحُومَ، فَافْعَلْ ذلِكَ هُنَا أَيْضًا فِي وَطَنِكَ» ٢٤وَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ مَقْبُولاً فِي وَطَنِهِ. ٢٥وَبِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرَامِلَ كَثِيرَةً كُنَّ فِي إِسْرَائِيلَ فِي أَيَّامِ إِيلِيَّا حِينَ أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ مُدَّةَ ثَلاَثِ سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمَّا كَانَ جُوعٌ عَظِيمٌ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا، ٢٦وَلَمْ يُرْسَلْ إِيلِيَّا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ إِلَى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، إِلَى صَرْفَةِ صَيْدَاءَ. ٢٧وَبُرْصٌ كَثِيرُونَ كَانُوا فِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ أَلِيشَعَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يُطَهَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ نُعْمَانُ السُّرْيَانِيُّ».
- كَمْ سَمِعْنَا أَنَّهُ جَرَى فِي كَفْرِنَاحُومَ، فَافْعَلْ ذلِكَ هُنَا أَيْضًا فِي وَطَنِكَ: لا يُخبرُنا لوقا صراحةً أن الشعب تَفَوَّهَ بهذا. وقد يكون يسوع قد نَطَقَ بما كانوا يضمرُونهُ في قلوبهم. أو لعلهُ، وهو الأرجح، فَهِمَ اعتراضهم فَكَشَفَهُ ووضعهُ في كلماتٍ. فهم أرادوا أن يُثبِتَ لهم دعواهُ بآياتٍ عجيبةٍ.
- يبدو أن يسوع صنع معجزات في كفرناحوم من قبل، لم يَذكُرهَا لوقا، بل نجد إشاراتٍ إليها في مواضع أخرى، كما في إنجيل يوحنا ١-٤. وكان أهل الناصرة يريدون أن يروا الأمور نفسها، فطالبوا بالمعجزات كاستعراضٍ أو كعلامةٍ تُقَدمُ لهُم.
- “لا شك أنهم جَادَلُوا قائلين: هو رجُلٌ من الناصرة، ومن واجِبِهِ مُساعدةُ أهلِها. كانوا يَرونَ في أنفسهم، بشكلٍ ما، أصحابَ حقٍّ فيه، ويظنون أن لهم أن يتصرفوا في قوته كما يشاؤون.” سبيرجن (Spurgeon)
- لَيْسَ نَبِيٌّ مَقْبُولًا فِي وَطَنِهِ: أدرك يسوع أن القُرب والأُلفة قد يحجبان الإيمان ويُشككان في عَمَلِ الله وقوته. ولذلك كان أهل الناصرة أسرع إلى الشك فيه أو رفضه، لأنه بدا لهم شخصًا عاديًا مألوفًا.
- “أتعلمُ من هذه الحادثة في حياة رَبّنَا أنهُ ليس من واجب الواعظ أن يسعى لإرضاء جمهوره. فإن كَرَّسَ جُهدَهُ لهذا الهدف، فالأغلب أنهُ لن يَبلُغَهُ؛ وإن نجحَ في نَيلِهِ، فيا لهُ من نجاحٍ بائسٍ.” سبيرجن (Spurgeon)
- وَلَمْ يُرْسَلْ إِيلِيَّا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ إِلَى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، إِلَى صَرْفَةِ صَيْدَاءَ… وَلَمْ يُطَهَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ نُعْمَانُ السُّرْيَانِيُّ: أراد مستمعو يسوع معاملة خاصة لأنه كان في مدينته. أما يسوع فبيَّنَ أن هذا لا يحمل وزنًا عند الله، مُستشهدًا بعمل الله بين الأمم في أيام إيليا وأليشع.
- أشار يسوع إلى نقطتين على الأقل. أولًا، أن عدم قبولهم له لم يكن بسبب يسوع، بل بسببهم هم. فهو كان حقًا من عند الله، ولكنهم لم يشاؤوا أن يقبلوه. وكان رفضهم يعكس حقيقتهم هم أكثر مما يعكس حقيقة يسوع نفسه.
- ثانيًا، كشف ذلك أن قوة الله العجيبة تعمل بطرق لا نتوقعها، وَفْقَ سيادتهِ الحُرة. وكثيرًا ما يكونُ الذينَ نستبعِدُهُم أو نستغرِبُهُم هم الذين يختبرُونَ قوتهُ.
- يُشير سبيرجن (Spurgeon) إلى أن شفاء نُعْمَانَ كان مثالًا رائعًا على عمل النعمة السيادية والاختيار. ولكن يمكن أيضًا قلب الصورة والقول: “كلُ أبرص أجنبي وثني أتى إلى أليشع وفعل ما أمرهُ بهِ في طَلَبِ الرب، شُفِيَ ونَالَ البركة.” وهذا أيضًا صحيحٌ، ولا يناقض فكرة نعمة الله السيادية، بل يُكمِلُها من زاويةٍ أُخرى.
- شُفِيَّ نُعْمَان بنعمةٍ سياديةٍ، لكن لاحظ كيف تَمَّ ذلك. أولًا، سَمِعَ كَلِمَةً تُعلِنُ أنهُ يمكن أن يُشفَى. ثم استجاب لتلك الكلمة بإيمان اقترن بالفعل، إذ قام بالرحلة إلى إسرائيل. وأخيرًا أطاع كلمة النبي، فاغتسل في نهر الأردن سبع مراتٍ، متخليًا عن كبريائه وخاضعًا لكلمة الله.
و) الآيات (٢٨-٣٠): يسوع ينجو من جمعٍ يسعى إلى قتله.
٢٨فَامْتَلَأَ غَضَبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هَذَا، ٢٩فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. ٣٠أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى.
- فَامْتَلَأَ غَضَبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هَذَا، فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ: لم يكن هذا ردًا عاديًا على عظة. فقد أغضبهم أن يُقال لهم أن المشكلة فيهم هم، وأن يُرفَض طلبهم لآية، وأن يُلمّح يسوع، ضمنًا، إلى أن محبة الله لا تقتصر عليهم، بل تشمل الأمم أيضًا.
- لم يكن همّ يسوع إرضاء مستمعيه، ولا جعل رضاهم مقياسًا لنجاحه.
- حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ: كان دَفعُ الشخص من جُرفٍ صغيرٍ، في كثيرٍ من الأحيان، أول خطوة في عملية الرَّجم. فإذا سقط الضحية إلى الأسفل، أُمطِرَ بالحجارة حتى الموت.
- وضع لوقا هنا، في الإصحاح الرابع، ملامح القصة كلها عن حياة يسوع. فقد جاء يسوع الكامل، ولم يصنع إلا الخير للجميع، ومع ذلك أرادوا أن يقتلوه.
- أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى: أرادوا آية، فصنع يسوع أمامهم معجزة غير متوقعة، إذ جَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى.
- في هذا الموقف، كان يمكن ليسوع أن يتراجع عن الجُرف ويُنقَذ بواسطة ملائكة، كما اقترح إبليس في التجربة الثالثة. لكنه، بدلًا من ذلك، اختار معجزة تبدو عادية، إن جاز وصف أي معجزة بذلك. “كأنه شمشونٌ ثانٍ؛ خلَّص نفسه بذراعه. وكان يمكن لهذا أن يُقنع خصومه، لو لم يكونوا مملوئين حقدًا.” تراب (Trapp)
ثالثًا. مُواصلةُ الخدمة في الجليل
أ) الآيات (٣١-٣٧): يسوع ينتهرُ روحًا نجسًا في مجمع كفرناحوم.
٣١وَانْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ، مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ، وَكَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي السُّبُوتِ. ٣٢فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ كَانَ بِسُلْطَانٍ. ٣٣وَكَانَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ بِهِ رُوحُ شَيْطَانٍ نَجِسٍ، فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ ٣٤قَائِلًا: «آهِ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ!». ٣٥فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: «اخْرَسْ! وَاخْرُجْ مِنْهُ!». فَصَرَعَهُ الشَّيْطَانُ فِي الْوَسْطِ وَخَرَجَ مِنْهُ وَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا. ٣٦فَوَقَعَتْ دَهْشَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَكَانُوا يُخَاطِبُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «مَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ؟ لِأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ يَأْمُرُ الْأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتَخْرُجُ!». ٣٧وَخَرَجَ صِيتٌ عَنْهُ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ فِي الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ.
- وَكَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي السُّبُوتِ… فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ كَانَ بِسُلْطَانٍ: وَاصَلَ يسوع دعوته الأساسية كمُعلِّم، مستفيدًا من الفرصة التي أتاحها المَجمَع. لا نعرفُ ماذا علَّمَ يسوع، ولكننا نعرف تأثير تعليمهِ في السامعين. فَبُهِتُوا، لأنهم لم يسمعوا قط أحدًا يُعلِّمُ بهذه الطريقة من قبل.
- لم يكن سُلْطَان يسوع ظاهرًا في تعلِيمِهِ فقط، بل في حياته أيضًا. وسيتضح ذلك في لقائه مع الرجُل الذي بِهِ رُوحُ شَيْطَانٍ.
- وَكَانَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ بِهِ رُوحُ شَيْطَانٍ نَجِسٍ: تُستَخدَمُ تعابير ’رُوحٌ نَجِسٌ،‘ و’رُوحٌ شِريرٌ،‘و’شَيْطَانٌ‘ للدلالة على الشياطين نَفسِهَا، أي قوى شريرة من قوى الظُّلمة، وهي أعداءُ الله والإنسان. وهذه القوى مُنظمة، (أفسس ١٢:٦) وتعمل تحت قيادة إبليس نَفسِهِ.
- مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟: من المُفارقة أن الشياطين عرفوا من هو يسوع، في حين أن الشعب المختار، أهل مدينتهِ نَفسِهَا، لم يُدرِكُوا حقيقةَ مَن يَكُون.
- أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا!: هذا السؤال “يُعَبِّرُ عن الاعتقاد بأن مجيء ملكوت الله سيعني نهاية سيطرة الشياطين على العالم.” بايت (Pate)
- أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ، قُدُّوسُ اللهِ: شَهِدَ الشيطان نَفسُهُ بأنَّ يسوعَ كان قدوسًا وبارًا. وأقرت الشياطين بأن تجاربهم له في البرية فشلت في أن تُفسِدَهُ.
- فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: «اخْرَسْ! وَاخْرُجْ مِنْهُ!»: يُظهرُ أسلوبُ تعامل يسوع مع الشيطان في هذا النَّص برهانًا واضحًا على قوته وسلطانه على عالم الأرواح. وقد تَعَجَّبَ الناس من سُلطانِ كَلِمَتِهِ، في تعليمهِ وفي حياته الروحية أيضًا.
- “ربما كان هذا ما ميَّزَ يسوع عن ضجيج طقُوس طاردي الشياطين ’العاديين،‘ بما فيها من تعاويذ وتمائم وخُرافاتٍ.” بايت (Pate)
ب) الآيات (٣٨-٣٩): شفاءُ حماةِ بُطرس من الحُمَّى.
٣٨وَلَمَّا قَامَ مِنَ الْمَجْمَعِ دَخَلَ بَيْتَ سِمْعَانَ. وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ قَدْ أَخَذَتْهَا حُمَّى شَدِيدَةٌ. فَسَأَلُوهُ مِنْ أَجْلِهَا. ٣٩فَوَقَفَ فَوْقَهَا وَانْتَهَرَ الْحُمَّى فَتَرَكَتْهَا! وَفِي الْحَالِ قَامَتْ وَصَارَتْ تَخْدُمُهُمْ.
- دَخَلَ بَيْتَ سِمْعَانَ: صَنَعَ يسوع معجزة علنية في المجمع. والآن كان سيُظهِرُ قوتهُ في إطارٍ خاصٍ. لم يكن يسوع مجرد مُؤَدٍّ يسعى لإرضاء الجُمُوع.
- حَمَاةُ سِمْعَانَ: سيعرف سِمعَان لاحقًا باسم بُطرُس، وهو القائد بين تلاميذِ يسوع. وهذا يُظهرُ أن سِمعَانَ بُطرُس كان متزوجًا. ويَذَكُرُ كليمنتس الإسكندراني، من أوائل كُتَّابِ الكنيسة، أن زوجة بُطرُس كانت تُساعدُهُ في الخدمة، بتلبية احتياجات النساء الأُخريات.
- فَوَقَفَ فَوْقَهَا وَانْتَهَرَ الْحُمَّى فَتَرَكَتْهَا: في هذه الحالة، انتهرَ يسوع الْحُمَّى نَفسَهَا، كأنها أمرٌ أكثر من مجرد مرضٍ طبيعيٍ. ولعله أدرك أن لها بُعدًا روحيًا خفيًا.
- يُعَلِّقُ باركلي (Barclay) على عبارة ’حُمَّى شَدِيدَةٌ‘ قائلًا: “كُلُّ كلمةٍ هنا طبيَّة؛ فهي اللغة اليونانية الطبيَّة التي تُستخدم لمن أقعدهُ المرض فعلًا. كان لوقا يعرفُ تمامًا كيف يصفُ هذا المرض.”
- وَفِي الْحَالِ قَامَتْ وَصَارَتْ تَخْدُمُهُمْ: لم يكن هذا شفاءً من مرضٍ فقط، بل كان أيضًا مَنْحًا فوريًا للقوة. ففي العادة، لا ينتقل الإنسان من حُمَّى شديدة إلى خدمة الآخرين هكذا.
- “إن الذي شفاها من الحُمَّى لم يكن محتاجًا إلى خِدمَتِهَا. فمن لهُ السُلطان أن يشفي الأمراض، لهُ أيضًا القدرة أن يحيا دون أن يعتمد على خدمة البشر. وإن كان المسيح قد أقامها، فهذا يَدُلُ على أنهُ الإلهُ كليُّ القُدرة. فما الحاجة، إذًا، إلى خِدمَةِ امرأة؟” سبيرجن (Spurgeon)
ج) الآيات (٤٠-٤١): يسوع يشفي كثيرين ويخرج الشياطين.
٤٠وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ. ٤١وَكَانَتْ شَيَاطِينُ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنْ كَثِيرِينَ وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَقُولُ: «أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ!». فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ، لِأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ.
- وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: كان هذا بدايةَ يومٍ جديدٍ، أي اليوم الذي يلي السبت (لوقا ٣١:٤). وبعد أن تحرر الناس من قيود السبت في التنقل والحركة، جاءوا إليه بحرية لينالوا الشفاء.
- فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ: بَذَلَ يسوع جهدًا كبيرًا في خدمة احتياجات الآخرين، وقدم احتياجاتهم على احتياجاته.
- لَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ: مَنَعَ يسوع الشياطين من الكلام عنه، لأنه لم يُرد أن يعتمد على شهادتهم.
- لأن الروايات الكتابية لخدمة يسوع موجزة، وتركز على الأحداث المهمة الاستثنائية، يَسهُلُ أن يتكون انطباعٌ بأن يسوع كان يواجه أشخاصًا يسكُنُهُم شياطين أكثر مما حدث فعلًا. وفي الكتاب المقدس لا نقرأ إلا عن أقل من عشرة أشخاصٍ أخرج يسوع منهم الشياطين، إلى جانب مرتين يَرِدُ فيهما ذِكرُ ذلك بصورةٍ عامةٍ. ولا يبدو هذا عددًا غير طبيعي على امتداد ثلاث سنوات، وسط جمهورٍ كبيرٍ لم يكن قد تعرَّف بعد إلى الإيمان المسيحي.
د) الآيات (٤٢-٤٤): يسوعُ يواصل كِرَازَتَهُ في الجليل.
٤٢وَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ خَرَجَ وَذَهَبَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلَاءٍ، وَكَانَ الْجُمُوعُ يُفَتِّشُونَ عَلَيْهِ. فَجَاءُوا إِلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ لِئَلَّا يَذْهَبَ عَنْهُمْ. ٤٣فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ الْمُدُنَ الْأُخَرَ أَيْضًا بِمَلَكُوتِ اللهِ، لِأَنِّي لِهَذَا قَدْ أُرْسِلْتُ». ٤٤فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِ الْجَلِيلِ.
- وَذَهَبَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلَاءٍ: عَرَفَ يسوعُ قيمة الخلوة مع الله الآب. ومع أنه قضى معظم وقته في الخدمة بين الناس، إلا أنه كان بحاجة إلى أوقاتٍ مثل هذه في مَوْضِعٍ خَلَاءٍ.
- لم يستمدَّ يسوع خدمتهُ من طبيعتهِ الإلهيَّة، بل مِن شَرِكتِهِ الدائمة مع الله الآب وقوةِ الرُّوح القدس. ولذلك كان الوقت في مَوْضِعٍ خَلَاءٍ لا غِنى عَنهُ.
- إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ الْمُدُنَ الْأُخَرَ أَيْضًا بِمَلَكُوتِ اللهِ: عَلَّمَ عن مَلَكُوتِ اللهِ، بمعنى أنه أعلن حُضُورَ الملك، وصحَّحَ المفاهيمَ الخاطئة لدى الناس عن هذا الملكوت.
- لِأَنِّي لِهَذَا قَدْ أُرْسِلْتُ: رأى يسوع أن خدمته الرئيسية في هذه المرحلة هي الكرازة بالملكوت. وكانت المعجزات جزءًا من هذه الخدمة، لكنها لم تكن محورها الأساسي.
- فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِ الْجَلِيلِ: كان هذا هو التركيز الواضح لعمل يسوع قبل عمل الكفارة على الصليب. كان مُعلمًا وكارزًا، في العَلَنِ وفي دُورِ العبادة. ومع أن المعجزات وأعمال الشفاء كانت لافتة، إلا أنها لم تكن هي محور خدمته أبدًا.
