سفر التثنية – الإصحاح ٨
تحذير من الكبرياء
أولًا. عمل الله من أجل أن يتعلم إسرائيل التواضع أثناء التيهان في البرية
أ ) الآيات (١-٢): أذل الله إسرائيل وجربّه.
١«جَمِيعَ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ تَحْفَظُونَ لِتَعْمَلُوهَا، لِكَيْ تَحَيَوْا وَتَكْثُرُوا وَتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ. ٢وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لاَ؟
- جَمِيعَ الْوَصَايَا… تَحْفَظُونَ لِتَعْمَلُوهَا: لقد دعا الله إسرائيل إلى الطاعة الكاملة. وكان يجب أن تُبنى هذه الطاعة على تذكّر ما فعله الرب في وسطهم مدة أربعين سنة في البرية.
- لِكَيْ يُذِلَّكَ: أذل الله إسرائيل. لقد أحضرهم إلى مكان لا يمكنهم فيه إلا الاتكال على الرب. لم يكن لديهم أي شيء آخر ولا شخص آخر ليقدم لهم النصح والإرشاد والحماية سواه.
- بينما يستمر الله في التعامل مع شعبه على مر الأجيال، فإنه غالبًا ما يضعهم في مواقف تدعو إلى التواضع. ويجب على المؤمن أن يتعلّم القناعة بل وحتى الفرح في المواقف التي تتطلب التواضع والاتكال الكامل على الله.
- “كما أن الثلوج تخفي أكوامًا من القذارة، فإن الرخاء يخفي العديد من القلوب الفاسدة.” تراب (Trapp)
- وَيُجَرِّبَكَ: جرب الله بني إسرائيل ليكشف عما كان في قلوبهم حقًا وليرى ما إذا كانوا سيظلون مطيعين حتى في أوقات التواضع والاتكال. لم يفعل هذا لأنه لم يعرف قلوبهم، بل ليكشف لهم عن قلوبهم. يجب على المؤمنين أن يظلوا متواضعين ومتنبهين باستمرار لمواجهة ميلهم إلى المبالغة في تقدير أنفسهم.
- “من المهم أن نفهم أن هذا النص لا يشير إلى أن الله كان بحاجة إلى معرفتهم، بل بالأحرى أنهم بحاجة إلى معرفة أنفسهم. الله يعرف البشرية معرفة كاملة؛ ما يهم حقًا هو أن يعرف الإنسان قلبه.” مورجان (Morgan)
ب) الآيات (٣-٥): تعليم الله لإسرائيل في البرية.
٣فَأَذَلَّكَ وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلاَ عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ. ٤ثِيَابُكَ لَمْ تَبْلَ عَلَيْكَ، وَرِجْلُكَ لَمْ تَتَوَرَّمْ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً. ٥فَاعْلَمْ فِي قَلْبِكَ أَنَّهُ كَمَا يُؤَدِّبُ الإِنْسَانُ ابْنَهُ قَدْ أَدَّبَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.
- فَأَذَلَّكَ: هذه نقطة البداية لكل تعليم الله. والبعض لا يتجاوز أبدًا هذه الخطوة الأساسية الأولى. فإذا لم نكن متواضعين وكنا غير قابلين للتعليم، فلا فائدة من أي تعليم آخر يتبع ذلك.
- وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ الْمَنَّ: المرحلة التالية من تعليم الله هي إجبارهم على الاتكال الكامل عليه. كان على إسرائيل أن يتكلوا على الله بما يتجاوز معرفتهم (الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ)، وبما هو فوق قدرتهم.
- لاحظ ف. ب. ماير (B. Meyer) أن الله يسمح بأشكال مختلفة من الجوع في حياة شعبه كوسيلة لتعليمهم. وقد يتجلى هذا الجوع في صورة جوع إلى الحب أو التقدير أو جوع للراحة واليُسر. “إن مواسم الجوع هذه ضرورية لتهذيب الحياة. ولكن نشكر الله، فهو قادر على إشباعنا. وهو بإمكانه أن يملأ كل احتياج بحسب غناه في المجد بالمسيح يسوع، وهو سيفعل هذا.” ماير (Meyer)
- ومع ذلك، لم يُعلّم الله بني إسرائيل من خلال الجوع فقط؛ بل علّمهم أيضًا عندما أَطْعَمَهم الْمَنَّ. “من المهم أن نلاحظ أنهم لم يكونوا ليتعلموا من خلال الجوع فقط، بل من خلال الطعام أيضًا. وهذا أمر بالغ الأهمية. غالبًا ما نميل إلى الاعتقاد بأن الله يتحدث إلينا فقط في أوقات الشدة والمعاناة، ولكن هذا ليس هو الحال. فهو يتحدث إلينا أيضًا في أوقات الرخاء والفرح. الله يتحدث بلا شك في وقت الشدة، ونحن عادة نصغي له. ولكنه أيضًا يهدف إلى تعليمنا في أوقات الفرح الغامر. فدعونا نصغي إليه في هذا الوقت أيضًا.” مورجان (Morgan)
- لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ: من الجانب السلبي، كان هذا هو الدرس الذي أراد الله منهم أن يتعلموه – إن الحياة الحقيقية تتكون من أكثر من مجرد إشباع الاحتياجات الجسدية وتجميع الممتلكات المادية. ومن الجانب الإيجابي، كان عليهم أن يتعلموا أنه بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ. للأسف، لا يزال الكثيرون اليوم يعيشون بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ، ويعيشون فقط من أجل الأشياء المادية، ويعيشون لأجل ما يمكن شراؤه أو بيعه أو اكتسابه أو امتلاكه ماديًا.
- وهذا التصريح هو وصية؛ ولكنه أيضًا بيان بسيط للحقيقة: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ. قد يعيش الإنسان بالأشياء المادية وحدها، لكنه لن يحيا. أي شخص يعتقد أنه يحيا من أجل الخبز وحده هو في الواقع أحد الأموات الأحياء.
- البعض لا يَحْيَا بحسب كلمة الله إذ إنهم يحاربونها: “إن أسوأ طريقة يمكنك أن تُسقط بها إنسانًا هي الكتاب المقدس. لقد صُمم الكتاب المقدس لكي نعيش على كل كلمة به، وليس ليكون سلاحًا نستخدمه في جدالنا، بل إنه طعامنا اليومي الذي نبتهج بأن نعيش عليه.” سبيرجن (Spurgeon)
- يحيا المؤمنون بكل كلمة تخرج من فم الله، وليس بكل شعور أو اختبار. “إنك لم تنال أبدًا الحياة الروحية بمشاعرك الخاصة. لقد صرت حيًّا عندما آمنت بكلمة الله؛ ولن تنمو أبدًا في الحياة الروحية، أو تنمو في النعمة، بواسطة مشاعرك أو أعمالك. بل يجب أن يكون ذلك من خلال إيمانك بالوعود والتغذي على كلمة الرب.” سبيرجن (Spurgeon)
- إن غذاءنا وجوهرنا هو كلمة الله وليس أحلامنا أو تصوراتنا. فإذا كنت متحمسًا من جهة بعض الأحلام أو الرؤى الخاصة بك أكثر من حماسك لكلمة الله، فهذا يعني أن هناك خطأ ما. “اَلنَّبِيُّ الَّذِي مَعَهُ حُلْمٌ فَلْيَقُصَّ حُلْمًا، وَالَّذِي مَعَهُ كَلِمَتِي فَلْيَتَكَلَّمْ بِكَلِمَتِي بِالْحَقِّ. مَا لِلتِّبْنِ مَعَ الْحِنْطَةِ، يَقُولُ الرَّبُّ؟” (ارميا ٢٣: ٢٨).
- يجب على شعب الله أن يعيش بِكُلِّ كلمة: “في الأماكن التي يقطعون فيها الماس، يتم جمع الغبار بعناية لأنه يحمل قيمة كبيرة. وعلى نحو مماثل، في كلمة الله، كل الحق – مهما كان صغيرًا – هو مثل غبار الماس، ثمين بلا حدود ويستحق الاحترام والتقدير.” سبيرجن (Spurgeon)
- إننا نجد الحياة الحقيقية في كل كلمة تخرج من فم الرب! “لا تتركوا الكلمة يا إخوتي! تمسكوا بها باعتبارها كلمة الله ذاتها التي نطق بها من فمه. تغذّوا عليها في أرواحكم؛ لا يمكنكم أبدًا تناول الكثير منها في مرة واحدة. تغذّوا عليها ليلًا ونهارًا، فهكذا سيمنحك الله الحياة الحقيقية.” سبيرجن (Spurgeon)
- مثل الخبز، نحتاج إلى كلمة الله لكي نعيش.
- مثل الخبز، نحتاج إلى كلمة الله لكي ننمو.
- مثل الخبز، نحتاج إلى كلمة الله لكي نتقوى.
- لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ: اقتبس يسوع هذا النص عندما جُرب من الشيطان في البرية وطلب منه تحويل الحجارة إلى خبز بعد صيام دام أربعين يومًا (متى ٤: ٣-٤). فهم يسوع أن الحياة لا تتعلق فقط بالطعام وأن صيامه المُساق بالروح واتكاله على كلمة الله يوفران قوتًا لا يمكن للخبز المعجزي، في تلك اللحظة، أن يحل محله. لذلك رفض يسوع استخدام قوته الإلهية لشيء كان، في تلك الحالة، غير ضروري وأناني بدلًا من التركيز على الله وأبيه.
- “أخذ داود الممجد هذا الحجر الأملس اللامع من نهر الوحي المقدس الصافي الفضي، وألقاه على رأس جليات. وهذا بمثابة مثال لنا، إذ يعلّمنا أنه عندما نواجه التجربة، يجب أن نعتمد على أسلحة الكتاب المقدس بدلًا من كلمات البشر أو تقاليدهم.” سبيرجن (Spurgeon)
- عندما استند يسوع إلى كلمة الله (متى ٤: ٤)، استند إلى صورتها المكتوبة، ولم يستخدمها كخرافة أو كتقليد شفهي. فقد كانت الكلمة المكتوبة بإلهام إلهي هي ما اعتبره يسوع كلمة الله.
- بمعنى ما، كان الوقت الذي قضاه يسوع صائمًا في البرية (متى ٤: ١-٢) وقتًا اتسم أيضًا بالتواضع (أَذَلَّكَ)، حيث كان مُلزَمًا في إنسانيته بالاعتماد الكامل على الله الآب. وبينما لم يستجب إسرائيل في كثير من الأحيان في أوقات تواضعه واتكاله عليه، ظل يسوع مطيعًا ومخلصًا تمامًا.
- إن الطعام هو في الواقع عطية من الله، يجب قبوله بالشكر، لأنه مقدس بكلمة الله والصلاة (١ تيموثاوس ٤: ٤-٥). ومع ذلك، فإن الكتاب المقدس يوبخ بشدة أولئك الذين يخدمون بطونهم (رومية ١٦: ١٨)، بمعنى أن شِبَع بطونهم يصبح إِلهُهُمْ الذي يعبدونه (فيلبي ٣: ١٩).
- ثِيَابُكَ لَمْ تَبْلَ عَلَيْكَ: لقد تجاوزت رعاية الله لإسرائيل مجرد توفير المَنّ والماء بطريقة إعجازية. فقد حافظ أيضًا على ثِيَابهم وتأكد من بقاء أقدامهم سليمة على الرغم من الرحلة الطويلة. كانت رعاية الله الرائعة والسخية لإسرائيل في البرية دليلًا لا يمكن إنكاره على حبه الشديد لشعبه. وهذا يعني أنه عندما أدَّب الله إسرائيل، لم يكن ذلك مجرد تعبير عن الغضب، بل لتعليمهم وتدريبهم روحيًا.
- سرد جينزبرج (Ginzberg) أساطير غريبة وخرافية منقولة عن المعلمين اليهود حول هذه الثِيَاب: “خلال مسيرتهم التي دامت أربعين عامًا، لم يكونوا في حاجة إلى تغيير ملابسهم. فقد ظل الثوب الأرجواني الذي أعطاه الملائكة لكل منهم عند الخروج من مصر جديدًا إلى الأبد. ومثلما تواكب قوقعة الحلزون نموه، كذلك تنمو ثيابهم معهم. لم تستطع النار أن تحرق هذه الملابس، ورغم أنهم ارتدوا نفس الملابس طوال أربعين عامًا، إلا أنه لم تزعجهم الحشرات الضارة أبدًا.”
ج) الآيات (٦-١٠): بركات لإسرائيل في الأرض.
٦وَاحْفَظْ وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتَتَّقِيَهُ، ٧لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ آتٍ بِكَ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ. أَرْضِ أَنْهَارٍ مِنْ عُيُونٍ، وَغِمَارٍ تَنْبَعُ فِي الْبِقَاعِ وَالْجِبَالِ. ٨أَرْضِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكَرْمٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ. أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ، وَعَسَل. ٩أَرْضٌ لَيْسَ بِالْمَسْكَنَةِ تَأْكُلُ فِيهَا خُبْزًا، وَلاَ يُعْوِزُكَ فِيهَا شَيْءٌ. أَرْضٌ حِجَارَتُهَا حَدِيدٌ، وَمِنْ جِبَالِهَا تَحْفُرُ نُحَاسًا. ١٠فَمَتَى أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ تُبَارِكُ الرَّبَّ إِلهَكَ لأَجْلِ الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الَّتِي أَعْطَاكَ.
- وَاحْفَظْ وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكَ: إذا كان إسرائيل قد أعطى الاهتمام والتركيز على كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ (تثنية ٣:٨)، عندها كان سيعتني الرب بجميع الأشياء المادية ويُدخله إلى أرض وفيرة ماديًا ـ مملوءة بالماء، ومزدهرة بالزراعة، وتحتوي على موارد طبيعية ثمينة.
- الله ليس ضد الأشياء المادية – إلا عندما يكون مكانها بينه وبيننا. لقد أراد الله أن يبارك إسرائيل المطيع روحيًا ببركة مادية. وقد شرح يسوع لاحقًا هذا المبدأ البسيط في إنجيل متى ٣٣:٦ “اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.”
- “إن الإشارة إلى الحَدِيدٌ والنُحَاس في التلال إشارة دقيقة بشكل ملحوظ. فقد تم اكتشاف مناجم ومصاهر النحاس القديمة في السنوات الأخيرة في منطقة العربة جنوب البحر الميت، وأثبت المسح الجيولوجي وجود خامات النحاس والحديد في التلال القريبة.” تومسون (Thompson)
- تُبَارِكُ الرَّبَّ إِلهَكَ لأَجْلِ الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الَّتِي أَعْطَاكَ: كان رد فعل إسرائيل المناسب على عطايا الله الكريمة هو العبادة القلبية والامتنان. كان عليهم أن يسبحوا الرب على البركات التي لم يكسبوها ولم يستحقوها.
- “لا مثيل للصورة الكلامية الاستثنائية والجميلة التي رسمها موسى هنا عن المناظر الطبيعية في كنعان.” ميريل (Merrill)
ثانيًا. التحذير من الكبرياء
أ ) الآيات (١١-١٧): خطر الكبرياء في الحياة التي باركها الرب.
١١اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ وَلاَ تَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَأَحْكَامَهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ. ١٢لِئَلاَّ إِذَا أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ وَبَنَيْتَ بُيُوتًا جَيِّدَةً وَسَكَنْتَ، ١٣وَكَثُرَتْ بَقَرُكَ وَغَنَمُكَ، وَكَثُرَتْ لَكَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ، وَكَثُرَ كُلُّ مَا لَكَ، ١٤يَرْتَفِعُ قَلْبُكَ وَتَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، ١٥الَّذِي سَارَ بِكَ فِي الْقَفْرِ الْعَظِيمِ الْمَخُوفِ، مَكَانِ حَيَّاتٍ مُحْرِقَةٍ وَعَقَارِبَ وَعَطَشٍ حَيْثُ لَيْسَ مَاءٌ. الَّذِي أَخْرَجَ لَكَ مَاءً مِنْ صَخْرَةِ الصَّوَّانِ. ١٦الَّذِي أَطْعَمَكَ فِي الْبَرِّيَّةِ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ، لِكَيْ يُحْسِنَ إِلَيْكَ فِي آخِرَتِكَ. ١٧وَلِئَلاَّ تَقُولَ فِي قَلْبِكَ: قُوَّتِي وَقُدْرَةُ يَدِيَ اصْطَنَعَتْ لِي هذِهِ الثَّرْوَةَ.
- اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ وَلاَ تَحْفَظَ وَصَايَاهُ: عندما يكون كل شيء على ما يرام وتكون الحياة مملوءة بالوفرة، فمن السهل أن ترتفع قلوبنا بالكبرياء، ومن السهل أن ننسى الرب نفسه وننسى أن كل ما نحن فيه هو بسبب عطيته الكريمة.
- “إن البركة التي بالأرض ووفرتها قد تجعل سكانها يشعرون بالرضا والاكتفاء الذاتي.” ميريل (Merrill)
- “لقد أضرّت ثروة سليمان به أكثر مما نفعته حكمته.” تراب (Trapp)
- حَيَّاتٍ مُحْرِقَةٍ: “ثعابين أَحدَثت لدغتها التهابًا شديدًا، مصحوبًا بعطش لا يُروى، وانتهى بالموت. انظر سفر العدد ٢١: ٦.” كلارك (Clarke)
- قُوَّتِي وَقُدْرَةُ يَدِيَ اصْطَنَعَتْ لِي هذِهِ الثَّرْوَةَ: إن الاعتقاد بأن القوة والقدرة الذاتية هي المصدر الحقيقي للثروة غالبًا ما يكون راسخًا في القلب، حتى لو لم يتم التعبير عنه علنًا. إن العديد من الذين يشكرون الله ويمجدونه ظاهريًا يعزون نجاحهم سرًا إلى جهودهم الخاصة.
- “مثل هذا الادعاء هو تعظيم متعجرف للذات إلى مكانة الله.” تومسون (Thompson)
ب) الآية (١٨): المبدأ التصحيحي ضد الكبرياء في الحياة التي باركها الرب.
١٨بَلِ اذْكُرِ الرَّبَّ إِلهَكَ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِيكَ قُوَّةً لاصْطِنَاعِ الثَّرْوَةِ، لِكَيْ يَفِيَ بِعَهْدِهِ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكَ كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ.
- اذْكُرِ الرَّبَّ إِلهَكَ: من السهل أن ننسى الرب في أوقات الرخاء والوفرة، أو على الأقل لا نطلبه بنفس الإلحاح الذي كان لدينا في أوقات الضيق.
- أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِيكَ قُوَّةً لاصْطِنَاعِ الثَّرْوَةِ: غالبًا ما يركز الإنسان بشكل طبيعي على عمله الجاد وتألقه. ومع ذلك يجب أن نرى أن الله هو الذي يعطينا الجسم والعقل والموهبة. فالأمر كله من الله.
- لِكَيْ يَفِيَ بِعَهْدِهِ: بالنسبة لإسرائيل، كانت بركات الله مرتبطة بعهده ومقاصده الأبدية. ونتيجة لذلك، لم يكن لشعب الله الحق في استخدام بركاته المادية لتحقيق أغراض أنانية. وبينما كان من المناسب أن يتمتعوا ببركات الله، فإن مواردهم كانت في نهاية المطاف مخصصة لتعزيز ملكوت الله.
ج) الآيات (١٩-٢٠): عقوبة الكبرياء في الحياة التي باركها الرب.
١٩وَإِنْ نَسِيتَ الرَّبَّ إِلهَكَ، وَذَهَبْتَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى وَعَبَدْتَهَا وَسَجَدْتَ لَهَا، أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أَنَّكُمْ تَبِيدُونَ لاَ مَحَالَةَ. ٢٠كَالشُّعُوبِ الَّذِينَ يُبِيدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكُمْ كَذلِكَ تَبِيدُونَ، لأَجْلِ أَنَّكُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لِقَوْلِ الرَّبِّ إِلهِكُمْ.
- وَإِنْ نَسِيتَ الرَّبَّ إِلهَكَ: لقد فهم موسى أن نسيان الله قد ينشأ عن أسباب مختلفة ويأتي في أشكال مختلفة. وهنا يشير إلى إسرائيل المتكبر والمُزدَهر ماديًا الذي نسي الرب، والأسوأ من ذلك، وَذَهَبْتَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى وَعَبَدْتَهَا وَسَجَدْتَ لَهَا.
- أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أَنَّكُمْ تَبِيدُونَ لاَ مَحَالَةَ: أحب موسى إسرائيل، ولكنه أحب الله أكثر. وبدون تردد، كان سيتخذ موقف الشهادة ضد إسرائيل المتمرد والمتكبّر ويحذرهم أمام الله من أَنَّهمْ يَبِيدُونَ لاَ مَحَالَةَ بسبب كبريائهم وعصيانهم.
- كَالشُّعُوبِ الَّذِينَ يُبِيدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكُمْ كَذلِكَ تَبِيدُونَ: قد يميل إسرائيل إلى النظر إلى الأمم التي تُحاكم أمامهم، فيفكر: “نحن أفضل منهم، لذلك نحن آمنون. لن يتعامل الله معنا بهذه الطريقة أبدًا.” لكن الله سيتعامل معهم بهذه الطريقة إذا ارتفعوا ضده بكبرياء. في دينونته، استخدم الله في النهاية أممًا أخرى لطرد إسرائيل من الأرض، حتى استعادهم من السبي.
- كَذلِكَ تَبِيدُونَ: إن الكبرياء والاتكال على الذات من شأنه أن يقود إسرائيل نحو الدمار، وينطبق المبدأ نفسه على شعب الله اليوم.
- إن الكبرياء هو أعظم خطر في الحياة المسيحية. إنها أعظم الخطايا الشيطانية، لأن الشيطان نفسه سقط بالكبرياء. يفضّل الشيطان المؤمن المتكبر على الخاطئ سيئ السمعة، لأن الشيطان ينظر إلى المؤمن المتكبر ويقول: “الآن يوجد إنسان مثلي!”
- كبرياء الوجه أمر بغيض. كبرياء العِرق مبتذل. ولكن أسوأ كبرياء هو كبرياء النعمة.
