سفر التثنية – الإصحاح ١٧
الشرائع الخاصة بحُكام إسرائيل
أولًا. القوانين المتعلقة بالعدالة والمحاكم
أ ) الآيات (١-٥): المخالفات الدينية.
١لاَ تَذْبَحْ لِلرَّبِّ إِلهِكَ ثَوْرًا أَوْ شَاةً فِيهِ عَيْبٌ، شَيْءٌ مَّا رَدِيءٌ، لأَنَّ ذلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. ٢إِذَا وُجِدَ فِي وَسَطِكَ فِي أَحَدِ أَبْوَابِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ يَفْعَلُ شَرًّا فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلهِكَ بِتَجَاوُزِ عَهْدِهِ، ٣وَيَذْهَبُ وَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى وَيَسْجُدُ لَهَا، أَوْ لِلشَّمْسِ أَوْ لِلْقَمَرِ أَوْ لِكُلّ مِنْ جُنْدِ السَّمَاءِ، الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ أُوصِ بِهِ، ٤وَأُخْبِرْتَ وَسَمِعْتَ وَفَحَصْتَ جَيِّدًا وَإِذَا الأَمْرُ صَحِيحٌ أَكِيدٌ. قَدْ عُمِلَ ذلِكَ الرِّجْسُ فِي إِسْرَائِيلَ، ٥فَأَخْرِجْ ذلِكَ الرَّجُلَ أَوْ تِلْكَ الْمَرْأَةَ، الَّذِي فَعَلَ ذلِكَ الأَمْرَ الشِّرِّيرَ إِلَى أَبْوَابِكَ، الرَّجُلَ أَوِ الْمَرْأَةَ، وَارْجُمْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ.
- لاَ: يهدف هذا القسم، على غرار سفر الخروج ٢١-٢٣، إلى توجيه قضاة إسرائيل حول كيفية إدارة العدالة للأمة. وكان بمثابة قانون قضائي، يؤسس سوابق قانونية من شأنها أن تساعد في حل النزاعات المستقبلية.
- بدأ هذا الجزء من عظة موسى الثانية بسفر التثنية (٤: ٤٤-٢٦: ١٩) في تثنية ١٦: ١٨ بتوجيهات عامة للقضاة. ثم تحوّل التركيز إلى أمور العبادة والذبائح، وذلك بدءًا من تثنية ١٦: ٢١. ويستمر الإصحاح ١٧ بتقديم المزيد من التعليمات للقضاة بشأن الذبائح والعبادة.
- فِيهِ عَيْبٌ، شَيْءٌ مَّا رَدِيءٌ، لأَنَّ ذلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ: رفض الله أي ذبيحة فيها عَيْبٌ أو شَيْءٌ مَّا رَدِيءٌ، حتى أنه وصف ذلك بأنه رِجْسٌ. لم يعترف الله بتقديم الأشياء المهملة أو المنبوذة التي لا قيمة لها كذبيحة حقيقية له. ونحن نميل كبشر دائمًا إلى أن نعطي الله ثاني أفضل شيء – إن لم يكن ثالثًا أو رابعًا. لكن الله لن يقبل مثل هذه الذبيحة.
- لم تلتزم إسرائيل دائمًا بهذا المعيار: وَإِنْ قَرَّبْتُمُ الأَعْمَى ذَبِيحَةً، أَفَلَيْسَ ذلِكَ شَرًّا؟ وَإِنْ قَرَّبْتُمُ الأَعْرَجَ وَالسَّقِيمَ، أَفَلَيْسَ ذلِكَ شَرًّا؟ قَرِّبْهُ لِوَالِيكَ، أَفَيَرْضَى عَلَيْكَ أَوْ يَرْفَعُ وَجْهَكَ؟ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.” (ملاخي ١: ٨)
- لقد أوضح الملك داود بقوة الفكرة وراء هذه الوصية عندما رفض قبول بيدر أَرُونَة كهدية، والتي كان داود سيعطيها للرب كمكان لبناء الهيكل. قال داود: «لاَ، بَلْ أَشْتَرِي مِنْكَ بِثَمَنٍ، وَلاَ أُصْعِدُ لِلرَّبِّ إِلهِي مُحْرَقَاتٍ مَجَّانِيَّةً» (٢ صموئيل ٢٤:٢٤). لقد فهم داود أنه إذا لم يكن الأمر مكلفًا، فلن يكون ذبيحة حقيقية.
- وَيَذْهَبُ وَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى وَيَسْجُدُ لَهَا: يُطلب من القُضاة أيضًا التأكد والتحقق الخاص (فَحَصْتَ جَيِّدًا) من جهة أي شخص يتبع عبادة الأوثان، وإعدامه إذا ثبتت إدانته.
ب) الآيات (٦-٧): معيار الأدلة في جرائم عقوبتها الإعدام.
٦عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ. لاَ يُقْتَلْ عَلَى فَمِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ. ٧أَيْدِي الشُّهُودِ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا، فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ.
- عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ: كان على قضاة إسرائيل أن يلتزموا بالمعيار القائل بأن عقوبة الإعدام لأي جريمة لا يجب أن تفرض إلا إذا كانت مبنية على دليل من مصدرين مستقلين على الأقل لا يرقى إليهما الشك. وقد أشارت شريعة موسى على وجه التحديد إلى أن شاهد واحد لا يكفي للإدانة (عدد ٢٩:٣٥-٣٠).
- إن شرط وجود شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ لا يعني بالضرورة وجود شخصين أو ثلاثة أشخاص. فالأدلة الدامغة والملموسة – مثل البصمة التي على سلاح قاتل – يمكن أن تكون أيضًا بمثابة شاهد صالح في تحديد العدالة.
- إن شرط وجود شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يقتضي أن يكون الشاهد حاضرًا بشكل علني، وذلك حرصًا على عدم توجيه اتهامات سرية. كما يتطلب هذا الشرط أن يكون الشاهد متاحًا للاستجواب (للمواجهة) من قِبَل المتهم أو ممثليه، مما يسمح للتحقّق من كونهم شهودًا فعليين وأيضًا يسمح بتقييم مدى مصداقية شهادتهم.
- ورغم أن الله أمر إسرائيل بتنفيذ عقوبة الإعدام على بعض الجرائم، إلا أن هناك اهتمامًا كبيرًا بحقوق المتهم. فعند الالتزام بمعيار وجود شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ، لن يُحكم على البريء أو المتهم زورًا بالإعدام.
- إن هذا المعيار الصارم لضرورة وجود أدلة يعني أن بعض المذنبين قد يفلتون من العدالة بسبب عدم وجود عدد كافٍ من الشهود لإدانتهم. وفي مثل هذه الحالات، ستنتظر العدالة النهائية محكمة الله لتتحقق بعد هذه الحياة. هذا الوعد بتحقيق العدالة النهائية (في الحياة الأخرى أو أمام محكمة الله) قد لا يكون كافيًا لتخفيف الألم أو تقديم عزاء كبير للناجين الذين فقدوا أحبّاءهم في مثل هذه الظروف الصعبة.
- إن هذا المعيار من الأدلة للمتهم مذكور أيضًا في العهد الجديد، في إشارة إلى قتل السمعة. فالله يأمر بأن لاَ تَقْبَلْ شِكَايَةً عَلَى شَيْخٍ إِلاَّ عَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ (١ تيموثاوس ٥: ١٩) – وهو نفس المعيار المستخدم لإثبات القتل.
- يْدِي الشُّهُودِ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلًا لِقَتْلِهِ: بالإضافة إلى ذلك، كان على الشهود أن يكونوا متأكدين تمامًا مما رأوه، حتى يكونوا على استعداد لبدء التنفيذ الفعلي، مما يضمن عدم إعدام أي شخص على جريمة لم يرتكبها.
- “كان لزامًا على الشهود أن يكونوا أول من ينفذ العقوبة.” كالاند (Kalland)
- وهذا يجعل كلمات يسوع التي تخص المرأة الزانية التي وردت في يوحنا ٨ في محلها: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!» (يوحنا ٨: ٧). طلب يسوع من الشاهد الرسمي أن يتقدم ويثبت هويته رسميًا ليثبت أنه شهد فعل الزنا هذا، وإلا لكان مرائيًا تمامًا حتى أنه يحضر المرأة وليس الرجل.
- ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا: كان الإعدام حدثًا مجتمعيًا، بمعنى أنه حظي بدعم المجتمع. القرية بأكملها سوف تشهد وتفهم عدالة هذا الإجراء.
- فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ: “كانت تعليمات بولس لكنيسة كورنثوس: «فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ» (١ كورنثوس ٥: ١٣) إشارة مباشرة إلى هذه الوصية، والتي تتكرر تسع مرات في سفر التثنية باختلافات طفيفة.” كالاند (Kalland)
ج) الآيات (٨-١٣): أحكام خاصة بالمحاكم العليا.
٨إِذَا عَسِرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ دَمٍ وَدَمٍ، أَوْ بَيْنَ دَعْوَى وَدَعْوَى، أَوْ بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَضَرْبَةٍ مِنْ أُمُورِ الْخُصُومَاتِ فِي أَبْوَابِكَ، فَقُمْ وَاصْعَدْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ، ٩وَاذْهَبْ إِلَى الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ وَإِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَكُونُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، وَاسْأَلْ فَيُخْبِرُوكَ بِأَمْرِ الْقَضَاءِ. ١٠فَتَعْمَلُ حَسَبَ الأَمْرِ الَّذِي يُخْبِرُونَكَ بِهِ مِنْ ذلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ، وَتَحْرِصُ أَنْ تَعْمَلَ حَسَبَ كُلِّ مَا يُعَلِّمُونَكَ. ١١حَسَبَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يُعَلِّمُونَكَ وَالْقَضَاءِ الَّذِي يَقُولُونَهُ لَكَ تَعْمَلُ. لاَ تَحِدْ عَنِ الأَمْرِ الَّذِي يُخْبِرُونَكَ بِهِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا. ١٢وَالرَّجُلُ الَّذِي يَعْمَلُ بِطُغْيَانٍ، فَلاَ يَسْمَعُ لِلْكَاهِنِ الْوَاقِفِ هُنَاكَ لِيَخْدِمَ الرَّبَّ إِلهَكَ، أَوْ لِلْقَاضِي، يُقْتَلُ ذلِكَ الرَّجُلُ، فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيلَ. ١٣فَيَسْمَعُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَيَخَافُونَ وَلاَ يَطْغَوْنَ بَعْدُ.
- إِذَا عَسِرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فِي الْقَضَاءِ: سمح الله بمحاكم الاستئناف في إسرائيل القديمة. كانت هذه محاكم عليا حيث يتم رفع القضايا التي تتجاوز القضاة المحليين إلى الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ – الذين كان يُنظر إليهم على أنهم قضاة أكثر حكمة بسبب معرفتهم بكلمة الله.
- إِذَا عَسِرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فِي الْقَضَاءِ: “كلمة صعب أو محيرًا يشتركان في جذرهما مع الاسم (pele- بيله)، الذي يشير إلى شيء رائع أو خارق للطبيعة أو معجزي – مثال أعمال خلاص الله العظيمة التي صنعها في مصر (خروج ٣: ٢٠؛ ١٥: ١١؛ ٣٤: ١٠). وهنا يشير إلى أن القضية المعنيّة كانت تتميز بخصائص غير معتادة للغاية.” تومسون (Thompson)
- بَيْنَ دَمٍ وَدَمٍ: أقرّ ناموس الله بوجود درجات متفاوتة من الذنب (دَمٍ وَدَمٍ) في حالات القتل. وهذا هو الأساس القائم عليه مدن الملجأ (سفر العدد ٣٥، يشوع ٢٠). لم تكن كل جرائم القتل يُحكم فيها بالتساوي – فبعضها يستحق عقوبة أشد من غيرها.
- وَالرَّجُلُ الَّذِي يَعْمَلُ بِطُغْيَانٍ، فَلاَ يَسْمَعُ لِلْكَاهِنِ… يُقْتَلُ ذلِكَ الرَّجُلُ: كان لا بد من احترام سلطة القضاة، لذلك كان ازدراء المحكمة جريمة عقوبتها الإعدام. رأى الله أنه من الضروري أن يحترم شعب إسرائيل المحاكم والقضاة.
ثانيًا. القوانين الخاصة بالملوك
أ ) الآيات (١٤-١٥): وعد الله غير المباشر بملك مستقبلي لإسرائيل.
١٤مَتَى أَتَيْتَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَامْتَلَكْتَهَا وَسَكَنْتَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا كَجَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي. ١٥فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا. لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْكَ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا لَيْسَ هُوَ أَخَاكَ.
- أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا كَجَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي: تطلع الله إلى المستقبل – حوالي ٤٠٠ سنة إلى الأمام – في مستقبل إسرائيل، إلى الوقت الذي سيطالبون فيه بملك. وقد حذرهم الله أن يبحثوا عن الملك الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ ويدعموه، ويجب أن يكون هذا الشخص إسرائيليًا وليس أجنبيًا.
- على الرغم من أن فكرة المَلَكَية كانت متوقعة منذ عصر الآباء (تكوين ١٧: ٦، ١٧: ١٦، ٣٥: ١١، ٤٩: ١٠)، إلا أن إسرائيل ظل بلا ملك لأكثر من ٥٠٠ عام. “ورغم الدور القيادي الذي لعبه موسى، فإنه لم يكن ملكًا. وخليفته يشوع فقد عُيِّن بدعوة إلهية، تمامًا مثل موسى. وأيضًا القضاة الذين تبعوا لاحقًا لم يكونوا ملوكًا.” كالاند (Kalland)
- أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا: عندما تقدم إسرائيل في النهاية بهذا الطلب في ١ صموئيل ٦:٨-٩، لم يكن دافعهم هو التمسك بشريعة الله كما وردت في تثنية ١٧. بل سعوا بدلًا من ذلك إلى تقليد الأمم الأخرى، وبذلك رفضوا فعليًا قيادة الله المباشرة عليهم.
- أراد الله في النهاية أن يكون لإسرائيل ملك. وقد تنبأت الوصايا الواردة في سفر التثنية بهذا، والفترات التي افتقر فيها إسرائيل إلى ملك، مثل زمن القضاة، لم تكن فترات مجد وطني.
- أراد الله أن يكون لإسرائيل ملك، ولكن من اختياره وفي توقيته هو. شاول هو مثال ممتاز للملك الذي خرج عن مشيئة الله، اختارته الأمة وفي توقيتها هي. وداود هو مثال ممتاز للملك الذي اختاره الله وفي توقيته هو.
ب) الآيات (١٦-١٧): وصايا خاصة للملك.
١٦وَلكِنْ لاَ يُكَثِّرْ لَهُ الْخَيْلَ، وَلاَ يَرُدُّ الشَّعْبَ إِلَى مِصْرَ لِكَيْ يُكَثِّرَ الْخَيْلَ، وَالرَّبُّ قَدْ قَالَ لَكُمْ: لاَ تَعُودُوا تَرْجِعُونَ فِي هذِهِ الطَّرِيقِ أَيْضًا. ١٧وَلاَ يُكَثِّرْ لَهُ نِسَاءً لِئَلاَّ يَزِيغَ قَلْبُهُ. وَفِضَّةً وَذَهَبًا لاَ يُكَثِّرْ لَهُ كَثِيرًا.
- وَلكِنْ لاَ يُكَثِّرْ لَهُ الْخَيْلَ: لا ينبغي لملك إسرائيل المستقبلي أن يضع ثقته الزائدة في القوة العسكرية، المتمثلة هنا بالْخَيْل التي كانت أسلحة قوية في عصر كان معظم الجنود يقاتلون فيه على الأقدام.
- “لئلا يعتمد الناس على الفرسان القوية التي لديهم كوسيلة لأمنهم، فيتوقفون عن الثقة في قوة الله وحمايته.” كلارك (Clarke)
- وَلاَ يُكَثِّرْ لَهُ نِسَاءً: لا ينبغي لملك إسرائيل المستقبلي أن يعطي الأولوية للمتعة الجسدية أو المكانة الشخصية، المتمثلة هنا في تعدد الزوجات.
- “يعكس وجود عدد كبير من الزوجات (الحريم) ممارسات البلاط الملكي الشرقي. وغالبًا ما كان الملوك يحصلون على هؤلاء الزوجات من خلال الزيجات السياسية، وعقد المعاهدات مع حكام آخرين. ومع ذلك، فإن مثل هذه الزيجات أدخلت تأثيرات أجنبية إلى القصر، وخاصة عبادة آلهة أخرى، الأمر الذي يمكن أن يتسبب في تضليل قلب الملك.” كالاند (Kalland)
- وَفِضَّةً وَذَهَبًا لاَ يُكَثِّرْ لَهُ كَثِيرًا: لا ينبغي لملك إسرائيل المستقبلي أن يعطي أهمية للثروة الشخصية، التي يرمز إليها هنا بالفضة والذهب الذي سيجمعه.
- لِئَلاَّ يَزِيغَ قَلْبُهُ: كل واحدة من هذه الأمور إنما هي مسألة توازن. كان على الملك أن يتمتع ببعض القوة العسكرية، ولكن ليس أكثر من اللازم؛ زوجة واحدة وبعض وسائل الراحة، ولكن ليس أكثر من اللازم؛ بعض الثروة الشخصية، ولكن ليس أكثر من اللازم. غالبًا ما يكون الحفاظ على مثل هذا التوازن هو الأصعب.
- اشتهر سليمان بكسر هذه الوصايا. وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مِذْوَدٍ لِخَيْلِ مَرْكَبَاتِهِ (ملوك الأول ٤: ٢٦)، وَكَانَ مَخْرَجُ الْخَيْلِ الَّتِي لِسُلَيْمَانَ مِنْ مِصْرَ (ملوك الأول ١٠: ٢٨). وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ (ملوك الأول ١١: ٣). وَكَانَتْ كُلُّ الأَرْضِ مُلْتَمِسَةً وَجْهَ سُلَيْمَانَ لِتَسْمَعَ حِكْمَتَهُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي قَلْبِهِ (ملوك الأول ١٠: ٢٣).
- وبالرغم من أن سليمان كان يعرف تمامًا الوصايا الواردة بسفر التثنية ١٧، إلا أنه خدع نفسه بطرح أسئلة لتبرئة نفسه: “ماذا تعني كلمة ’يكثِّر‘ حقًا؟ لا يوجد رقم محدد – هل تجاوزت الحد حقًا؟” قد يبدو بديهيًا أن ٧٠٠ زوجة و٣٠٠ جارية هو ضِعفٌ لعدد زوجاتك، ولكن لا ينبغي لأحد أن يقلل من قدرة قلب الإنسان على خداع نفسه في مثل هذه المواقف.
- “كانت التوسعات العسكرية، وعدد النساء الهائل، وتكديس الثروة من السمات المميزة للملوك الشرقيين قبل زمن موسى بوقت طويل.” تومسون (Thompson)
- “يقدم هذا تصويرًا رائعًا لنموذج الله المثالي للنظام المَلَكي. سيكون من المفيد تقييم ملوك التاريخ وفقًا لهذا المعيار… إن مدى انتهاكهم لهذه المبادئ يعكس حجم الكوارث التي جلبها حكمهم غالبًا.” مورجان (Morgan)
- إن كل مجال من هذه المجالات الثلاثة يعكس الدوائر التي يسقط فيها العديد من القادة المؤمنين المعاصرين: السلطة والقوة، أو المتعة، أو المال. إن وصايا الله للقادة لم تتغير؛ ولا الاحتياج أيضًا إلى الحذر من خداع الذات قد تغير من جهة هذه الأمور التي أوقعت سليمان.
ج) الآيات (١٨-٢٠): الملك وكلمة الله.
١٨وَعِنْدَمَا يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَمْلَكَتِهِ، يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ نُسْخَةً مِنْ هذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي كِتَابٍ مِنْ عِنْدِ الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ، ١٩فَتَكُونُ مَعَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، لِكَيْ يَتَعَلَّمَ أَنْ يَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَهُ وَيَحْفَظَ جَمِيعَ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ وَهذِهِ الْفَرَائِضَ لِيَعْمَلَ بِهَا، ٢٠لِئَلاَّ يَرْتَفِعَ قَلْبُهُ عَلَى إِخْوَتِهِ، وَلِئَلاَّ يَحِيدَ عَنِ الْوَصِيَّةِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا. لِكَيْ يُطِيلَ الأَيَّامَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ هُوَ وَبَنُوهُ فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ.
- يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ: أمر الله ملك إسرائيل عند تعيينه ملكًا أن يكتب لنفسه نسخة من الشريعة. من المدهش أن نفكر في ملك إسرائيل وهو يكتب على ورق المخطوطات بالقلم، وينسخ نسخة شخصية من شريعة إسرائيل لنفسه. إن هذا يوضح مدى رغبة الله في أن تكون كلمة الله في قلوب حُكامه؛ أراد الله أن يكون كل ملك كاتبًا أيضًا.
- مِنْ عِنْدِ الْكَهَنَةِ: “من المحتمل أن هذا يعني أنه كان على الملك أن يكتب نسخته نقلًا من المخطوطة الأصلية المحفوظة في خيمة الاجتماع أمام الرب، والتي كانت بمثابة المعيار الذي تُؤخذ منه كل النسخ الأخرى، وبلا شك كانت كل نسخة تُقارن بها. ومن المحتمل أن الكهنة واللاويين كانوا يقومون بمراجعة كل نسخة للتأكد من عدم تسلل أي أخطاء إلى النص المقدس.” كلارك (Clarke)
- “كان على الملك أن يصنع نسخته من النسخة ’الرسمية‘ التي احتفظ بها الكهنة، والتي كانت على الأغلب في تابوت العهد أو بالقرب منه (راجع تثنية ٣١: ٩، ٢٥-٢٦). من المرجح أن هذا هو “سفر الشريعة” الذي وجده كهنة وكتبة يوشيا خلال أيام إصلاح يهوذا (راجع ٢ ملوك ٢٢: ٨-١٣).” ميريل (Merrill)
- “وبالمناسبة، تُرجمت عبارة (نُسْخَةً مِنْ هذِهِ الشَّرِيعَةِ) (الآية ١٨) بشكل غير صحيح في الترجمة السبعينية، واستخدمت تعبير: ’هذه الشريعة الثانية‘ (to deuteronomion touto). وكان سوء الفهم هذا هو الذي أدى إلى ظهور الاسم الإنجليزي لهذا السفر ’تثنية.‘” تومسون (Thompson)
- فَتَكُونُ مَعَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ: كان على كلمة الله أن تكون الرفيق الدائم لملك إسرائيل، وكان عليه أن يقرأها كل يوم.
- “بدراسة هذه الشريعة فقط يمكن للملك أن يحمي نفسه من التجارب التي تحيط به.” تومسون (Thompson)
- “العلاج المقترح هنا هو التأمل في كلمة الله. كان على الملك أن يكتب نسخة شخصية ويتأمل فيها طوال حياته؛ وهذا من شأنه أن يبقيه متواضعًا. إن نظرة الكتاب المقدس إلى قلب الإنسان حقيقيه، فهو يعمل كمرآة تكشف طبيعة المرء لنفسه. إنه يقدم رؤية سامية لعظمة الله وقداسته حتى أن أعلى مكانة بشرية تبدو تافهة بالمقارنة، تمامًا مثل الملوك في مملكة النمل.” ماير (Meyer)
- الجميع بحاجة إلى كلمة الله؛ ولكن كلما تعاظمت مسؤولياتنا، زادت حاجتنا إلى الاعتماد على حق كلمة الله.
- “أشاد جون تراب (John Trapp)، أحد مفسرين الكتاب في القرن السابع عشر، بملكة إنجليزية لحبها لكلمة الله قائلًا: عندما قُدم للملكة إليزابيث، أثناء مرورها في موكب النصر عبر شوارع لندن بعد تتويجها، الكتاب المقدس عند القناة الصغيرة في تشيبسايد، استقبلته بكلتا يديها، وقبلته ووضعته على صدرها، مُعلنة إن هذا الكتاب كان دائمًا أعظم مصدر لسعادتها، وسيكون هو المعيار الذي تنوي أن تبني عليها حكومتها.”
- لِكَيْ يَتَعَلَّمَ أَنْ يَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَهُ وَيَحْفَظَ جَمِيعَ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ: لقد كان الهدف من حفظ كلمة الله هو تعزيز مخافة الله في قلب الملك، والسلوك بتقوى وقداسة.
- “كنتيجة للفشل في اتباع الشريعة باهتمام، يمكنك ملاحظة الخطأ الذي ارتكبه داود عندما حاول إحضار تابوت العهد لأول مرة إلى أورشليم، وكيف صحح هذا الخطأ في محاولته الثانية (١ أخبار الأيام ١٣: ١-١٠؛ ١٥: ٢، ١٣).” كالاند (Kalland)
- من الرائع أن ندرك أن قراءة سفر ما من الكتاب المقدس يمكن أن يحفظ الإنسان من الخطية. قد لا نفهم كل العمل الروحي وراء كلمة الله، ولكن الالتصاق بالكلمة سيحفظ الإنسان من الخطية. لقد كُتب هذا بصورة واضحة وجيدة في العديد من الأناجيل: “هذا الكتاب سيحفظك من الخطية. الخطية ستحرمك من هذا الكتاب.”
- لِئَلاَّ يَرْتَفِعَ قَلْبُهُ عَلَى إِخْوَتِهِ: إن الثبات في كلمة الله من شأنه أن يبقي الملك متواضعًا ويساعده على ألا يعتبر نفسه أعلى من أولئك الذين يحكمهم.
- “إن الكُتب المقدسة، إذا تمت قراءتها ودراستها بجد، هي وسيلة قوية وقادرة أن تبقيه متواضعًا، لأنها تُظهر له أنه، على الرغم من كونه ملكًا، فإنه يخضع لملك أعلى، ويجب عليه أن يقدم له حسابًا. إن أسفار الكتاب المقدس كافية لخمد كبرياء أكثر شخص متغطرس في العالم، إذا تعامل مع الكلمة كما ينبغي.” بوله (Poole)
- هُوَ وَبَنُوهُ: كان لآدم كلارك (Adam Clarke)، وهو بريطاني من أتباع الكنيسة الميثودية، من القرن التاسع عشر، تعليق على هذه العبارة يتناسب مع زمانه ومكانه. قال: “من هذه الآية تم الاستنتاج أن تاج إسرائيل كان مقصودًا أن يكون وراثيًا، وهذا أمر محتمل جدًا؛ لأن التجربة الطويلة أثبتت لدى معظم أمم العالم أن انتقال الحكم بالوراثة في الحكم الملكي هي، في المجمل، الأكثر أمانًا والأفضل لتحقيق الاستقرار العام.”
- “أولئك الذين تركوا الرب وتجاهلوا مبادئ القيادة الإلهية سيواجهون كارثة شخصية وانهيار للخلافة الملكية. وقد أثبت تاريخ إسرائيل صحة هذا الأمر.” ميريل (Merrill)
