سِفر زكريا – الإصحاح ٦
مَلِك وَكَاهِن
أولًا. رُؤيا المركبات الأَربَعِ وخيولها
أ ) الآيات (١-٣): ما رآه زكريّا.
١فَعُدْتُ وَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَنَظَرْتُ وَإِذَا بِأَرْبَعِ مَرْكَبَاتٍ خَارِجَاتٍ مِنْ بَيْنِ جَبَلَيْنِ، وَالْجَبَلاَنِ جَبَلاَ نُحَاسٍ. ٢فِي الْمَرْكَبَةِ الأُولَى خَيْلٌ حُمْرٌ، وَفِي الْمَرْكَبَةِ الثَّانِيَةِ خَيْلٌ دُهْمٌ، ٣وَفِي الْمَرْكَبَةِ الثَّالِثَةِ خَيْلٌ شُهْبٌ، وَفِي الْمَرْكَبَةِ الرَّابِعَةِ خَيْلٌ مُنَمَّرَةٌ شُقْرٌ.
١. أَرْبَعِ مَرْكَبَاتٍ خَارِجَاتٍ مِنْ بَيْنِ جَبَلَيْنِ: بما أن النص الأصلي يقول ’جَبَلَيْنِ،‘ يفترض معظم المفسّرين أنهما جبل الزيتون وجبل صهيون. وأما وصفهما بأنهما ’جَبَلاَ نُحَاسٍ،‘ فذلك يشير إلى القوّة والدينونة.
٢. أَرْبَعِ مَرْكَبَاتٍ… خَيْلٌ حُمْرٌ… خَيْلٌ دُهْمٌ… خَيْلٌ شُهْبٌ… خَيْلٌ مُنَمَّرَةٌ شُقْرٌ: كان الفُرسان في زكريّا ١ بمثابةِ مُراقبينَ في مهمّةٍ استطلاعية، أمّا هذه الأَرْبَعِ مَرْكَبَاتٍ وخيلهَا، فيبدون كقوّاتٍ مُعادية لتنفيذ دينونة الله، ومبعوثين في حربِهِ على الأرض.
• يميل بعض المفسّرين إلى ربط هذه الأَرْبَعِ مَرْكَبَاتٍ بإمبراطوريات دانيال الأربع (دانيال ٢ و٧)، غير أن ألوانها تُطابق فعليًا ألوان الفرسان الأربعة في رؤيا ٦، الذين هم رُسُل دينونة الله. كما يربط آخرون هذه المركبات بالملائكة المُرسَلين للدينونة في رؤيا ٧: ١-٣.
• “في الرمزية الكتابية المعتادة، يُشير الأحمر (حُمْرٌ) إلى الحرب، والأسود (دُهْمٌ) إلى المجاعة والموت، والأبيض (شُهْبٌ) إلى الغلبة، والمُنَمَّر الأشقر (مُنَمَّرَةٌ شُقْرٌ) إلى الوباء. (حزقيال ١٤: ٢١؛ رؤيا ٦: ١-٨).” لاك (Luck)
ب) الآيات (٤-٨): مَعنَى الرُّؤيَا.
٤فَأَجَبْتُ وَقُلْتُ لِلْمَلاَكِ الَّذِي كَلَّمَنِي: «مَا هذِهِ يَا سَيِّدِي؟» ٥فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لِي: «هذِهِ هِيَ أَرْوَاحُ السَّمَاءِ الأَرْبَعُ خَارِجَةٌ مِنَ الْوُقُوفِ لَدَى سَيِّدِ الأَرْضِ كُلِّهَا. ٦الَّتِي فِيهَا الْخَيْلُ الدُّهْمُ تَخْرُجُ إِلَى أَرْضِ الشِّمَالِ، وَالشُّهْبُ خَارِجَةٌ وَرَاءَهَا، وَالْمُنَمَّرَةُ تَخْرُجُ نَحْوَ أَرْضِ الْجَنُوبِ». ٧أَمَّا الشُّقْرُ فَخَرَجَتْ وَالْتَمَسَتْ أَنْ تَذْهَبَ لِتَتَمَشَّى فِي الأَرْضِ، فَقَالَ: «اذْهَبِي وَتَمَشَّيْ فِي الأَرْضِ». فَتَمَشَّتْ فِي الأَرْضِ. ٨فَصَرَخَ عَلَيَّ وَكَلَّمنِي قَائِلاً: «هُوَذَا الْخَارِجُونَ إِلَى أَرْضِ الشِّمَالِ قَدْ سَكَّنُوا رُوحِي فِي أَرْضِ الشِّمَالِ».
١. أَرْوَاحُ السَّمَاءِ الأَرْبَع: هذا يعني أن هذه المَركَبَات الأَرْبَع كانت في الحقيقة أربعَ كائناتٍ ملائكيةٍ أرسلها الله. وبالتالي، قد لا تكون هي ذاتها الفرسان الأربعة المذكورين في رؤيا ٦، غير أن مهمتهم وهدفهم متشابهان.
• قال جون كالفن إن هؤلاء الملائكة يُشبِهُون الفرسان على مركباتهم لأنهم “يَجُوبُونَ العالم بسرعةٍ فائقةٍ لتنفيذ أوامر الله.” ولو كان زكريّا على دراية بالتكنولوجيا الحديثة، لَرُبّما صوّر الملائكة في سياراتٍ سريعةٍ أو طائراتٍ مقاتلة، ليُظهِر مدى سرعة وقوة تحرّكهم عبر الأرض لتحقيق مقاصد الله.
٢. إِلَى أَرْضِ الشِّمَالِ: يركز اثنان من الخيول على جهة الشِّمَال، حيث تقع بَابِل ومَاجُوج. ومع ذلك خرجت الخُيُولُ الأَرْبَعَة أيضًا لِتَتَمَشَّى فِي الأَرْضِ.
٣. هُوَذَا الْخَارِجُونَ إِلَى أَرْضِ الشِّمَالِ قَدْ سَكَّنُوا رُوحِي فِي أَرْضِ الشِّمَالِ: لا يَهْدَأُ رُوحُ الله إلا عندما يُدان أعداؤه وأعداءُ شَعْبِه.
ثانيًا. تَتوِيج يَهُوشَع، الكَاهِن العَظِيم
أ ) الآيات (٩-١١): أَمرٌ بِصُنعِ تَاجٍ لِيَهُوشَع.
٩وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ١٠«خُذْ مِنْ أَهْلِ السَّبْيِ مِنْ حَلْدَايَ وَمِنْ طُوبِيَّا وَمِنْ يَدَعْيَا الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَابِلَ، وَتَعَالَ أَنْتَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَادْخُلْ إِلَى بَيْتِ يُوشِيَّا بْنِ صَفَنْيَا. ١١ثُمَّ خُذْ فِضَّةً وَذَهَبًا وَاعْمَلْ تِيجَانًا وَضَعْهَا عَلَى رَأْسِ يَهُوشَعَ بْنِ يَهُوصَادَقَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ.
١. خُذْ مِنْ أَهْلِ السَّبْي… الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَابِل: مع استمرار عودة اللاجئين من السبي، أحضروا معهم هدايا من بابل الغنيّة.
٢. حَلْدَاي، طُوبِيَّا، يَدَعْيَا: استنادًا إلى معاني الأسماء (حَلْدَاي يعني قوّة، وطُوبِيَّا يعني صَلاح الله، ويَدَعْيَا يعني الله يَعْلَم) يرى ماكجِي (McGee) أن هذه الأسماء تشير إلى أنّ الله، بِعِلْمِه وصَلَاحِه، سيُقيم مَلِكَهُ على العرش، وسيفعل ذلك بقوّة.
٣. وَاعْمَلْ تِيجَانًا وَضَعْهَا عَلَى رَأْسِ يَهُوشَع: كانَ تَتويجُ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ أَمْرًا غَيْرَ وارِدٍ، لأن الكهنة لم يُتوَّجوا أبدًا ملوكًا، والملوك لم يكونوا أبدًا كهنة.
• يَسرد سِفر أخبار الأيام الثاني ٢٦ القصة المأساوية للملك عزّيا، الذي حاول أن يقوم بدور الكاهن، فأصيب بالبرص حتى نهاية حياته. وطِوَالَ تاريخ إسرائيل، أوصى الله بِفَصْلِ القِيادة الدِّينِية عن القِيادة المَدَنِيّة.
• تِيجَانًا (تاجٌ فَاخِر): كان هذا بلا شَكّ تاجًا ملكيًّا، وليس غِطاء الرّأس التّقليدِي لِرئِيس الكَهَنَة.
٤. عَلَى رَأْسِ يَهُوشَعَ بْنِ يَهُوصَادَقَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ: كان في أورشليم بالفعل قائدٌ مدنيٌّ قويٌّ وتقيّ يُدعى زَرُبَّابِل، وكان من المنطقي أن يُتوَّج هو، وليس يَهُوشَعَ… الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ. لكن التاج وُضِع على رأس يَهُوشَع، لأنه كان رمزًا لذاك الذي سيأتي لاحقًا من نسل داود ليملك على إسرائيل، أي يسوع المسيح.
• يَجزم النُّقّاد الليبراليّون بأن زَرُبَّابِل هو مَن كان ينبغي أن يُتوَّج هنا، إلى حدٍّ يجعلهم يظنّون أن في النصّ خطأ. لكنهم بهذا يُغفِلون جوهر الأمر، إذ أن تتويج يَهُوشَع كان نبوّة صريحة عن يسوع، الملك والكاهن معًا.
ب) الآيات (١٢-١٣): نُبُوَّة الْغُصْن، المَلِك وَالكَاهِن مَعًا.
١٢وَكَلِّمْهُ قَائِلاً: هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: هُوَذَا الرَّجُلُ «الْغُصْنُ» اسْمُهُ. وَمِنْ مَكَانِهِ يَنْبُتُ وَيَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ. ١٣فَهُوَ يَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ، وَهُوَ يَحْمِلُ الْجَلاَلَ وَيَجْلِسُ وَيَتَسَلَّطُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَيَكُونُ كَاهِنًا عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَتَكُونُ مَشُورَةُ السَّلاَمِ بَيْنَهُمَا كِلَيْهِمَا.
١. هُوَذَا الرَّجُلُ «الْغُصْنُ» اسْمُهُ: رأينا هذا الْغُصْن سابقًا في زكريا ٣: ٨، وَهُوَ لَقَبٌ مَأْلُوف لِلْمَسِيَّا (إشعياء ٤: ٢ و١١: ١، إرميا ٢٣: ٥ و٣٣: ١٥). ارتبط الْغُصْن بالثمر والحَيَاة، واستخدم يسوع هذه الصورة حين قال إنّه هو الكَرمَة وَأنّنا نحن الأَغْصَان (يوحنا ١٥: ٥).
• هُوَذَا الرَّجُلُ: “في النصّ العِبْرِيّ، تبدأ النبوّة بعبارة: ’هُوَذَا الرَّجُلُ‘ وهي نفس الكلمات التي استخدمها بِيلاَطُس عندما قدّم يسوع المَضرُوب لأهل أورشليم: ’Ecce homo!‘” بويز (Boice). ولكن في رؤية زكريا، لا يُطلب منّا أن ننظر إلى يسوع المُهان، بل إلى يسوع المنتصر.
٢. وَمِنْ مَكَانِهِ يَنْبُتُ: تُعبّر هذه العبارة عن حياة المسيّا المُثمِرة والتي أحيّت الكثيرين.
• “سيأتي على نحوٍ غير متوقَّع، حيث يستحيل ظهور حياة، كجذرٍ من أرضٍ يابسة.” بولدوين (Baldwin)
٣. وَيَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ: الْغُصْن هو مَن سيعيد بناء الهيكل من جديد – ليس الهيكل نفسه الذي شيّده زربّابل، بل هيكلٌ روحيٌّ يتكوَّن من شعبه (أفسس ٢:١٩-٢٢، ١ بطرس ٢:٥).
٤. وَيَكُونُ كَاهِنًا عَلَى كُرْسِيِّهِ: كان هذا أمرًا غير وارد إطلاقًا في إسرائيل، إذ لم يكن الكهنة يجلسون على العروش، ولا الملوك يؤدّون وظيفة الكهنة. ومع ذلك، الْغُصْن مُختلف، فهو يحكم كملكٍ وكاهن معًا.
ج) الآيات (١٤-١٥): التاج كتذكار.
١٤وَتَكُونُ التِّيجَانُ لِحَالِمَ وَلِطُوبِيَّا وَلِيَدَعْيَا وَلِحَيْنِ بْنِ صَفَنْيَا تَذْكَارًا فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ. ١٥وَالْبَعِيدُونَ يَأْتُونَ وَيَبْنُونَ فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ، فَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. وَيَكُونُ، إِذَا سَمِعْتُمْ سَمَعًا صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ».
١. وَتَكُونُ التِّيجَانُ… تَذْكَارًا: أوضح الرّب أن تاجَ يَهُوشَع لم يكن إلا رمزًا للكاهنِ المَلِكِ الذي سَيَملِك في المستقبل. فلم تكن مشيئةُ الله أن يتولّى يَهُوشَع المُلك في أُورُشَلِيمَ في زمانه.
٢. حَيْنِ بْنِ صَفَنْيَا: ذُكِر في وقتٍ سابق إن يُوشِيَّا هو ابْنَ صَفَنْيَا، ويبدو أن زكريّا قد أعلن هذه النبوّة في بيته (زكريا ٦: ١٠). وبما أن اسم “حَيْنِ” يعني “الكَرِيم” أو “المُنعِم” فمن شبه المؤكد أنه اسم آخر – وهو اسم مناسب – ليُوشِيَّا بْنِ صَفَنْيَا.
٣. وَالْبَعِيدُونَ يَأْتُونَ وَيَبْنُونَ فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ: تُشير التِّيجَان إلى أمرٍ لن يتحقّق إلا بعد زمنٍ طويل. ومع ذلك، فإن بركة الله الموعودة في المستقبل تعني أنه يريد للعمل أن يستمرّ اليوم، وأنه سيبارك العمل القائم الآن.
