سفر التثنية – الإصحاح ٢٨
البركة واللعنة
أولًا. بركات الطاعة
أ ) الآيات (١-٢): فيض البركات
١وَإِنْ سَمِعْتَ سَمْعًا لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، يَجْعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مُسْتَعْلِيًا عَلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ، ٢وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ الْبَرَكَاتِ وَتُدْرِكُكَ، إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ.
- وَإِنْ سَمِعْتَ سَمْعًا لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ: إن لكلمة “إِنْ” أهمية كبيرة هنا. ففي هذا الإصحاح، حث موسى الأمة على الاختيار. فالعهد الذي قطعه الله مع إسرائيل يحتوي على ثلاث سمات رئيسية: الناموس، والذبيحة، والاختيار.
- كان الغرض من وراء هذا الاختيار هو نية الله في الكشف عن نفسه للعالم من خلال إسرائيل. فإما أن يباركهم بوفرة، فيظهر للعالم أنه وحده القادر على منح مثل هذه البركات، أو أن يجعلهم ملعونين بطريقة تجعل بقائهم على قيد الحياة بحد ذاته يشهد على يده. وكان اختيار اللعنة أو البركة متروكًا لأمانة إسرائيل لعهدهم مع الله.
- ومن الناحية الأدبية، فإن هذا الإصحاح يشبه المعاهدات القديمة بين الملك وشعبه؛ هذا هو الله الملك، الذي قطع عهدًا مع شعبه، إسرائيل.
- “في الشرق الأدنى القديم، كان من المعتاد أن تُختتم المعاهدات القانونية بمقاطع تحتوي على بركات لأولئك الذين التزموا بالتشريعات، ولعنة على أولئك الذين لم يلتزموا بها.” هاريسون (Harrrison)، تفسير سفر اللاويين
- يَجْعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مُسْتَعْلِيًا عَلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ: فإذا سمع إسرائيل للرب يَجْعَلُهم مُسْتَعْلِيًين عَلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ. وستكون بركاته وفيرة جدًا وساحقة لدرجة أنها لن تصل إلى إسرائيل فحسب، بل ستتجاوزهم تمامًا (تَأْتِي عَلَيْكَ وَتُدْرِكُكَ)، دون ترك أي وسيلة للهروب من فيض نعمته.
- “إن قائمة البركات في هذه الآيات (٣:٢٨-١٤) تُشكّل مِثالًا رائعًا للنثر العبري الإيقاعي، حيث تتوالى العبارات دون أدوات ربط. ويزداد هذا التأثير الإيقاعي تأكيدًا من خلال الاستخدام المتكرر لكلمة ’مُبَارَكًا.‘” تومسون (Thompson)
ب) الآيات (٣-١٤): وعد الله أن يبارك شعب إسرائيل المطيع للعهد.
٣مُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ. ٤وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. ٥مُبَارَكَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ. ٦مُبَارَكًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ. ٧يَجْعَلُ الرَّبُّ أَعْدَاءَكَ الْقَائِمِينَ عَلَيْكَ مُنْهَزِمِينَ أَمَامَكَ. فِي طَرِيق وَاحِدَةٍ يَخْرُجُونَ عَلَيْكَ، وَفِي سَبْعِ طُرُق يَهْرُبُونَ أَمَامَكَ. ٨يَأْمُرُ لَكَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ فِي خَزَائِنِكَ وَفِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ، وَيُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. ٩يُقِيمُكَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ شَعْبًا مُقَدَّسًا كَمَا حَلَفَ لَكَ، إِذَا حَفِظْتَ وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكَ وَسَلَكْتَ فِي طُرُقِهِ. ١٠فَيَرَى جَمِيعُ شُعُوبِ الأَرْضِ أَنَّ اسْمَ الرَّبِّ قَدْ سُمِّيَ عَلَيْكَ وَيَخَافُونَ مِنْكَ. ١١وَيَزِيدُكَ الرَّبُّ خَيْرًا فِي ثَمَرَةِ بَطْنِكَ وَثَمَرَةِ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةِ أَرْضِكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِكَ أَنْ يُعْطِيَكَ. ١٢يَفْتَحُ لَكَ الرَّبُّ كَنْزَهُ الصَّالِحَ، السَّمَاءَ، لِيُعْطِيَ مَطَرَ أَرْضِكَ فِي حِينِهِ، وَلْيُبَارِكَ كُلَّ عَمَلِ يَدِكَ، فَتُقْرِضُ أُمَمًا كَثِيرَةً وَأَنْتَ لاَ تَقْتَرِضُ. ١٣وَيَجْعَلُكَ الرَّبُّ رَأْسًا لاَ ذَنَبًا، وَتَكُونُ فِي الارْتِفَاعِ فَقَطْ وَلاَ تَكُونُ فِي الانْحِطَاطِ، إِذَا سَمِعْتَ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، لِتَحْفَظَ وَتَعْمَلَ ١٤وَلاَ تَزِيغَ عَنْ جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا، لِكَيْ تَذْهَبَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لِتَعْبُدَهَا.
- مُبَارَكًا تَكُونُ: سيبارك الرب إسرائيل المطيع في كل مكان: فِي الْمَدِينَةِ… فِي الْحَقْلِ… فِي دُخُولِكَ… فِي خُرُوجِكَ، وسيبارك الرب إسرائيل في بيوتهم (ثَمَرَةُ بَطْنِكَ) ومزارعهم (ثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ)، وفي طعامهم (سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُك). وسوف تكون مخازنها مباركة ومليئة بالطعام.
- “يُستخدم تعبير ’في دخولك… في خروجك‘ بشكل متكرر في العهد القديم للإشارة إلى قدرة الإنسان على التعامل مع مسؤوليات وأنشطة الحياة (تثنية ٣١: ٢؛ يشوع ١٤: ١١؛ ١ ملوك ٣: ٧؛ مزمور ١٢١: ٨؛ إشعياء ٣٧: ٢٨). إن بركات الرب تشمل كل جانب من جوانب الحياة، وهذا يوضّح طبيعة وفرة النعمة الإلهية وشمولها.” تومسون (Thompson)
- فِي طَرِيق وَاحِدَةٍ يَخْرُجُونَ عَلَيْكَ، وَفِي سَبْعِ طُرُق يَهْرُبُونَ أَمَامَكَ: سيُبَارك الله إسرائيل المطيع في الحرب. وبفضل بركة الله، سيهزمون أعدائهم حين يهجمون عليهم.
- يُقِيمُكَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ شَعْبًا مُقَدَّسًا: ربما كانت أفضل بركة هي التي تتعلق بعلاقة إسرائيل مع الله. كان الله سيفرز إسرائيل المطيع لنفسه، متحدثًا عن علاقة خاصة معه. ولولا هذه العلاقة المميزة لكانت كل النعم المادية التي سبق وصفها فارغة.
- “هذه خُلاصة كل البركات: أن نكون مقدسين وأن نُحفظ في القداسة.” كلارك (Clarke)
- يَرَى جَمِيعُ شُعُوبِ الأَرْضِ أَنَّ اسْمَ الرَّبِّ قَدْ سُمِّيَ عَلَيْكَ… وَيَجْعَلُكَ الرَّبُّ رَأْسًا لاَ ذَنَبًا، وَتَكُونُ فِي الارْتِفَاعِ فَقَطْ وَلاَ تَكُونُ فِي الانْحِطَاطِ: لقد كان هدف الله من مباركة إسرائيل أعظم من مجرد إثراء الأمة لمصلحتها الخاصة. لقد قصد أن يتمجد هو من خلال مباركتهم. سيرى العالم ويتكلم عن يد الرب المباركة على إسرائيل.
- لِيُعْطِيَ مَطَرَ أَرْضِكَ فِي حِينِهِ: “كان الإسرائيليون على وشك دخول أرض انتشرت فيها عبادة البعليم، وهو إله الخصوبة. وكان يُعتقد أن آلهة البعل هي المسيطرة على المطر. اعتقد الكنعانيون أن للبعل بيت في السماء له فتحة في السقف تُرسل منها الأمطار… لكن موسى أكد أن الرب هو الذي سيُبارك إسرائيل بالمطر الوفير أو يحجبه بسبب عصيانهم.” كالاند (Kalland)
- عندما سار إسرائيل وراء الرب، كانت هذه البركات حقيقية؛ وأحد الأمثلة على ذلك هو عندما أتت ملكة سبأ إلى سليمان ورأت أمة مباركة جدًا، فعرفت أن كل ذلك من الله (١ ملوك ١٠: ١-١٣) .
ثانيًا. لعنات المعصية
أ ) الآية (١٥): مقدمة إلى اللعنات.
١٥وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتُدْرِكُكَ.
- وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ: كان جانب الاختيار في العهد هو سيفًا ذي حدين. فالطاعة ستحمل بركة عظيمة، لكن العصيان يحمل لعنات رهيبة.
- تَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتُدْرِكُكَ: وتمامًا كما أن البركات ستكون لإسرائيل المطيع، فإن اللعنات لإسرائيل المتمرد ستكون حتمية. من المفيد أن نتذكر أن هذه اللعنات كانت جزءً من العهد الذي وافق عليه إسرائيل، سواء في سيناء (خروج ٢٤: ١-٨) أو هنا في سفر التثنية.
- من الجدير بالذكر أن وصف اللعنات هو أطول وأكثر تفصيًلا من وصف البركات. ووفقًا لتومسون (Thompson)، كان هذا أمرًا شائعًا في المعاهدات في تلك الحقبة والمنطقة. ويلاحظ تراب (Trapp) أيضًا، “إن اللعنات مذكورة أكثر بكثير من البركات. فطبيعتنا معيبة جدًا لدرجة أننا نخاف من التهديدات أكثر بكثير من تأثرنا بالرحمة.”
- جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ: ما تبقى من الإصحاح يَغْمُر الفِكْر. إن تكرار اللعنات، بجميع أشكالها المختلفة، كان المقصود منه التأثير بعمق على إسرائيل. فإذا كانت البركات الموصوفة سابقًا لم تحفزهم، ينبغي لهذه اللعنات الرهيبة أن تفعل ذلك.
- “في الواقع، فإن التحليل المنطقي للإصحاح يكاد يكون مستحيلًا، حيث أن هدفه الأساسي لم يكن التفكير المنظم بل خلق انطباع قوي من خلال تقديم مشهد حي تلو الآخر حتى يتمكن المستمع من رؤية أهمية كلمات المتكلم واستيعابها.” تومسون (Thompson)
ب) الآيات (١٦-٦٨): اللعنات على عصيان إسرائيل.
١٦مَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ. ١٧مَلْعُونَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ. ١٨مَلْعُونَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. ١٩مَلْعُونًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ. ٢٠يُرْسِلُ الرَّبُّ عَلَيْكَ اللَّعْنَ وَالاضْطِرَابَ وَالزَّجْرَ فِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ لِتَعْمَلَهُ، حَتَّى تَهْلِكَ وَتَفْنَى سَرِيعًا مِنْ أَجْلِ سُوْءِ أَفْعَالِكَ إِذْ تَرَكْتَنِي. ٢١يُلْصِقُ بِكَ الرَّبُّ الْوَبَأَ حَتَّى يُبِيدَكَ عَنِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. ٢٢يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِالسِّلِّ وَالْحُمَّى وَالْبُرَدَاءِ وَالالْتِهَابِ وَالْجَفَافِ وَاللَّفْحِ وَالذُّبُولِ، فَتَتَّبِعُكَ حَتَّى تُفْنِيَكَ. ٢٣وَتَكُونُ سَمَاؤُكَ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِكَ نُحَاسًا، وَالأَرْضُ الَّتِي تَحْتَكَ حَدِيدًا. ٢٤وَيَجْعَلُ الرَّبُّ مَطَرَ أَرْضِكَ غُبَارًا، وَتُرَابًا يُنَزِّلُ عَلَيْكَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى تَهْلِكَ. ٢٥يَجْعَلُكَ الرَّبُّ مُنْهَزِمًا أَمَامَ أَعْدَائِكَ. فِي طَرِيق وَاحِدَةٍ تَخْرُجُ عَلَيْهِمْ، وَفِي سَبْعِ طُرُق تَهْرُبُ أَمَامَهُمْ، وَتَكُونُ قَلِقًا فِي جَمِيعِ مَمَالِكِ الأَرْضِ. ٢٦وَتَكُونُ جُثَّتُكَ طَعَامًا لِجَمِيعِ طُيُورِ السَّمَاءِ وَوُحُوشِ الأَرْضِ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُهَا. ٢٧يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِقُرْحَةِ مِصْرَ وَبِالْبَوَاسِيرِ وَالْجَرَبِ وَالْحِكَّةِ حَتَّى لاَ تَسْتَطِيعَ الشِّفَاءَ. ٢٨يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِجُنُونٍ وَعَمًى وَحَيْرَةِ قَلْبٍ، ٢٩فَتَتَلَمَّسُ فِي الظُّهْرِ كَمَا يَتَلَمَّسُ الأَعْمَى فِي الظَّلاَمِ، وَلاَ تَنْجَحُ فِي طُرُقِكَ بَلْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ مَظْلُومًا مَغْصُوبًا كُلَّ الأَيَّامِ وَلَيْسَ مُخَلِّصٌ. ٣٠تَخْطُبُ امْرَأَةً وَرَجُلٌ آخَرُ يَضْطَجع مَعَهَا. تَبْنِي بَيْتًا وَلاَ تَسْكُنُ فِيهِ. تَغْرِسُ كَرْمًا وَلاَ تَسْتَغِلُّهُ. ٣١يُذْبَحُ ثَوْرُكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَلاَ تَأْكُلُ مِنْهُ. يُغْتَصَبُ حِمَارُكَ مِنْ أَمَامِ وَجْهِكَ وَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْكَ. تُدْفَعُ غَنَمُكَ إِلَى أَعْدَائِكَ وَلَيْسَ لَكَ مُخَلِّصٌ. ٣٢يُسَلَّمُ بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ لِشَعْبٍ آخَرَ وَعَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ إِلَيْهِمْ طُولَ النَّهَارِ، فَتَكِلاَّنِ وَلَيْسَ فِي يَدِكَ طَائِلَةٌ. ٣٣ثَمَرُ أَرْضِكَ وَكُلُّ تَعَبِكَ يَأْكُلُهُ شَعْبٌ لاَ تَعْرِفُهُ، فَلاَ تَكُونُ إِلاَّ مَظْلُومًا وَمَسْحُوقًا كُلَّ الأَيَّامِ. ٣٤وَتَكُونُ مَجْنُونًا مِنْ مَنْظَرِ عَيْنَيْكَ الَّذِي تَنْظُرُ. ٣٥يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِقَرْحٍ خَبِيثٍ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَعَلَى السَّاقَيْنِ، حَتَّى لاَ تَسْتَطِيعَ الشِّفَاءَ مِنْ أَسْفَلِ قَدَمِكَ إِلَى قِمَّةِ رَأْسِكَ. ٣٦يَذْهَبُ بِكَ الرَّبُّ وَبِمَلِكِكَ الَّذِي تُقِيمُهُ عَلَيْكَ إِلَى أُمَّةٍ لَمْ تَعْرِفْهَا أَنْتَ وَلاَ آبَاؤُكَ، وَتَعْبُدُ هُنَاكَ آلِهَةً أُخْرَى مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ، ٣٧وَتَكُونُ دَهَشًا وَمَثَلًا وَهُزْأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسُوقُكَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ. ٣٨بِذَارًا كَثِيرًا تُخْرِجُ إِلَى الْحَقْلِ، وَقَلِيلًا تَجْمَعُ، لأَنَّ الْجَرَادَ يَأْكُلُهُ. ٣٩كُرُومًا تَغْرِسُ وَتَشْتَغِلُ، وَخَمْرًا لاَ تَشْرَبُ وَلاَ تَجْنِي، لأَنَّ الدُّودَ يَأْكُلُهَا. ٤٠يَكُونُ لَكَ زَيْتُونٌ فِي جَمِيعِ تُخُومِكَ، وَبِزَيْتٍ لاَ تَدَّهِنُ، لأَنَّ زَيْتُونَكَ يَنْتَثِرُ. ٤١بَنِينَ وَبَنَاتٍ تَلِدُ وَلاَ يَكُونُونَ لَكَ، لأَنَّهُمْ إِلَى السَّبْيِ يَذْهَبُونَ. ٤٢جَمِيعُ أَشْجَارِكَ وَأَثْمَارِ أَرْضِكَ يَتَوَلاَّهُ الصَّرْصَرُ. ٤٣اَلْغَرِيبُ الَّذِي فِي وَسَطِكَ يَسْتَعْلِي عَلَيْكَ مُتَصَاعِدًا، وَأَنْتَ تَنْحَطُّ مُتَنَازِلًا. ٤٤هُوَ يُقْرِضُكَ وَأَنْتَ لاَ تُقْرِضُهُ. هُوَ يَكُونُ رَأْسًا وَأَنْتَ تَكُونُ ذَنَبًا. ٤٥وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتَتَّبِعُكَ وَتُدْرِكُكَ حَتَّى تَهْلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَوْصَاكَ بِهَا. ٤٦فَتَكُونُ فِيكَ آيَةً وَأُعْجُوبَةً وَفِي نَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. ٤٧مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَعْبُدِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِفَرَحٍ وَبِطِيبَةِ قَلْبٍ لِكَثْرَةِ كُلِّ شَيْءٍ. ٤٨تُسْتَعْبَدُ لأَعْدَائِكَ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمُ الرَّبُّ عَلَيْكَ فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ وَعُرْيٍ وَعَوَزِ كُلِّ شَيْءٍ. فَيَجْعَلُ نِيرَ حَدِيدٍ عَلَى عُنُقِكَ حَتَّى يُهْلِكَكَ. ٤٩يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ كَمَا يَطِيرُ النَّسْرُ، أُمَّةً لاَ تَفْهَمُ لِسَانَهَا، ٥٠أُمَّةً جَافِيَةَ الْوَجْهِ لاَ تَهَابُ الشَّيْخَ وَلاَ تَحِنُّ إِلَى الْوَلَدِ، ٥١فَتَأْكُلُ ثَمَرَةَ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةَ أَرْضِكَ حَتَّى تَهْلِكَ، وَلاَ تُبْقِي لَكَ قَمْحًا وَلاَ خَمْرًا وَلاَ زَيْتًا، وَلاَ نِتَاجَ بَقَرِكَ وَلاَ إِنَاثَ غَنَمِكَ، حَتَّى تُفْنِيَكَ. ٥٢وَتُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ حَتَّى تَهْبِطَ أَسْوَارُكَ الشَّامِخَةُ الْحَصِينَةُ الَّتِي أَنْتَ تَثِقُ بِهَا فِي كُلِّ أَرْضِكَ. تُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ، فِي كُلِّ أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. ٥٣فَتَأْكُلُ ثَمَرَةَ بَطْنِكَ، لَحْمَ بَنِيكَ وَبَنَاتِكَ الَّذِينَ أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي الْحِصَارِ وَالضِّيقَةِ الَّتِي يُضَايِقُكَ بِهَا عَدُوُّكَ. ٥٤الرَّجُلُ الْمُتَنَعِّمُ فِيكَ وَالْمُتَرَفِّهُ جِدًّا، تَبْخُلُ عَيْنُهُ عَلَى أَخِيهِ وَامْرَأَةِ حِضْنِهِ وَبَقِيَّةِ أَوْلاَدِهِ الَّذِينَ يُبْقِيهِمْ، ٥٥بِأَنْ يُعْطِيَ أَحَدَهُمْ مِنْ لَحْمِ بَنِيهِ الَّذِي يَأْكُلُهُ، لأَنَّهُ لَمْ يُبْقَ لَهُ شَيْءٌ فِي الْحِصَارِ وَالضِّيقَةِ الَّتِي يُضَايِقُكَ بِهَا عَدُوُّكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ. ٥٦وَالْمَرْأَةُ الْمُتَنَعِّمَةُ فِيكَ وَالْمُتَرَفِّهَةُ الَّتِي لَمْ تُجَرِّبْ أَنْ تَضَعَ أَسْفَلَ قَدَمِهَا عَلَى الأَرْضِ لِلتَّنَعُّمِ وَالتَّرَفُّهِ، تَبْخَلُ عَيْنُهَا عَلَى رَجُلِ حِضْنِهَا وَعَلَى ابْنِهَا وَبْنَتِهَا ٥٧بِمَشِيمَتِهَا الْخَارِجَةِ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهَا وَبِأَوْلاَدِهَا الَّذِينَ تَلِدُهُمْ، لأَنَّهَا تَأْكُلُهُمْ سِرًّا فِي عَوَزِ كُلِّ شَيْءٍ، فِي الْحِصَارِ وَالضِّيقَةِ الَّتِي يُضَايِقُكَ بِهَا عَدُوُّكَ فِي أَبْوَابِكَ. ٥٨إِنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ، لِتَهَابَ هذَا الاسْمَ الْجَلِيلَ الْمَرْهُوبَ، الرَّبَّ إِلهَكَ، ٥٩يَجْعَلُ الرَّبُّ ضَرَبَاتِكَ وَضَرَبَاتِ نَسْلِكَ عَجِيبَةً. ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً رَاسِخَةً، وَأَمْرَاضًا رَدِيَّةً ثَابِتَةً. ٦٠وَيَرُدُّ عَلَيْكَ جَمِيعَ أَدْوَاءِ مِصْرَ الَّتِي فَزِعْتَ مِنْهَا، فَتَلْتَصِقُ بِكَ. ٦١أَيْضًا كُلُّ مَرَضٍ وَكُلُّ ضَرْبَةٍ لَمْ تُكْتَبْ فِي سِفْرِ النَّامُوسِ هذَا، يُسَلِّطُهُ الرَّبُّ عَلَيْكَ حَتَّى تَهْلِكَ. ٦٢فَتَبْقَوْنَ نَفَرًا قَلِيلًا عِوَضَ مَا كُنْتُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، لأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ. ٦٣وَكَمَا فَرِحَ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُحْسِنَ إِلَيْكُمْ وَيُكَثِّرَكُمْ، كَذلِكَ يَفْرَحُ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُفْنِيَكُمْ وَيُهْلِكَكُمْ، فَتُسْتَأْصَلُونَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا. ٦٤وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا، وَتَعْبُدُ هُنَاكَ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا أَنْتَ وَلاَ آبَاؤُكَ، مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ. ٦٥وَفِي تِلْكَ الأُمَمِ لاَ تَطْمَئِنُّ وَلاَ يَكُونُ قَرَارٌ لِقَدَمِكَ، بَلْ يُعْطِيكَ الرَّبُّ هُنَاكَ قَلْبًا مُرْتَجِفًا وَكَلاَلَ الْعَيْنَيْنِ وَذُبُولَ النَّفْسِ. ٦٦وَتَكُونُ حَيَاتُكَ مُعَلَّقَةً قُدَّامَكَ، وَتَرْتَعِبُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلاَ تَأْمَنُ عَلَى حَيَاتِكَ. ٦٧فِي الصَّبَاحِ تَقُولُ: يَا لَيْتَهُ الْمَسَاءُ، وَفِي الْمَسَاءِ تَقُولُ: يَا لَيْتَهُ الصَّبَاحُ، مِنِ ارْتِعَابِ قَلْبِكَ الَّذِي تَرْتَعِبُ، وَمِنْ مَنْظَرِ عَيْنَيْكَ الَّذِي تَنْظُرُ. ٦٨وَيَرُدُّكَ الرَّبُّ إِلَى مِصْرَ فِي سُفُنٍ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي قُلْتُ لَكَ لاَ تَعُدْ تَرَاهَا، فَتُبَاعُونَ هُنَاكَ لأَعْدَائِكَ عَبِيدًا وَإِمَاءً، وَلَيْسَ مَنْ يَشْتَرِي».
- فِي الْمَدِينَةِ… فِي الْحَقْلِ… فِي دُخُولِكَ… فِي خُرُوجِكَ: سيُلعن إسرائيل العاصي في كل مكان. لن يكون هناك مكان يمكنهم الذهاب إليه للهروب من عواقب عدم أمانتهم للعهد.
- ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ: سيُلعن إسرائيل العاصي في بيوتها ومزارعهما وفي طعامهم (سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ).
- الْوَبَأَ… بِالسِّلِّ… الْحُمَّى… قُرْحَةِ مِصْرَ وَالْبَوَاسِيرِ وَالْجَرَبِ وَالْحِكَّةِ… جُنُونٍ وَعَمًى وَحَيْرَةِ قَلْبٍ: سيُلعن إسرائيل العاصي في صحتهم.
- وَبِالْبَوَاسِيرِ: “تشبه ’البواسير‘ التي ستصيب إسرائيل العاصي تلك التي أصيب بها الفلسطينيون فيما بعد عندما استولوا على تابوت العهد (١صموئيل ٥-٦). الكلمة العبرية ’opel‘ تعني ’تَوَرُّم أو تضخُّم‘ ويتم تفسيرها عادة على أنها أورام أو طاعون الدُّبَيْلي أو برص.” كالاند (Kalland)
- تَكُونُ سَمَاؤُكَ… نُحَاسًا… وَيَجْعَلُ الرَّبُّ مَطَرَ أَرْضِكَ غُبَارًا، وَتُرَابًا: سيُلعن إسرائيل العاصي في الطقس. فالسماء لن تجلب لهم المطر الضروري للزراعة. وهذا من شأنه أن يجلب المجاعة والموت.
- يَجْعَلُكَ الرَّبُّ مُنْهَزِمًا أَمَامَ أَعْدَائِكَ: سيُلعن إسرائيل العاصي في الحرب. لن يقاتل الله عنهم، وستكون جثث موتاهم طعامًا لِجَمِيعِ طُيُورِ السَّمَاءِ وَوُحُوشِ الأَرْضِ.
- تَخْطُبُ امْرَأَةً وَرَجُلٌ آخَرُ يَضْطَجع مَعَهَا… يُذْبَحُ ثَوْرُكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَلاَ تَأْكُلُ مِنْهُ: سيُلعن إسرائيل العاصي بالمَظالِم والمآسي الرهيبة. كل هذه المآسي ستؤدي إلى نتيجة رهيبة: تَكُونُ مَجْنُونًا مِنْ مَنْظَرِ عَيْنَيْكَ الَّذِي تَنْظُرُ.
- لم تتعرض أمم كثيرة للقمع والدمار بقدر ما عانى اليهود المتمردون. والواقع أن هذه كانت حالتهم، مع فترات راحة قصيرة فقط، لما يقرب من ١٨٠٠ عام.” كلارك (Clarke)
- فَتَكُونُ فِيكَ آيَةً وَأُعْجُوبَةً: “إن الرب الذي أخرج بني إسرائيل من مصر بآيات وعجائب (تثنية ٤: ٣٤) سيجعل اللعنات في وسطهم ووسط نسلهم آيَةً وَأُعْجُوبَةً إلى الأبد (الآية ٤٦).” كالاند (Kalland)
- يُسَلَّمُ بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ لِشَعْبٍ آخَرَ: في بلدان مختلفة، وخاصة في إسبانيا والبرتغال، تم انتزاع أطفال يهود قسرًا من والديهم بموجب مرسوم حكومي وتربيتهم على العقيدة الكاثوليكية. وكانت هناك حالات تم فيها فصل أطفال يهود عن أسرهم في الدول البروتستانتية.” كلارك (Clarke)
- يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ: سيتعرض إسرائيل العاصي لهجوم من أُمَّةً جَافِيَةَ الْوَجْهِ، وسوف يقاتلون حتى يدمروا كل شيء في إسرائيل.
- فَتَأْكُلُ ثَمَرَةَ بَطْنِكَ: لقد صار هذا واقعًا مريرًا رهيبًا في أيام المملكة اللاحقة. يصف سفر الملوك الثاني ٢٤:٦-٣٠ مجاعة شديدة في مدينة إسرائيلية محاصرة لدرجة أنه كان هناك قتال بين امرأتين على أكل أطفالهما! لقد تحقق كلام الله ووعوده بشكل رهيب، يُعْطِيَ أَحَدَهُمْ مِنْ لَحْمِ بَنِيهِ الَّذِي يَأْكُلُهُ. يصف سفر مراثي إرميا ٤: ١-١١ بوضوح أهوال حصار أورشليم.
- “لا يوجد في الكتاب المقدس صور أكثر إذلالًا من صورة الأم، التي حتى أثناء الحصار، تتخلَّص من مَشيمَة طفلها وتحتضن مولودها الجديد، ولكن في شدَّة يأسها تأكل الاثنين، وتحرم زوجها سرًّا أن يشاركها تلك الوجبة المروِّعة.” تومسون (Thompson)
- “إن النساء اللواتي يتمتعن بالرقي والذوق الرفيع، لدرجة أنهن يتجنبن ملامسة الأرض بأقدامهن العارية، لن يترددن في أَكَل ذرّيتهن.” ميريل (Merrill)
- قال آدم كلارك (Adam Clarke) أن هذا قد تحقّق أيضًا في الحصار الروماني لأورشليم. “لقد تحققت هذه النبوة حرفيًا أثناء الحصار الروماني لمدينة أورشليم؛ امرأة اسمها مريم، من عائلة نبيلة، دفعها الجوع إلى فقدان عقلها وسلق طفلها وأكله!”
- وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا: نتيجة لعصيانهم المتكرر والمزمن للعهد، سيشتتهم الله بين الأمم. وقد أدى فشلهم في الالتزام بالعهد الذي وافقوا عليه إلى أن تصبح هذه اللعنات هي الواقع التاريخي لأمة إسرائيل.
- تحققت العديد من هذه اللعنات الرهيبة على إسرائيل العاصي في الأحداث التاريخية المسجلة في العهد القديم. ومع ذلك، لم ينته تحقيقها مع انتهاء التاريخ الكتابي كما نراه في العهدين القديم والجديد.
- على سبيل المثال، حوالي عام ٦٨ م، بعد أن تحمل الرومان ما يكفي من اليهود المتمردين في مقاطعة يهوذا التابعة لهم، حاصروا أورشليم. كان اليهود في ذلك الوقت ينتظرون بشغف مجيء المسيح، معتقدين أنه سيخلصهم ويهزم الرومان، بما يتماشى مع وعد الله بتدمير الجيوش التي تحاصر المدينة (زكريا ١٢: ١-٩). ومن المؤسف أن يهود ذلك العصر رفضوا تحقيق النبوءة في زكريا ١٢: ١٠، التي تحدثت عن قبولهم المتواضع والتائب للمسيح المطعون.
- رغم ثقتهم في أن المسيا سيخلصهم، فقد انقسم اليهود في ذلك الوقت إلى حد أن فصائلهم قاتلت بعضها البعض ودمرت مؤن بعضها البعض، وكل ذلك في محاولة لتأمين السلطة عندما وصل المسيح. ووفقًا للمؤرخ يوسيفوس، فقد كان الأمر “كما لو كانوا يخدمون الرومان عن عمد من خلال تدمير ما قامت به المدينة ضد الحصار وقطع أوصال قوتهم الخاصة.” (من كتاب حروب اليهود ٥. ٢٤). ويقول أيضًا: “سقطت المدينة بسبب المجاعة، وهو مصير كان من الممكن أن يكون مستحيلًا من الناحية العملية، لو لم يهيئوا الطريق له بأنفسهم بعدم طاعتهم للرب.” (حروب اليهود ٥. ٢٦)
- عندما وصل القائد الروماني فسبازيان (Vespasian) إلى أورشليم، كانت الفصائل اليهودية مشغولة بقتال بعضها البعض. فحثه المحاربون تحت قيادته على الهجوم فورًا، لكنه كان يعلم أن الهجوم سيوحد اليهود على الفور. لذلك تراجع وتركهم يدمرون بعضهم البعض لأطول فترة ممكنة. وقال إن الله قائد أفضل منه، وأن الله كان يعمل على تسليم اليهود إلى أيدي الرومان. وقبل الهجوم على أورشليم، أصبح فسبازيان إمبراطورًا، وعيّن ابنه تيطس مسؤولًا عن الهجوم.
- في المقابل، نجد المسيحيون في أورشليم متجاوبون مع كلمات يسوع في لوقا ٢١: ٢٠-٢٤، حين قال: وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، لأَنَّ هذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ.
- أثناء حصار أورشليم، أصبح الجوع عظيمًا لدرجة أن الكثيرين حاولوا الهروب من الأسوار والبحث عن الطعام. كانوا يأسرون ويصلبون كل يوم خمسمائة أو أكثر. “كان الجنود الرومان بدافع الغضب والكراهية يستمتعون بتسمير سجنائهم في أوضاع مختلفة؛ وكان عددهم كبيرًا جدًا لدرجة أنه لم يكن من الممكن العثور على مكان للصلبان ولا صلبان للأجساد. (كتاب حروب اليهود ٥. ٤٥١). لقد مات أكثر من ٦٠٠.٠٠٠ شخص بسبب الجوع، وألقيت جثثهم من على أسوار المدينة. وفي المجمل، مات أكثر من مليون شخص وتم أسر ٩٧.٠٠٠ شخص، وتم شحن معظم الأسرى كعبيد إلى مصر. لقد تحقق الوعد الوارد في تثنية ٢٨: ٦٨ بشكل مأساوي: فَتُبَاعُونَ هُنَاكَ لأَعْدَائِكَ عَبِيدًا وَإِمَاءً، وَلَيْسَ مَنْ يَشْتَرِي. لقد تحقق هذا عندما ملأ عدد كبير جدًا من العبيد اليهود سوق العبيد المصريين، ولم يتمكن أحد من شراء جميع العبيد المتاحين.
- “عندما استولى تيطس على أورشليم، أُرسل العديد من الأسرى الذين تجاوزوا سن السابعة عشرة، للعمل في مصر. وقد سجل يوسيفوس هذا في كتابي ’الآثار‘ (الكتاب ١٢، الفصل ١، القسم ٢) و ’حروب اليهود‘ (الكتاب ٦، الفصل ٩، القسم ٢).” كلارك (Clarke)
- بعد الغزو، كان اليهود الذين ما زالوا يعيشون في يهوذا يتعرضون باستمرار للإخضاع والإذلال من قِبل الرومان. استمر الرومان في تحصيل ضريبة الهيكل من اليهود، على الرغم من أن هيكلهم تم تدميره بالكامل. لذلك أخذ الرومان ضريبة الهيكل واستخدموها لبناء معابدهم الوثنية ودعمها.
- وبعد عدة سنوات من ذلك، تمرد اليهود في منطقة اليهودية ضد الرومان مرة أخرى في عام ١٣٢ م بقيادة رجل يُدعى باركوخبا (bar-Kochoba). أيده العديد من القادة اليهود باعتباره المسيا، وحشدوا الدعم اليهودي للثورة. وبعد معارك ضارية مع الثورة، سحقت روما التمرد تمامًا، وأبادت كل سكان منطقة اليهودية. ووفقًا ليوسيفوس، تُركت الأرض – التي كانت مزدهرة ذات يوم – في حالة خراب لدرجة أنه لم يعد من الممكن التعرف عليها.
- لكن اللعنة على إسرائيل لم تنته بعد بالغزو الروماني. فبعد عدة قرون، وبشكل مأساوي، انقلبت الكنيسة والمسيحيون على اليهود. كان الأمر كما لو أن أغصان الشجرة هاجمت جذورها. وعندما اكتسبت الكنيسة قوة سياسية وأصبحت هي الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية، قررت الكنيسة مهاجمة اليهود.
- لقد فعلوا ذلك جزئيًا كعقاب على سنوات الاضطهاد اليهودي المبكر للمسيحيين. وكان ذلك أيضًا لأن الرفض اليهودي الحالي ليسوع باعتباره المسيا كان يُعتقد أنه مهين للغاية. لكن الدافع الأكبر كان استراتيجية تبشيرية غريبة. فقد ظن المسيحيون أن “اليهود ملعونون لأنهم قتلوا مسيحهم. وأن القصد من اللعنات هو إعادة قلب الأمة إلى الله. ونحن سنساعد الله بأن نكون أداته للعن الشعب اليهودي.”
- وعلى مدى قرون، كان أسوأ أعداء اليهود على الإطلاق هم المسيحيون الذين اعتقدوا أن بإمكانهم مساعدة الله من خلال لعنة الشعب اليهودي. ففي روما، على سبيل المثال، اضطر المجتمع اليهودي إلى تكريم البابا من خلال موكب سنوي، وتقديم لفافة العهد القديم أمامه ــ فقط ليقابل بالشتائم والإذلال. وكان هذا العداء العميق واضحًا بشكل مأساوي على مر التاريخ، من المذابح الوحشية للحروب الصليبية إلى العزلة القسرية للمجتمعات اليهودية في الأحياء اليهودية.
- وهذا يساعد على تفسير الفساد الكبير ونقص القوة الروحية في الكنيسة خلال العصور المظلمة. لقد وعد الله إبراهيم ونسله، شعب اليهود، أُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ (تكوين ١٢: ٣). لقد كانت استراتيجية الشيطان الذكية والقوية للعن الكنيسة استراتيجية فعّالة: العن الكنيسة من خلال إلهامهم بلعنة الشعب اليهودي. وكما أدان الله أشور وبابل وروما وألمانيا بسبب سوء معاملتهم للشعب اليهودي. لاحقًا، بسبب جرائمها ضد الشعب اليهودي، عانت ألمانيا من الجوع والموت والدمار (من بين أمراض أخرى) في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة. وبعد هذه الأنماط، لُعنت الكنيسة (بمعنى ما) لأنها اضطهدت اليهود. تجاهلت الكنيسة بجهل كلمات يسوع في متى ١٨: ٧ “لاَ بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ!” إذا كان الشعب اليهودي سيُلعن، فهذا من عمل الله، وليس مهمة الكنيسة.
- “صحيح أنهم أخطأوا خطًأ جسيمًا؛ ولكن أيها المسيحيون، ألم يتألموا بشدة من أجل ذلك؟ أليست يد الله ثقيلة عليهم بالفعل؟ فلا تزيدوا أحزانهم بالقسوة أو الظلم. فمن بين جميع الناس، هم الذين اختبروا الضيق بعمق بضربة عصاه.” كلارك (Clarke)
- ومن المجيد أن اللعنات المذكورة هنا لم تكن ولن تكون نهاية خطة الله للشعب اليهودي. وكما يصف حزقيال ٣٧، فقد بدأ الله عملية إحياء إسرائيل، وإعادتهم كما لو كانوا من بين الأموات، وإعدادهم لأغراضه في هذه الأيام الأخيرة. لم ينته الله من إسرائيل، ولن تكون اللعنة هي إرثهم الأخير.
- وَتَكُونُ دَهَشًا وَمَثَلًا وَهُزْأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسُوقُكَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ: فكما هو الحال مع البركات، فإن قصد الله من لعنة إسرائيل سيكون أعظم من مجرد عقاب فوري على خطيتهم. ستصبح اللعنات أيضًا شهادة للأمم.
- سيفعل الله هذا لمجده، ولأن هذا يمجده، ويمكن القول أيضًا أنه سيفرح بهذا العمل: وَكَمَا فَرِحَ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُحْسِنَ إِلَيْكُمْ وَيُكَثِّرَكُمْ، كَذلِكَ يَفْرَحُ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُفْنِيَكُمْ وَيُهْلِكَكُمْ.
- “انظر هنا الطبيعة السامة للخطية، لدرجة أنها تسيء للإله القدير، بحيث تجعله، الذي لاَ يُذِلُّ مِنْ قَلْبِهِ (مراثي إرميا ٣: ٣٣)، بل يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ (ميخا ٧: ١٨)، يفرح بهلاك خليقته، كما هو الحال هنا.” تراب (Trapp)
- “إنها الذروة لمعاناة مستمرة لا يمكن وصفها.” تومسون (Thompson)
- “لا شك أن هذا التصوير الحيّ لشعب إسرائيل العاصي تحت اللعنة كان بمثابة تحذير قوي – كما كان من المفترض أن يكون.” كالاند (Kalland)
- “القصة هي تحذير لنا، تكشف عن قدرة الإنسان على الشر، وعلى الرغم من التحذيرات الواضحة، فالإنسان قادر على العصيان الكارثي. فهناك احتياج إلى ما هو أكثر من الشريعة التي تشير إلى الطريق ومن هو أكثر من النبي الذي يحث على الطاعة.” مورجان (Morgan)
