سفر التثنية – الإصحاح ٢
موسى يتذكر سنوات البرية والسير نحو كنعان
أولًا: موسى يتذكر سنوات البرية (الصحراء)
أ ) الآيات (١-٧): موسى يتذكر الرحلة عبر أرض أدوم.
١ثُمَّ تَحَوَّلْنَا وَارْتَحَلْنَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ عَلَى طَرِيقِ بَحْرِ سُوفَ كَمَا كَلَّمَنِي الرَّبُّ، وَدُرْنَا بِجَبَلِ سِعِيرَ أَيَّامًا كَثِيرَةً. ٢ثُمَّ كَلَّمَنِي الرَّبُّ قَائِلًا: ٣كَفَاكُمْ دَوَرَانٌ بِهذَا الْجَبَلِ. تَحَوَّلُوا نَحْوَ الشِّمَالِ. ٤وَأَوْصِ الشَّعْبَ قَائِلًا: أَنْتُمْ مَارُّونَ بِتُخْمِ إِخْوَتِكُمْ بَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سِعِيرَ، فَيَخَافُونَ مِنْكُمْ فَاحْتَرِزُوا جِدًّا. ٥لاَ تَهْجِمُوا عَلَيْهِمْ، لأَنِّي لاَ أُعْطِيكُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَلاَ وَطْأَةَ قَدَمٍ، لأَنِّي لِعِيسُو قَدْ أَعْطَيْتُ جَبَلَ سِعِيرَ مِيرَاثًا. ٦طَعَامًا تَشْتَرُونَ مِنْهُمْ بِالْفِضَّةِ لِتَأْكُلُوا، وَمَاءً أَيْضًا تَبْتَاعُونَ مِنْهُمْ بِالْفِضَّةِ لِتَشْرَبُوا. ٧لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ قَدْ بَارَكَكَ فِي كُلِّ عَمَلِ يَدِكَ، عَارِفًا مَسِيرَكَ فِي هذَا الْقَفْرِ الْعَظِيمِ. اَلآنَ أَرْبَعُونَ سَنَةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ مَعَكَ، لَمْ يَنْقُصْ عَنْكَ شَيْءٌ.
- كَفَاكُمْ دَوَرَانٌ بِهذَا الْجَبَلِ. تَحَوَّلُوا نَحْوَ الشِّمَالِ: ينتهي الإصحاح الأول من سفر التثنية ١ برفض إسرائيل دخول أرض كنعان بالإيمان، مما أدى إلى عقابهم بالتيه في البرية حتى وفاة الجيل غير المؤمن. وفي سرده لهذا التاريخ، انتقل موسى بسرعة إلى نهاية فترة التيه التي دامت ٣٨ عامًا، مُسلّطًا الضوء على أمر الله لإسرائيل بالتقدم نَحْوَ الشِّمَالِ باتجاه أرض الموعد. وعلى الرغم من عدم إيمانهم وعصيانهم لله، لم يتخل الرب عن إسرائيل وقادهم طوال رحلتهم.
- “إن الرب لا يقودنا الرب في خطوات ليست بلا قيمة. فكل جزء من الطريق، مهما كان وعرًا أو متعرجًا، يحمل معنى وقيمة. ففي تجارب جبل سعير، نتعلم دروسًا لا يمكن تعلّمها في أي مكان آخر. وفي أرض موآب، نلتقي بالله بطرق فريدة لا يمكننا اختبارها في أي مكان آخر. إذًا، فلنفرح دائمًا بوصاياه، مهما كانت تزعجنا.” مورجان (Morgan)
- أَنْتُمْ مَارُّونَ بِتُخْمِ إِخْوَتِكُمْ بَنِي عِيسُو: كان بَنِي عِيسُو أقرباء بعيدين لشعب إسرائيل (عاشوا قبل ٤٠٠ سنة، وكان عيسو شقيق يعقوب). لم يرد الله أن يأخذ إسرائيل الأرض التي أعطاها لعيسو ونسله الأدوميين. كان «أَدُوم» لقبًا لعيسو.
- لعل أشهر حفيد لعيسو كان هيرودس الكبير في العهد الجديد. فوفقًا للمؤرخ اليهودي القديم يوسيفوس، كان هيرودس الكبير أدوميًا (كتاب آثار اليهود، المجلد ١٤، الفصل ١٥، القسم ٢)، أي أنه كان من نسل أدوم.
- لاَ تَهْجِمُوا عَلَيْهِمْ، لأَنِّي لاَ أُعْطِيكُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ: لم تكن إسرائيل مجرد جيش غاز يسعى للاستيلاء على أي أرض يمكن أن يستولي عليها. ربما كان الجيش قويًا بما يكفي ليستولي على أرض أدوم، لكن هذا الجيش لم يأخذ إلا ما وعدهم به الله. لقد وفّر الله كل احتياجات إسرائيل (لَمْ يَنْقُصْ عَنْكَ شَيْءٌ)، ولهذا لم يكونوا بحاجة إلى نهب أمة أدوم، ذات القرابة لهم.
- “لم تكن الأوامر الإلهية دائمًا توجيهات بالتقدم أو الانخراط في القتال. كان على إسرائيل غزو مناطق معينة مع تجنب مناطق أخرى. بهذا الشكل، حدد الله بدقة حدود الأرض التي ينبغي الاستيلاء عليها، وتم كبح جماح الطموحات البشرية الأنانية.” تومسون (Thompson)
- لَمْ يَنْقُصْ عَنْكَ شَيْءٌ: “إن الله، كرب كريم، لا يمنح خدامه المؤمنين مسكنًا متواضعًا أو رزقًا مؤقتًا، كما يفعل العظماء من البشر في عطائهم. بل يمنح بسخاء لهم ولذريتهم لأجيال عديدة. من ذا الذي لا يخدمك إذن، يا ملك الأمم!” تراب (Trapp)
- طَعَامًا تَشْتَرُونَ مِنْهُمْ بِالْفِضَّةِ… وَمَاءً أَيْضًا تَبْتَاعُونَ مِنْهُمْ: أمر الله إسرائيل أن يعاملوا الأدوميين باحترام، حتى لو كان بإمكانهم السيطرة عليهم كأمة أقوى (سفر العدد ١٤:٢٠-٢١).
- إن الطريقة التي نتعامل بها مع أولئك الأضعف منا هي دائمًا مقياس جيد لشخصيتنا. فعندما تكون لدينا القدرة على السيطرة على الآخرين أو إساءة معاملتهم ولا نفعل ذلك، فهذا يدل على أن لدينا شخصية جيدة. بسبب بعض هذه الأسباب، أمر الله إسرائيل أن يعاملوا أمة أدوم الأضعف معاملة حسنة.
- طَعَامًا تَشْتَرُونَ مِنْهُمْ بِالْفِضَّة: “يشرح راشي (Jarchi) أن هذه الوصية هي لحث بني إسرائيل على عدم التظاهر بالفقر، كما قد يفعل كثيرون لتوفير المال لأنفسهم. فعندما اقترب الأسباط من الأدوميين، لم يكن عليهم أن يقولوا: ’نحن أناس فقراء، وليس لدينا مال؛ فلا ينبغي أن تفرضوا علينا تكلفة عالية مقابل الماء، لأننا لا نستطيع تحمل دفع السعر الكامل. ‘ كلا، هذا غير مقبول، لا يجب أن نكون هكذا. وباعتبارهم أشخاصًا يعولهم الله اللامحدود، لم يجرؤ أبناء السماء أن يتظاهروا بالفقر.” سبيرجن (Spurgeon)
ب) الآيات (٨-١٥): موسى يتذكر الرحلة عبر موآب.
٨فَعَبَرْنَا عَنْ إِخْوَتِنَا بَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سِعِيرَ عَلَى طَرِيقِ الْعَرَبَةِ، عَلَى أَيْلَةَ، وَعَلَى عِصْيُونِ جَابِرَ، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا وَمَرَرْنَا فِي طَرِيقِ بَرِّيَّةِ مُوآبَ. ٩«فَقَالَ لِي الرَّبُّ: لاَ تُعَادِ مُوآبَ وَلاَ تُثِرْ عَلَيْهِمْ حَرْبًا، لأَنِّي لاَ أُعْطِيكَ مِنْ أَرْضِهِمْ مِيرَاثًا، لأَنِّي لِبَنِي لُوطٍ قَدْ أَعْطَيْتُ «عَارَ» مِيرَاثًا. ١٠الإِيمِيُّونَ سَكَنُوا فِيهَا قَبْلًا. شَعْبٌ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ وَطَوِيلٌ كَالْعَنَاقِيِّينَ. ١١هُمْ أَيْضًا يُحْسَبُونَ رَفَائِيِّينَ كَالْعَنَاقِيِّينَ، لكِنَّ الْمُوآبِيِّينَ يَدْعُونَهُمْ إِيمِيِّينَ. ١٢وَفِي سِعِيرَ سَكَنَ قَبْلًا الْحُورِيُّونَ، فَطَرَدَهُمْ بَنُو عِيسُو وَأَبَادُوهُمْ مِنْ قُدَّامِهِمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِسْرَائِيلُ بِأَرْضِ مِيرَاثِهِمِ الَّتِي أَعْطَاهُمُ الرَّبُّ. ١٣اَلآنَ قُومُوا وَاعْبُرُوا وَادِيَ زَارَدَ. فَعَبَرْنَا وَادِيَ زَارَدَ. ١٤وَالأَيَّامُ الَّتِي سِرْنَا فِيهَا مِنْ قَادَشَ بَرْنِيعَ حَتَّى عَبَرْنَا وَادِيَ زَارَدَ، كَانَتْ ثَمَانِيَ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، حَتَّى فَنِيَ كُلُّ الْجِيلِ، رِجَالُ الْحَرْبِ مِنْ وَسَطِ الْمَحَلَّةِ، كَمَا أَقْسَمَ الرَّبُّ لَهُمْ. ١٥وَيَدُ الرَّبِّ أَيْضًا كَانَتْ عَلَيْهِمْ لإِبَادَتِهِمْ مِنْ وَسَطِ الْمَحَلَّةِ حَتَّى فَنُوا.
- وَمَرَرْنَا فِي طَرِيقِ بَرِّيَّةِ مُوآبَ: وكان الموآبيون أيضًا أقرباء بعيدين لإسرائيل؛ وهم من نسل لوط ابن أخ إبراهيم. وكما هو الحال مع أدوم، لم يرد الله لإسرائيل أن يُعَادِ مُوآبَ وَلاَ يُثِرْ عَلَيْهِمْ حَرْبًا – فأرضهم لم تكن الأرض التي قصد الله أن يمنحها لإسرائيل.
- من أشهر الموآبيين في الكتاب المقدس كانت راعوث (راعوث ٤:١). كانت امرأة موآبية تزوجت من رجل إسرائيلي اسمه بوعز وأصبحت جدة للملك داود وأحد أسلاف المسيح.
- الإِيمِيُّونَ سَكَنُوا فِيهَا قَبْلًا: كان الموآبيون مشهورين لأنهم هزموا الشعب الكنعاني المعروف باسم الإِيمِيُّينَ، الذين كانوا عرقًا كبيرًا ومخيفًا مثل العناقيين. لم يكن الموآبيون هم السكان الأصليين لأراضيهم؛ بل استولوا عليها بعد تهجير السكان السابقين.
- إن المصطلح المترجم هنا “عمالقة” هو في الواقع الكلمة العبرية رَفَائِيِّين (rephaim). وغالبًا ما تُترجم كلمة رفائيين إلى “العمالقة،” ولكنها تعني في الواقع “المخيفين.”
- الرَفَائِيِّينَ: كانوا مجموعة كبيرة من الناس المحاربين الذين سكنوا كنعان قبل بني إسرائيل. وفي المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن، عُرفوا بأسماء عديدة: دعاهم الموآبيون “الإِيمِيُّينَ،” بينما دعاهم بنو عمون “زَمْزُمِيِّينَ” (تثنية ٢: ٢٠).
- “من المرجح أنهم كانوا شعبًا قويًا وعنيفًا ورهيبًا، عاشوا على نهب الآخرين، مثل العرب المتجولين. وكان هذا كافيًا لكسب لقب العمالقة أو الرجال ذوي القامة الضخمة.” كلارك (Clarke)
- “يظهر اسم ’رَفَائِيِّينَ‘ في عدة مقاطع مثل مزمور ٨٨: ١٠ (١١ بالعبرية)، والأمثال ٢: ١٨؛ ٩: ١٨؛ ٢١: ١٦؛ أيوب ٢٦: ٥؛ وإشعياء ١٤: ٩؛ ٢٦: ١٤، ١٩، حيث يشير إلى الأَخِيلَةُ أو أرواح الموتى في الهاوية. ومن المحتمل أن يكون الإسرائيليون قد استخدموا هذا المصطلح لوصف السكان الأوائل للأرض، ونظروا إليهم كشخصيات من حقبة بعيدة وماضية.” تومسون (Thompson)
- عَنَاقِيُّون: “كان اسم “عناق” اسمًا قديمًا. وقد ورد ذكره في نصوص الازدراء (اللعنة) المصرية التي تعود إلى القرنين العشرين والتاسع عشر قبل الميلاد. (راجع تثنية ١: ٢٨، عدد ١٣: ٢٢، ٣٣، يشوع ٢١:١١-٢٢؛ ١٤:١٥.” تومسون (Thompson)
- “إن كان الله قد طرد الإِيمِيِّين، أو المروّعين، من أمام الموآبيين، أفلا يطرد العناقيين من أمام بني إسرائيل؟” تراب (Trapp)
- ثَمَانِيَ وَثَلاَثِينَ سَنَةً: بهذه الآيات المختصرة، غطى موسى ثمانية وثلاثين عامًا من التيه في البرية. لم يحققوا الكثير في تلك الفترة سوى البقاء على قيد الحياة، ولم يحرزوا سوى القليل من التقدم، منتظرين موت الجيل الذي اتسم بعدم الإيمان حتى يتمكن الجيل المؤمن من دخول أرض الموعد.
- كَمَا فَعَلَ إِسْرَائِيلُ بِأَرْضِ مِيرَاثِهِمِ الَّتِي أَعْطَاهُمُ الرَّبُّ: “من الممكن أن يكون الراوي هنا قد استخدم ما يسمى بـ ’الثقة التامة،‘ وهي صيغة نحوية تُستخدم لوصف حدث مستقبلي كما لو كان قد تم بالفعل، مما يعكس يقين الإيمان بوعد الله. أو ربما تمت إضافة العبارة لاحقًا بواسطة شخص مُخَوّل قد وجهه الرب لذلك.” ميريل (Merrill)
ثانيًا: موسى يتذكر الأمم التي واجهوها في طريقهم إلى كنعان
أ ) الآيات (١٦-٢٣): عبور أرض بني عمون.
١٦فَعِنْدَمَا فَنِيَ جَمِيعُ رِجَالِ الْحَرْبِ بِالْمَوْتِ مِنْ وَسَطِ الشَّعْبِ، ١٧كَلَّمَنِي الرَّبُّ قَائِلًا: ١٨أَنْتَ مَارٌّ الْيَوْمَ بِتُخْمِ مُوآبَ، بِعَارَ. ١٩فَمَتَى قَرُبْتَ إِلَى تُجَاهِ بَنِي عَمُّونَ، لاَ تُعَادِهِمْ وَلاَ تَهْجِمُوا عَلَيْهِمْ، لأَنِّي لاَ أُعْطِيكَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَمُّونَ مِيرَاثًا، لأَنِّي لِبَنِي لُوطٍ قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِيرَاثًا. ٢٠هِيَ أَيْضًا تُحْسَبُ أَرْضَ رَفَائِيِّينَ. سَكَنَ الرَّفَائِيُّونَ فِيهَا قَبْلًا، لكِنَّ الْعَمُّونِيِّينَ يَدْعُونَهُمْ زَمْزُمِيِّينَ. ٢١شَعْبٌ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ وَطَوِيلٌ كَالْعَنَاقِيِّينَ، أَبَادَهُمُ الرَّبُّ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ. ٢٢كَمَا فَعَلَ لِبَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سِعِيرَ الَّذِينَ أَتْلَفَ الْحُورِيِّينَ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. ٢٣وَالْعُوِّيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي الْقُرَى إِلَى غَزَّةَ، أَبَادَهُمُ الْكَفْتُورِيُّونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ كَفْتُورَ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ.
- فَعِنْدَمَا فَنِيَ جَمِيعُ رِجَالِ الْحَرْبِ بِالْمَوْتِ: كان هذا بمثابة نهاية أو قرب نهاية جيل عدم الإيمان الذي رفض في قادش برنيع أن يثق بوعد الله ويستولي على أرض كنعان بالإيمان (تثنية ١: ١٩-٣٣). والآن، سيقود الله جيل الإيمان لغزو كنعان.
- لأَنِّي لاَ أُعْطِيكَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَمُّونَ مِيرَاثًا: كما هو الحال مع الأدوميين والموآبيين، لم تكن أرض بني عمون أيضًا لشعب إسرائيل. اتبعت إسرائيل إرشادات الله بقيادة موسى. لقد شاركت في المعارك وامتلاك الأراضي فقط حسب توجيهاته، وليس وفقًا لرغباتهم أو خططهم الخاصة.
- أَرْضَ رَفَائِيِّين (العماليق): يُستخدم المصطلح العبري رَفَائِيِّين مرة أخرى لوصف الشعب الضخم المولع بالحرب الذي سكن أرض كنعان قبل بني إسرائيل. وكان الموآبيون يطلقون عليهم اسم الإِيمِيِّين (تثنية ٢: ١١).
- الْكَفْتُورِيُّونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ كَفْتُورَ: “يظل الموقع الدقيق لكَفْتُور غير مؤكد، ولكن من المحتمل أنه كان في كريت. في مراجع أخرى من العهد القديم (إرميا ٤٧: ٤؛ عاموس ٩: ٧)، يبدو أن المصطلح يصف المناطق الساحلية والجزر في بحر إيجه. يُعتقد أن الفلسطيين كانوا جزءًا من شعوب البحر الذين شنوا غزوات على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط الشرقي خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد. تومسون (Thompson)
ب) الآيات (٢٤-٣٧): موسى يتذكر إخضاع سيحون ملك الأموريين.
٢٤قُومُوا ارْتَحِلُوا وَاعْبُرُوا وَادِيَ أَرْنُونَ. اُنْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ إِلَى يَدِكَ سِيحُونَ مَلِكَ حَشْبُونَ الأَمُورِيَّ وَأَرْضَهُ. ابْتَدِئْ تَمَلَّكْ وَأَثِرْ عَلَيْهِ حَرْبًا. ٢٥فِي هذَا الْيَوْمِ أَبْتَدِئُ أَجْعَلُ خَشْيَتَكَ وَخَوْفَكَ أَمَامَ وُجُوهِ الشُّعُوبِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ. الَّذِينَ يَسْمَعُونَ خَبَرَكَ يَرْتَعِدُونَ وَيَجْزَعُونَ أَمَامَكَ. ٢٦فَأَرْسَلْتُ رُسُلًا مِنْ بَرِّيَّةِ قَدِيمُوتَ إِلَى سِيحُونَ مَلِكِ حَشْبُونَ بِكَلاَمِ سَلاَمٍ قَائِلًا: ٢٧أَمُرُّ فِي أَرْضِكَ. أَسْلُكُ الطَّرِيقَ الطَّرِيقَ، لاَ أَمِيلُ يَمِينًا وَلاَ شِمَالًا. ٢٨طَعَامًا بِالْفِضَّةِ تَبِيعُنِي لآكُلَ، وَمَاءً بِالْفِضَّةِ تُعْطِينِي لأَشْرَبَ. أَمُرُّ بِرِجْلَيَّ فَقَطْ. ٢٩كَمَا فَعَلَ بِي بَنُو عِيسُو السَّاكِنُونَ فِي سِعِيرَ، وَالْمُوآبِيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي عَارَ، إِلَى أَنْ أَعْبُرَ الأُرْدُنَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَانَا الرَّبُّ إِلهُنَا. ٣٠لكِنْ لَمْ يَشَأْ سِيحُونُ مَلِكُ حَشْبُونَ أَنْ يَدَعَنَا نَمُرَّ بِهِ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ قَسَّى رُوحَهُ، وَقَوَّى قَلْبَهُ لِكَيْ يَدْفَعَهُ إِلَى يَدِكَ كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ. ٣١وَقَالَ الرَّبُّ لِي: اُنْظُرْ. قَدِ ابْتَدَأْتُ أَدْفَعُ أَمَامَكَ سِيحُونَ وَأَرْضَهُ. ابْتَدِئْ تَمَلَّكْ حَتَّى تَمْتَلِكَ أَرْضَهُ. ٣٢فَخَرَجَ سِيحُونُ لِلِقَائِنَا هُوَ وَجَمِيعُ قَوْمِهِ لِلْحَرْبِ إِلَى يَاهَصَ، ٣٣فَدَفَعَهُ الرَّبُّ إِلهُنَا أَمَامَنَا، فَضَرَبْنَاهُ وَبَنِيهِ وَجَمِيعَ قَوْمِهِ. ٣٤وَأَخَذْنَا كُلَّ مُدُنِهِ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ، وَحَرَّمْنَا مِنْ كُلِّ مَدِينَةٍ: الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ. لَمْ نُبْقِ شَارِدًا. ٣٥لكِنَّ الْبَهَائِمَ نَهَبْنَاهَا لأَنْفُسِنَا، وَغَنِيمَةَ الْمُدُنِ الَّتِي أَخَذْنَا، ٣٦مِنْ عَرُوعِيرَ الَّتِي عَلَى حَافَةِ وَادِي أَرْنُونَ وَالْمَدِينَةِ الَّتِي فِي الْوَادِي، إِلَى جِلْعَادَ، لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ قَدِ امْتَنَعَتْ عَلَيْنَا. الْجَمِيعُ دَفَعَهُ الرَّبُّ إِلهُنَا أَمَامَنَا. ٣٧وَلكِنَّ أَرْضَ بَنِي عَمُّونَ لَمْ نَقْرَبْهَا. كُلَّ نَاحِيَةِ وَادِي يَبُّوقَ وَمُدُنَ الْجَبَلِ وَكُلَّ مَا أَوْصَى الرَّبُّ إِلهُنَا.
- لكِنْ لَمْ يَشَأْ سِيحُونُ مَلِكُ حَشْبُونَ أَنْ يَدَعَنَا نَمُرَّ بِهِ: بسبب هذا الرفض، خاضت إسرائيل معركة مسجلة في سفر العدد ٢١. لقد طلبوا ببساطة المرور الآمن عبر أرض الأموريين، ولكن الأموريين رفضوا.
- لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ قَسَّى رُوحَهُ، وَقَوَّى قَلْبَهُ لِكَيْ يَدْفَعَهُ إِلَى يَدِكَ: لقد عمل الله من خلف المشهد من خلال تقسية قلب سِيحُون، ملك الأموريين.
- وكان من حق الله أن يفعل ذلك، لأن الخالق له الحق أن يفعل في مخلوقاته ما يشاء. ولكن ما فعله أيضًا صحيحًا بسبب الطريقة التي فعل بها الله ذلك. لم يقنع الله سِيحُون المتردد بأن يعمل ضد إسرائيل، لكنه سمح ببساطة لقلب سِيحُون أن يسلك الطريق الشرير الذي أراد أن يسلكه. فلم يغير الله قلب سِيحُون من قلب خيّر إلى قلب شرير، بل قسّاه في حقده على إسرائيل.
- “كلا الفرعون وسيحون لم يتأثرا بمطالب الله التي جاءت من خلال خدامه. لم يُخضع أي منهما إرادته لإرادة الله، وكل رفض من جانبهما أدى إلى مزيد من تقسّي القلب. وهكذا، أصبحت مطالب الله، عندما رفضها سيحون، عاملاً يساهم في تقسّي قلبه، مما جعله غير قادر على التجاوب بشكل إيجابي لطلب إسرائيل.” تومسون (Thompson)
- لِكَيْ يَدْفَعَهُ إِلَى يَدِكَ: وهذا يفسر لماذا قسّى الله قلب الملك سِيحُون. قاد الله سِيحُون إلى طريق الهلاك الذي اشتهاه قلبه، حتى أصبحت أرض الأموريين ملكًا وميراثًا لإسرائيل (حَتَّى تَمْتَلِكَ أَرْضَهُ). لم يسمح الله لإسرائيل بأخذ أرض الأدوميين أو الموآبيين أو العمونيين، لكنه منحهم أرض الأموريين.
- وَحَرَّمْنَا مِنْ كُلِّ مَدِينَةٍ: الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ. لَمْ نُبْقِ شَارِدًا: كانت الحرب ضد الأموريين هي إحدى حروب الدينونة الفريدة التي أمر الله إسرائيل أن يخوضها. ففيها، لم يكن على شعب إسرائيل أن يهزم الأموريين في ساحة المعركة فحسب، بل أن يجلب الدينونة على مجتمعهم بأكمله. كان الأموريون من بين الشعوب التي عيّنها الله منذ زمن بعيد للدينونة (تكوين ١٥: ١٦) إذا لم يتوبوا.
- وَأَخَذْنَا كُلَّ مُدُنِهِ: “إن هذه النتيجة تتوافق مع سياسة موسى الموضحة لاحقًا في سفر التثنية، والتي حددت قانون للسلوك يحدد أن المدن، والمنازل، والآبار، والكروم، وحقول الزيتون – جميعها ستصبح ملكًا لإسرائيل دون أن يبذلوا أي جهد في بنائها.” (تثنية ٦: ١٠-١١؛ قارن ١٩: ١).” ميريل (Merrill)
- هذا ما قاله تومسون (Thompson) عن الخراب الشامل: “إن هذا يؤكد سيادة الرب على إسرائيل وعلى مقاصده لها في التاريخ، ولكنه يؤكد أيضًا دينونته على الأمم الشريرة. ففي سياق الحرب المقدسة، حقق الرب مقاصده في الفداء والدينونة… ومع ذلك، فإن تطبيق هذا المبدأ في العصر المسيحي هو أمر يختلف للغاية.”
- لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ قَدِ امْتَنَعَتْ عَلَيْنَا: قبل ثمانية وثلاثين عامًا، رفض شعب إسرائيل الدخول إلى أرض الموعد لأنهم شعروا أن تلك الشعوب متفوقون عليهم عسكريًا. وهنا، عندما بدأوا يدخلون الأرض بالإيمان، أظهر لهم الله كيف كان من الممكن أن يتحقق الأمر قبل ٣٨ عامًا – لو أنهم آمنوا به فقط.
- لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ قَدِ امْتَنَعَتْ عَلَيْنَا: إن عبارة ’لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ قَدِ امْتَنَعَتْ عَلَيْنَا‘ تعني حرفيًا: “لم تكن هناك مدينة أقوى مِنّا.” لقد أرعبت أسوار المدن الكنعانية إسرائيل قبل ٣٨ عامًا (انظر تثنية ١: ٢٨).”لكن من خلال السير بالإيمان، فحتى الأسوار العالية التي كانت عقبات يمكن التغلّب عليها بقوة الرب.
