سفر التثنية – الإصحاح ٢٤
قانون الطلاق وأحكام أخرى متنوعة
أولًا. الطلاق والزواج الثاني والزواج
أ ) الآية (١): شريعة الطلاق في إسرائيل القديمة.
١إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ.
- كِتَابَ طَلاَق: بموجب هذه الشرائع، كان الطلاق مسموحًا به في إسرائيل، ولكن تم تنظيمه بعناية. وبموجب شريعة الله، لا يمكن فسخ عقد الزواج بمجرد رغبة أحد الشريكين في الانفصال؛ فيجب أن يكون هناك سبب لكِتَابَ الطَلاَق.
- “هذا القانون لا يشجع أو يؤيد الطلاق، بل ينظم ممارسته داخل إسرائيل القديمة.” ميريل (Merrill)
- وحتى مع وجود سبب، لم يكن من المفترض أبدًا أن يُنظر إلى الطلاق على أنه خيار مفضل أو سهل. إن الكلمة العبرية المترجمة ’طَلاَق‘ تأتي جذورها من فكرة ’القطع أو الفصل‘ – وهي كلمة تعني بتر ما كان من المفترض أنه جسد واحد.
- “يرى معظم المسيحيين الطلاق بمثابة تقطيع في جسد حي، كنوع من العمليات الجراحية. ويرى البعض أن العملية عنيفة إلى درجة أنه لا يمكن إجراؤها على الإطلاق؛ ويعترف آخرون بأنه علاج يائس في الحالات القصوى. وقد اتفقوا جميعًا على أن الأمر أشبه بقطع ساقيك أكثر من مجرد حل شراكة تجارية أو حتى الفرار من كتيبة عسكرية.” سي إس لويس، السلوك المسيحي (S. Lewis, Christian Behaviour)
- وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق: أمر الله، من خلال موسى، بأن يتم توثيق أي طلاق بكِتَابَ طَلاَق. وبعبارة أخرى، لم يكن بوسع الرجل أن يعلن لزوجته ببساطة: “قد تطلقنا.” وكما كان الزواج معترفًا به قانونيًا، فلابد أن يكون الطلاق معترفًا به أيضًا. كان لا بد من إصدار كِتَابَ طَلاَق – وثيقة قانونية – وتسليمها بشكل صحيح إلى يدها (وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا).
- فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ: هذا يصف الأسباب الصحيحة للطلاق، ويشير إلى أنه لا يمكن كتابة كِتَابَ طَلاَق لأي سبب أو بشكل تعسفي. وكان لا بد من تأسيس الطلاق على هذين الشرطين المهمين.
- كان لابد من وجود شكل من أشكال النجاسة في الزوج كسبب للطلاق (فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ). ومع ذلك، وسع معلمو اليهود في وقت لاحق تعريف “النجاسة” ليشمل أي شيء يزعج الزوج. وبحلول وقت يسوع، علَّم بعضهم أن الرجل يمكنه أن يطلق زوجته لشيء تافه مثل حرق إفطاره أو ببساطة العثور على امرأة أخرى أكثر جاذبية.
- لكن يسوع في متى ٣:١٩-١٠ عرّف بدقة وبشكل صحيح ما هو العَيْب المُشار إليه في تثنية ١:٢٤. فقال: “إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي” (متى ٩:١٩). أوضح يسوع أن ذلك العَيْبَ يشير إلى الزنا، وهو مصطلح واسع يشير إلى الخطية الجنسية، والتي تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، الاتصال الجنسي مع شخص غير الشريك. إن الكلمة العبرية المترجمة “عَيْب” في حد ذاتها تتضمن معنى الزنا؛ إن معناها حرفيًا “عُري الشيء.”
- لذلك، إذا وَجَدَ الزوج فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، فمن حقه أن يعطي زوجته كِتَابَ طَلاَق. لكنه غير مجبر على ذلك. بالإضافة إلى ذلك، كان لابد أن يرتبط فقدان الود (لَا تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ) مباشرة باكتشاف نجاستها (لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ). بمعنى آخر، كان لابد أن يكون الأمر أن زنا المرأة أزعجه بشدة لدرجة أنها لم تعد تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ. فعدم وجِودْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ هو بسبب أن فِيهَا عَيْب (نجاسة).
- وهذا يساعدنا على فهم ما قاله يسوع في متى ١٩: ٨ “إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا.”
- إذا لم يكن للمرأة قلب قاس، فلن ترتكب الزنا ضد زوجها أبدًا، ولن تكون هناك حاجة إلى الطلاق.
- إذا لم يكن لدى الزوج أي قسوة في قلبه، فيمكنه أن يغفر لزوجته ويظل ينظر إليها بنِعْمَةً، حتى لو كانت مذنبة بالزنا.
- ولكن لأن الله يعلم أن هناك قسوة في قلوبنا – سواء في الطرف المسيء أو المُساء إليه – فإنه يمنح الإذن بالطلاق.
- في أيام يسوع، علَّم معلمو اليهود أنه من واجب الرجل التقي أن يطلق زوجته إذا أغضبته. ويوضح كل من موسى ويسوع أن الله يسمح بالطلاق في ظروف معينة، لكنه لا يوصي به أبدًا.
- ومع ذلك، إذا كان لدى شخص ما أسباب كتابية للطلاق (مثل هجر الزوج غير المؤمن، كما ورد في ١ كورنثوس ٧: ١٥)، فيُسمح له بالطلاق دون أن يتهمه الله بارتكاب خطأ. والاستثناء هو إذا أرشده الروح القدس على وجه التحديد بعدم الطلاق، واختار هو أن يعصي هذا التوجيه الإلهي.
- وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق: نظرًا لأن هذا النص يتناول بشكل خاص الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم، يفترض البعض أن الزوجات ليس لهن الحق في تطليق أزواجهن بسبب الزنا (عَيْب). ومع ذلك، فإن سفر التثنية – وشريعة موسى ككل – يعملان كقانون حالة، حيث يقدمان المبادئ من خلال أمثلة محددة مع توقع أن يطبق قضاة إسرائيل هذه المبادئ على حالات مماثلة. لذلك، ينطبق نفس المعيار على الزوجة التي تسعى إلى الطلاق من زوجها.
-
- علاوة على ذلك، عندما أشار يسوع إلى هذا النص في مرقس ١٠: ١٢، أكد أن نفس المبدأ ينطبق إِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ. وأوضح بيانه هذا أن المعيار لم يكن حصريًا للأزواج بل يمتد أيضًا إلى الزوجات.
ب) الآيات (٢-٤): شريعة الزواج الثاني في إسرائيل القديمة.
٢وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، ٣فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَهَا لَهُ زَوْجَةً، ٤لاَ يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ. فَلاَ تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا.
- لاَ يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا: هذا قانون قوي، إذ يقول إنه إذا تزوجت المطلقة مرة أخرى، فلا يمكنها العودة إلى زوجها الأول، حتى بعد أن ينتهي زواجها الثاني سواء بالطلاق أو بوفاة الزوج. ويُعد خرق هذه الشريعة رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ.
- “قصة هوشع (١-٣) هي قصة رجلًا رفض أن يطلّق زوجته رغم خيانتها. وبالتالي أصبح في وضع يسمح له باستعادتها عندما وجدها. وعلى نحو مماثل، ظل الله أمينًا لإسرائيل على الرغم من خيانتهم ولم يرفضهم إلى الأبد (راجع إرميا ٣: ١-٨).” تومسون (Thompson)
- ذلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ: يبدو أنه قد يكون من الجيد أن يرجعا الزوجان الأولان معًا. ولكن هذه الوصية جاءت لأن الله أراد أن يُنظر إلى الزواج والطلاق على أنهما أمران جديان ودائمان. ولا يمكن للمرء أن يتزوج أو يُطلّق بشكل عرضي؛ ولا بد من التفكير في الأمر بعناية لأنه قرار دائم.
- “كان من شأن الشريعة الحالية أن تجعل الطلاق مسألة أكثر خطورة، وأن تضعف من عزيمة المرأة على التنقّل العشوائي من رجل إلى آخر، مما كان يؤدي إلى تدنيسها. والتأثير الإجمالي لهذه الشريعة هو رفع مكانة المرأة.” تومسون (Thompson)
- من شأن هذه الوصية أيضًا أن تعزز الزواج الثاني من خلال إضعاف عزيمة أحد الزوجين عن التفكير في ترك الزواج الثاني ببساطة والعودة إلى الشريك الأول. وعادةً، الخيار المفضّل كان هو البقاء في الزواج والعمل على حل المشكلات.
- تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلَى الأَرْضِ: “إن مفهوم أن الزنا يدنس الأرض مذكور في عدة مقاطع أخرى من العهد القديم (على سبيل المثال، لاويين ١٨: ٢٥، ٢٨؛ ١٩: ٢٩؛ عدد ٥: ٣؛ إرميا ٣: ٢، ٩؛ هوشع ٤: ٣).” تومسون (Thompson)
ج) الآية (٥): شريعة تكريم الزواج.
٥إِذَا اتَّخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً جَدِيدَةً، فَلاَ يَخْرُجْ فِي الْجُنْدِ، وَلاَ يُحْمَلْ عَلَيْهِ أَمْرٌ مَّا. حُرًّا يَكُونُ فِي بَيْتِهِ سَنَةً وَاحِدَةً، وَيَسُرُّ امْرَأَتَهُ الَّتِي أَخَذَهَا.
- حُرًّا يَكُونُ فِي بَيْتِهِ سَنَةً وَاحِدَةً: نجد مبدأ مماثل في سفر التثنية ٢٠: ٧، والذي يعكس كيف كرم الله وبارك عهد الزواج. فبموجب القوانين الإسرائيلية آنذاك، كان الرجال المتزوجون حديثًا معفيين من الخدمة العسكرية أو الحكومية لمدة سَنَة وَاحِدَة. ولم يكن هذا للسماح لهم بالتمتع برباط الزواج فحسب، بل وأيضًا لتأسيس أسرة وتأسيس ذرية.
- وَيَسُرُّ امْرَأَتَهُ: وهذه وظيفة مهمة لكل زوج. فتلاميذ يسوع المسيح يجدون حياتهم بإَضَاعَتها (متى ١٠: ٣٩)، كذلك فإن الزوج سيجد السعادة القصوى إذا كان يَسُرُّ امْرَأَتَهُ.
- هذا لا يعني أنه يجب على الزوج أن يَرضى برأي زوجته أو تفضيلاتها في كل مناسبة. فالقيام بذلك قد يقوّض قيادته، ويسمح لنزوات الزوجة بأن توّجه الأسرة. المقصود هنا أنه على الزوج أن يقود بطريقة تأخذ في الاعتبار ما هو الأفضل للأسرة بأكملها، وتوفر الاستقرار والأمان اللذين يساهمان في جلب السعادة على الأسرة.
- وكما تم وصف دور الزوج في أفسس ٥، نرى أن الله يؤكد على الوحدة الأساسية بين الزوج والزوجة. ووفقًا لهذا المبدأ، لا يمكن للزوج أن يجعل زوجته سعيدة دون أن يدخل السعادة في حياته أيضًا. وعلى العكس من ذلك، فهو لا يستطيع أن يجلب البؤس إلى حياة زوجته دون أن يجلب البؤس إلى حياته الخاصة.
- إن الزوجة السعيدة تحت قيادة زوجها التقي تساعد في بناء أساس البيت السعيد. وعلى النقيض من ذلك، فإن الزوجة المريرة أو المُجَادِلة تجعل البيت بائسًا (أمثال ٢٧: ١٥، ٢١: ٩، ٢١: ١٩).
ثانيًا. شرائع أخرى متنوعة
أ ) الآية (٦): لا تتخذوا رزق أحد رهنًا.
٦لاَ يَسْتَرْهِنْ أَحَدٌ رَحًى أَوْ مِرْدَاتَهَا، لأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَرْهِنُ حَيَاةً.
- لاَ يَسْتَرْهِنْ أَحَدٌ رَحًى أَوْ مِرْدَاتَهَا: كان حجر الرَحى ضروريًا لكسب عيش الأسرة وتوفير الغذاء المنتظم لها. لذلك كان ممنوعًا أن يؤخذ حجر الرَحى كضمان لقرض.
- هذا بمثابة تحذير لشعب الله من استغلال بعضهم البعض في أوقات الحاجة الماسة. يجب على المؤمنين توخي الحذر حتى لا يستفيدوا بشكل غير عادل من فقر الآخرين أو صراعاتهم.
- لأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَرْهِنُ حَيَاةً: يمكن أن تَسْتَرْهِنُ الأشياء غير الضرورية كضمان لسداد القرض. وفي حين أنه لا يمكن فرض فائدة على القرض المقدم إلى أخ محتاج، يمكن أخذ الرهن كضمان. لكن هذه الوصية تحظر أخذ ضمانات من شأنها أن تحرم الشخص من الوسائل اللازمة لإعالة أسرته وتخليص نفسه من الديون.
ب) الآية (٧): عقوبة الخطف.
٧إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ قَدْ سَرَقَ نَفْسًا مِنْ إِخْوَتِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتَرَقَّهُ وَبَاعَهُ، يَمُوتُ ذلِكَ السَّارِقُ، فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ.
- إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ قَدْ سَرَقَ نَفْسًا مِنْ إِخْوَتِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: لم يكن الخطف (سَرَقَ نَفْسًا) في العالم القديم بغرض الحصول على فدية، بل بغرض بيع المختطف كعبد، تمامًا كما حدث مع يوسف على يد إخوته (تكوين ٣٧: ٢٨).
- يَمُوتُ ذلِكَ السَّارِقُ: كانت هذه الجريمة خطيرة بما يكفي أمام الله، لدرجة أنه فرض لها عقوبة الإعدام. ونفس المبدأ مذكور في خروج ٢١: ١٦. تنفيذ إسرائيل لهذه الوصية، سيساعدهم في القضاء على الشَّرَّ من وسطهم.
- “لا بد أن هذه الجريمة كانت منتشرة في الشرق الأدنى القديم، كما يتبين من القوانين الأخرى التي تحظر هذه الممارسة أيضًا. وسواء احتفظ الخاطف بالشخص لنفسه أو باعه إلى أراضٍ أجنبية، كانت العقوبة الإعدام.” تومسون (Thompson)
ج) الآيات (٨-٩): الوصية بالتصرف بعَجَلَة عند تفشي ضربة البرص.
٨اِحْرِصْ فِي ضَرْبَةِ الْبَرَصِ لِتَحْفَظَ جِدًّا وَتَعْمَلَ حَسَبَ كُلِّ مَا يُعَلِّمُكَ الْكَهَنَةُ اللاَّوِيُّونَ. كَمَا أَمَرْتُهُمْ تَحْرِصُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ٩اُذْكُرْ مَا صَنَعَ الرَّبُّ إِلهُكَ بِمَرْيَمَ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ.
- اِحْرِصْ فِي ضَرْبَةِ الْبَرَصِ: يصف سفر اللاويين ١٣ و١٤ بتفصيل كبير كيف أراد الله فحص المصابين بالبرص وحجرهم صحيًا. ولأن البرص كان مرضًا مخيفًا، فأمرهم الله الناس أن يحْرِصْوا عند تفشي ضَرْبَةِ الْبَرَصِ، حتى لا يصبح وباءً بين الناس.
- “إن مصطلح برص (ṣara’at) واسع ويشمل مجموعة من الأمراض الجلدية. وفي الواقع، يُستخدم المصطلح أيضًا مع الملابس والبيوت (لاويين ١٤: ٥٥).” تومسون (Thompson)
- اُذْكُرْ مَا صَنَعَ الرَّبُّ إِلهُكَ بِمَرْيَمَ: في سفر العدد ١٢، قادت مريم أخاها هارون في التمرد على موسى، فضربها الله بالبرص. وعلى الرغم من أن موسى صلى من أجل شفاءها، إلا أن الله تركها برصاء سبعة أيام قبل أن يشفيها، وحْجَزُت سَبْعَةَ أَيَّامٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ (سفر العدد ١٢: ١٤). إذا تم عزل شخص بارز مثل مريم باعتباره مصابًا بالبرص، فهذا يوضح أن كل أبرص آخر في إسرائيل يجب أن يوضع في الحجر الصحي أيضًا وفقًا لتعليمات الله في سفر اللاويين ١٣-١٤.
د ) الآيات (١٠-١٣): التعامل مع الرَهْن بشكل صحيح.
١٠إِذَا أَقْرَضْتَ صَاحِبَكَ قَرْضًا مَّا، فَلاَ تَدْخُلْ بَيْتَهُ لِكَيْ تَرْتَهِنَ رَهْنًا مِنْهُ. ١١فِي الْخَارِجِ تَقِفُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي تُقْرِضُهُ يُخْرِجُ إِلَيْكَ الرَّهْنَ إِلَى الْخَارِجِ. ١٢ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَقِيرًا فَلاَ تَنَمْ فِي رَهْنِهِ. ١٣رُدَّ إِلَيْهِ الرَّهْنَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لِكَيْ يَنَامَ فِي ثَوْبِهِ وَيُبَارِكَكَ، فَيَكُونَ لَكَ بِرٌّ لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ.
- فَلاَ تَدْخُلْ بَيْتَهُ لِكَيْ تَرْتَهِنَ رَهْنًا مِنْهُ: عندما يتم أخذ الرَهْن للحصول على قرض، كان لا بد من الحصول عليه بطريقة تحفظ كرامة المقترض الفقير. لم يكن بإمكان المُقرض أن يغزو منزل المقترض ببساطة ويستولي على الرهن؛ بل كان على المقترض بدلًا من ذلك أن يسلمه إلى المُقرض طواعية.
- “ما أعظم اللباقة والاحترام لمشاعر الآخرين الذي تظهره هذه الوصية! فإذا طلب رجل فقير قرضًا، كان يُسمح له باختيار الرَّهْن الذي يناسبه وإحضاره من منزله بيده؛ كان لابد أن يكون ذلك من تلقاء نفسه.” ماير (Meyer)
- لم يدن الله مبدأ أخذ الرهن، بل أمر بأن يتم ذلك بطريقة إنسانية. إن فكرة أخذ ضمان مقابل القرض هي فكرة صحيحة لأنها تعزز المسؤولية الشخصية لدى الحاصل على القرض.
- فَلاَ تَنَمْ فِي رَهْنِهِ: على افتراض أن الرهن كان شيئًا ضروريًا لإبقاء الرجل دافئًا (مثل ثوب أو بطانية، والذي غالبًا ما يكون العنصر الوحيد الذي يمكن أن يقدمه رجل فقير)، كان لا بد من إعادته حتى يتمكن الرجل من استخدامه للتدفئة ليلًا.
- “كانت التعليمات المتعلّقة بالقروض والرَّهْن مليئة بالرحمة تجاه الفقراء، وتضمن عدم أخذ أي شيء ضروري حقًا لرفاهية الشخص بعد غروب الشمس. لا ينبغي أن يتعرض الفقراء إلى الظلم.” مورجان (Morgan)
- فَيَكُونَ لَكَ بِرٌّ لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ: “سوف يحسب الله ذلك عملًا صالحًا ويجازيك خيرًا؛ كما سيُصبح الرب بذاته هو المُحسن الداعم لك. وسيدوم برّك مع غناك إلى الأبد (مزمور ١١٢: ٣).” تراب (Trapp)
- “لقد تصرف اليهود في عدة حالات بشكل مخالف لهذه القاعدة، ونجد النبي عاموس يوبخوهم على ذلك بشدة. (عاموس ٨:٢).” كلارك (Clarke)
هـ) الآيات (١٤-١٥): الوصية بدفع أجور عُمالك.
١٤لاَ تَظْلِمْ أَجِيرًا مِسْكِينًا وَفَقِيرًا مِنْ إِخْوَتِكَ أَوْ مِنَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ فِي أَرْضِكَ، فِي أَبْوَابِكَ. ١٥فِي يَوْمِهِ تُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ، وَلاَ تَغْرُبْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، لأَنَّهُ فَقِيرٌ وَإِلَيْهَا حَامِلٌ نَفْسَهُ، لِئَلاَّ يَصْرُخَ عَلَيْكَ إِلَى الرَّبِّ فَتَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيَّةٌ.
- لاَ تَظْلِمْ أَجِيرًا: يمكن أن يتعرض الخادم للظلم بسبب عدم دفع أجوره، أو بسبب ظروف العمل القاسية أو غير الآمنة، أو غير ذلك من أشكال الظلم. فأمر الله أصحاب العمل أن يعاملوا موظفيهم بالعدل واللطف.
- لِئَلاَّ يَصْرُخَ عَلَيْكَ إِلَى الرَّبِّ: يسمع الرب صراخ المظلوم. ويجب أن يكون هذا بمثابة تحذير لكل من يَظلِم الآخرين (يعقوب ٥: ٤).
- “إن حقيقة أن أي شخص من وضع اجتماعي واقتصادي أدنى كان ’أَجِيرًا‘ (باللغة العبرية sakir)، لم تكن عذرًا لحرمانه من حقوقه. ففي الواقع، كان ذلك الإنسان يتمتع بمكانة كبيرة أمام الله حتى أنه كان يستطيع أن يصرخ إلى الرب ضد صاحب العمل البخيل وغير الأمين، مستدعيًا حُكم الله بإدانة الذنب.” ميريل (Merrill)
و ) الآية (١٦): كلٌ يحمل خطيته.
١٦لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ، وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ.
- كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ: أوصى الله أن يكون كل فرد مسئولًا عن خطيته. لا يمكن لوم الأب وتحميله مسئولية خطية أبنائه (الكبار)، ولا يمكن لوم الأبناء وتحميلهم مسئولية خطية والديهم.
- وبموجب هذا المبدأ، غالبًا ما يكون من الخطأ أن يلوم الوالدين أنفسهم تلقائيًا لأجل أطفالهم الضالين؛ وعلى الرغم من أنه قد يكون لهم دور في المشكلة، إلا أن الأمر ليس كذلك دائمًا.
- “رغم أن العار والعواقب الأخرى للجريمة قد تمتد إلى عائلة المذنب وذريته وفقًا لنظام الله، إلا أن العقوبة القانونية يجب أن تُنفَّذ على الجاني وحده.” كالاند (Kalland)
- كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ: هناك حالات يأمر فيها الله بمعاقبة عائلة بأكملها بسبب خطيتهم، كما حدث مع عائلة عَخَان في يشوع ١٦:٧-٢٦. عندما يتعامل الله مع عائلة بأكملها، فهذا يشير عادة إلى شكل من أشكال المؤامرة أو المشاركة الجماعية، حيث يتحمل كل شخص في النهاية المسؤولية عن خطيته هو.
- وقد تم شرح هذا القانون وتوضيحه بتفصيل كافٍ في حزقيال ١٨.” كلارك (Clarke)
ز ) الآيات (١٧-١٨): الوصية بالرحمة والعدل.
١٧لاَ تُعَوِّجْ حُكْمَ الْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ، وَلاَ تَسْتَرْهِنْ ثَوْبَ الأَرْمَلَةِ. ١٨وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي مِصْرَ فَفَدَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ هُنَاكَ. لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ أَنْ تَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ.
- لاَ تُعَوِّجْ حُكْمَ الْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ: في العالم القديم، كان الأجنبي أي الْغَرِيبِ وأيضًا الْيَتِيمِ من بين الفئات التي غالبًا ما يُحرمون من العدالة، حيث لم يكن لديهم عادةً من يدافع عنهم أو يدعم قضيتهم.
- وَلاَ تَسْتَرْهِنْ ثَوْبَ الأَرْمَلَةِ: “لا يجوز رهن ثَوْب أو عباءة أرملة (رغم أن رهن الثياب مؤقتًا كان مسموحًا لآخرين، الآيات ١٢-١٣).” كالاند (Kalland)
- وَاذْكُرْ: بينما يتذكر شعب إسرائيل كل ما فعله الله من أجلهم، يجب أن يقودهم ذلك إلى إظهار المزيد من التعاطف مع المحرومين. من الجيد أن يتعامل شعب الله مع الآخرين متذكرًا كم باركهم الله وكم غفر لهم.
ح) الآيات (١٩-٢٢): اتركوا وراءكم بعض الحصاد للفقراء.
١٩إِذَا حَصَدْتَ حَصِيدَكَ فِي حَقْلِكَ وَنَسِيتَ حُزْمَةً فِي الْحَقْلِ، فَلاَ تَرْجعْ لِتَأْخُذَهَا، لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ تَكُونُ، لِكَيْ يُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي كُلِّ عَمَلِ يَدَيْكَ. ٢٠وَإِذَا خَبَطْتَ زَيْتُونَكَ فَلاَ تُرَاجعِ الأَغْصَانَ وَرَاءَكَ، لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ يَكُونُ. ٢١إِذَا قَطَفْتَ كَرْمَكَ فَلاَ تُعَلِّلْهُ وَرَاءَكَ. لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ يَكُونُ. ٢٢وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ. لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ أَنْ تَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ.
- لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ تَكُونُ: كان هذا أحد برامج الرعاية التي قدمها الله للفقراء في إسرائيل، حيث منحهم الحق في التقاط الحبوب. وقد أُمر المزارعون بعدم حصاد حقولهم بالكامل، وترك بعض الحبوب للفقراء المجتهدين ليجمعوها. كما كانوا يتركون حزم الحبوب المتساقطة أو المنسية في الحقل. وهذا هو بالضبط ما فعله بوعز لراعوث (راعوث ٢: ٢-٣، ٢: ١٦).
- لم يكن هذا هو التدبير الوحيد المخصص للفقراء في إسرائيل. كما يوصي سِفر التثنية ١٤: ٢٨-٢٩ و٢٦: ١٢-١٥ بأن يتم دعم الفقراء كل ثلاث سنوات من عشور إسرائيل.
- لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ أَنْ تَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ: كانت هذه طريقة رائعة لمساعدة الفقراء. لقد أمرت الوصية المزارعين بأن تكون قلوبهم سخية، وجعلت الفقراء ينشطون ويعملون من أجل طعامهم. لقد أتاح لفقراء إسرائيل وسيلة لتوفير احتياجاتهم الخاصة بكرامة.
- “وهذا يسمح لمن يستقبل هذه العطايا بالحفاظ على كرامته وفي الوقت نفسه يحرر مالك الأرض من أي شعور بالسيطرة المتعجرفة على حياة أولئك الذين يعتمدون عليه.” ميريل (Merrill)
