سِفر زكريا – الإصحاح ٢
مَدِينَة بِلا أَسوَار
أولًا. دَعوَة لِلرُّجُوعِ إلى أَرض المَوعِد
أ ) الآيات (١-٥): الرَجُل وحَبْلُ القِيَاس والحِمَايَة المَوعُودَة.
١فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَنَظَرْتُ وَإِذَا رَجُلٌ وَبِيَدِهِ حَبْلُ قِيَاسٍ. ٢فَقُلْتُ: «إِلَى أَيْنَ أَنْتَ ذَاهِبٌ؟» فَقَالَ لِي: «لأَقِيسَ أُورُشَلِيمَ، لأَرَى كَمْ عَرْضُهَا وَكَمْ طُولُهَا». ٣وَإِذَا بِالْمَلاَكِ الَّذِي كَلَّمَنِي قَدْ خَرَجَ، وَخَرَجَ مَلاَكٌ آخَرُ لِلِقَائِهِ. ٤فَقَالَ لَهُ: «اجْرِ وَكَلِّمْ هذَا الْغُلاَمِ قَائِلاً: كَالأَعْرَاءِ تُسْكَنُ أُورُشَلِيمُ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ فِيهَا. ٥وَأَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ، أَكُونُ لَهَا سُورَ نَارٍ مِنْ حَوْلِهَا، وَأَكُونُ مَجْدًا فِي وَسَطِهَا.
١. رَجُلٌ وَبِيَدِهِ حَبْلُ قِيَاسٍ: لا شكّ أنّ هذا كان كائنًا ملائكيًا، ويعتقد البعض أنّه مَلاَكُ الرَّب. فالكائنات الملائكيّة لا تصبح أبدًا بشرًا حقيقين، ولكنها تستطيع أن تتّخذ هيئةً بشريّة.
٢. لأَرَى كَمْ عَرْضُهَا وَكَمْ طُولُهَا: يبدو أنّ أورشليم كانت تُقاس للتأكّد من أنّها تتّسع للجماهير التي كان الله سيجلبها إليها. ففي زمن زكريّا، كان من الغريب الانشغال باتساع المدينة، إذ بدا عددُ سكانها قليلًا للغاية قياسًا إلى حجمها.
• كان الأمر كما لو أنّ الرّجل الّذي بِيَدِهِ حَبْلُ قِيَاسٍ دخل إلى كاتدرائيّة قديمة ضخمة لا يرتادها سوى قلّة قليلة، وبدأ يتأكد ما إذا كانت تتّسع للجماهير التي كان الله سيجلبها بكل تأكيد.
٣. كَالأَعْرَاءِ تُسْكَنُ أُورُشَلِيمُ… وَأَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ، أَكُونُ لَهَا سُورَ نَارٍ مِنْ حَوْلِهَا: وَعَدَ الله أن يَجلِب إلى أورشليم جُمُوعًا غفيرة تَفُوقُ طاقة أسوارِها. غير أنّ ذلك لم يكن ليُثِيرَ القَلَق، إذ سيكون الله هو الحماية الحقيقية للمدينة، فهو يكون لها سُورَ نَارٍ مِنْ حَوْلِهَا.
• تحقّقت هذه النبوّة جزئيًّا على المدى القريب، عندما حمى الله عمل إعادة البناء وباركَ المدينة في عهد عَزرَا ونَحَميَا. لكن من الواضح أن تحقيقها الكامل سيكون عند إعادة بناء المدينة تحت حُكم المسيّا.
• في أيامنا هذه، تُعَدُّ أورشليم بالفعل مَدِينَةً كَالأَعْرَاءِ (بِلَا سُورٍ)، إِذ أَضحَت الأسوار في الحروب الحديثة لا تنفع في حماية المُدن. أمّا في آخر الأيام، فستكون أورشليم بِلَا سُورٍ، لأنَّ رَئِيسَ السَّلَامِ (اشعياء ٩: ٦) سَيَملِكُ في أورشليم، وهو يكون حمايتها.
ب) الآيات (٦-٧): حث المسبيّين على الرُّجوع.
٦«يَا يَا، اهْرُبُوا مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ، يَقُولُ الرَّبُّ. فَإِنِّي قَدْ فَرَّقْتُكُمْ كَرِيَاحِ السَّمَاءِ الأَرْبَعِ، يَقُولُ الرَّبُّ. ٧تَنَجَّيْ يَا صِهْيَوْنُ السَّاكِنَةُ فِي بِنْتِ بَابِلَ.
١. اهْرُبُوا مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ: في زمن زكريا، لم يرجع إلى أَرضِ المَوعِد سوى قلّة من الذين تم سبيهم إلى إمبراطورية بابل، حين أُتيحت لهم فرصة العودة. وهنا يحثّ الرّب شعبه على الرجوع إلى أرضهم.
• من المُحزن أنّ معظم المسبيّين ارتاحوا للعيش في بابل، وأعرضوا عن تحمّل التحدّي لبناءِ عملِ الله.
٢. تَنَجَّيْ (اِهْرُبِي) يَا صِهْيَوْنُ السَّاكِنَةُ فِي بِنْتِ بَابِلَ: في الكتاب المقدّس، لا تُستخدم بَابِل كمدينة فعليّة فحسب، بل أيضًا كرمز. فإن كانت أورشليم تُجسِّد ’مدينة الله،‘ فإن بَابِل تُجسِّد مدينة العالم. لذا، فإنّ دعوة زكريّا التي وجهها للشعب للخروج من بَابِل تحمل البُعدين معًا: حرفيًّا ورمزيًّا في آنٍ واحد (رؤيا ١٨: ٤-٥).
ثانيًا. أَسْبَاب لِلفَرح
أ ) الآيات (٨-٩): الله يَعِد بحماية شعبه الثَّمِين.
٨لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: بَعْدَ الْمَجْدِ أَرْسَلَنِي إِلَى الأُمَمِ الَّذِينَ سَلَبُوكُمْ، لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ. ٩لأَنِّي هأَنَذَا أُحَرِّكُ يَدِي عَلَيْهِمْ فَيَكُونُونَ سَلَبًا لِعَبِيدِهِمْ. فَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ أَرْسَلَنِي.
١. مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ: كانت عبارة ’حَدَقَةَ عَيْنِهِ‘ تُستخدم لوصف شيء ثمين، شديد التأثّر بالأذى، ويتطلب حمايةً شديدة.
• “الله يُقدّر شعبه بقدر ما يُقدّر الإنسان نعمة البصر، وهو يحرص على حمايتهم من الأذى كما يحرص الإنسان على حماية حَدَقَةِ عَيْنِهِ. فحَدَقَة العين هي أرقّ جزءٍ في أكثر الأعضاء حساسيّة، وهي تُجسّد أبلغ تصويرٍ لمدى رقّة ومحبّة الله التي لا يُمكن وصفها.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. فَيَكُونُونَ سَلَبًا لِعَبِيدِهِمْ: وعد الله بأنّ الذين استعبدوا شعبه سيصيرون غنيمةً (سَلَبًا) لشعبه المُستَردّ. فالمُستعبِدون سيصيرون مُستعبَدين، وسيتحقّق هذا الوعد بصورة نهائيّة في المُلك الألفي ليسوع.
• لأَنِّي هأَنَذَا أُحَرِّكُ يَدِي عَلَيْهِمْ: كلّ ما يحتاج الله أن يفعله لإحداث هذا الانقلاب الجذريّ في المواقع هو أن يُحَرِّكَ يَدَهُ ضدّ أعداء شعبه.
ب) الآيات (١٠-١٣): الوَعد بِحُضُورِ الرَّب.
١٠«تَرَنَّمِي وَافْرَحِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. ١١فَيَتَّصِلُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ بِالرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا فَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ، فَتَعْلَمِينَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ. ١٢وَالرَّبُّ يَرِثُ يَهُوذَا نَصِيبَهُ فِي الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَيَخْتَارُ أُورُشَلِيمَ بَعْدُ. ١٣اُسْكُتُوا يَا كُلَّ الْبَشَرِ قُدَّامَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِهِ».
١. تَرَنَّمِي وَافْرَحِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ: لم يكن الله يتوقّع من شعبه أن يُقابلوا هذه الوعود العظيمة بالسلبية أو التحفّظ، بل أن يُقابلوها بالتَرَنَّمِ وَالفْرَحِ.
٢. لأَنِّي هأَنَذَا آتِي وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ: يَنبغي لشعب الله أن يفرح، لأنّه سيكون في وسطهم بطريقة فريدة وقويّة.
٣. فَيَتَّصِلُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ بِالرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: ينبغي لشعب الله أن يفرح، لأنّ الله سيَجذب الكثيرين إلى ملكوته. فلم يكن قصد الله أن تقتصر البركة على إسرائيل، بل أن يستخدمهم كقناةً لبركة أُمَمٍ كَثِيرَة.
٤. فِي الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ: هذا هو الموضع الوحيد في الكتاب المقدّس الذي يَرِد فيه تعبير ’الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ.‘ وتُوصَف الأرض بأنّها مُقَدَّسَة لأنّها مخصّصة لله بطريقة فريدة. ويفترض البعض أنّ شعب يهوذا وأورشليم وحدهم هُم ميراث الله المقدّس، غير أنّ مواضع مثل هذه تُظهر أنّ الأَرْضِ نفسها مُقَدَّسَة وثمينة عند الله.
