سفر التثنية – الإصحاح ٣٠
الاختيار
أولًا. استعادة إسرائيل التائب
أ ) الآية (١): عندما تأتي البركة واللعنة على إسرائيل.
١وَمَتَى أَتَتْ عَلَيْكَ كُلُّ هذِهِ الأُمُورِ، الْبَرَكَةُ وَاللَّعْنَةُ، اللَّتَانِ جَعَلْتُهُمَا قُدَّامَكَ، فَإِنْ رَدَدْتَ فِي قَلْبِكَ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَيْهِمْ.
- وَمَتَى أَتَتْ عَلَيْكَ كُلُّ هذِهِ الأُمُورِ: شرح موسى بعناية، وبإلهام الرب له، ما يخص البركات واللعنات التي ستحل على إسرائيل سواء المطيع أو المتمرد. وبنفس الوحي والإلهام الإلهي عرف موسى أن كُلُّ هذِهِ الأُمُورِ ستأَتَي على إسرائيل.
- من ذروة البركة في عهدي داود وسليمان، إلى عمق اللعنة عند سقوط أورشليم، هكذا كان تاريخ إسرائيل هو نتيجة حتمية لكونهم مباركين أو تحت اللعنة وذلك بموجب شروط العهد القديم.
- فَإِنْ رَدَدْتَ فِي قَلْبِكَ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَيْهِمْ: عرف الله أن إسرائيل سيُشتت ويُسبى، وهنا ومن خلال موسى، يدعو الله اليهود الذين تشتتوا بين الأمم (المشتتون) أن يتذكروا وعود الرب بالْبَرَكَةُ وَاللَّعْنَةُ.
ب) الآيات (٢-٥): وعد الله باسترداد إسرائيل في أرض الموعد.
٢وَرَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ، وَسَمِعْتَ لِصَوْتِهِ حَسَبَ كُلِّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ الْيَوْمَ، أَنْتَ وَبَنُوكَ، بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ، ٣يَرُدُّ الرَّبُّ إِلهُكَ سَبْيَكَ وَيَرْحَمُكَ، وَيَعُودُ فَيَجْمَعُكَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ بَدَّدَكَ إِلَيْهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ. ٤إِنْ يَكُنْ قَدْ بَدَّدَكَ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ، فَمِنْ هُنَاكَ يَجْمَعُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَأْخُذُكَ، ٥وَيَأْتِي بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي امْتَلَكَهَا آبَاؤُكَ فَتَمْتَلِكُهَا، وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ وَيُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ.
- وَرَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ: وعندما يرجع إسرائيل إلى الرب، يباركه الله ويتمم كلمته ويَرُدُّ سَبْيَكَ وَيَرْحَمُكَ.
- وبطبيعة الحال، تحقق ذلك جزئيًا بعودة المسبيين البابليين في زمن عزرا ونحميا. ولكن التحقيق النهائي لهذا الأمر كان في انتظار القرن العشرين، عندما يجمع الله إسرائيل في أرض الموعد. إن إعادة التجميع الحديثة هذه هي استرداد أكبر وأوسع وأكثر سيادة وأكثر إعجازية من ذلك الاسترداد المسجل في عزرا ونحميا.
- “إن العبارة العبرية المترجمة ’يَرُدّ ثروتك‘ [يَرُدُّ سَبْيَكَ] تعني التغيير الكامل، والعودة إلى الحالة السابقة، وتشير إلى أن إسرائيل سيكون مرة أخرى تحت بركة الرب في أرضهم.” كالاند (Kalland)
- وَرَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ: “بالخطية نحن نهرب من الله. وبالتوبة نرجع إليه.” تراب (Trapp)
- مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ بَدَّدَكَ إِلَيْهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ: إن الاسترداد المعاصر لإسرائيل يحقق هذا الوعد بشكل أكثر دقة من عودتهم من السبي البابلي. واليوم، يسكن إسرائيل يهودًا من كل دول العالم تقريبًا. إن اتساع نطاق هذا الوعد يؤكده التكرار، ويبرزه اجتماع اليهود من أَقْصَاءِ السَّمَاوَات.
- أدرك آدم كلارك (Adam Clarke)، الذي كتب في عام ١٨١١، أن هذا التجميع يجب أن يتم في وقت ما في المستقبل: “بما أن هذا الوعد يشير إلى العودة من السبي الذي كانوا فيه مشتتين بين كل الأمم، وبالتالي فإن السبي البابلي ليس هو المقصود، ويجب أن تكون استعادة أراضيهم أمرًا مختلفًا عن تلك التي نتجت عن عودتهم من أرض الكلدانيين.”
- إِلَى الأَرْضِ الَّتِي امْتَلَكَهَا آبَاؤُكَ: وكان لا بد من ردهم في أرض إسرائيل. إن الاسترداد المعاصر لإسرائيل يحقق هذا الوعد بشكل أكثر دقة من العودة من السبي البابلي. ففي العودة من السبي البابلي، كانت إسرائيل لا تزال دولة تابعة للفُرس، ولكن في الاسترداد المعاصر لإسرائيل، ستَمْتَلِك إسرائيل أرض الموعد، وقد تحقق ذلك حرفيًا من خلال دولة يهودية مستقلة.
- في وقت ما، في الأيام الأولى للحركة الصهيونية، عرض البريطانيون دولة أوغندا على اليهود كمكان لإقامة دولة يهودية. لو حدث ذلك، ولو أن اليهود من جميع أنحاء العالم قد توافدوا هناك لتأسيس دولة يهودية، فلم يكن ذلك ليفي بوعد الاسترداد المذكور هنا وفي مقاطع أخرى من العهد القديم. هذا الوعد لن يتحقق إلا في الأَرْضِ الَّتِي امْتَلَكَهَا آبَاؤُكَ.
- وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ وَيُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ: تحقق هذا الوعد فقط في الاسترداد المعاصر لإسرائيل، وليس في العودة من السبي البابلي. ففي أيام العودة من السبي البابلي، كان المجتمع اليهودي صغير وضعيف وفقير. لكن اليوم، في ظل الاسترداد المعاصر لإسرائيل، دولة إسرائيل قد ازدهرت بالفعل، وقد تحقق الوعد بأن يُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ. إن إسرائيل، كأمة، هي أكبر وأقوى وأكثر ثراء من أي وقت مضى بعد السبي البابلي.
ج) الآية (٦): الاسترداد الروحي لإسرائيل.
٦وَيَخْتِنُ الرَّبُّ إِلهُكَ قَلْبَكَ وَقَلْبَ نَسْلِكَ، لِكَيْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ لِتَحْيَا.
- وَيَخْتِنُ الرَّبُّ إِلهُكَ قَلْبَكَ وَقَلْبَ… لِكَيْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ: على الرغم من أن الاسترداد المعاصر لإسرائيل كان رائعًا وذات مغزى نبوي، إلا أنه غير كامل. فالبُعد الروحي للاسترداد – ختان القلب – لم يتحقق بعد.
- “شبه بولس ختان القلب بالتجديد الروحي، خاصة في رسالته إلى أهل رومية.” ميريل (Merrill)
- إسرائيل اليوم هي دولة علمانية إلى حد كبير. هناك قدر من الاحترام بين العديد من اليهود الإسرائيليين للكتاب المقدس باعتباره كتابًا للتاريخ والهوية الوطنية، ولكن ليس هناك، ولم يكن هناك، تغيير ورجوع حقيقي للرب الإله، وخاصة كأمة.
- حتى اليهود المتدينين أو الأرثوذكس لم يرجعوا بالكامل إلى الرب. وبينما لعبوا دورًا حيويًا في الحفاظ على الوعي الروحي بين الشعب اليهودي طوال قرون الشتات، إلا أن رجوعهم الحقيقي إلى الرب لم يتحقق بعد. وذلك لأن ملء شخصية الله وطبيعته قد ظهرا في مسيحه يسوع. وكما قال يسوع نفسه: ’الَّذِي يُؤْمِنُ بِي، لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي. وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي‘ (يوحنا ١٢: ٤٤-٤٥). وبما أن الشعب اليهودي، باستثناء البقية التقية، يرفضون يسوع، فإنهم في الواقع يرفضون الرب الإله.
- وكما كتب بولس في رومية ١١: ٢٨-٢٩ ’مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ هُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الاخْتِيَارِ فَهُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ، لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ.‘
- لكن وعد الله لا يزال قائمًا. وآخر خطوة في وعد استرداد الرب لإسرائيل ستكون استردادهم روحيًا. لقد تعهد الرب بأن يَخْتِن قَلْبَ إسرائيل، وهو موضوع يتردد صداه في وعود العهد الجديد (حزقيال ٢٦:٣٦-٢٧). فالوعد بالخلاص النهائي في يسوع المسيح سيكون لجَمِيع إِسْرَائِيل (رومية ١١: ٢٦). وقد أعلن يسوع نفسه أنه سيعود إلى الشعب اليهودي الذي سيرحب به باسم الرب (متى ٣٩:٢٣).
- يزعم البعض أنه نظرًا لأن الاسترداد المعاصر لإسرائيل لم يُظهر بعد هذا الجانب الروحي، فلا يمكن ربطه بهذه النبوءات. ومع ذلك، فإن التجديد الروحي يوضع عمدًا في آخر هذا المقطع، بعد عودة إسرائيل إلى الأرض. يظهر نفس التسلسل في حزقيال ٣٧، حيث تصور رؤية العظام اليابسة أولًا إسرائيل مُستردًا وقويًا، قبل أن ينفخ الرب نفخة روحه فيه. يقف الاسترداد المعاصر لإسرائيل كعلامة ملحوظة وتحقيق عميق الأهمية – وإن كان لا يزال غير مكتمل – لهذه النبوءات.
د ) الآيات (٧-١٠): بركات على إسرائيل التائب.
٧وَيَجْعَلُ الرَّبُّ إِلهُكَ كُلَّ هذِهِ اللَّعَنَاتِ عَلَى أَعْدَائِكَ، وَعَلَى مُبْغِضِيكَ الَّذِينَ طَرَدُوكَ. ٨وَأَمَّا أَنْتَ فَتَعُودُ تَسْمَعُ لِصَوْتِ الرَّبِّ، وَتَعْمَلُ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، ٩فَيَزِيدُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ خَيْرًا فِي كُلِّ عَمَلِ يَدِكَ، فِي ثَمَرَةِ بَطْنِكَ وَثَمَرَةِ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةِ أَرْضِكَ. لأَنَّ الرَّبَّ يَرْجعُ لِيَفْرَحَ لَكَ بِالْخَيْرِ كَمَا فَرِحَ لآبَائِكَ، ١٠إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ الْمَكْتُوبَةَ فِي سِفْرِ الشَّرِيعَةِ هذَا. إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ.
- وَيَجْعَلُ الرَّبُّ إِلهُكَ كُلَّ هذِهِ اللَّعَنَاتِ عَلَى أَعْدَائِك: عندما يُسترد إسرائيل إلى الأرض ويدخل الشعب في علاقة حقيقية مع الله من خلال يسوع، مسيحهم، فإن الله سوف يحميهم ويلعن أعدائهم – مُبْغِضِيكَ الَّذِينَ طَرَدُوكَ.
- هذه الوعود – التي تشبه إلى حد كبير الوعد الذي قطعه الله مع إبراهيم، أُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ (تكوين ١٢: ٣) – تُظهر مدى حماقة المسيحيين والكنيسة في اضطهاد الشعب اليهودي.
- وَأَمَّا أَنْتَ فَتَعُودُ تَسْمَعُ لِصَوْتِ الرَّبِّ، وَتَعْمَلُ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ: هذا يمثل الاسترداد أو الرجوع النهائي للشعب اليهودي إلى الرب من خلال يسوع المسيح، مَسِيحُ الرَّبّ (رومية ١١: ٢٦، حزقيال ٣٧، زكريا ١٢: ١٠). وسوف يَفْرَح الرب مرة أخرى بالشعب اليهودي، كما فعل مع آبائهم. وسيتحقق هذا عندما يعود إسرائيل إلى الرب بكل قلوبهم وأرواحهم، معترفين به كما هو مُعلن في يسوع المسيح.
- وَأَمَّا أَنْتَ فَتَعُودُ تَسْمَعُ لِصَوْتِ الرَّبِّ: “عُد إلى نفسك، كما فعل الابن الضال، الذي كان زمانًا تائهًا عن نفسه.” تراب (Trapp)
- فَيَزِيدُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ خَيْرًا: لقد تحققت هذه النبوءات الآن من جهة الاسترداد المعاصر لإسرائيل بشكل جزئي. ولكن ربما يكون تحقيقها النهائي في الملك الألفي، عندما يتم استرداد إسرائيل كشعب تحول حقًا إلى الرب وإلى مسيحه يسوع.
ثانيًا. يختتم موسى موعظته العظيمة: اختر الحياة!
أ ) الآيات (١١-١٤): قدرة إسرائيل على حفظ العهد.
١١إِنَّ هذِهِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ عَسِرَةً عَلَيْكَ وَلاَ بَعِيدَةً مِنْكَ. ١٢لَيْسَتْ هِيَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَصْعَدُ لأَجْلِنَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا لِنَعْمَلَ بِهَا؟ ١٣وَلاَ هِيَ فِي عَبْرِ الْبَحْرِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَعْبُرُ لأَجْلِنَا الْبَحْرَ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا لِنَعْمَلَ بِهَا؟ ١٤بَلِ الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا.
- إِنَّ هذِهِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ: إن العهد الذي قطعه الله مع إسرائيل، أي العهد القديم، لَيْسَ عَسِرَا عَلَيْه وَلاَ بَعِيد مِنْه. وبإمكان إسرائيل بالفعل أن يحفظ هذا العهد. وهكذا فإن الله لم يكن يتوقع أمرًا مستحيلًا عندما توقع من إسرائيل أن يحفظ العهد.
- يشير بولس إلى هذا المقطع في رومية ١٠: ٦-٨… لقد اقترب الله الآن من الإنسان من خلال يسوع المسيح، ولأنه الإله الحي، فهو لا يطلب جهودًا غير عادية، بل ببساطة أن يصدق الإنسان بفرح نعمته في المسيح يسوع.” تومسون (Thompson)
- بَلِ الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا: لكن هذا لا يعني أنه يمكن حفظ الناموس الموسوي بشكل كامل، وأن الشخص يمكن أن يكون مطيعًا بشكل مُرضي للشريعة الموسوية لكسب مكانة البار أمام الله.
- كان الناموس مجرد جانب واحد من العهد القديم. كانت هناك أيضًا جوانب الذبيحة والاختيار. لم يتوقع الله قط من إسرائيل أن يطيع الناموس بشكل كامل وأن يحظى بالبر من خلال طاعته للناموس. ولهذا السبب أعد الرب الذبيحة – عقاب البريء بدلًا من الخاطئ. فلم يتوقع الله من الإسرائيلي أن يثق في طاعته للناموس ليخلّصه (رغم أن الله قد أراد أن يحب إسرائيل شريعته). إنما توقع الله من الإسرائيلي أن يثق في الكفارة التي يتم تقديمها في الذبيحة لتبريره، وأن يفهم أن هذه الذبيحة تشير إلى ذبيحة كاملة سيقدمها الله ذات يوم من خلال المسيا. وفي هذا كان الإسرائيلي التقي في العهد القديم يثق في عمل يسوع المسيا لخلاصه حتى قبل حلول زمن يسوع على الأرض.
- كان مفهوم الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان واضحًا وقريبًا من بني إسرائيل. لقد كان أمامهم مباشرة، وفي متناول أيديهم ليفهموه.
- عرفوا خطيتهم، سواء من خلال الناموس أو من خلال نظام الذبائح.
- عرفوا أن الخلاص يأتي بالذبيحة، أي البديل الذي يُدان عوضًا عنهم.
- عرفوا أن الذبائح الحيوانية لم تكن كافية، لأنه كان لا بد من تكرارها باستمرار.
- عرفوا أن الإيمان هو الذي مكّنهم من الاستفادة من الذبائح العظيمة، التي كان الكهنوت وطقوسه يشير إليها.
- ما استطاع الإسرائيليون رؤيته كان أشبه بالرؤية في ضوء القمر. ومنذ تجسد يسوع وحياته وخدمته وآلامه وموته وقيامته وصعوده، أصبح حقيقة كضوء الشمس الساطع. ورغم أن الكلمة اقتربت من إسرائيل، فإنها أصبحت أقرب إلينا اليوم.
- لِتَعْمَلَ بِهَا: كان من الممكن أن يُحفظ العهد القديم بما في ذلك جوانب الناموس والذبيحة والاختيار. فلم يكن مستحيلًا على إسرائيل أن يحفظه. ولكن عندما فشلوا في حفظ الناموس، قدم نظام الذبائح علاجًا جزئيًا، وكل ذلك يشير إلى حياة وذبيحة يسوع المسيح.
ب) الآيات (١٥-١٨): الاختيار.
١٥اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ، ١٦بِمَا أَنِّي أَوْصَيْتُكَ الْيَوْمَ أَنْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ لِكَيْ تَحْيَا وَتَنْمُوَ، وَيُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. ١٧فَإِنِ انْصَرَفَ قَلْبُكَ وَلَمْ تَسْمَعْ، بَلْ غَوَيْتَ وَسَجَدْتَ لآلِهَةٍ أُخْرَى وَعَبَدْتَهَا، ١٨فَإِنِّي أُنْبِئُكُمُ الْيَوْمَ أَنَّكُمْ لاَ مَحَالَةَ تَهْلِكُونَ. لاَ تُطِيلُ الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ عَابِرٌ الأُرْدُنَّ لِكَيْ تَدْخُلَهَا وَتَمْتَلِكَهَا.
- قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ: بموجب شروط العهد القديم، كان لإسرائيل الاختيار. لقد وضع الله أمامهم الْحَيَاةَ أو الْمَوْتَ، الْخَيْرَ أو الشَّرّ. وكان الأمر متروك لهم. فالله سوف يمجد نفسه من خلال إسرائيل بطريقة أو بأخرى. والطريقة التي كان سيتمجد بها هي حقًا من اختيار إسرائيل، وسيظهر اختيارهم في طاعتهم وإخلاصهم للعهد.
- كان هذا نداءً إلى جميع إسرائيل، ولكنه كان موجهًا إليهم كأفراد. “كما في مواضع أخرى، شدّد موسى في ختام خطابه على العلاقة الشخصية لكل فرد من الشعب مع الرب.” كالاند (Kalland)
- وَيُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا: وبموجب شروط العهد القديم، إذا أطاع إسرائيل، سيرى بركة، وإذا عصى فلاَ مَحَالَةَ يَهْلِك. لقد كان الأمر متروكًا لإسرائيل ومبنيًا على أساس سلوكهم.
- من الضروري بالنسبة للمؤمن أن يفهم أنه، في شخص يسوع المسيح، لا يتعامل مع الله بشروط العهد القديم، بل بشروط عهد أفضل: العهد الجديد. وفي ظل العهد الجديد، العلاقة مع الله لا تعتمد على ما يفعله المؤمن من أجل الله، ولكن على ما فعله يسوع نيابة عن شعبه. وبالطبع، هناك ما هو أكثر من هذا في العهد الجديد، ولكن هذا هو أحد الفروق الحاسمة بين العهدين.
- تظهر اللعنات الواردة في سفر التثنية أنه كان هناك ثمن باهظ يجب دفعه مقابل رفض العهد القديم. ولكن بما أن العهد الجديد هو عهد أعظم، فإن ثمن رفضه يكون أعظم (عبرانيين ١٠: ٢٨-٢٩).
ج) الآيات (١٩-٢٠): اخْتَرِ الْحَيَاة.
١٩أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ، ٢٠إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ وَتَلْتَصِقُ بِهِ، لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ وَالَّذِي يُطِيلُ أَيَّامَكَ لِكَيْ تَسْكُنَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهَا.
- أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ: بهذه الكلمات المُهيبة، وضع موسى الاختيار أمام إسرائيل. كان عليهم أن يختاروا بين الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وبين الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَة.
- لم يستدع موسى ملائكة أو شياطين أو ’مجمع الآلهة‘ المزعوم ليشهدوا على هذا العهد. بل استدعى الخليقة نفسها (السَّمَاء وَالأَرْض) كشاهدين. “وعلى النقيض من الاتفاقيات القانونية التقليدية في الشرق الأدنى القديم، حيث كان الآلهة غالبًا هم الشهود، فإن إيمان إسرائيل بالإله الواحد يتطلب أن يكون الشهود هم الخليقة نفسها، لأن السماء والأرض وحدهما ستبقيان عبر الأجيال القادمة.” ميريل (Merrill)
- فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ: على الرغم من أن الاختيار كان لإسرائيل، إلا أنه في الوقت نفسه اهتم الله باختيارهم. فعندما ترجى موسى إسرائيل صارخًا اخْتَرِ الْحَيَاةَ، كان يعكس قلب الله تجاه إسرائيل. وبمعنى ما، كان الأمر متروكًا لهم للكيفية التي سيمجد الله بها نفسه من خلال إسرائيل المطيع والمبارك. لذلك ترجى الله إسرائيل (من خلال موسى) في قوله اخْتَرِ الْحَيَاةَ!
- “الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنها أفعاله هو. ولو كان مُجبرًا عليها بفعل القدر أو بإكراه من سلطة قاهرة، لما أمكن اعتبارها أفعاله هو حقًا.” كلارك (Clarke)
- “كان القرار النهائي بيد إسرائيل. لقد كان خيارًا حرًا للشعب. فوسيط العهد، الذي يتحدث باسم يهوه، لم يكن بوسعه إلا أن يوضّح البدائل ثم يناشد إسرائيل أن يختار الحياة.” تومسون (Thompson)
- إن الإنسان اليوم يواجه هذا الاختيار. ولكن منذ حياة يسوع وموته وقيامته، فإن الاختيار لا يركز أولًا على ’هل سأطيع الله أم لا؟‘ ولكن على ’هل سأثق بيسوع من جهة مكانتي أمام الله؟‘ قال يسوع: ’مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ (لوقا ٢٣:١١). ولا يزال يسوع يطرح السؤال: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ (متى ١٥:١٦)، واختيار الإنسان في الإجابة على هذا السؤال يحدد مصيره الأبدي.
- “الإنجيل، الذي هو الإعلان الكامل عن الله في المسيح، يضع كل واحد منا وجهًا لوجه أمام هذا البديل العظيم، ويطالبنا بإلحاح باتخاذ قرار شخصي- إما بقبوله أو إهماله أو رفضه. إن عدم اختيار القبول يعني اختيار الرفض. وعدم القيام بأي شيء هو اختيار للموت.” ماكلارين (Maclaren)
- إن اختيار الْحَيَاةَ يعني أكثر بكثير من مجرد القول: ’أُفضّل الحياة على الموت،‘ بل يتطلب الإيمان والالتزام الحقيقي بالوفاء بالعهد. “إن اختيار الحياة كان يعني الدخول في العهد مع الرب والتمسك بمبادئه.” ميريل (Merrill)
- إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ: إن محبة الله بهذه الطريقة، والثقة به، موضحة بشكل جيد في تثنية ٢٠:٣٠. فمحبة الله والثقة فيه تعني أنك تَسْمَعُ لِصَوْتِهِ، فالطفل الذي يحب والده ويثق به حقًا سوف يطيعه. أي أننا نَلْتَصِقُ بِهِ، لأننا إذا أحببناه ووثقنا به حقًا سنتعلق بِهِ. وهذا يعني أن ترى أنه هُوَ حَيَاتُكَ وَهو الَّذِي يُطِيلُ أَيَّامَكَ، لأننا إذا أحببناه ووثقنا به، فهو لم يعد جزءًا من حياتنا، بل هو كل حياتنا.
- لاحظ آدم كلارك (Adam Clarke) العلاقة بين المحبة والطاعة: “بدون المحبة لا يمكن أن تكون هناك طاعة… وبدون الطاعة، تكون المحبة عقيمة وميتة.”
