إنجيل لوقا – الإصحاح ٥
دعوةُ التلاميذِ
أولاً. دعوةُ ثلاثةِ صيَّادينَ
١وَإِذْ كَانَ الْجَمْعُ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ، كَانَ وَاقِفًا عِنْدَ بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَتَ. ٢فَرَأَى سَفِينَتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ عِنْدَ الْبُحَيْرَةِ، وَالصَّيَّادُونَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُمَا وَغَسَلُوا الشِّبَاكَ. ٣فَدَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُبْعِدَ قَلِيلًا عَنِ الْبَرِّ. ثُمَّ جَلَسَ وَصَارَ يُعَلِّمُ الْجُمُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ.
- وَإِذْ كَانَ الْجَمْعُ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ: تُظهر الحشودُ ازديادَ شعبيّةِ يسوعَ كَمُعَلِّم. فعندما ازدحم الجَمعُ عليه دَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ … وَصَارَ يُعَلِّمُ الْجُمُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ.
- “لاحظوا كثرةَ المنابر الغريبة التي كان المسيحُ يعظُ منها.” علّقَ موريسون (Morrison)
- بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَتَ: كان هذا اسمًا آخر لبحر الجليل، كما هو معروف أكثر، وكان يُسمّى أيضًا أحيانًا بحر (أو بحيرة) طبرية.
- إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ: لا بُدَّ أنَّ سِمعَان شَعَرَ بامتيازٍ لأن يسوع أراد أن يُعَلِّم من قاربهِ، ونستطيعُ أيضًا أن نكونَ واثقينَ أن سِمعَان استمعَ إلى هذا التعليم باهتمامٍ أكبر.
ب) الآيات (٤-٥): بطرس ينال بركة بطاعته لكلام يسوع.
٤وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ قَالَ لِسِمْعَانَ: «ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ». ٥فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا. وَلَكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ».
- قَالَ لِسِمْعَانَ: «ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ»: بعد أن أنهى يسوع التعليم، أراد أن يصنع خيرًا لسمعان الذي أعطاه قاربه. فما قدّمهُ بطرس ليسوع عاد إليه مضاعفًا.
- بحسب ما يبدو لنا، كان يسوع معهم في القارب، وهو الذي وجّههم. وحضوره منحهم ثقة. “يا لها من بركة أن ترى المسيح جالسًا في القارب وأنت تُلقي الشبكة. فإذا لمحت ابتسامة الرضا على وجهه، ستعمل بكل إخلاص.” سبيرجن (Spurgeon)
- يَا مُعَلِّمُ، قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ: الكلمة اليونانية القديمة التي استخدمها لوقا لكلمة “مُعلم” (epistata) وردت في إنجيله فقط. وهي تحمل معاني مثل “القائد” أو “مدبر،” وربما حتى “رئيس.” وباستخدامه هذا اللقب، أظهر بطرس اسعداده أن يتلقى أوامره من يسوع.
- قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا. وَلَكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ: كان بإمكان بطرس أن يقدّم العديد من الأعذار:
- “عملتُ طوال الليل وأنا متعب.”
- “أنا أعرف عن الصيد أكثر بكثير مما يعرفه نجّار.”
- “أَفضلُ وقتٍ للصيد هو الليل، لا النهار.”
- “هذه الحشودُ والتعليمُ بصوتٍ عالٍ قد أخافا السمك.”
- “لقد غسلنا شباكنا، وقد انتهينا.”
- “قد يعرف يسوع أمور الدين، لكنه لا يعرف شيئًا عن الصيد.”
- عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ: كان هذا إعلان إيمان بطرس العظيم وثقته بكلمة يسوع. وقد عاش شعب الله عبر العصور وساروا بهذا اليقين في كلمته.
- عَلَى كَلِمَتِكَ، كان نُور.
- عَلَى كَلِمَتِكَ، خُلِقَت الشمسُ والقمرُ والنجومُ والكواكب.
- عَلَى كَلِمَتِكَ، جاء الحياة إلى هذه الأرض.
- عَلَى كَلِمَتِكَ، تقُوم الخليقة وتتَماسك.
- عَلَى كَلِمَتِكَ، تقوم إمبراطوريات وتسقط، ويتحقّق التاريخ بحسب خطته العظيمة.
ج) الآيات (٦-٧): معجزةُ صيدِ السمكِ.
٦وَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ أَمْسَكُوا سَمَكًا كَثِيرًا جِدًّا، فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ. ٧فَأَشَارُوا إِلَى شُرَكَائِهِمُ الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَأْتُوا وَيُسَاعِدُوهُمْ. فَأَتَوْا وَمَلَأُوا السَّفِينَتَيْنِ حَتَّى أَخَذَتَا فِي الْغَرَقِ.
- أَمْسَكُوا سَمَكًا كَثِيرًا جِدًّا: لم يقدّم بطرس مثل هذه الأعذار، فكوفئ إيمانه بيسوع خير مكافأة. فقد كان يدرك أنه على الأرجح يعرف عن الصيد أكثر مما يعرفه نجّار، وأنه عمل طوال الليل دون أن يحقق أي نتيجة. لكن السبب الوحيد الذي جعله يفعل ما طلبه يسوع هو إيمانه به، لا لأن الظروف بدت مناسبة.
- عندما يوجّه يسوع عملنا، يُحدث فرقًا كبيرًا. فقد نعمل، بل نعمل بجد، وقتًا طويلًا دون أن نحقق أي نتائج. ولكن عندما يوجّه يسوع عملنا نرى ثمرًا؛ ونحن نفوّت دائمًا شيئًا عظيمًا حين نقدّم الأعذار بدل أن نترك له القيادة.
- “هنا تُعلن هذه الأسماك الصامتة بوضوح أن المسيح هو ابن الله.” تراب (Trapp)
- فَأَشَارُوا إِلَى شُرَكَائِهِمُ الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَأْتُوا وَيُسَاعِدُوهُمْ: كان على بطرس أن يعمل مع الآخرين لكي يتم العمل. يذكّرنا هذا بما صنعه الله في حياة رجل اسمه جيمس ماكجريدي في المناطق الحدودية بولاية كنتاكي، في تسعينيات القرن الثامن عشر. هناك كان يرعى ثلاث كنائس صغيرة كانت تجتمع في أكواخ بدائية البناء. وقد قال إن شتاء ١٧٩٩ كان في معظمه وقت بكاء ونحيب بين شعب الله، وإن الحياة هناك كانت أشبه بالعيش في سدوم وعمورة، وسط تلك الحدود القاسية التي تسودها الفوضى والبعد عن الله. بدأ ماكجريدي اجتماعات الصلاة، لكنه جعل رعيته أيضًا يصلون لأجله ولأجل خدمة الكلمة مدة نصف ساعة قبل أن يخلدوا إلى النوم مساء السبت، ونصف ساعة أخرى عند استيقاظهم صباح الأحد. وفي سنة ١٨٠٠ انسكب الروح القدس بطريقة غير عادية، وآمن كثيرون بالمسيح، حتى إن ماكجريدي صرخ طالبًا المساعدة قائلًا: ’أي واعظ، مهما كانت طائفته، يحب الرب يسوع، فليأتِ ويساعدني.‘
- “يفضّل بعضهم أن تهلك النفوس على أن يقبلوا شركاء في الخدمة المقدسة. إن الاعتقاد بأن لا شيء يُنجز جيدًا إن لم نقم به بأنفسنا هو كبرياء لا يُطاق، والخوف من أن ينجح الآخرون أكثر منا هو حسد شيطاني.” كلارك (Clarke)
د) الآيات (٨-١١): ردّة فعل بطرس ودعوة ثلاثة تلاميذ.
٨فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذَلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلًا: «اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لِأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!». ٩إِذِ اعْتَرَتْهُ وَجمِيعَ الَّذِينَ مَعَهُ دَهْشَةٌ عَلَى صَيْدِ السَّمَكِ الَّذِي أَخَذُوهُ. ١٠وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبَدِي اللَّذَانِ كَانَا شَرِيكَيْ سِمْعَانَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ: «لَا تَخَفْ! مِنَ الْآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ!». ١١وَلَمَّا جَاءُوا بِالسَّفِينَتَيْنِ إِلَى الْبَرِّ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ.
- خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ: كان يسوع قد شفى حماة بطرس شفاءً معجزيًا (لوقا ٣٨:٤-٣٩). ومع ذلك كان هناك شيئًا خاصًا في معجزة صيد السمك هذه جعلت بطرس يسجد ليسوع ويسلّم نفسه له.
- اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لِأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ: عندما رأى بطرس سلطان يسوع، الذي ظهر في معرفته بأمر لا يفترض أن يعرفه، أدرك إفلاسه الروحي أمامه.
- لأن بطرس كان صيادًا خبيرًا، وكان يعرف أن الظروف غير ملائمة، أدرك أكثر كم كانت هذه معجزة عظيمة.
- لم يمضِ وقت طويل على لقاء بطرس بيسوع، ومع ذلك عرف عنه الكثير، وفهم أيضًا بعض الأمور عن نفسه.
- عرف بطرس أن يسوع هو الرَبّ
- عرف بطرس انه رَجُلٌ
- عرف بطرس انه رَجُلٌ خَاطِئٌ
- جعل كل هذا بطرس إنسانًا متواضعًا
- يمكننا أن نقول إن صلاة بطرس كانت جيدة، لكن هناك صلاة أفضل منها: “اقترب مني يَا رَبُّ، لِأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ.”
- لَا تَخَفْ: في قواعد اللغة اليونانية القديمة، المعنى الحرفي هو: توقف عن الخوف، وهي عبارة تهدئ خوفًا قائمًا بالفعل. كان بطرس يخاف من يسوع بمعنى أنه كان يهابه لأنه رأى عظمته، لكن يسوع طلب منه أن يطرح هذا الخوف. فالله يريد أن تكون علاقتنا به قائمة على المحبة، لا على الخوف.
- مِنَ الْآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ: عندما قال يسوع لسمعان مِنَ الْآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ، كان يخبره أنه سيفعل ما فعله يسوع نفسه. فلم يكن هناك صياد للناس أعظم من يسوع، ومع ذلك أراد أن يقوم آخرون بالعمل الذي قام به. بدأ يسوع بهؤلاء الثلاثة، ثم الاثنا عشر، ثم المئات، ثم الآلاف، ثم الملايين عبر العصور.
- يقول كلارك (Clarke) إن كلمة “تَصْطَادُ” تعني الإمساك بشيء حي. وهذه هي الكرازة الحقيقية؛ فليس الهدف إدخال أناس أموات إلى مبنى، بل أن نأتي بالحياة الحقيقية.
- تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ: يبدو أن هذا يعني أنهم تركوا وراءهم صيد السمك الوفير، لأنه لم يكن مهمًا مقارنة بما كشفه لهم عن يسوع. فقد أظهر لهم أن يسوع كان أكثر بكثير من مجرد نجار، وهذا ما دفعهم أن يتبعوه.
- تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ: تبعوه كما كان التلاميذ يتبعون معلمهم في ذلك الزمان. فمن جهة، قدم لهم يسوع تعليمًا يشبه التعليم التقليدي عند أقدام معلم، لكن من جهة أخرى كان هذا مختلفًا كثيرًا عن التعليم الرباني المعتاد.
- كانوا في البداية يفتقرون إلى التدريب والتعليم إلى حد ما، لكن يسوع علمهم. وكان تعليمهم وتدريبهم أقرب إلى التلمذة العملية منه إلى التعليم في قاعة دراسية.
- كلمة “تَبِعُوهُ” هي مصطلح تقني يستخدمه لوقا يشير إلى التلمذة (٢٣:٩، ٤٩، ٥٧، ٥٩، ٦١ ولا سيما ٢٢:١٨، ٢٨). وبذلك تشبه في طبيعتها المصطلح الذي استخدمه سِفر أعمال الرسل لاتباع المسيح، وهو “الطريق” (أعمال الرسل ٢:٩، ٩:١٩، ٢٣، ٤:٢٢، ١٤:٢٤، ٢٢). بايت (Pate)
أ) الآية (١٢): الأبرص يطلب مساعدة يسوع.
١٢وَكَانَ فِي إِحْدَى الْمُدُنِ، فَإِذَا رَجُلٌ مَمْلُوءٌ بَرَصًا. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلًا: «يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي».
- إِذَا رَجُلٌ مَمْلُوءٌ بَرَصًا. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ: في العالم القديم، كان البَرَص مرضًا مخيفًا ومدمرًا، ولا يزال كذلك في بعض أنحاء العالم. ولأن هذا الرجل كان مصابًا به بشدة، لم يكن لديه أي أمل في الشفاء، لذلك جاء إلى يسوع بشعور عميق بالاحتياج واليأس.
- “في فلسطين كان هناك نوعان من البرص. أحدهما يشبه مرضًا جلديًا شديدًا، وكان أقل خطورة. أما الآخر فكان يبدأ ببقعة صغيرة ثم يأكل الجسد تدريجيًا، حتى لا يبقى من المصاب إلا بقايا يد أو ساق. وكان المصاب في هذه الحالة حيًا، لكنه ميت بكل معنى الكلمة.” باركلي (Barclay)
- بحسب الشريعة والعادات اليهودية، كان يجب على الشخص أن يبتعد مسافة ستة أقدام (نحو مترين) عن الأبرص. وإذا هبت الريح من جهة الأبرص نحوه، كان عليه أن يبتعد مسافة مئة وخمسين قدمًا (نحو خمسة وأربعين مترًا). ولم يكن هناك ما هو أكثر نجاسة من ملامسة الأبرص سوى ملامسة جثة.
- لهذه الأسباب كان البَرَص يُعَدّ صورة للخطية وآثارها. فهو مرضٍ مُعدٍ مُنهك يفسد الإنسان ويجعله كالميت وهو حي. لذلك كان المجتمع، وحتى المتدينون، ينظرون إلى البرص بازدراء. وكان المعلّمون اليهود على وجه الخصوص يحتقرونهم، ويرون فيهم أناسًا تحت دينونة خاصة من الله، لا يستحقون شفقة ولا رحمة.
- ومع ذلك، جاء الأبرص إلى يسوع بنفسه، رغم كثرة ما كان يواجهه من عوائق.
- كان يعرف مدى خطورة حالته.
- كان يعلم أن معظم الناس يرون حالته ميؤوسًا منها.
- لم يكن لديه من يأخذه إلى يسوع أو حتى يجرؤ على ذلك.
- لم يرَ من قبل أن يسوع شفى أبرصًا، ليمنحه ذلك أملًا.
- لم يكن لديه وعد بأن يسوع سيشفيه.
- لم يتلقَّ دعوة من يسوع ولا من تلاميذه.
- لا بد أنه شعر بالخجل والوحدة وسط الحشود.
- يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ: لم يكن لدى الأبرص أي شك في قدرة يسوع على الشفاء، بل كان سؤاله الوحيد: هل هو مستعد أن يشفي؟ وهذا أمر مهم، لأن البرص كان يُعد في العالم القديم مرضًا بلا رجاء، حتى إن شفاء الأبرص كان يُقارن بإقامة الموتى؛ ومع ذلك كان هذا الأبرص يعلم أن كل ما يحتاجه يسوع هو أن يكون راغبًا في ذلك – إِنْ أَرَدْتَ.
- «يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي»: أراد هذا الأبرص أكثر من مجرد الشفاء الجسدي. أراد التطهير، ليس فقط من البرص، بل من كل آثاره المدمرة على حياته وروحه أيضًا.
- يقتبس باركلي (Barclay) عن الدكتور أ.ب. ماكدونالد (A. B. MacDonald)، الذي كان مسؤولًا عن مستعمرة للبُرص في إيتو، نيجيريا: “الأبرص مريض في ذهنه كما في جسده. ولسبب ما، هناك نظرة إلى البرص تختلف عن النظرة إلى أي مرض آخر مشوِّه. فهو مرتبط بالخزي والرعب، ويحمل بطريقة غامضة شعورًا بالذنب… وإذ يُنبذ الأبرص ويُحتقر، كثيرًا ما يفكر في إنهاء حياته، ويعضهم يفعل.”
ب) الآية (١٣): يسوع يلمس الأبرص فيتطهر.
١٣فَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلًا: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». وَلِلْوَقْتِ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ.
- فَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ: لم يكن يسوع بحاجة أن يلمس الأبرص ليشفيه؛ فقد كان يستطيع أن يشفيه بكلمة، بل حتى بفكرة. لكنه لمسه ليُظهر شفقته على هذا الرجل الذي كان يظن أنه لا يُلمس، وليبين أن لمسة المسيح تُطهّر الإنسان بدل أن تنتقل إليه النجاسة.
- “من جهة، كان يعلم أن القيود الطقسية قد أُبطلت فيه؛ ومن جهة أخرى، أراد أن يعلم أن الخطية لا يمكن أن تنجّس قداسة المخلّص الإلهية.” ماير (Meyer)
- أُرِيدُ: بكلامه ولمسته معًا، أظهر يسوع أنه مستعد فعلًا. فلم يبين للأبرص قدرته على الشفاء فقط، بل أظهر أيضًا قلبه المليء بالرغبة والرحمة ليشفيه. ومن الشائع أن يشك الناس في محبة الله أكثر من شكهم قي قدرته.
- وَلِلْوَقْتِ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ: تغيرت حياة الأبرص إلى الأبد. فلم يُشفَ فقط، بل تطهّر أيضًا.
ج) الآية (١٤): يسوع يأمر الأبرص أن يشهد بشفائه أمام الكهنة فقط.
١٤فَأَوْصَاهُ أَنْ لَا يَقُولَ لِأَحَدٍ. بَلِ «امْضِ وَأَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ كَمَا أَمَرَ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ».
- فَأَوْصَاهُ أَنْ لَا يَقُولَ لِأَحَدٍ: كثيرًا ما كان يسوع يطلب من الناس أن يلتزموا الصمت بشأن شفاء أو عمل معجزي صنعه لأجلهم. وقد فعل ذلك ليهدّئ حماس الجموع إلى أن يحين الوقت المناسب لإعلانه الرسمي لإسرائيل، وهو وقت محدد بدقة كما تنبأ به دانيال ٩.
- إضافة إلى ذلك، لم تكن معجزات يسوع تهدف في الأساس إلى أن تجعله مشهورًا أو نجمًا (مع أنها بالتأكيد كانت تشهد لخدمته). بل كان يشفي ليُلبي احتياجات أشخاص بعينهم، وليُظهر قوة المسيح الواضحة في إطار من المحبة والاهتمام باحتياجات الناس البسطاء.
- امْضِ وَأَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ: أمر يسوع الرجل أن يُقدم شَهَادَةً للكهنة، ويا لها من شهادة! فقد كانت شريعة موسى تفرض ذبائح معينة عند شفاء الأبرص، وعندما أخبر الرجل الكهنة، كان عليهم أن يجروا طقوسًا (لاويين ١٤) نادرًا ما كانت تُمارس، إن كانت تُمارس أصلًا.
- “كانت هذه التقدمة تتكون من عُصْفُورَينِ حَيَّينِ طَاهِرَينِ، وَخَشَبِ أَرْزٍ وَقِرْمِزٍ وَزُوفَا (لاويين ٤:١٤)، تقدَّم لتطهيره؛ وبعد أن يطهر، يقدّم: خَرُوفَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَنَعْجَةً وَاحِدَةً حَوْلِيَّةً صَحِيحَةً وَثَلَاثَةَ أَعْشَارِ دَقِيقٍ تَقْدِمَةً مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ وَلُجَّ زَيْتٍ (لاويين ١٠:١٤). أما إذا كان فقيرًا، يقدم: خَرُوفًا وَاحِدًا، وَعُشْرًا وَاحِدًا مِنْ دَقِيقٍ مَلْتُوتٍ بِزَيْتٍ، وَلُجَّ زَيْتٍ، وَيَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ (لاويين ٢١:١٤-٢٢).” كلارك (Clarke)
- وكان ذهابه إلى الكاهن يساعد أيضًا على إعادة الأبرص السابق إلى المجتمع. فقد أراد يسوع أن يكون لشفاء هذا الرجل أكبر قدر ممكن من الفائدة.
د) الآيات (١٥-١٦): ازدياد شهرة يسوع كشافٍ.
١٥فَذَاعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَكْثَرَ. فَاجْتَمَعَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيُشْفَوْا بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ. ١٦وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي الْبَرَارِي وَيُصَلِّي.
- فَذَاعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَكْثَرَ: انتشر خبر شفاء الأبرض على نطاق واسع. ولا يذكر لوقا صراحة أن الأبرص نفسه كان السبب في ذلك، لكن مرقس يذكر هذا (مرقس ٤٥،٤٤:١). فقد أخبر كثيرين رغم وصية يسوع له ألا يخبر أحدًا.
- من الغريب أن الذي أمره يسوع ألا يخبر أحدًا أخبر الحميع، ونحن الذين أمرنا أن نخبر الجميع لا نخبر أحدًا.
- فَاجْتَمَعَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيُشْفَوْا بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ: كان ليسوع جمهور كبير كشافٍ، لكنه لم يسعَ إلى الترويج لذلك أو تشجيعه. وكانت الجموع تأتي لتسمع، وكان أيضًا يشفيهم.
- تنبأ إشعياء عن خدمة المسيا الشافية: حِينَئِذٍ تَتَفَقَّحُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الْأَعْرَجُ كَالْإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الْأَخْرَسِ، لِأَنَّهُ قَدِ انْفَجَرَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ مِيَاهٌ، وَأَنْهَارٌ فِي الْقَفْرِ (إشعياء ٣٥: ٥-٦).
- كان انتشار هذا القدر من المرض والاعتلال في إسرائيل دليلًا على عدم طاعتهم لعهد سيناء، وعلى تدنّي حالتهم الروحية. فقد وعد الله أن تأتي عليهم مثل هذه اللعنات إذا عصوا عهده (تثنية ٢٨).
- أَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي الْبَرَارِي وَيُصَلِّي: في هذا الوقت الذي كانت فيه شهرته تزداد، كان يسوع يحرص أن ينفرد في البرية للصلاة. فمطالب الحياة كانت تدفعه إلى الصلاة، لا تبعده عنها.
- “نظرة المحبة من الله عوّضته عن كراهية الناس.” باركلي (Barclay)
- “اعتاد يسوع أن يعتزل عن الجموع بين حين وآخر ليصلي، ليعلّم خدام الإنجيل أنهم بحاجة إلى أن ينالوا من الله نورًا وقوة متجددين بالصلاة، ليكونوا أكثر ثمرًا في خدمتهم، وأن عليهم أن يحرصوا على تخصيص أوقات خلوة مع الله ومع كتبهم.” كلارك (Clarke)
ثالثًا. قدرة يسوع على الغفران والشفاء
أ) الآيات (١٧-١٩): مقاطعة تعليم يسوع.
١٧وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ كَانَ يُعَلِّمُ، وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ. وَكَانَتْ قُوَّةُ الرَّبِّ لِشِفَائِهِمْ. ١٨وَإِذَا بِرِجَالٍ يَحْمِلُونَ عَلَى فِرَاشٍ إِنْسَانًا مَفْلُوجًا، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا بِهِ وَيَضَعُوهُ أَمَامَهُ. ١٩وَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُونَ بِهِ لِسَبَبِ الْجَمْعِ، صَعِدُوا عَلَى السَّطْحِ وَدَلَّوْهُ مَعَ الْفِرَاشِ مِنْ بَيْنِ الْأَجُرِّ إِلَى الْوَسْطِ قُدَّامَ يَسُوعَ.
- كَانَ يُعَلِّمُ، وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ: في كفرناحوم (مرقس ١:٢)، واصل يسوع التعليم، وكان بين سامعيه قادة دينيون وروحيون (فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ). وكان بعضهم قد جاء من مسافات بعيدة (مِنَ الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ).
- كان الْفَرِّيسِيُّونَ متعبدين وغيورين، لكن الدين عند كثيرين منهم كان يتركّز على طاعة حرفية ظاهرية للناموس، وكانوا يظنون أن الله لا يحب إلا من يفعل مثلهم.
- تعني كلمة الْفَرِّيسِيِّينَ ’مُنفصلين أو مُفرزين.‘ فقد فصلوا أنفسهم عن كل ما ظنوه غير مقدس، واعتبروا أن الجميع منفصلون عن محبة الله إلا هم.
- كان هؤلاء جَالِسِينَ بعيون وقلوب ناقدة، مستعدين أن يحرّفوا أي كلمة يقولها يسوع أو ينقضّوا عليها. ومع ذلك، كانوا على الأقل حاضرين. “نحن نفرح بوجود هؤلاء الجالسين هنا بدلًا من أن لا يأتوا إطلاقًا. فقد يتعامل الرب معهم ويلمس قلوبهم. إذا ذهبت الى حيث تُطلق النيران، فقد تُصاب يومًا ما. ومن الأفضل أن تأتي لتسمع رسالة الإنجيل بدافع ضعيف على ألا تأتي أبدًا.” سبيرجن (Spurgeon)
- وَكَانَتْ قُوَّةُ الرَّبِّ لِشِفَائِهِمْ: نستطيع أن نرى بوضوح أنه كلما كان يسوع حاضرًا، كَانَتْ قُوَّةُ الرَّبِّ حاضرة أيضًا لِشِفَائِهِمْ. ومع ذلك، حتى في خدمة يسوع، كانت هناك أوقات يظهر فيها عمل الله الشافي بوضوح أكبر ويجد قبولًا أوسع.
- صَعِدُوا عَلَى السَّطْحِ وَدَلَّوْهُ مَعَ الْفِرَاشِ مِنْ بَيْنِ الْأَجُرِّ إِلَى الْوَسْطِ قُدَّامَ يَسُوعَ: بسبب ازدحام المكان، اضطر أصدقاء الرجل المفلوج أن ينزلوه من السقف، وكان ذلك بلا شك مقاطعة غير طبيعية لأي عظة أو تعليم.
- مِنْ بَيْنِ الْأَجُرِّ: كان الوصول إلى السقف ممكنًا عادة عبر سلم (أو درج) خارجي، وكان مصنوعًا من القش أو التراب أو القرميد (الأجُرِ) فوق عوارض خشبية، مما سمح لهم بتفكيكه وإنزال الرجل المفلوج إلى الوسط قُدَّامَ يسوع.
- أظهر هذا إصرار أصدقاء الرجل المفلوج وإيمانهم. فقد كانوا واثقين أن يسوع سيشفيه، لأنه كان من الأصعب بكثير أن يصعدوا به من السقف بعد إنزاله.
- تحدث سبيرجن (Spurgeon) عن صفات الذين يأتون بصديق إلى يسوع بهذه الطريقة فقال: “يحب أن يكونوا أقوياء، لأن الحِمل ثقيل؛ ويجب أن يكونوا ثابتين، لأن العمل سيمتحن إيمانهم؛ ويجب أن يكونوا مُصلّين، وإلا يتعبون باطلًا؛ ويجب أن يكونوا مؤمنين، وإلا صاروا بلا فائدة تمامًا.”
ب) الآيات (٢٠-٢٢): يسوع يعلن غفران خطايا الرجل المفلوج.
٢٠فَلَمَّا رَأَى إِيمَانَهُمْ قَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». ٢١فَابْتَدَأَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُفَكِّرُونَ قَائِلِينَ: «مَنْ هَذَا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ؟». ٢٢فَشَعَرَ يَسُوعُ بِأَفْكَارِهِمْ، وَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِكُمْ؟
- فَلَمَّا رَأَى إِيمَانَهُمْ: رأى يسوع جهد الرجال الأربعة وهم يستخدمون حبالًا خشنة مربوطة في زوايا الفراش الذي عليه الرجل المفلوج، ورَأَى إِيمَانَهُمْ.
- كان إيمانهم ظاهرًا. فقد أثبت تصرفهم الجريء وإصرارهم على إحضار صديقهم إلى يسوع أن إيمانهم حقيقي. والإيمان الذي لا يُرى ليس إيمانًا كاملًا.
- في هذه القصة، يتركز الانتباه على إيمان أصدقاء الرجل المفلوج. فعلينا أن نتحلى بالإيمان، لا لسد احتياجاتنا فحسب، بل لنثق أن يسوع يسد احتياجات الآخرين الذين نحضرهم إليه.
- مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ: يمكننا أن نتخيل كيف شعر الأصدقاء على السطح. فقد بذلوا جهدًا كبيرًا ليروا صديقهم يُشفى، لكن بدا أن المعلّم يهتم فقط بحالته الروحية.
- كان يسوع يعلم ما هي حاجة الرجل الحقيقية، وما هي أعظم احتياجاته. فما الفائدة إن كان للرجل ساقان سليمتان، ويمشي بهما إلى الجحيم؟
- لم يقصد يسوع أن الرجل المفلوج كان أكثر شرًا من غيره، ولا أن شلله كان بسبب خطية مباشرة. بل تعامل مع أعظم احتياجاته، أي المشكلة الأساسية وراء كل ألم ومعاناة، وهو حالة الإنسان الساقطة.
- مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ؟: استخدم القادة الدينيون منطقًا صحيحًا. فقد آمنوا بحق أن الله وحده يغفر الخطايا، وكان من حقهم أيضًا أن يفحصوا هذا المعلم الجديد. لكن خطأهم كان في أنهم رفضوا أن يروا من هو يسوع حقًا: ابن الله الذي له سلطان أن يغفر الخطايا.
- “مرة بعد مرة خلال حياة المسيح، كان هذا التحدي يظهر من جديد: إن لم يكن إلهًا، فهو بالفعل مجدّف؛ ولا يوجد طريق ثالث للخروج من هذا المأزق.” كول (Cole)
- هذا يذكرنا أن الله وحده يستطيع أن يحل مشكلة خطيتنا. فنحن لا نقدر حتى أن نغفر لأنفسنا، لأنه ليست لدينا السلطة ولا القدرة على ذلك. لذلك يجب أن نتيقن أن الله قد غفر لنا حقًا وبحق، على أساس ما صنعه يسوع على الصليب.
- “راحتنا في نوال الغفران تقوم دائمًا على يقين أنه عطية من نعمة الله.” مورجان (Morgan)
ج) الآيات (٢٣-٢٦): يسوع يُظهر قوة الله وسلطانه وحده.
- أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ…: بالنسبة للإنسان، الغفران الحقيقي وقوة الشفاء كلاهما مستحيلان؛ أما عند الله فكلاهما سهل. ومن المنطقي أن الذي يملك القدرة على شفاء مرض يملك أيضًا السلطان أن يغفر خطاياه.
- من جهة ما، كان شفاء الرجل يبدو أصعب من غفران خطاياه، لأن الغفران لا يُرى ولا يمكن التأكد منه في تلك اللحظة. أما شفاء الرجل فيمكن التحقق منه فورًا، إن قام ومشى. لذلك كان يسوع مستعدًا أن يبرهن ذلك حالًا.
- وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لِابْنِ الْإِنْسَانِ: كثيرًا ما أشار يسوع إلى نفسه بلقب ابْنِ الإِنْسَانِ. ولم يكن المقصود به “الإنسان الكامل” أو “الإنسان المثالي” أو حتى “الإنسان العادي،” بل كان إشارة إلى دانيال ١٣:٧-١٤، حيث يُدعى الآتي في مجد، الديان للعالم، بلقب ’ابن الإنسان.‘
- كان يسوع يستخدم هذا اللقب كثيرًا، لأنه في زمانه كان لقبًا مسيانيًا خاليًا من المعاني السياسية والقومية. وكان يمكنه أن يشير إلى نفسه أكثر بلقب ’الملك‘ أو ’المسيح،‘ لكن هذين اللقبين كانا يُفهمان عند السامعين على أنهما ’الذي سيهزم الرومان.‘
- يقول روبرتسون (Robertson) عن لقب ابْنِ الإِنْسَانِ: “هو اللقب المفضل للمسيح عن نفسه، وهو إعلان لكونه المسيا بطريقة يصعب الاعتراض عليها.
- فَفِي الْحَالِ قَامَ: تخيّل التوتر في هذا المشهد. كان الكتبة متوترين، لأن يسوع تحداهم وقال إنه سيبرهن أنه ابن الله. وكان الرجل المفلوج متوترًا، لأنه كان يتساءل هل سيشفيه يسوع فعلًا. وكان الجمع متوترًا، لأنه شعر بتوتر من حوله. وكان صاحب البيت متوترًا، لأنه لا بد كان يفكر في كلفة إصلاح السقف. وحتى الأصدقاء الأربعة كانوا متوترين، لأنهم تعبوا. اأما لوحيد الذي لم يكن متوترًا فهو يسوع، لأنه كان في سلام كامل حين قال: “قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ.” وفي الحال قَامَ الرجل. وهكذا ثبت فورًا أن ليسوع القدرة على الشفاء وسلطانًا على غفران الخطايا.
- تخيّل لو أن يسوع لم ينجح. لانهارت خدمته. ولخرج الجمع من البيت واحدًأ تلو الآخر. وكان الكتبة سيبتسمون قائلين: “إنه لا يستطيع أن يشفي أو يغفر الخطايا.” وكان الرجال الأربعة سيحاولون رفع الرجل المفلوج، وهو أكثر حزنًا وخجلًا من قبل. وصاحب البيت سينظر إلى سقفه ويشعر أن كل ما حدث كان بلا فائدة.
- لكن يسوع لم يفشل، ولا يمكن أن يفشل، لأن كل ما كان يحتاجه لشفاء هذا الرجل هو كلمته. ففي كلمة يسوع، وفي مواعيده، قوة شفاء عظيمة لمن يأتون إليه بالإيمان. وقد جاء هذا الرجل إلى يسوع بإيمان، حتى وإن كان مستندًا إلى إيمان أصدقائه.
- فَأَخَذَتِ الْجَمِيعَ حَيْرَةٌ وَمَجَّدُوا اللهَ، وَامْتَلَأُوا خَوْفًا: انتصر يسوع في هذا الموقف، وتعجب الناس إذ رأوا قوة الله تعمل أمامهم (فَأَخَذَتِ الْجَمِيعَ حَيْرَةٌ).\
رابعًا. دعوة لاوي (متى)
أ) الآيات (٢٧-٢٨): دعوة عشَّار ليتبع يسوع.
- وَبَعْدَ هَذَا: حتى هذه النقطة من سرد لوقا، تعامل يسوع مع رجل مفلوج، وأبرص، ورجل به روح شريرة. والآن كان مستعدًا أن يتعامل مع عشّار.
- عَشَّارًا اسْمُهُ لَاوِي جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ: كان لاوي (المعروف أيضًا باسم متى – متى ٩:٩) عشارًا. وفي تلك الأيام، كان العشارون مكروهين، يُنظر إليهم كخونة ومبتزين.
- كان اليهود يعتبرونهم خونة عن حق، لأنهم كانوا يعملون لصالح الحكومة الرومانية، ويستعينون بقوة الجنود الرومان لإجبار الناس على دفع الضرائب. وكانوا أبرز الخونة المتعاونين مع روما.
- واعتبرهم اليهود أيضًا مبتزين عن حق، لأنهم كانوا يحتفظون بكل ما يجمعونه فوق المطلوب. فقد كان العشار يتنافس مع غيره للحصول على عقد جباية الضرائب، وكان الرومان يمنحون العقد لمن يدفع أكثر. ثم يجمع هذا الرجل الضرائب، ويسلم للرومان ما تعهد به، ويحتفظ بالباقي لنفسه. لذلك كان لديهم دافع قوي لفرض مبالغ زائدة وخداع الناس بكل وسيلة ممكنة، إذ كان ذلك ربحًا خالصًا لهم.
- “عندما كان يهودي يدخل في خدمة الجباية، كان يُعد منبوذًا من المجتمع: فلا يُقبل قاضيًا ولا شاهدًا في المحكمة، ويُطرد من المجمع، وكان عاره، في نظر المجتمع، يمتد ليشمل أسرته.” لاين (Lane)
- “يخبرنا كاتب روماني أنه رأى يومًا نصبًا تذكاريًا أقيم تكريمًا لعشار أمين. فقد كان وجود نموذج أمين في هذه المهنة المشبوهة أمرًا نادرًا إلى درجة أنه استحق أن يُقام له نصب.” باركلي (Barclay)
- فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي»: بالنظر إلى أن معظم الناس كانوا يكرهون العشارين، فمن المدهش أن يسوع أحب لاوي ودعاه. وكانت محبته في موضعها، إذ استجاب لاوي لدعوته، فترك عمله في الجباية وتبع يسوع.
- من جهة ما، كان هذا تضحية أكبر مما قدمه بعض التلاميذ الآخرين. فقد كان بطرس ويعقوب ويوحنا يستطيعون أن يعودوا بسهولة إلى عمل الصيد، أما لاوي فكان من الصعب عليه أن يعود إلى الجباية. “كانت وظيفة العشار مرغوبة جدًا، لأنها طريق سريع للغِنى.” ويسيل (Wessel)
- توجد أدلة أثرية على أن السمك الذي يصطاد من بحر الجليل كان يفرض عليه ضرائب. وهكذا دعا يسوع عشارًا ليكون تلميذًا له، وهذا العشار كان يأخذ المال من بطرس ويعقوب ويوحنا وغيرهم من الصيادين.
- فَتَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ: “لا بد أن هذا كان تضحية كبيرة، لأن العشارين كانوا عادة أغنياء. ويبدو أن متى كان أغنى الرُسل.” موريس (Morris)
ب) الآيات (٢٩-٣٢): أُتهم يسوع بمخالطة الخطاة.
٢٩وَصَنَعَ لَهُ لَاوِي ضِيَافَةً كَبِيرَةً فِي بَيْتِهِ. وَالَّذِينَ كَانُوا مُتَّكِئِينَ مَعَهُمْ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ عَشَّارِينَ وَآخَرِينَ. ٣٠فَتَذَمَّرَ كَتَبَتُهُمْ وَالْفَرِّيسِيُّونَ عَلَى تَلَامِيذِهِ قَائِلِينَ: «لِمَاذَا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مَعَ عَشَّارِينَ وَخُطَاةٍ؟». ٣١فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «لَا يَحْتَاجُ الْأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى. ٣٢لَمْ آتِ لِأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ».
- وَصَنَعَ لَهُ لَاوِي ضِيَافَةً كَبِيرَةً فِي بَيْتِهِ: ترك لاوي (متى) الكثير ليتبع يسوع، لكنه لم يكن حزينًا، بل كان سعيدًا لدرجة أنه أقام وليمة ليسوع.
- كان من أسباب إقامة متى للوليمة أنه أراد أن يعرّف أصدقاءه على يسوع. فالإنسان الذي نال الخلاص لا يريد أن يذهب إلى السماء وحده.
- فَتَذَمَّرَ كَتَبَتُهُمْ وَالْفَرِّيسِيُّونَ عَلَى تَلَامِيذِهِ: كانت شكواهم أنهم يقيمون علاقات ودية مع خطاة معروفين، فيأكلون معهم على مائدة واحدة ويشاركونهم في الولائم.
- جاء الاتهام موجهًا إلى يسوع بشكل غير مباشر، من خلال تلاميذه. وكثيرًا ما يهاجم الناس يسوع بالطريقة نفسها اليوم، من خلال تلاميذه.
- “لم يُحِر رجال الدين في زمن الرب شيء أكثر من أكله وشربه بألفة مع العشارين والخطاة. وهنا أُعلن سبب ذلك، إذ كان بينهم كالطبيب العظيم.” مورجان (Morgan)
- لَا يَحْتَاجُ الْأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ: كان جواب يسوع بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد. فهو طبيب النفوس، ومن الطبيعي أن يكون مع المرضى بالخطية.
- بالطبع، كان منتقدوه أيضًا مرضى بالخطية، لكنهم رفضوا أن يروا أنفسهم كذلك. فقد كانوا يظنون أن الآخرين هم المرضى بالخطية، لا هم.
- هناك أسباب كثيرة قد تدفع المريض إلى رفض الذهاب إلى الطبيب.
- ربما لا تعلم أنك مريض.
- ربما تعلم أنك مريض، لكنك تظن أنك ستتحسن وحدك، ولا تدرك أنك بحاجة إلى الذهاب إلى الطبيب.
- ربما تعلم أنك مريض، وتدرك أنك بحاجة إلى طبيب، لكنك لا تعلم أن هناك طبيبًا يمكنه أن يساعدك.
- ربما تعلم أنك مريض، وتدرك أنك بحاجة إلى طبيب، وتعلم بوجود طبيب، لكنك لا تظن أنه يستطيع أن يساعدك.
- ربما تعلم أنك مريض، وتدرك أنك بحاجة إلى طبيب، وتعلم بوجود طبيب، وتعلم أنه قادر أن يساعدك، لكنك لا تعلم أنه يريد أن يساعدك.
- ربما تعلم أنك مريض، وتدرك أنك بحاجة إلى طبيب، وتعلم بوجود طبيب، وتعلم أنه قادر أن يساعدك، وتعلم أنه يريد أن يساعدك، لكنك تعرف ما سيطلبه منك ولا تريد أن تفعله.
- يسوع هو الطبيب الصالح الذي يشفي من الخطية.
- هو متاح دائمًا.
- يشخّص الحالة بدقة تامة.
- يقدّم شفاءً كاملًا.
- بل يدفع ثمن العلاج أيضًا.
ج) الآيات (٣٣-٣٩): يُعلن يسوع أن الأمور تحت سُلطانه مختلفة.
- أَتَقْدِرُونَ أَنْ تَجْعَلُوا بَنِي الْعُرْسِ يَصُومُونَ مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ أجاب يسوع عن سؤالهم بإشارة إلى عادات الزفاف في أيامهِ. فقد كان العرس أوضح صورةٍ للفرح والسعادة في تلك الثقافة. وخلال وليمة الزفاف التي كانت تستمر أسبوعًا كاملًا، كان من المُسلَّم به أن الفرح أهم من الالتزام بالطقوس الدينية. فإذا كان أي طقس يُنقِصُ من فرح العرس، لم يُلتزم به. وقال يسوع إن أتباعهُ ينبغي أن يكون لهم هذا الفرح.
- ببساطة، ظنوا أن يسوع كان سعيدًا أكثر من اللازم. متى كانت آخرُ مرةٍ اتُّهِمتَ فيها بأنك مبتهجٌ أو سعيدٌ أكثر من اللازم؟
- بحسب بايت (Pate)، كان هناك نصٌّ يهودي شائع يُعرف باسم “سِجل الصوم،” وكان يتضمن عادةً تقضي بمنع الصوم في أيامٍ مخصصة للاحتفال ببركات الله لإسرائيل بفرح. وقد استند يسوع إلى هذا المنطق.
- وَلَكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ: سيأتي يومٌ يكون فيه الصوم مناسبًا لأتباع يسوع. أما في ذلك الوقت، حين كان يسوع بينهم، فلم يكن ذلك هو الوقت.
- توجد نغمةُ حزنٍ خفيفة في الكلمات: “سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ.” وكأن يسوع يقول: “سيتخلّصون مني، فأنا أهدد نظامهم.” وهي من أوائل الإشارات الخفيفة إلى رفضه الآتي.
- بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ، فَتُحْفَظُ جَمِيعًا: الفكرة التي يقصدها يسوع واضحة: لا يمكن أن تُوضَع الحياة الجديدة التي يأتي بها داخل قوالب قديمة. وهذا يفسّر لماذا لم يبدأ يسوع حركة إصلاح من داخل اليهودية، بالتعاون مع المدارس الربّانية وما شابهها. وكأنه يقول: ’لم آتِ لأصلح ممارساتكم القديمة، بل جئتُ بملابس جديدة تمامًا.‘
- أسس يسوع كيانًا جديدًا، هو الكنيسة، التي جمعت اليهود والأمم معًا في جسدٍ جديدٍ بالكامل (أفسس ١٦:٢).
- يذكّرنا يسوع بأن ما هو قديم وراكد لا يمكن في الغالب تجديده أو إصلاحه. وغالبًا ما يبحث الله عن أوعية جديدة ليحمل فيها عمله الجديد، إلى أن تُفسِد هذه الأوعية نفسها وتفقد صلاحيتها. وهذا يذكّرنا بأن المؤسسة الدينية في أي عصر لا ترضي يسوع بالضرورة، بل قد تقف أحيانًا ضد عمله، أو على الأقل تُقاومه.
- يْسَ أَحَدٌ يَضَعُ رُقْعَةً مِنْ ثَوْبٍ جَدِيدٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ: “إذا رقّعتَ ثوبًا عتيقًا بقطةٍ من ثوبٍ جديد، فأنت لا تُفسد الجديد فقط، بل تجعل القديم أسوأ حالًا؛ لأن القطة الجديدة ستنكمش لاحقًا، فتشدّ القماش البالي وتمزّقه. وهكذا أيضًا، فإن محاولة إدخال مبادئ يسوع في الأنظمة القديمة تنتهي بالفساد نفسه. جيلدينهيز (Geldenhuys)
- وَلَيْسَ أَحَدٌ إِذَا شَرِبَ الْعَتِيقَ يُرِيدُ لِلْوَقْتِ الْجَدِيدَ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: الْعَتِيقُ أَطْيَبُ: كون الناس يرتاحون لما هو قديم لا يعني أنه الأفضل. وفي زماننا يميل كثيرون إلى كل ما هو جديد وبراق أكثر من القديم؛ ومع ذلك، لا ينبغي أن نقبل أو نرفض شيئًا لمجرد كونه قديمًا أو جديدًا.
- جاء يسوع ليُقدِّم شيئًا جديدًا، لا ليُرقّع (أو يصلح) شيئًا قديمًا. هذا هو جوهر الخلاص. وفي هذا لا يُبطِل يسوع القديم (الناموس)، بل يُكمِّله، كما تكتمل حبة البلوط حين تنمو وتصير شجرة بلوط. فمن ناحية، تختفي حبة البلوط، لكن غايتها تتحقق في صورة أعظم.
