سفر التثنية – الإصحاح ١٠
اسْتِرْداد إسرائيل بعد واقعة العجل الذهبي
أولًا. خطة الله لشفاء إسرائيل بعد التمرد في جبل سيناء
أ ) الآيات (١-٥): كان على شعب إسرائيل أن يرجع إلى كلمة الله، لذلك أمر الله أن يُعطى الشعب ألواح جديدة للشريعة.
١«فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَالَ لِيَ الرَّبُّ: انْحَتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ مِثْلَ الأَوَّلَيْنِ، وَاصْعَدْ إِلَيَّ إِلَى الْجَبَلِ، وَاصْنَعْ لَكَ تَابُوتًا مِنْ خَشَبٍ. ٢فَأَكْتُبُ عَلَى اللَّوْحَيْنِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى اللَّوْحَيْنِ الأَوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُمَا، وَتَضَعُهُمَا فِي التَّابُوتِ. ٣فَصَنَعْتُ تَابُوتًا مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ، وَنَحَتُّ لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ مِثْلَ الأَوَّلَيْنِ، وَصَعِدْتُ إِلَى الْجَبَلِ وَاللَّوْحَانِ فِي يَدِي. ٤فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ مِثْلَ الْكِتَابَةِ الأُولَى، الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ الَّتِي كَلَّمَكُمْ بِهَا الرَّبُّ فِي الْجَبَلِ مِنْ وَسَطِ النَّارِ فِي يَوْمِ الاجْتِمَاعِ، وَأَعْطَانِيَ الرَّبُّ إِيَّاهَا. ٥ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَنَزَلْتُ مِنَ الْجَبَلِ وَوَضَعْتُ اللَّوْحَيْنِ فِي التَّابُوتِ الَّذِي صَنَعْتُ، فَكَانَا هُنَاكَ كَمَا أَمَرَنِيَ الرَّبُّ.
- انْحَتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ مِثْلَ الأَوَّلَيْنِ: كان موسى قد كسر لوحي الشريعة (خروج ١٩:٣٢)، ليس فقط بسبب الغضب، ولكن أيضًا كتعبير مرئي قوي عن خرق إسرائيل لشريعة الله وللعهد الذي قطعه معهم. والآن أمر الله أن يسترد الشعب الشريعة بعمل لوحين جديدين.
- اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُمَا: “إن كسر اللوحين الأولين حدث بشكل طبيعي، وعن غير قصد. لقد كان رمزًا. وهذا ما فعله الإنسان بناموس الله.” مورجان (Morgan)
- في أيام الملك يوشيا جاءت التوبة والنهضة لشعب الله عندما ركزوا مرة أخرى على كلمة الله (٢ ملوك ٢٢: ٨-٢٣: ٢٥).
- فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ مِثْلَ الْكِتَابَةِ الأُولَى: أراد الله أن تكون كلمته المكتوبة هي نقطة البداية لسلوك إسرائيل الصحيح معه. ولذلك أعطى الله مجموعة ثانية من الألواح، وكتب عليها بيده.
- هذا تعبير قوي عن نعمة الله المُستَرِدّة. “الكتاب المقدس مليء بالحق الذي يعلن عن أن الله يصنع طريقًا لعودة المسبيين، ويمنح الإنسان الساقط فرصة ثانية، ويعيد كتابة الناموس المكسور، ويعَوِّضُ عَنِ السِّنِينَ الَّتِي أَكَلَهَا الْجَرَادُ، ويعيد تجديد الوعاء الذي فسد، ويبحث عن الضالين ويخلصهم. فعلى أساس تلك النعمة يمكن للإنسان أن يجد رجاءًا ويبدأ من جديد.” مورجان (Morgan)
- إن هذه صورة قوية عن الوحي الخاص بكلمة الله؛ فعلى الرغم من أن الله لم يكتب الكتاب المقدس حرفيًا بيده، إلا أنه أرشد عقول كُتّابه وأيديهم بشكل كامل، حتى أن كل الكتاب المقدس هو “مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ” (٢ تيموثاوس ٣: ١٦)، أي أنه مُعطى بوحي من الله.
- مِنْ وَسَطِ النَّار: “لقد أُعطِيت الشريعة بالنار؛ وهي موصوفة بأنها ’نَارُ شَرِيعَةٍ‘ (تثنية ٣٣: ٢)، وقد أعطاها الله، الذي هو نفسه ’نَارٌ آكِلَةٌ‘ (عبرانيين ١٢: ٢٩). وعرشه له مَنْظَرِ النَار (حزقيال ١: ٢٧)، وسيعاقب الخطاة بِالنَّارِ (إشعياء ٦٦: ١٥، ١٦).” تراب (Trapp)
- وَوَضَعْتُ اللَّوْحَيْنِ فِي التَّابُوتِ الَّذِي صَنَعْتُ، فَكَانَا هُنَاكَ: كانت ألواح الشريعة محفوظة في تابوت العهد، ولم يرد أي ذكر آخر لهذه الألواح في الكتاب المقدس.
- “إن الأشياء المرتبطة ببعضها يتم ربطها هنا دون التركيز الشديد على التسلسل الزمني أو الفترات الزمنية. في الواقع، لقد استغرق هذا الأمر برمته قدرًا من الوقت، حتى يتم إعداد الوثائق، وبناء تابوت العهد وإقامة المسكن.” تومسون (Thompson)
ب) الآيات (٦-٩): أسس الله كهنوتًا دائمًا من أجل التعامل مع خطية إسرائيل.
٦وَبَنُو إِسْرَائِيلَ ارْتَحَلُوا مِنْ آبَارِ بَنِي يَعْقَانَ إِلَى مُوسِيرَ. هُنَاكَ مَاتَ هَارُونُ، وَهُنَاكَ دُفِنَ. فَكَهَنَ أَلِعَازَارُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. ٧مِنْ هُنَاكَ ارْتَحَلُوا إِلَى الْجِدْجُودِ وَمِنَ الْجِدْجُودِ إِلَى يُطْبَاتَ، أَرْضِ أَنْهَارِ مَاءٍ. ٨فِي ذلِكَ الْوَقْتِ أَفْرَزَ الرَّبُّ سِبْطَ لاَوِي لِيَحْمِلُوا تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ، وَلِكَيْ يَقِفُوا أَمَامَ الرَّبِّ لِيَخْدِمُوهُ وَيُبَارِكُوا بِاسْمِهِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. ٩لأَجْلِ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلاَوِي قِسْمٌ وَلاَ نَصِيبٌ مَعَ إِخْوَتِهِ. الرَّبُّ هُوَ نَصِيبُهُ كَمَا كَلَّمَهُ الرَّبُّ إِلهُكَ.
- هُنَاكَ مَاتَ هَارُونُ، وَهُنَاكَ دُفِنَ. فَكَهَنَ أَلِعَازَارُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ: يوضح هذا الجزء الذي يتحدث عن الكهنوت الاحتياج للذبيحة والشفاعة الكهنوتية من أجل التصالح مع الله بعد فترة من التمرد. احتاج إسرائيل إلى الذبائح ولمن يتشفع عنه. احتاج للبركة التي كان اللاويين سيأتون بها للأمة.
- إن احتياج إسرائيل إلى الكهنوت ينقل هذه الرسالة للشعب: “لا يمكنك أن تفعل ذلك بمفردك. عليك أن تأتي إلى الله من خلال وسيط، يكفر عن خطيتك، ويصلي من أجلك، ويباركك. فإذا رفضت وسيطك الكهنوتي، ووثقت في قدرتك على القيام بهذه الأشياء بنفسك، فسوف تهلك.”
- وَبَنُو إِسْرَائِيلَ ارْتَحَلُوا: “يبدو أن بني إسرائيل بعد مغادرة قادش توجهوا نحو أدوم، ثم عادوا في النهاية إلى قادش قبل الشروع في رحلتهم الأخيرة حول أدوم وحتى سهول موآب. وبالتالي فإن التسلسل هنا هو عكس ما هو مسجل في سفر العدد ٣١:٣٣-٣٣.” كالاند (Kalland)
- لِكَيْ يَقِفُوا أَمَامَ الرَّبِّ لِيَخْدِمُوهُ وَيُبَارِكُوا بِاسْمِهِ: إن التصالح مع الله بعد فترة من التمرد يجب أن يركز دائمًا على خدمة يسوع الكهنوتية التي يقوم بها نيابة عنا. إن عمل يسوع يظهر في كفارته عن خطايانا على الصليب، وفي شفاعته لنا في السماء، وفي البركة التي يحملها لنا من السماء.
- “إن عبارة ’ يَقِفُوا أَمَام‘ تعني ’ينتظروا‘ أو ’يخَدِموا.‘ وفي العهد القديم، تُستخدم هذه الكلمة لوصف أشكال مختلفة من الخدمة.” تومسون (Thompson)
- “كان اللاويون غائبين عن المشهد بصورة ملحوظة حتى نزول موسى من الجبل. وبعدها عملوا كأدوات غضب ودينونة للرب (خروج ٣٢: ٢٥-٢٩). ومن خلال تعينهم وطاعتهم أظهر اللاويون مؤهلاتهم واستحقاقهم لأن يصبحوا نَصِيب الرب (الآية ٩؛ انظر أيضًا سفر العدد ١٨: ٢٠، ٢٤).” ميريل (Merrill)
ج) الآيات (١٠-١١): طلب الله من إسرائيل أن ينهضوا ويتقدموا نحو كنعان.
١٠«وَأَنَا مَكَثْتُ فِي الْجَبَلِ كَالأَيَّامِ الأُولَى، أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَسَمِعَ الرَّبُّ لِي تِلْكَ الْمَرَّةَ أَيْضًا، وَلَمْ يَشَإِ الرَّبُّ أَنْ يُهْلِكَكَ. ١١ثُمَّ قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قُمِ اذْهَبْ لِلارْتِحَالِ أَمَامَ الشَّعْبِ، فَيَدْخُلُوا وَيَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي حَلَفْتُ لآبَائِهِمْ أَنْ أُعْطِيَهُمْ.
- قُمِ اذْهَبْ لِلارْتِحَالِ: كان تمرد إسرائيل في جبل سيناء من خلال عبادتهم العجل الذهبي حدثًا خطيرًا؛ فلم يكن مجرد أمر بسيط. لكن لأن الله لم يقطع عهده أو علاقته معهم، فبعد أن رجعوا إلى كلمته وجاءوا إليه من خلال كهنوته، حان الوقت للتقدم والارتحال. كان لدى الله مكان ليأخذهم إليه، وكان عليهم أن يباشروا مهمة الوصول إلى هناك.
- فَيَدْخُلُوا وَيَمْتَلِكُوا الأَرْضَ: إن التصالح مع الله بعد فترة من التمرد يجب أن يقود دائمًا إلى التقدم مرة أخرى. فليس من المفيد أن نعود إلى الكلمة، ونأتي من خلال كهنوت الله في يسوع، ثم نبقى عالقين في نفس المكان. يريد الله أن يمضي شعبه ويحرزوا تقدمًا معه.
ثانيًا. ما يطلبه الله من إسرائيل
أ ) الآيات (١٢-١٣): ما يطلبه الرب من إسرائيل، أمة العهد.
١٢«فَالآنَ يَا إِسْرَائِيلُ، مَاذَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلاَّ أَنْ تَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَكَ لِتَسْلُكَ فِي كُلِّ طُرُقِهِ، وَتُحِبَّهُ، وَتَعْبُدَ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، ١٣وَتَحْفَظَ وَصَايَا الرَّبِّ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ لِخَيْرِكَ.
- مَاذَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلهُكَ: بنعمته، زود الله إسرائيل بخلاصة موجزة لوصاياه وتوقعاته بموجب العهد الذي أُقيم على جبل سيناء (خروج ٢٤: ٣-٨). ورغم أن موسى نقل هذه الرسالة إلى إسرائيل في سهول موآب في سياق تجديد العهد، إلا إن ذلك التصريح ينطبق بشكل عام على كل شعب الله.
- “في مقطع بالغ الجمال ومفعم بالحماس، قدم موسى ملخصًا قويًا يخص مطالب الله من شعبه وهم يدخلون الأرض. وقد أوضح هذا التصريح أن كل شيء كان يتوقف على علاقتهم مع الله. كان عليهم أن يخافوه، أي أن يقدروه بإجلال؛ وأن يسيروا في طرقه، أي يطيعوه؛ وأن يحبوه، أي يعبدوه؛ وأن يخدموه، أي يتعاونوا معه؛ وأن يحفظوا وصاياه، أي يظهروا له الولاء.” مورجان (Morgan)
- تَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَكَ: يطلب الله من شعبه تقديم الإكرام له. ليس عن قلب خائف مما يجعلهم يتجنبونه، بل عن قلب يكرم الله فيترددون حتى في الإساءة إليه.
- لِتَسْلُكَ فِي كُلِّ طُرُقِهِ: يطلب الله من شعبه أن يعيشوا حياتهم حسب النموذج الذي رسمه لهم؛ وأن يسيروا في طريقه هو وليس وفقًا لطرقهم أو طرق الكنعانيين.
- وَتُحِبَّهُ: يطلب الله من شعبه أن يحبوه. وهذا يعني أن الحب الذي يتوقعه ليس حبًا يحدث تلقائيًا، ولكنه حب يأتي من قرار توجيه كل محبتهم ومشاعرهم نحوه. إنه حب يستجيب لحب الله أولًا (١ يوحنا ٤: ١٩).
- “وَتُحِبَّهُ – أي أن تكون لك ثقة فيه كأبيك وكصديقك، وأن تلجأ إليه في كل احتياج، وأن تحبه تجاوبًا مع محبته.” كلارك (Clarke)
- وَتَعْبُدَ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ: يطلب الله من شعبه أن يعبدوه (أي يخدموه)، وأن يفعلوا كل شيء باسم يسوع (كولوسي ١٧:٣). لا ينبغي أن تكون عبادة المؤمن وخدمته سطحية، بل بكل كيانه.
- وَتَحْفَظَ وَصَايَا الرَّبِّ وَفَرَائِضَهُ: لا يطلب الله من شعبه أن يعرفوا كلمته فحسب، بل أن يحفظوها أيضًا. ويحفظ شعب الله كلمته عندما يطيعونها ويسهرون على سلامة تعاليمها.
- لِخَيْرِكَ: كل وصية من الله هي معطاه لخير الإنسان. إن الله لا يعطي وصيه أبدًا حتى يمارس نفوذه، أو ليشعر بأهميته. ولكن كل وصية يعطيها يكون واضعًا مصلحة الإنسان في الاعتبار، حتى عندما لا تكون واضحة للوهلة الأولى.
ب) الآيات (١٤-١٥): لماذا يطلب الله هذا من إسرائيل.
١٤هُوَذَا لِلرَّبِّ إِلهِكَ السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضُ وَكُلُّ مَا فِيهَا. ١٥وَلكِنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا الْتَصَقَ بِآبَائِكَ لِيُحِبَّهُمْ، فَاخْتَارَ مِنْ بَعْدِهِمْ نَسْلَهُمُ الَّذِي هُوَ أَنْتُمْ فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ.
- وَلكِنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا الْتَصَقَ بِآبَائِكَ لِيُحِبَّهُمْ: يطلب الله هذا السلوك من شعبه لأنهم ملكه الخاص. ومع أن السماء والأرض ملك لله، إلا أنه ركز اهتمامه على إسرائيل بدءًا من آبائهم.
- فَاخْتَارَ مِنْ بَعْدِهِمْ نَسْلَهُمُ الَّذِي هُوَ أَنْتُمْ فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ: إن اختيار الله لإسرائيل منحهم بعض الامتيازات، ولكنه منحهم أيضًا مسؤولية كبيرة. فبموجب عهدهم مع الله، كان لإسرائيل مسؤولية فريدة أمام الرب.
ج) الآية (١٦): ماذا يلزم لتحقيق ما يطلبه الله.
١٦فَاخْتِنُوا غُرْلَةَ قُلُوبِكُمْ، وَلاَ تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ بَعْدُ.
- فَاخْتِنُوا غُرْلَةَ قُلُوبِكُمْ: كان يجب على جميع الذكور في إسرائيل أن يُختنوا بعد ثمانية أيام من ولادتهم (لاويين ٣:١٢). لكن هذه الجراحة البسيطة كانت مجرد رمز للعمل الحقيقي المتمثل فيما كان يرغبه الله من قطع الجسد. أراد الله أن يكون بني إسرائيل شعبًا روحيًا، يثق به ويطيعه، وينال البر بالإيمان الذي ناله إبراهيم (تكوين ١٥: ٦).
- “يستخدم الكتاب المقدس مصطلح ’غُرْلَة‘ بشكل متكرر لوصف الأمم – أولئك الذين هم خارج عهد الله ولا يتمتعون بعلاقه معه (قضاة ١٤: ٣؛ ١٥: ١٨؛ ١ صموئيل ١٤: ٦؛ ١٧: ٢٦؛ أعمال الرسل ١١: ٣؛ غلاطية ٢: ٧). وبالتالي، فإن مفهوم غُرْلَة القلب يشير إلى أن شخصًا ما يمكن أن يكون يهوديًا من الخارج، ولكنه يفتقر إلى علاقة حقيقية وصادقة مع الله.
- تكرّر هذا الموضوع لاحقًا في الأنبياء، مثلما جاء في إرميا ٤: ٤ “إِخْتَتِنُوا لِلرَّبِّ وَانْزِعُوا غُرَلَ قُلُوبِكُمْ.” وقد وردت هذه الفكرة أيضًا في لاويين ٢٦: ٤١، وفي إرميا ٩: ٢٦، وكذلك في حزقيال ٤٤: ٧، ٩. وعندما وبخ استفانوس مجمع اليهود، قال لهم “يَا قُسَاةَ الْقُلُوبِ وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ! (أعمال الرسل ٧: ٥١).
- لتتميم شريعة الله حقًا، يتطلب الأمر ما هو أكثر من مجرد الاستماع للوصية ووجود نية للالتزام بها. فالأمر يتطلب تحوّلًا داخليًا، تغييرًا لا يمكن أن يتحقق إلا بعمل الله.
- وَلاَ تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ بَعْدُ: كانت عبارة ’صُلْبُ الرَّقَبَةِ‘ تعبيرًا مجازيًا يصوّر حيوانًا في المزرعة (مثل الحمار أو الثور) يقاوم بعناد إرشادات سيده. وقد استخدم الله هذه الصورة لحث إسرائيل على التخلّي عن مقاومتهم وخضوعهم الكامل له.
د ) الآيات (١٧-٢٢): دعوة إلى الطاعة والتقوى والرحمة.
١٧لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الإِلهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ الْمَهِيبُ الَّذِي لاَ يَأْخُذُ بِالْوُجُوهِ وَلاَ يَقْبَلُ رَشْوَةً. ١٨الصَّانِعُ حَقَّ الْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ، وَالْمُحِبُّ الْغَرِيبَ لِيُعْطِيَهُ طَعَامًا وَلِبَاسًا. ١٩فَأَحِبُّوا الْغَرِيبَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ. ٢٠الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي. إِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِهِ تَلْتَصِقُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ. ٢١هُوَ فَخْرُكَ، وَهُوَ إِلهُكَ الَّذِي صَنَعَ مَعَكَ تِلْكَ الْعَظَائِمَ وَالْمَخَاوِفَ الَّتِي أَبْصَرَتْهَا عَيْنَاكَ. ٢٢سَبْعِينَ نَفْسًا نَزَلَ آبَاؤُكَ إِلَى مِصْرَ، وَالآنَ قَدْ جَعَلَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ كَنُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ.
- أَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الإِلهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ الْمَهِيبُ: إن الأساس المختصر لهذه الوصايا ينبع من شخصية الله. يَهْوَه (الرَّبّ)، إله العهد لإسرائيل، كان وما زال فوق كل الآلهة، سواء بالطبيعة أو بالسلطان. هو الإِلهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ الْمَهِيب.
- “بعبارة أخرى، الله هو المصدر الذي ينبع منه كل الوجود وكل القوة. كل كائن آخر محدود إلا هو. فهو قادر على مقاومة أو تعليق أو إبطال أفعال أي مخلوق متى شاء. إذا قرر أن يُخلّص، فلا يمكن لأحد أن يهلك، وإذا اختار أن يُهلك، فلا أحد يستطيع أن يخلّص. كم هو ضروري أن يكون لنا مثل هذا الإله كصديق!” كلارك (Clarke)
- وَرَبُّ الأَرْبَابِ: “هذه التسميات لا تشير إلى وجود آلهة أو أسياد آخرين حقيقيين يحكمهم الله. بل تشير إلى أن الله، بصفته الإله والسيد، هو المتفرد بالسيادة على الجميع. التفضيل هنا يستند إلى فكرة أن هناك آلهة أخرى يُقال إنها موجودة، لكنه لا يعترف بوجودها في الواقع من الأساس.” كالاند (Kalland)
- الْعَظِيم: “ترتبط صفة الْعَظِيم (جيبور gibbor) بالمحارب. ويبدو أن الكلمة تحمل دلالات عن الحرب المقدسة. وقد أظهر يهوه صفات المحارب القوي والمنتصر، وذلك باعتباره القائد في المعركة (مزمور ٢٤: ٨؛ إشعياء ٩: ٦؛ ١٠: ٢١؛ ٤٢: ١٣؛ إرميا ٢٠: ١١).” تومسون (Thompson)
- الَّذِي لاَ يَأْخُذُ بِالْوُجُوهِ وَلاَ يَقْبَلُ رَشْوَةً: عندما يطلب الله من شعبه أن يظهر العدل والرحمة والتقوى، فذلك لأن هذه الفضائل لها صدى في جوانب من شخصية الله نفسه. الله يقيم العدل (الصَّانِعُ حَقَّ) للمحرومين برأفة، ويحِبُّ الْغَرِيب.
- لأن الله يحِبُّ الْغَرِيبَ، على المؤمنين أن يحِبُّوا الْغَرِيبَ. “فلتظهروا أنفسكم كأصدقاء لله… فالأصدقاء يتشاركون نفس الفكر.” تراب (Trapp)
- “إن ما يفعله الله في المجال الاجتماعي مع البشر يجب على شعبه أن يقلّدوه فيه (راجع خروج ٢٢: ٢٢-٢٤). وهكذا يكون عليهم أن يكونوا لطفاء مع الغرباء الذين يعيشون بينهم، مظهرين عناية خاصة ورحمة، متذكرين أنهم كانوا هم أيضًا غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْر (الآية ١٩).” ميريل (Merrill)
- الَّذِي صَنَعَ مَعَكَ تِلْكَ الْعَظَائِمَ وَالْمَخَاوِفَ: إن الطاعة التي يدعو الله شعبه إليها دائمًا ما تقع في سياق ما فعله هو من أجلهم. إن خدمتنا وطاعتنا للرب مبنية على ما فعله من أجلنا وهي رد فعل شاكر لصلاحه. وإذا كان هناك نقص في الطاعة والإكرام، فغالبًا ما يكون هناك نقص في التقدير لما فعله الرب.
- كان أحد الأعمال الرائعة التي قام بها الله لإسرائيل هو أن يتكاثروا ليصبحوا أمة عظيمة. دخلت عائلة يعقوب مصر وكانوا حوالي سَبْعِينَ نَفْسًا، وعلى مدى أربعمائة عام، تضاعف عددهم وأصبحوا كَنُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ.
- هُوَ فَخْرُكَ: وهذا صحيح عن الله على الأقل من ناحيتين. أولًا، أنه هو موضوع تسبيحنا؛ ثانيًا، هو أيضًا الذي يجعل شعبه جديرًا بالتسبيح. فأي حكمة أو جمال أو مهارة نظهرها لا تكون مديحًا لنا، بل هُوَ فَخْرُكَ.
