سفر التثنية – الإصحاح ١١
البركات واللعنات لإسرائيل
أولًا. البركة في ماضي إسرائيل ومستقبلها
أ ) الآيات (١-٧): على إسرائيل ألا ينسى بركات الله.
١«فَأَحْبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ وَاحْفَظْ حُقُوقَهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ وَوَصَايَاهُ كُلَّ الأَيَّامِ. ٢وَاعْلَمُوا الْيَوْمَ أَنِّي لَسْتُ أُرِيدُ بَنِيكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا وَلاَ رَأَوْا تَأْدِيبَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ، عَظَمَتَهُ وَيَدَهُ الشَّدِيدَةَ وَذِرَاعَهُ الرَّفِيعَةَ ٣وَآيَاتِهِ وَصَنَائِعَهُ الَّتِي عَمِلَهَا فِي مِصْرَ بِفِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وَبِكُلِّ أَرْضِهِ، ٤وَالَّتِي عَمِلَهَا بِجَيْشِ مِصْرَ بِخَيْلِهِمْ وَمَرَاكِبِهِمْ، حَيْثُ أَطَافَ مِيَاهَ بَحْرِ سُوفٍ عَلَى وُجُوهِهِمْ حِينَ سَعَوْا وَرَاءَكُمْ، فَأَبَادَهُمُ الرَّبُّ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، ٥وَالَّتِي عَمِلَهَا لَكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ حَتَّى جِئْتُمْ إِلَى هذَا الْمَكَانِ، ٦وَالَّتِي عَمِلَهَا بِدَاثَانَ وَأَبِيرَامَ ابْنَيْ أَلِيآبَ ابْنِ رَأُوبَيْنَ اللَّذَيْنِ فَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمَا مَعَ بُيُوتِهِمَا وَخِيَامِهِمَا وَكُلِّ الْمَوْجُودَاتِ التَّابِعَةِ لَهُمَا فِي وَسْطِ كُلِّ إِسْرَائِيلَ. ٧لأَنَّ أَعْيُنَكُمْ هِيَ الَّتِي أَبْصَرَتْ كُلَّ صَنَائِعِ الرَّبِّ الْعَظِيمَةِ الَّتِي عَمِلَهَا.
- فَأَحْبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ: أوصى الرب شعب إسرائيل أن يحبوه. فمحبة الله لا تقوم على مشاعر شعب الله أو دوافعهم فقط. فالبشر يختارون أن يحبوا الرب أو يبتعدون عنه.
- بالإضافة إلى ذلك، هذا يذكرنا بما يريده الرب من شعبه حقًا: إنه يريد محبتهم. يمكننا أن نعطيه مئات الأشياء الأخرى، لكن لا شيء منها يهم حقًا ما لم نمنحه محبتنا. وكما قال يسوع لكنيسة أفسس في رؤيا ٤:٢ “لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى.” فإذا فقدنا المحبة، فقدنا كل شيء.
- وَاحْفَظْ حُقُوقَهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ وَوَصَايَاه: إن الذين يحبون الله سوف يرغبون في إرضائه وإكرامه بالطريقة التي أعلنها في كلمته. وبالقدر الذي يفشل فيه الإنسان في طاعة الله، يمكن القول أيضًا إن محبته له غير مكتمل.
- كما قال يسوع في يوحنا ١٤: ١٥ “إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ.” إن المحبة الحقيقية ليسوع تترجم دائمًا في الطاعة.
- وَاعْلَمُوا الْيَوْمَ أَنِّي لَسْتُ أُرِيدُ بَنِيكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا وَلاَ رَأَوْا: خاطب موسى الجيل الذي رأى أعمال الله في إسرائيل، في وقت البركة ووقت التأديب. تحدث موسى إلى الجيل الذي لابد أنه يعرف ويتذكر ما عمله الرب.
- فَأَبَادَهُمُ الرَّبُّ إِلَى هذَا الْيَوْمِ: “تُثبت الوثائق التاريخية أن كلًا من تحتمس الرابع وأمنحتب الثالث – الملكان المصريان اللذان خلفا الفرعون أمنحتب الثاني أثناء الخروج – لم يتمكنا من تجميع جيوش كبيرة أو القيام بحملات عسكرية كبيرة حتى بعد الفترة المشار إليها بعبارة ’إلى هذا اليوم،‘ أي حوالي عام ١٤٠٠ ق.م.” ميريل (Merrill)
- دَاثَانَ وَأَبِيرَامَ: هذان كانا الشريكين الرئيسيين – وربما المحرضين – في تمرد قورح (سفر العدد ١٦). وعندما تحدى قورح وداثان وأبيرام القيادة في إسرائيل، برر الله عبده موسى.
- الَّتِي عَمِلَهَا… وَالَّتِي عَمِلَهَا… حَيْثُ أَطَافَ… فَأَبَادَهُمُ الرَّبُّ… الَّتِي عَمِلَهَا… كُلَّ صَنَائِعِ الرَّبِّ الْعَظِيمَةِ الَّتِي عَمِلَهَا: دعا موسى إسرائيل ليتذكروا ما عمله الله في تاريخهم. إن أعمال الله تستحق التأمل أكثر من أعمال البشر.
- “يجب أن نحتفظ بمذكرات يومية لتسجيل تعاملات الله معنا (مزمور ١٠٢: ١٨)، لأن هذا سيساعد ذاكرتنا الضعيفة، ويحفز قلوبنا الفاترة للسعي الجاد نحو التقوى.” تراب (Trapp)
- إن معظم التاريخ – الرسمي والشخصي على حد سواء – يهتم ببساطة بما فعله الإنسان. لكن الله يريد من شعبه أن ينظر إلى التاريخ ويرى عمله. إننا نتعلم أكثر بكثير، ونستفيد أكثر بكثير، بالنظر إلى ما عمله الله، بدلًا من النظر إلى ما عمله إنسان.
- لأن إسرائيل اختبر بشكل شخصي العديد من أعمال الله العظيمة، فقد كانت تقع عليهم مسؤولية كبيرة. “لم يكن بوسعهم أن يزعموا الجهل أو عدم تحملهم للمسؤولية. وكان ينبغي لاختباراتهم أن تكون الحافز الأقوى للتجاوب المُحب والطاعة.” ميريل (Merrill)
ب) الآيات (٨-١٥): وعد مشروط بالبركة في أرض كنعان.
٨«فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِكَيْ تَتَشَدَّدُوا وَتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا، ٩وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا. ١٠لأَنَّ الأَرْضَ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا لَيْسَتْ مِثْلَ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا، حَيْثُ كُنْتَ تَزْرَعُ زَرْعَكَ وَتَسْقِيهِ بِرِجْلِكَ كَبُسْتَانِ بُقُول. ١١بَلْ الأَرْضُ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكُوهَا، هِيَ أَرْضُ جِبَال وَبِقَاعٍ. مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ تَشْرَبُ مَاءً. ١٢أَرْضٌ يَعْتَنِي بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ. عَيْنَا الرَّبِّ إِلهِكَ عَلَيْهَا دَائِمًا مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ إِلَى آخِرِهَا. ١٣«فَإِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَايَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَتَعْبُدُوهُ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ، ١٤أُعْطِي مَطَرَ أَرْضِكُمْ فِي حِينِهِ: الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ. فَتَجْمَعُ حِنْطَتَكَ وَخَمْرَكَ وَزَيْتَكَ. ١٥وَأُعْطِي لِبَهَائِمِكَ عُشْبًا فِي حَقْلِكَ فَتَأْكُلُ أَنْتَ وَتَشْبَعُ.
- فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا: إن تذكُّر ما عمله الله لإسرائيل في الماضي يجب أن يقود إسرائيل إلى طاعة أعظم ويُمكّنهم من امتلاك أرض الموعد.
- أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا: إذا نظر شعب إسرائيل إلى طاعة الله ووصاياه على أنها ذبيحة (أو تضحية)، فقد تمت مكافأتها بسخاء. لقد وعدهم الله بأرض أفضل بكثير من مصر – أرض لا تحتاج إلى ري اصطناعي، بل كانت ترويها الأمطار التي يرسلها الله على الأمة المطيعة.
- وفي تسمية الرب مصر بالمكان الذي تَسْقِيهِ بِرِجْلِكَ، فإنه يشير إلى نظام الري الاصطناعي، حيث كان يُستخدم مضخات تدار بالأقدام لرفع المياه من نهر النيل إلى الحقول المجاورة. أما كنعان فقد كانت تتلقى الماء مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ ولم تكن بحاجة إلى هذا النوع من الري.
- تَسْقِيهِ بِرِجْلِكَ: “إن التقنية التي تم الإشارة إليها هنا موثّقة في النصوص والرسوم القديمة ولا تزال مستخدمة في بعض مناطق مصر اليوم. وهي تتضمن نظامًا من الخنادق والقنوات وخزانات التخزين، حيث يتم ’ضخ‘ مياه النهر باستخدام مُعِدّة تشبه عجلة التجديف تُعرف في اللغة العربية باسم الشادوف. ويتم تشغيل هذه العجلة بواسطة دواسات القدم أو آليات مماثلة، مما يبرر وصف عملية الريّ بأنها تتم ’بالرِجْل.‘” ميريل (Merrill)
- فَإِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَايَ: كان وعد الله بأن يعول إسرائيل مشروطًا. كان عليهم أن يطيعوا كل ما أوصاهم به. فإن وضعوا الله ومجده في المقام الأول، فقد وعد الله بأن يعولهم. وقد ذكر يسوع هذا المبدأ نفسه لاحقًا في إنجيل متى ٦: ٣٣.
- كان وعد الرب بأنه سيباركهم بالمطر وعدًا هامًا، لأن أحد الآلهة الكنعانية الجذابة كان البعل – وهو الإله الذي قيل إنه يتحكم في الطقس والمطر. فربما فكر الإسرائيليون: “حسنًا، نحن الآن في كنعان، وإذا أردنا المطر، فيجب علينا أن نعبد إله المطر الكنعاني.” ولكن الرب أوضح لهم مسبقًا أنهم إذا عبدوه وأطاعوه، فسوف يمدهم بمطرٍ وافرٍ.
- أُعْطِي مَطَرَ أَرْضِكُمْ فِي حِينِهِ: الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ: يسقط المطر الْمُبَكِّرَ في شهري أكتوبر ونوفمبر، وهذا مهمًا لتليين الأرض للحراثة وإعداد التربة للبذور. ويسقط المطر الْمُتَأَخِّرَ في شهر أبريل تقريبًا، وهو يساعد المحاصيل على النضج حتى الحصاد النهائي. كان كلا موسمين المطر مفيدًا للزراعة الناجحة.
- “يشير المطر المُبكر إلى المطر الذي كان يهطل عادة في اليهودية حوالي شهر نوفمبر/تشرين الثاني، بالتزامن مع بذر البذور. كان هذا المطر يساهم في ترطيب التربة وإعدادها لإنبات البذور. أما المطر المتأخر فكان يهطل في شهر أبريل/نيسان، أثناء نمو الذرة ومحاصيل ذلك الموسم، وكان يساعد على امتلاء السنابل وضمان اكتمالها ونضجها. كان هطول الأمطار في اليهودية نادرًا خارج هذه المواسم.” كلارك (Clarke)
- أَرْضٌ يَعْتَنِي بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ: أعلن الله عن عنايته الخاصة بأرض إسرائيل، سواء في العصور القديمة أو الآن. فبينما لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا (مزمور ٢٤: ١)، فقد اختار الأرض التي نعرفها الآن باسم إسرائيل لتكون نقطة محورية لعمله الفدائي. وأكد أن عَيْنَاه ستظلان دَائِمًا على هذه الأرض من أول السنة إلى آخرها.
- “هذا وصف ملفت للنظر للأرض المقدسة، والمكانة التي تحتلها في العالم جغرافيًا وتاريخيًا لافت للنظر بنفس القدر… وعندما ننظر إليها في ضوء الإشارات التوراتية وماضيها العريق، فإنها تثير فينا شعورًا بالاحترام. إنها الأرض التي تحظى برعاية الله الخاصة.
ج) الآيات (١٦-١٧): تحذير إسرائيل من خطورة الابتعاد عن الرب في أوقات الرخاء.
١٦فَاحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَنْغَوِيَ قُلُوبُكُمْ فَتَزِيغُوا وَتَعْبُدُوا آلِهَةً أُخْرَى وَتَسْجُدُوا لَهَا، ١٧فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ، وَيُغْلِقُ السَّمَاءَ فَلاَ يَكُونُ مَطَرٌ، وَلاَ تُعْطِي الأَرْضُ غَلَّتَهَا، فَتَبِيدُونَ سَرِيعًا عَنِ الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ الرَّبُّ.
- فَاحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَنْغَوِيَ قُلُوبُكُمْ: كان على الله أن يحذر إسرائيل من الخداع الذي قد يأتي مع الرخاء. فالشخص الذي يتحول عن الله في وقت الرخاء هو ببساطة شخص مخدوع. فمثل أولئك يعتقدون أنهم مسؤولون بطريقة أو بأخرى عن البركات التي تلقوها ويصبحون فخورين بذواتهم ومتكلين على أنفسهم.
- يُغْلِقُ السَّمَاءَ فَلاَ يَكُونُ مَطَرٌ: تمامًا مثلما حدث في الدينونة التي أتت على إسرائيل في أيام آخاب، الملك الشرير الذي كان على إسرائيل في الوقت الذي كان فيه إيليا نبيًا (ملوك الأول ١٧: ١).
- إن الاحتياج المستمر للمطر جعل إسرائيل في اتكال واعتماد دائم على الرب. ومن الجيد أن يكون لدى المؤمنين أشياء تجعلهم في اعتماد دائم على الرب. ولا ينبغي لشعب الله أبدًا أن يحتقروا هذه الأشياء أو أن يجدوا أنفسهم متشوقين إلى اليوم الذي لن يحتاجوا فيه بعد الآن إلى الاعتماد على الله بنفس القدر.
د ) الآيات (١٨-٢١): نوال البركة من خلال حفظ كلمة الله ووضعها أمامك باستمرار.
١٨«فَضَعُوا كَلِمَاتِي هذِهِ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَنُفُوسِكُمْ، وَارْبُطُوهَا عَلاَمَةً عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عُيُونِكُمْ، ١٩وَعَلِّمُوهَا أَوْلاَدَكُمْ، مُتَكَلِّمِينَ بِهَا حِينَ تَجْلِسُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، وَحِينَ تَمْشُونَ فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُونَ، وَحِينَ تَقُومُونَ. ٢٠وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ، ٢١لِكَيْ تَكْثُرَ أَيَّامُكَ وَأَيَّامُ أَوْلاَدِكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهَا، كَأَيَّامِ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ.
- فَضَعُوا كَلِمَاتِي هذِهِ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَنُفُوسِكُمْ: لم يدع الله إسرائيل فقط لقراءة كلمة الله ومعرفتها، بل أيضًا لاكتنازها. إن إدراك قيمة كلمة الله هو استجابة طبيعية لفهم من هو الله وتقدير العطية الرائعة المتمثلة في تواصله معنا من خلال الكتاب المقدس.
- وَارْبُطُوهَا عَلاَمَةً عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عُيُونِكُمْ: لقد تم تقديم هذا المفهوم لأول مرة في إطار عيد الفصح (خروج ١٣:٩، ١٦)، ويجب فهمه كرمز يهدف إلى إبقاء الحق أو فكرة ما في دائرة الاهتمام الدائم. بالنسبة لإسرائيل، كان يجب أن تكون وصايا الله مألوفة وظاهرة مثل علامة على اليد أو الرأس.
- بحلول زمن يسوع، كان الشعب اليهودي قد تبنّى هذا المقطع (إلى جانب تثنية ٦: ٨) كأساس لممارسة ارتداء التعويذات (تمائم/الأحجبة). تتكون التعويذة (تَمِيمة، حِجاب) من صندوق صغير يحتوي على مخطوطة مكتوب عليها نصوص من الكتاب المقدس، ويتم تثبيته على الجبهة أو اليد بأشرطة جلدية.
- مُتَكَلِّمِينَ بِهَا: كانت كلمة الله لتكون هي موضوع حديثهم الدائم أثناء جلوسهم أو سيرهم أو دخولهم أو خروجهم. يمكننا أن نقيس محبتنا لكلمة الله بمقدار حديثنا عنها مع الآخرين.
- كَأَيَّامِ السَّمَاءِ: “إن عبارة ’كَأَيَّامِ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ‘ هي طريقة حيّة للقول ’إلى الأبد.‘ إن الوعد الإلهي الذي قطعه للآباء سيبقى ساريًا لأولئك الذين يطيعون الله.” تومسون (Thompson)
ثانيًا. اختيار البركة أو اللعنة
أ ) الآيات (٢٢-٢٥): الوعد بالبركة.
٢٢لأَنَّهُ إِذَا حَفِظْتُمْ جَمِيعَ هذِهِ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا لِتَعْمَلُوهَا، لِتُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَتَسْلُكُوا فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ وَتَلْتَصِقُوا بِهِ، ٢٣يَطْرُدُ الرَّبُّ جَمِيعَ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ مِنْ أَمَامِكُمْ، فَتَرِثُونَ شُعُوبًا أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكُمْ. ٢٤كُلُّ مَكَانٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ يَكُونُ لَكُمْ. مِنَ الْبَرِّيَّةِ وَلُبْنَانَ. مِنَ النَّهْرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ، إِلَى الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ يَكُونُ تُخْمُكُمْ. ٢٥لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكُمْ. اَلرَّبُّ إِلهُكُمْ يَجْعَلُ خَشْيَتَكُمْ وَرُعْبَكُمْ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ الَّتِي تَدُوسُونَهَا كَمَا كَلَّمَكُمْ.
- لِتُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَتَسْلُكُوا فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ وَتَلْتَصِقُوا بِهِ: تتلخص جميع الوصايا في هذه العبارات الثلاث (لِتُحِبُّوا… وَتَسْلُكُوا… وَتَلْتَصِقُوا). كل واحدة منها تتحدث عن أكثر من مجرد طاعة جبرية. تتحدث هذه الكلمات عن علاقة محبة حقيقية بين الله وشعبه، حيث تنبع الطاعة بشكل طبيعي من هذا النوع من العلاقة.
- “إن الاحتفالات والطقوس وغيرها من الممارسات الدينية ستكون بلا معنى إذ تم تجاهل العلاقة الشخصية مع الله.” ميريل (Merrill)
- يَطْرُدُ الرَّبُّ… فَتَرِثُونَ شُعُوبًا أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكُمْ: لقد وعد الله أن يخوض المعارك من أجل إسرائيل المطيع (يشوع ١٠:١٠-١١، ١٤). يرغب الكثيرون في أن يخوض الله معاركهم ولكن ليس لديهم اهتمام كبير بطاعته – أو تنمية علاقة حقيقية معه تثمر بالطاعة.
- كُلُّ مَكَانٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ: لقد كرر الله هذا الوعد ليشوع، عندما كان شعب إسرائيل على وشك عبور نهر الأردن دخولًا إلى كنعان (يشوع ١: ٣).
- “من المهم أن نلاحظ أن داود وسليمان أسسا إمبراطورية شملت كل هذا (صموئيل الثاني ٨: ١-١٤؛ ملوك الأول ٤: ٢١-٢٤). ولكن من المهم أيضًا أن نعرف أن الأرض التي تقع شرق الأردن لم تكن جزءًا من الوعود القديمة، على الرغم من أن أسباط رأوبين وجاد ونصف سبط منسى قد استقروا فيها (قارن مع سفر العدد ٣٢: ٣٣-٤٢)، حتى بمباركة الله (تثنية ٣: ١٨-٢٣).” ميريل (Merrill)
- لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكُمْ: عندما سلك شعب إسرائيل في محبة الرب وكان مطيعًا لوصاياه، كانوا لا يُقهرون. لم يقف إنسان في وجههم. وكان الله الذي معهم أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ! (يوحنا الأولى ٤:٤). زرع الله الخوف والرعب في نفوس الكنعانيين من إسرائيل (يشوع ٩:٢).
ب) الآيات (٢٦-٢٨): الاختيار: بركة أم لعنة؟
٢٦«اُنْظُرْ. أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ بَرَكَةً وَلَعْنَةً: ٢٧الْبَرَكَةُ إِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ. ٢٨وَاللَّعْنَةُ إِذَا لَمْ تَسْمَعُوا لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمْ، وَزُغْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتَذْهَبُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا.
- اُنْظُرْ. أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ بَرَكَةً وَلَعْنَةً: إن العناصر الثلاثة العظيمة للعهد الذي قطعه الله مع إسرائيل على جبل سيناء كانت تدور حول الناموس، والذبيحة، والاختيار. كان أمام إسرائيل خيار: إما أن يطيع فيُبارك، أو أن يعصي فيُلعن. لقد كانت العلاقة مع الله هي علاقة سبب ونتيجة.
- من المهم أن ندرك أن المؤمنين في يسوع المسيح لا تربطهم علاقة عهد قديم مع الله. قد يتوقعون البركة، ليس بسبب طاعتهم، بل بسبب مكانتهم في المسيح يسوع الذي وُضِعت عليه اللعنة المستحقة (غلاطية ٣: ١٠-١٤). وعلى الرغم من أنه قد تكون هناك لعنة متأصلة نتيجة العصيان أو حتى بيد الله المصححة، إلا أنه بموجب العهد الجديد، هو لا يعاقب أو يلعن المؤمن – لأن كل ما يستحقه، في الماضي والحاضر والمستقبل، قد انسكب على يسوع.
- أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ: بموجب هذا العهد، كان الأمر متروكًا لإسرائيل. فإن أرادوا أن ينعموا بالبركة، فليسلكوا في الطاعة (كما سلكوا في أيام داود وسليمان)، وإذا عصوا سيُلعنون (كما كان في أغلب أيام الملوك اللاحقين).
- كان عليهم أن يختاروا. لم تكن هناك أرض محايدة. فالله لن يدعهم وشأنهم. واختيارهم إما أن يكون نعمة أو نقمة، وسوف يمجد الله نفسه من خلال أي من الخيارين.
- لِتَذْهَبُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا: كانت عبادة الأوثان متأصلة في عصيان إسرائيل. والذين يسلكون في العصيان، سوف يمجدون أنفسهم مقابل تمجيد الله – ويعلنون أن قواعدهم، ومعاييرهم، ورغباتهم كلها أكثر أهمية من وصاياه وأحكامه. وهذه هي عبادة الأصنام في أبسط صورها وأكثرها شيوعًا.
ج) الآيات (٢٩-٣٢): إعلان الاختيار للشعب.
٢٩وَإِذَا جَاءَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكِيْ تَمْتَلِكَهَا، فَاجْعَلِ الْبَرَكَةَ عَلَى جَبَلِ جِرِزِّيمَ، وَاللَّعْنَةَ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ. ٣٠أَمَا هُمَا فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، وَرَاءَ طَرِيقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي الْعَرَبَةِ، مُقَابِلَ الْجِلْجَالِ، بِجَانِبِ بَلُّوطَاتِ مُورَةَ؟ ٣١لأَنَّكُمْ عَابِرُونَ الأُرْدُنَّ لِتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي الرَّبُّ إِلهُكُمْ يُعْطِيكُمْ. تَمْتَلِكُونَهَا وَتَسْكُنُونَهَا. ٣٢فَاحْفَظُوا جَمِيعَ الْفَرَائِضِ وَالأَحْكَامِ الَّتِي أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ لِتَعْمَلُوهَا.
- فَاجْعَلِ الْبَرَكَةَ عَلَى جَبَلِ جِرِزِّيمَ، وَاللَّعْنَةَ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ: سيتم إعادة تلاوة البركة على جبل جرزيم واللعنة على جبل عيبال في إصحاحات لاحقة، وستطبق في سفر يشوع ٣٠:٨-٣٥. ولكن من الواضح أن الله أراد أن تصل الكلمة إلى الأمة كلها، لأن كل الأمة كانت جزءًا من هذا العهد معه.
- “إن العهد الذي أُبرم لأول مرة عند جبل سيناء (خروج ١٩: ١-٨)، والذي تم تجديده الآن في سهول موآب (تثنية ٢٩: ١)، كان لابد من تجديده مرة أخرى عند عبور إسرائيل نهر الأردن. ومن الواضح أن هذه المراسم قد أُقيمت بالفعل وفقًا لما ورد في يشوع ٨: ٣٠-٣٥.” تومسون (Thompson)
- جَبَلِ جِرِزِّيمَ… جَبَلِ عِيبَالَ: من المفترض أن يرتبط اسم جِرِزِّيم بالحصاد المثمر، ومن المفترض أن يرتبط اسم عِيبَال بالعقم وعدم الإثمار. وبالتالي جاءت البركات من جرزيم واللعنات من عيبال.
- “يقع جَبَلِ جِرِزِّيمَ ناحية الجنوب وجَبَلِ عِيبَالَ إلى الشمال من الوادي الذي يمر به الطريق من شكيم إلى السامرة. وتقع شكيم على الكتف بين الاثنين، ومن هنا جاء اسمها بالعبرية شكيم (sekem) وتعني ’كتف.‘” تومسون (Thompson)
- “لا شك أنه تم اختيارهم بسبب مركزيتهم وامكاناتهم الطبيعية على استيعاب مثل هذا الحدث. وهما قريبان من بعضهما البعض، وكلاهما على ارتفاع حوالي ٣٠٠٠ قدم فوق مستوى سطح البحر، وعيبال أعلى من جرزيم بنحو ٢٣٠ قدمًا.” كالاند (Kalland)
- “إن ما أجمع عليه جميع الذين سافروا لتلك المناطق هي أن جبل جرزيم خصب للغاية، في حين أن جبل عيبال قاحل للغاية.” كلارك (Clarke)
