سِفر زكريا – الإصحاح ٩
المَلِك الوَدِيع يَنتَصِر
أولًا. وَحْيٌ على أَرْضِ حَدْرَاخ
أ ) الآيات (١-٤): دينونةٌ على مُدُنِ لُبنان.
١وَحْيُ كَلِمَةِ الرَّبِّ فِي أَرْضِ حَدْرَاخَ وَدِمَشْقَ مَحَلُّهُ. لأَنَّ لِلرَّبِّ عَيْنَ الإِنْسَانِ وَكُلَّ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ. ٢وَحَمَاةُ أَيْضًا تُتَاخِمُهَا، وَصُورُ وَصَيْدُونُ وَإِنْ تَكُنْ حَكِيمَةً جِدًّا. ٣وَقَدْ بَنَتْ صُورُ حِصْنًا لِنَفْسِهَا، وَكَوَّمَتِ الْفِضَّةَ كَالتُّرَابِ وَالذَّهَبَ كَطِينِ الأَسْوَاقِ. ٤هُوَذَا السَّيِّدُ يَمْتَلِكُهَا وَيَضْرِبُ فِي الْبَحْرِ قُوَّتَهَا، وَهِيَ تُؤْكَلُ بِالنَّارِ.
١. وَحْيُ كَلِمَةِ الرَّبِّ: لا تحمل النبوتان اللتان تشكّلان بقية سفر زكريا (الإصحاحات ٩ إلى ١٤) تاريخًا محددًا، غير أن كثيرًا من العلماء يرون أنهما تعودان إلى شيخوخة زكريا. ويرى معظمهم أن هذا الوَحْي ضد أَرْضِ حَدْرَاخ قد تحقّق عندما غزت جيوش الإسكندر الأكبر هذه المنطقة. فالمُدن المذكورة في زكريا ٩:١-٧ ترسم مسار تقدم الإسكندر عبر أرض الموعد في عامي ٣٣٢-٣٣١ ق.م.
• لأَنَّ لِلرَّبِّ عَيْنَ الإِنْسَانِ… بمعنى أن الأنظار كانت متجهةً نحو أداة دينونة الله، أي الإسكندر.
٢. وَصُورُ وَصَيْدُونُ: تقع هاتان المدينتان الرئيسيتان شمال إسرائيل، في أرض لبنان. كانت صُور مدينةً تجاريةً مهمةً يُعتقَد أنه من المستحيل قهرها. حاصر الأشوريون صُور لمدة خمس سنوات، لكنهم لم يتمكّنوا من إخضاعها. وحاول نبوخذنصّر طيلة ثلاث عشرة سنة أن يدخلها، أما الإسكندر فقد نجح في ذلك في سبعة أشهر فقط.
• قَهَرَ الإسكندر الأكبر صُور بعد أن حاصرها سبعة أشهر، ثم استخدم أنقاض المدينة القديمة ليصنع منها ممرًّا يصل إلى المدينة التي تقع على الجزيرة. وكان ذلك إنجازًا باهرًا من حيث الاستراتيجية العسكرية والهندسية معًا.
ب) الآيات (٥-٨): دينونةٌ على مُدُنِ الفِلِسْطينيِّين.
٥تَرَى أَشْقَلُونُ فَتَخَافُ، وَغَزَّةُ فَتَتَوَجَّعُ جِدًّا، وَعَقْرُونُ. لأَنَّهُ يُخْزِيهَا انْتِظَارُهَا، وَالْمَلِكُ يَبِيدُ مِنْ غَزَّةَ، وَأَشْقَلُونُ لاَ تُسْكَنُ. ٦وَيَسْكُنُ فِي أَشْدُودَ زَنِيمٌ، وَأَقْطَعُ كِبْرِيَاءَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. ٧وَأَنْزِعُ دِمَاءَهُ مِنْ فَمِهِ، وَرِجْسَهُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ، فَيَبْقَى هُوَ أَيْضًا لإِلهِنَا، وَيَكُونُ كَأَمِيرٍ فِي يَهُوذَا، وَعَقْرُونُ كَيَبُوسِيٍّ. ٨وَأَحُلُّ حَوْلَ بَيْتِي بِسَبَبِ الْجَيْشِ الذَّاهِبِ وَالآئِبِ، فَلاَ يَعْبُرُ عَلَيْهِمْ بَعْدُ جَابِي الْجِزْيَةِ. فَإِنِّي الآنَ رَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ.
١. تَرَى أَشْقَلُونُ فَتَخَافُ، وَغَزَّةُ فَتَتَوَجَّعُ جِدًّا: تقع مدن الفلسطينيين – أَشْقَلُون وغَزَّة وعَقْرُون وأَشْدُود – جنوب صُور وصَيْدُون، وقد قَهَرَهَم الإسكندر الأكبر أيضًا في عامي ٣٣٢-٣٣١ ق.م.
• يقول بويز (Boice) إن هذا المقطع “يَتَنَبَّأُ بدقّة عن إخضاع سواحل شرق البحر المتوسّط على يد الجيوش اليونانية بقيادة الإسكندر الأكبر.”
٢. فَيَبْقَى هُوَ… وَعَقْرُونُ كَيَبُوسِيٍّ: كان الْيَبُوسِيُّونَ يسكنون أورشليم حين أخضعها داود (يشوع ١٥:٨، ٢ صموئيل ٥:٦-٩، ٢ صموئيل ٢٤:١٦-١٨). لم يُفْنِ داود الْيَبُوسِيِّين، بل ضمّهم إلى إسرائيل. وهذا ما سيحدث مع شعب عَقْرُون.
٣. وَأَحُلُّ حَوْلَ بَيْتِي بِسَبَبِ الْجَيْشِ الذَّاهِبِ وَالآئِبِ: عندما تقدّم الإسكندر الأكبر عبر لبنان وأرض الموعد نحو مصر، لم يحتل أورشليم ولم يهاجمها. فقد وعد الله بأن يحمي بَيْتِه ويبقيه سالمًا في تلك الفترة، وقد فعل ذلك من خلال سلسلة مدهشة من الأحداث ارتبطت بالإسكندر الأكبر ورئيس الكهنة.
• يري يوسيفوس في كتابه آثار اليهود عن لقاء الإسكندر برئيس الكهنة رواية تثير الاهتمام (Antiquities ١١.٨.٤-٥):
عندما أَخْضَعَ الإسكندر غَزَّة، أسرع صاعدًا إلى أورشليم. ولمّا بلغ الخبرُ يَدُّوع رَئِيس الكهنة بذلك، استبدّ به القلق والخوف، إذ لم يكن يعرف كيف يواجه المقدونيين، لا سيما أن الملك كان ساخطًا عليه بسبب عصيانه السابق. فأمر الشعب أن يرفعوا الصلوات، وأن ينضمّوا إليه في تقديم الذبائح لله، ملتمسًا منه أن يحمي تلك الأمة ويُنقذها من الأخطار التي تهددها. وبعد أن قدّم الذبيحة، أنذره الله في حلمٍ أن يتحلّى بالشجاعة، وأن يزيّن المدينة، ويفتح أبوابها، وأن يخرج الشعب بثياب بيضاء، بينما يخرج هو والكهنة بملابسهم الكهنوتية الخاصة للقاء الملك، دون خوف من أي أذى، إذ ستمنع العناية الإلهية حدوث ذلك. وعندما استيقظ من نومه، فرح فرحًا عظيمًا، وأعلن للجميع الأمر الذي تلقّاه من الله. ونفذّ بالكامل ما أُوحي إليه في الحلم، وهكذا انتظر مجيء الملك.
ولمّا عَلِمَ أنّه لم يَعُد بعيدًا عن المدينة، خرج لملاقاته في موكبٍ يضمّ الكهنة وحشدًا من المواطنين. وكان الموكب مهيبًا، تختلف هيئته عن مواكب سائر الأمم الأخرى. وبلغ الموكب موضعًا يُدعى «سَفَا»، وهو اسمٌ معناه باليونانية «المنظَر»، إذ من هناك يُطلّ على أورشليم والهيكل. ظنّ الفينيقيون والكلدانيون الذين تبعوا الملك أنّه سيُسمح لهم بنهب المدينة وتعذيب رئيس الكهنة حتى الموت – كما أوحت لهم بذلك نقمةُ الملك – غير أنّ العكس تمامًا هو ما حدث. فعندما رأى الإسكندر الحشد من بعيد بثياب بيضاء، والكهنة واقفين بكتان نقي، ورئيس الكهنة مرتديًا الأرجوان والقرمز، وعلى رأسه تاج تعلوه لوحة ذهبية منقوش عليها اسم الله، اقترب بنفسه، وسجد لذلك الاسم، ثم بادر بمصافحة رئيس الكهنة. وأمّا اليهود، فحيّوا الإسكندر بصوت واحد، وأحاطوا به من كل جانب. عندئذٍ تعجّب ملوك سورية ومن معهم من تصرّف الإسكندر، وظنّوا أنّه قد فقد عقله. غير أنّ بارمينيو [القائد الثاني للإسكندر] تقدّم إليه وسأله على انفراد: كيف يسجد لرئيس كهنة اليهود، في حين أنّ الجميع يسجدون له؟ فأجابه قائلًا: “لم أسجد له، بل لله الذي شرَّفه بذلك المنصب الكهنوتي الرفيع؛ فقد رأيت هذا الرجل في هذه الهيئة عينها، في حلمٍ، حين كنت في مدينة دِيُوس بمقدونيا أفكّر في الكيفية التي أستطيع بها إخضاع آسيا، فحثّني على ألّا أتباطأ، بل أن أعبر البحر بشجاعة، مؤكّدًا أنّه سيقود جيشي ويمنحني السيادة على الفُرْسِ. وبما أنّني لم أرَ أحدًا آخر في هذه الهيئة، وها أنا أراه الآن، وأتذكّر الرؤيا وكلمات التشجيع التي سمعتها في حلمي، فأنا أؤمن أنّني أسير بهذا الجيش بتوجيه إلهي، وسأهزم به دَارِيُوس، وأحطّم سلطان الفُرْس، وأنّ كلّ شيء سينجح وفقًا لمخيلتي.” وبعد أن قال هذا لبارمينيو، ومدَّ يده اليمنى إلى رئيس الكهنة، ركض الكهنة بجانبه حتى دخل المدينة. وعندما صعد إلى الهيكل، قدّم ذبيحةً لله بحسب إرشاد رئيس الكهنة، وأكرم رئيس الكهنة والكهنة إكرامًا عظيمًا. ولمّا عُرض عليه سفر دانيال، حيث أعلن النبي أنّ واحدًا من اليونانيين سيقضي على مملكة الفُرْس، اعتقد أنّه هو المقصود. فابتهج، وصرف الجموع في ذلك اليوم، ثم دعاهم في اليوم التالي، وطلب منهم أن يسألوه أيَّ معروفٍ أرادوه. فطلب رئيس الكهنة أن يُسمح لهم أن يعيشوا بحسب شريعة آبائهم، وألا يدفعوا الجزية في السنة السابعة، فاستجاب لكل ما طلبوه. ولمّا سألوه أن يمنح اليهود في بَابِل ومَادِي الامتياز نفسه، وعدهم أن يفعل ذلك لاحقًا. وعندما قال للجموع إن كان أحدهم يرغب في الانضمام إلى جيشه، على أن يظلّوا خاضعين لشرائع آبائهم ويحيَوا بموجبها، فإنه على استعدادٍ لاصطحابهم معه، أبدى كثيرون استعدادهم لمرافقته في حروبه.
ثانيًا. المَلِك الآتي وخَلاصُه
أ ) الآية (٩): مَلِكٌ وَدِيعٌ يدخُل أورشليم.
٩اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ.
١. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ… وَدِيعٌ وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ: هذا الملك المسيا وَدِيعٌ، لكن ذلك لم يَتضح بسبب الدابة التي كان يركبها؛ إذ لم يمتطِ جوادًا مهيبًا لقائد عسكري منتصر، بل ركب الدابة المعتادة لركوب الملوك حين يأتون في سلام. وكان ذلك على نقيضٍ تامٍّ مع صورة الفاتح الإسكندر الأكبر.
• “أيُّها الإخوة، لِنَكُنْ متواضعين (وَدَعاء). هل سمعتُ أحدكم يقول: ’حسنًا، سأحاول أن أكون متواضعًا؟‘ لكنك لا تستطيع أن تبلغ ذلك بهذه الطريقة. فيجب ألا نحاول التظاهر بالوداعة، بل أن نكون وُدعاء حقًّا، وعندئذٍ سنتصرّف تلقائيًا بروح متواضعة. من المدهش كمّ الكبرياء الذي يوجد في أكثر الناس تواضعًا.” سبيرجن (Spurgeon)
• “كم نَدين الكبرياء! ونشعر أنّه سيكون أمرًا حسنًا لو كان الجميع متواضعين مثلنا. ونفتخر بأنّنا نمقت التفاخر، ونمتدح أنفسنا بأنّنا نكره التملّق. وحين يُقال لنا أننا بعيدون تمامًا عن الكبرياء، نشعر بالفخر مثل لوسيفر نفسه، لاقتناعنا التام بأنّ هذا الثناء مستحقّ عن جدارة. فنحن أصحاب خبرة واسعة، وثباتٍ راسخ، وفطنةٍ نافذة، وبعيدون عن الثقة المفرطة بالنفس، إلى حدّ أنّنا أوّل من يقع في شباك الرضا عن الذات. أيّها الإخوة، يجب أن نصلي إلى الله ليجعلنا متواضعين.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. حِمَارٌ وَجَحْشٌ ابْنُ أَتَانٍ: يبدو أنّ هذا تعبير عبريّ يُشدَّد مؤكدًا على أنّ الدابة من سُلالة نقية – أي إنّها حقًّا دابّة ملكية فاخرة بحق.
• “لقد أوصى الله ملوك إسرائيل ألّا يُكثِروا من الخيل. وكان الملوك الذين خالفوا هذه الوصية أشقياء في أنفسهم، وسَبب شقاء لشعوبهم. أمّا يسوع، فقد جاء ليُتمّم الناموس، فلو أنّه، بصفته ملكًا، ركب خيلًا، لكان قد خرق وصيّة صريحة من الله؛ لذلك ركب على جَحْش.” كلارك (Clarke)
٣. اِبْتَهِجِي جِدًّا… اهْتِفِي… هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ: هذه نبوّة واضحة عمّا يُعرَف بـ ’الدخول الانتصاري‘ للرب يسوع (متى ٢١: ٥)، حين قدَّم نفسه بصفته المَسِيَّا لأورشليم وشعب إسرائيل.
• مع أنّ الدخول الانتصاري كان احتفالًا بهيجًا، إلا أنّ المُشاهد الروماني كان سيتساءل عن سبب اعتباره دخولًا انتصاريًا. فهو لا يُقارَن بالموكب الذي أقامه يوليوس قيصر عند عودته إلى روما من بلاد الغال، إذ كان العرض يستمر ثلاثة أيام يعرض فيها الأسرى والغنائم التي جلبها معه. وعلى النقيض من ذلك، بدا موكب يسوع متواضعًا جدًّا، مما أظهر أنّه كان ملكًا من طرازٍ مختلف.
ب) الآية (١٠): قُوَّة وسُلْطان مُلك المَسِيَّا.
١٠وَأَقْطَعُ الْمَرْكَبَةَ مِنْ أَفْرَايِمَ وَالْفَرَسَ مِنْ أُورُشَلِيمَ وَتُقْطَعُ قَوْسُ الْحَرْبِ. وَيَتَكَلَّمُ بِالسَّلاَمِ لِلأُمَمِ، وَسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ.
١. وَتُقْطَعُ قَوْسُ الْحَرْبِ: إنّ زكريّا ٩: ٩ يخصّ المجيء الأوّل لربّنا يسوع، أمّا زكريّا ٩: ١٠ فيرتبط بمجيئه الثاني، حين يأتي بالمجد والقوة ليملك على هذه الأرض ألف سنة. في ذلك اليوم، سيُفرض البِرُّ، ولن يسمح بعد بالحرب (إشعياء ٢: ٤).
• “مع أنّ كتبة الأناجيل رأوا في الآية ٩ تحقيقًا للنبوّة، إلا أنهم لم يقتبسوا الآية ١٠، ممّا قد يُشير إلى أنّهم كانوا واعين بأنّ ما جرى كان تحقيقًا جزئيًّا فقط.” بولدوين (Baldwin)
٢. وَسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ: عندما يملك يسوع على هذه الأرض، سيكون مُلكه عالميًا شاملًا، وستكون الأرض برمّتها تحت سُلطانه.
• هذا يشير إلى الفترة التي يُطلِق عليها الكثيرون اسم الألفيّة (millennium)، وهي فترة مُلك يسوع على هذه الأرض لمدة ألف عام (مزمور ٧٢؛ إشعياء ٢: ٢-٤؛ إشعياء ١١: ٤-٩؛ إرميا ٢٣: ٥-٦؛ لوقا ١: ٣٢-٣٣ و١٩: ١٢-٢٧؛ متى ٥: ١٨).
ج) الآيات (١١-١٧): تحرير يهوذا وبركته.
١١وَأَنْتِ أَيْضًا فَإِنِّي بِدَمِ عَهْدِكِ قَدْ أَطْلَقْتُ أَسْرَاكِ مِنَ الْجُبِّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ. ١٢ارْجِعُوا إِلَى الْحِصْنِ يَا أَسْرَى الرَّجَاءِ. الْيَوْمَ أَيْضًا أُصَرِّحُ أَنِّي أَرُدُّ عَلَيْكِ ضِعْفَيْنِ. ١٣لأَنِّي أَوْتَرْتُ يَهُوذَا لِنَفْسِي، وَمَلأْتُ الْقَوْسَ أَفْرَايِمَ، وَأَنْهَضْتُ أَبْنَاءَكِ يَا صِهْيَوْنُ عَلَى بَنِيكِ يَا يَاوَانُ، وَجَعَلْتُكِ كَسَيْفِ جَبَّارٍ. ١٤وَيُرَى الرَّبُّ فَوْقَهُمْ، وَسَهْمُهُ يَخْرُجُ كَالْبَرْقِ، وَالسَّيِّدُ الرَّبُّ يَنْفُخُ فِي الْبُوقِ وَيَسِيرُ فِي زَوَابعِ الْجَنُوبِ. ١٥رَبُّ الْجُنُودِ يُحَامِي عَنْهُمْ فَيَأْكُلُونَ وَيَدُوسُونَ حِجَارَةَ الْمِقْلاَعِ، وَيَشْرَبُونَ وَيَضُجُّونَ كَمَا مِنَ الْخَمْرِ، وَيَمْتَلِئُونَ كَالْمَنْضَحِ وَكَزَوَايَا الْمَذْبَحِ. ١٦وَيُخَلِّصُهُمُ الرَّبُّ إِلهُهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. كَقَطِيعٍ شَعْبَهُ، بَلْ كَحِجَارَةِ التَّاجِ مَرْفُوعَةً عَلَى أَرْضِهِ. ١٧مَا أَجْوَدَهُ وَمَا أَجْمَلَهُ! اَلْحِنْطَةُ تُنْمِي الْفِتْيَانَ، وَالْمِسْطَارُ الْعَذَارَى.
١. بِدَمِ عَهْدِكِ: من المرجّح أنّ هذا يصف عمل الله تجاه إسرائيل في ضوء دم العهد الذي قطعه مع موسى (خروج ٢٤: ١-٨). فحينما يرجع إسرائيل إلى الله، سيرجع هو إليهم وينقذهم كما لو كانوا محبوسين وعالقين في جبٍّ يابس (قَدْ أَطْلَقْتُ أَسْرَاكِ مِنَ الْجُبِّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ).
٢. ارْجِعُوا إِلَى الْحِصْنِ يَا أَسْرَى الرَّجَاءِ: بسبب وعده الأمين، فحتى الأَسْرَى هم أَسْرَى الرَّجَاءِ. وعليهم أن يستمدّوا التشجيع من وعده، وأن يرجعوا إِلَى الْحِصْن – سواء بالمعنى العسكري كحصن منيع وبالمعنى الروحي، أي الاحتماء بالرب نفسه.
٣. لأَنِّي أَوْتَرْتُ يَهُوذَا لِنَفْسِي، وَمَلأْتُ الْقَوْسَ أَفْرَايِمَ، وَأَنْهَضْتُ أَبْنَاءَكِ يَا صِهْيَوْنُ عَلَى بَنِيكِ يَا يَاوَانُ: تحقَّق هذا جزئيًّا في أيّام المكّابيين، حين أقام الله يهودًا ليحاربوا خلفاء إمبراطورية الإسكندر. ومع ذلك، يبدو أنّ التحقيق النهائي لهذا الوعد لم يأتِ بعد.
٤. وَالسَّيِّدُ الرَّبُّ يَنْفُخُ فِي الْبُوقِ: الفكرة هنا هي أنّ الرب نفسه يقود المعركة. فالكتاب المقدّس والقرآن كليهما يذكران فكرة الحرب المقدّسة، والتي يُسميها الإسلام “الجهاد،” لكن هناك فرقًا شاسعًا بين مفهوم الحرب المقدّسة في الكتاب المقدّس وفي الإسلام. ففي الكتاب المقدّس، يسوع وحده هو من يقوم بالحرب المقدّسة الكتابية، وليس شعبه أبدًا. أمّا في الإسلام، فالجهاد هو مسؤوليّة كلّ مُسلم صالح.
• هنا يوضّح الله مَن الذي يقوم بالقتال: وَيُخَلِّصُهُمُ الرَّبُّ إِلهُهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، فهذه معركة الله، وليست معركة البشر.
٥. اَلْحِنْطَةُ تُنْمِي الْفِتْيَانَ، وَالْمِسْطَارُ الْعَذَارَى: كما في مقاطع أخرى تتحدّث عن المُلك الألفي (هوشع ٢: ٢١-٢٢؛ يوئيل ٢: ١٩)، فإنّ اَلْحِنْطَةُ والْمِسْطَار (الخمر الجديد) هنا هما صورتان للرخاء والبركة.
