صموئيل الأول – الإصحاح ١٩
هروب داود من شاول
مزمور ذو صلة بهذا الإصحاح: مزمور ٥٩
أولًا. يوناثان يدافع عن داود أمام شاول
أ ) الآية (١): تآمر شاول على قتل داود بمحاولة إشراك يوناثان ومساعديه.
١وَكَلَّمَ شَاوُلُ يُونَاثَانَ ابْنَهُ وَجَمِيعَ عَبِيدِهِ أَنْ يَقْتُلُوا دَاوُدَ.
- يُونَاثَانَ ابْنَهُ: وضع شاول ابنه يوناثان في موقف صعب. إذ كان يوناثان يحب داود، وصنع رباط صداقة مختومًا بعهد (١ صموئيل ١٨: ١-٤). عرف يوناثان أنه مقدَّر لداود أن يكون الملك التالي لإسرائيل، رغم أن يوناثان هو ولي العهد رسميًّا. وفي الوقت نفسه، أمره أبوه وملكه بأن يقتل داود.
- وَجَمِيعَ عَبِيدِهِ: وضع شاول جَمِيعَ عَبِيدِهِ في موقف صعب أيضًا. إذ كانوا جميعًا يحبون داود (١ صموئيل ١٨: ٥)، غير أنه أمرهم بقتله.
- أَنْ يَقْتُلُوا دَاوُدَ: وضع شاول داود في موقف صعب. فمن الذي يمكن لداود أن يثق به؟ فحتى لو وثق بيوناثان، فقد عرف أنه لا بد أن يكون بين رجال شاول رجل طموح واحد على الأقل يمكن أن يفعل أي شيء يمكن أن يطلبه الملك، بغضّ النظر عن كونه صوابًا أو خطأ.
ب) الآيات (٢-٣): يحذّر يوناثان الصديق الوفيّ داود.
٢وَأَمَّا يُونَاثَانُ بْنُ شَاوُلَ فَسُرَّ بِدَاوُدَ جِدًّا. فَأَخْبَرَ يُونَاثَانُ دَاوُدَ قَائِلاً: «شَاوُلُ أَبِي مُلْتَمِسٌ قَتْلَكَ، وَالآنَ فَاحْتَفِظْ عَلَى نَفْسِكَ إِلَى الصَّبَاحِ، وَأَقِمْ فِي خُفْيَةٍ وَاخْتَبِئْ. ٣وَأَنَا أَخْرُجُ وَأَقِفُ بِجَانِبِ أَبِي فِي الْحَقْلِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَأُكَلِّمُ أَبِي عَنْكَ، وَأَرَى مَاذَا يَصِيرُ وَأُخْبِرُكَ».
- وَأَمَّا يُونَاثَانُ بْنُ شَاوُلَ فَسُرَّ بِدَاوُدَ جِدًّا: لا بد أن شاول وكثيرين من طاقمه القيادي انتقدوا داود. كانوا يبحثون عن شيء يمكن تقديمه ضده. وإذا لم يجدوا شيئًا، كانوا يختلقون شيئًا. وسمع يوناثان كل هذا، لكن هذا لم يغيّر رأيه في داود. إذ سُرَّ بِدَاوُدَ جِدًّا.
- فَأَخْبَرَ يُونَاثَانُ دَاوُدَ: أثار هذا غضب شاول، لكن يوناثان عرف أنه فعل الصواب. فلا ينبغي له أن يقتل داود لمجرد أن أباه وملِكه طلب منه ذلك. فقد عرف يوناثان كلمة الله التي تقول: ’لا تقتل‘ (خروج ٢٠: ١٣). كان الكتاب المقدس واضحًا، بينما أعلن شاول أن عليهم أن يقتلوا داود (١ صموئيل ١٩: ١).
- نحن تحت سلطة، ونحن مأمورون بأن نخضع للنظام الحكومي البشري في مجالات كثيرة متنوعة. فهنالك خضوع كتابي من الأبناء للوالدين، ومن المواطنين لحكومتهم، ومن الموظفين لأصحاب العمل، ومن المؤمنين لقادة كنيستهم، ومن الزوجات لأزواجهن. لكن في كل هذه العلاقات لا يُعفى المرء من مسؤولية الخطية على الإطلاق، لأننا أطعنا سلطة نأمرنا بأن لا نخطئ. وفي هذه الحالة، سيكون من الخطأ أن يطيع يوناثان أباه ويقتل داود.
- كانت هذه حالة استطاع فيها يوناثان أن يقول ما قاله الرسل عندما طُلِب منهم أن يتوقفوا عن الكرازة بالإنجيل: “يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أعمال الرسل ٥: ٢٩). لكن كان لدى يوناثان قلب الرسل في أعمال الرسل ٥: “وَدَعَوْا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصَوْهُمْ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ. وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لِأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” (أعمال الرسل ٥: ٤٠-٤١). وكان يوناثان مستعدًّا لأن يأخذ نصيبه من الانتقادات بسبب طاعته للرب. وقد فعل هذا من دون تذمُّر.
- شَاوُلُ أَبِي مُلْتَمِسٌ قَتْلَكَ، وَالْآنَ فَاحْتَفِظْ عَلَى نَفْسِكَ إِلَى الصَّبَاحِ، وَأَقِمْ فِي خُفْيَةٍ وَاخْتَبِئْ: فعل يوناثان أكثر من مجرد رفضه لمساعدة شاول في قتل داود. إذ ساعد داود. كان بإمكان يوناثان أن يقول: “لا أريد أن أشترك في هذا الأمر. لن أساعد أبي في قتل داود. لكني في المقابل لن أحاول أن أفعل شيئًا لأوقفه. فسأكون محايدًا. وسأترك الله يتولّى الأمر.” لكن يوناثان لم يتبنَّ هذا الموقف.
ج) الآيات (٤-٥): في ولاء لداود، كلّم يوناثان شاول.
٤وَتَكَلَّمَ يُونَاثَانُ عَنْ دَاوُدَ حَسَنًا مَعَ شَاوُلَ أَبِيهِ وَقَالَ لَهُ: «لاَ يُخْطِئِ الْمَلِكُ إِلَى عَبْدِهِ دَاوُدَ، لأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ إِلَيْكَ، وَلأَنَّ أَعْمَالَهُ حَسَنَةٌ لَكَ جِدًّا. ٥فَإِنَّهُ وَضَعَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ وَقَتَلَ الْفِلِسْطِينِيَّ فَصَنَعَ الرَّبُّ خَلاَصًا عَظِيمًا لِجَمِيعِ إِسْرَائِيلَ. أَنْتَ رَأَيْتَ وَفَرِحْتَ. فَلِمَاذَا تُخْطِئُ إِلَى دَمٍ بَرِيءٍ بِقَتْلِ دَاوُدَ بِلاَ سَبَبٍ؟»
- وَتَكَلَّمَ يُونَاثَانُ عَنْ دَاوُدَ حَسَنًا مَعَ شَاوُلَ أَبِيهِ: فعل يوناثان ما هو أكثر من مجرد تقديم عون سري لداود بمعلومات، إضافة إلى الدفاع عن داود بامتداحه أمام شاول. إذ أخبر يوناثان أباه: “لديك رأي معين في داود، لكني لا أشاركك هذا الرأي. فأنا أحبه وأدعمه. وينبغي لك أن تفعل الشيء نفسه أيضًا.”
- “تَكَلَّمَ يُونَاثَانُ عَنْ دَاوُدَ حَسَنًا، وهو أمر ما كان يمكن أن يفعله من دون تعريض نفسه إلى خطر. وقد فعل يوناثان هذا كصديق وفي وكرجل باسل.” بوله (Poole)
- لَا يُخْطِئِ الْمَلِكُ إِلَى عَبْدِهِ دَاوُدَ: كان يوناثان جسورًا بما يكفي لإخبار الملك أن غضبه على داود وحسده له خطية. وقال: ’لَمْ يُخْطِئْ إِلَيْكَ.‘ شعر شاول أن داود أخطأ إليه بطريقة ما، ولهذا أحس بأنه بارّ في قضيته. فقدَّم يوناثان كلمة تصحيح ضرورية.
- فَإِنَّهُ وَضَعَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ وَقَتَلَ الْفِلِسْطِينِيَّ فَصَنَعَ الرَّبُّ خَلَاصًا عَظِيمًا لِجَمِيعِ إِسْرَائِيلَ: ذكّر يوناثان أباه بهذه الأحداث لأنّ شاول لوَّنها بمعنى يبرر رغبته الممتلئة بالحسد في قتل داود.
- عرف شاول أن داود قتل الفلسطي، لكنه لم يصدّق أن داود فعل هذا لسبب بار. إذ فكّرَ: “فعل هذا ليكون مشهورًا وليأخذ عرشي. إنه خائن طمّاع. وأنا مبرر في قتله، وعليّ أن أقتله قبل أن يقتلني.”
- حاول يوناثان أن يرجع شاول إلى أرض الواقع. فذكّر أباه: ’أَنْتَ رَأَيْتَ وَفَرِحْتَ،‘ كما لو أنه كان يقول لأبيه: عندما قتل داود جليات، فرحتَ مثل الجميع. والآن ملأ إبليس عقلك بالغيرة والحسد. فارجع إلى ما كنت تعتقده من قبل.
- فَلِمَاذَا تُخْطِئُ إِلَى دَمٍ بَرِيءٍ بِقَتْلِ دَاوُدَ بِلَا سَبَبٍ: في ذهن شاول، كان هنالك سبب. فلم يرَ أن داود بريء. غير أن الحقيقة هي أن داود كان بريئًا، ولم يكن هنالك سبب لقتله. وهكذا دعا يوناثان أباه إلى أرض الواقع.
د ) الآيات (٦-٧): مصالحة بين شاول وداود.
٦فَسَمِعَ شَاوُلُ لِصَوْتِ يُونَاثَانَ، وَحَلَفَ شَاوُلُ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ لاَ يُقْتَلُ». ٧فَدَعَا يُونَاثَانُ دَاوُدَ وَأَخْبَرَهُ بِجَمِيعِ هذَا الْكَلاَمِ. ثُمَّ جَاءَ يُونَاثَانُ بِدَاوُدَ إِلَى شَاوُلَ فَكَانَ أَمَامَهُ كَأَمْسٍ وَمَا قَبْلَهُ.
- فَسَمِعَ شَاوُلُ لِصَوْتِ يُونَاثَانَ: تَطَلَّب هذا تواضعًا حقيقيًّا من شاول. إذ كان سهلًا أن يقول: “أنا الملك، وأنا على حق، ولا يهمني رأيك. لكن في هذه الحالة سَمِعَ شَاوُلُ لِصَوْتِ يُونَاثَانَ.
- وَحَلَفَ شَاوُلُ: “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ لَا يُقْتَلُ.”: يدل هذا على أن الرب لمس قلب شاول. وقد استخدم الله يوناثان، لكن العمل لم يكن عمل يوناثان، بل عمل الرب. وأدرك شاول هذا بإعلانه هذا القسَم.
- فَدَعَا يُونَاثَانُ دَاوُدَ وَأَخْبَرَهُ يُونَاثَانُ بِجَمِيعِ هَذَا الْكَلَامِ. ثُمَّ جَاءَ يُونَاثَانُ بِدَاوُدَ إِلَى شَاوُلَ فَكَانَ أَمَامَهُ كَأَمْسِ وَمَا قَبْلَهُ: يبدو أن هذا نجح. إذ تمّ إبطال الأمر بقتل داود، وصار شاول مع داود كما كانا في الأيام الماضية (فَكَانَ أَمَامَهُ كَأَمْسِ وَمَا قَبْلَهُ).
هـ) الآيات (٨-١٠): داود ينجو من محاولة أخرى لاغتياله.
٨وَعَادَتِ الْحَرْبُ تَحْدُثُ، فَخَرَجَ دَاوُدُ وَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَضَرَبَهُمْ ضَرْبَةً عَظِيمَةً فَهَرَبُوا مِنْ أَمَامِهِ. ٩وَكَانَ الرُّوحُ الرَّدِيءُ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ عَلَى شَاوُلَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَيْتِهِ وَرُمْحُهُ بِيَدِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ يَضْرِبُ بِالْيَدِ. ١٠فَالْتَمَسَ شَاوُلُ أَنْ يَطْعَنَ دَاوُدَ بِالرُّمْحِ حَتَّى إِلَى الْحَائِطِ، فَفَرَّ مِنْ أَمَامِ شَاوُلَ فَضَرَبَ الرُّمْحَ إِلَى الْحَائِطِ، فَهَرَبَ دَاوُدُ وَنَجَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
- وَعَادَتِ الْحَرْبُ تَحْدُثُ: يتحدث السياق عن حروب أخرى بين إسرائيل والفلسطيين، لكن هذا صحيح روحيًّا. ففي نهاية ١ صموئيل ١٩: ٧، كانت هنالك هدنة في الحرب الروحية بين داود وشاول. وعندما يكون هنالك وقف إطلاق نار في الحرب الروحية، فإننا نعرف أن المعركة ستُستأنف عما قريب. ويمكن أن يقال هذا دائمًا عن حياتنا: وَعَادَتِ الْحَرْبُ تَحْدُثُ.
- وَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَضَرَبَهُمْ ضَرْبَةً عَظِيمَةً فَهَرَبُوا مِنْ أَمَامِهِ: من ناحية روحية، هذه غيوم تحذيرية من عاصفة مقبلة. فإن نجاح داود هو الذي أثار حسد شاول. فعندما ينجح داود ثانية، فإن من المؤكد أن شاول سيجرَّب بأن يحسده مرة أخرى.
- وَكَانَ الرُّوحُ الرَّدِيءُ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ: كانت الأرواح الشريرة مستعدة تمامًا لمهاجمة شاول في النواحي الضعيفة التي كان فيها أكثر عرضة للهجوم. فكان الهجوم في الطريق.
- وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَيْتِهِ وَرُمْحُهُ بِيَدِهِ: كان شاول في مكان سيئ. وهو يجرَّب ويهاجَم روحيًّا، وهو الآن يضع نفسه في موقف آثم محتمل. وكان داود يعزف الموسيقى، لكن شاول عرف الرماح أكثر من موسيقى التسبيح.
- فَالْتَمَسَ شَاوُلُ أَنْ يَطْعَنَ دَاوُدَ بِالرُّمْحِ حَتَّى إِلَى الْحَائِطِ: انقلب حال شاول، فتغيّر قلبه، ونقض قسَمه بأن لا يقتل داود. رمى كل هذا مع رميه للرمح. لكن هذا لم يحدث فجأة أو صدفة. فلم يكن شاول مستعدًّا للتعامل مع التجربة أو الهجوم الروحي. وكانت فرصة ارتكاب الخطية في متناوله. وسيتعثّر معظمنا تحت هذه الظروف.
- فَفَرَّ مِنْ أَمَامِ شَاوُلَ فَضَرَبَ الرُّمْحَ إِلَى الْحَائِطِ: مضى داود لكن الرمح بقي. فقد بقي الشيء الوحيد الذي لم يكن يحتاج شاول إليه، وهو الرمح. وذهب الشيء الوحيد الذي كان محتاجًا إليه، وهو داود. فكان شاول هو الخاسر في الحالتين.
- فَهَرَبَ دَاوُدُ وَنَجَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: لم يعد داود إلى القصر إلا بعد حوالي عشرين سنة إلى أن صار ملك إسرائيل. ومن ذلك الوقت حتى موت شاول، سيعيش داود طريدًا.
ثانيًا. داود يهرب من شاول
أ ) الآيات (١١-١٢): يهرب داود بمساعدة من زوجته ميكال.
١١فَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلاً إِلَى بَيْتِ دَاوُدَ لِيُرَاقِبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ فِي الصَّبَاحِ. فَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ مِيكَالُ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً: «إِنْ كُنْتَ لاَ تَنْجُو بِنَفْسِكَ هذِهِ اللَّيْلَةَ فَإِنَّكَ تُقْتَلُ غَدًا». ١٢فَأَنْزَلَتْ مِيكَالُ دَاوُدَ مِنَ الْكُوَّةِ، فَذَهَبَ هَارِبًا وَنَجَا.
- فَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلًا إِلَى بَيْتِ دَاوُدَ لِيُرَاقِبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ: سبق أن أقسم شاول: ’حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ لَا يُقْتَلُ‘ (١ صموئيل ١٩: ٦). وهو الآن يرجع عن قسمه للمرة الثانية.
- فَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ مِيكَالُ امْرَأَتُهُ: أنقذته في ذلك اليوم. كانت ميكال ابنةً لشاول. فكان هنالك صراع في الولاءات بالنسبة لها. فهل تعمل لمصلحة أبيها أم زوجها؟ وهنا اتخذت الخيار الصحيح ودعمت زوجها داود.
- تصرفت ميكال حسب مبدأ تكوين ٢: ٢٤ “لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.” رغم أن هذا النص يتحدث عن الزوج، إلا أنه يعبّر عن مبدأ ينطبق على كلا الشريكين في الزواج. فالولاءات والالتزامات العائلية السابقة تأخذ مكانًا ثانويًّا بعد الولاء والالتزام الجديد للأسرة الجديدة.
- فَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ: ربما رأت ميكال القتلة قبله، وعرفت طبيعة أبيها الأخلاقية أكثر مما عرفت داود. وربما كانت أقل اندهاشَا من داود لاكتشاف قتلة مرسلين من شاول.
- أحيانًا يكون الرجال عنيدين ومتقسّي القلب بحيث لا يسمعون أبدًا كيف أن الرب يحذّرهم من خلال زوجاتهم. ولو أن داود تجاهل هذا التحذير لأنه لم يعجبه مصدره، لانتهى به الأمر إلى موت سريع.
- فَأَنْزَلَتْ مِيكَالُ دَاوُدَ مِنَ الْكُوَّة: عندما قرر داود مسار العمل الذي سينهجه، كانت ميكال موجودة لتدعمه وتساعده على تنفيذ قراره. ونجحت مساعدة ميكال، لأن داود هرب فنجا.
- أثناء تلك الليلة، عندما كان رجال شاول يراقبون بيت داود، نجا منهم، وقام بتأليف ترنيمة موجودة في المزمور ٥٩. تقول مقدمة المزمور: مُذَهَّبَةٌ لِدَاوُدَ لَمَّا أَرْسَلَ شَاوُلُ وَرَاقَبُوا الْبَيْتَ لِيَقْتُلُوهُ. استطاع داود أن يرنم للرب في وقت الخطر.
ب) الآيات (١٣-١٧): ميكال تخدع الرجال الذين جاءوا لقتل داود.
١٣فَأَخَذَتْ مِيكَالُ التَّرَافِيمَ وَوَضَعَتْهُ فِي الْفِرَاشِ، وَوَضَعَتْ لُبْدَةَ الْمِعْزَى تَحْتَ رَأْسِهِ وَغَطَّتْهُ بِثَوْبٍ. ١٤وَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلاً لأَخْذِ دَاوُدَ، فَقَالَتْ: «هُوَ مَرِيضٌ». ١٥ثُمَّ أَرْسَلَ شَاوُلُ الرُّسُلَ لِيَرَوْا دَاوُدَ قَائِلاً: «اصْعَدُوا بِهِ إِلَيَّ عَلَى الْفِرَاشِ لِكَيْ أَقْتُلَهُ». ١٦فَجَاءَ الرُّسُلُ وَإِذَا فِي الْفِرَاشِ التَّرَافِيمُ وَلِبْدَةُ الْمِعْزَى تَحْتَ رَأْسِهِ. ١٧فَقَالَ شَاوُلُ لِمِيكَالَ: «لِمَاذَا خَدَعْتِنِي، فَأَطْلَقْتِ عَدُوِّي حَتَّى نَجَا؟» فَقَالَتْ مِيكَالُ لِشَاوُلَ: «هُوَ قَالَ لِي: أَطْلِقِينِي، لِمَاذَا أَقْتُلُكِ؟».
- فَأَخَذَتْ مِيكَالُ التَّرَافِيمَ: كان الترافيم تمثالًا صغيرًا يُستخدم كوثن بيتي أو تعويذة للخصوبة أو للحظ السعيد. وكانت الترافيم في إسرائيل القديمة تهدف إلى المساعدة على عبادة الإله الحقيقي. ولم يُنظر إلى الترافيم كآلهة أخرى، بل كشيء يمثل إله إسرائيل.
- من الواضح أنه لم يكن مطلوبًا من شعب الله أن يمتلك تماثيل كهذه أو أن يستخدموها. ولا نتخيل أن هذا التمثال، هذا الوثن البيتي، كان يخص داود. ولهذا، فإن وجوده يبيّن أنه لم تكن لميكال نفس العلاقة بالله التي ربطت داود. ويكشف ضعف هذه العلاقة بالله نفسه عندما تتكشف قصة حياة داود (٢ صموئيل ٦: ١٦-٢٣). “عندما نقرأ عن هذه الترافيم، فإننا لا نستغرب للعيوب الأخلاقية في طبيعة ميكال الأخلاقية.” بالايكي (Balikie)
- اصْعَدُوا بِهِ إِلَيَّ عَلَى الْفِرَاشِ لِكَيْ أَقْتُلَهُ: يعني هذا أن خداع ميكال لم ينطلِ عليه. ويبيّن هذا شيئًا عن عمق بغض شاول لداود، لأنه أراد أن يقتله بنفسه (اصْعَدُوا بِهِ إِلَيَّ عَلَى الْفِرَاشِ لِكَيْ أَقْتُلَهُ).
- عَدُوِّي: هذه أتعس كلمة في هذا النص. إذ يصف شاول داود بأنه عدوه. وفي واقع الأمر، كان داود صديقًا لشاول، وقدّم له مساعدة أكثر من أي شخص آخر. وكان داود عدوًّا لشاول لأن شاول أراده هكذا.
ثالثًا. داود يهرب إلى نايوت مطارَدًا من شاول
أ ) الآية (١٨): داود يزور صموئيل في الرامة.
١٨فَهَرَبَ دَاوُدُ وَنَجَا وَجَاءَ إِلَى صَمُوئِيلَ فِي الرَّامَةِ وَأَخْبَرَهُ بِكُلِّ مَا عَمِلَ بِهِ شَاوُلُ. وَذَهَبَ هُوَ وَصَمُوئِيلُ وَأَقَامَا فِي نَايُوتَ.
- وَجَاءَ إِلَى صَمُوئِيلَ فِي الرَّامَةِ وَأَخْبَرَهُ بِكُلِّ مَا عَمِلَ بِهِ شَاوُلُ: فعل داود الشيء الصواب عندما كان في موقف صعب ومربك. ذهب ليقضي وقتًا مع رجل تقي. ويمكننا أن نتخيل داود وهو يسكب قلبه أمام النبي: “يا صموئيل، أنت مسحتني ملكًا، وانظر ما حدث معي! أعتقد أنه لم يحن الوقت بعد، لكن لماذا ينبغي أن تكون الأمور بهذه الصعوبة؟ هل يريدني الله ميتًا؟ لماذا يسمح بهذا؟”
- وَأَقَامَا فِي نَايُوتَ: كلمة ’نايوت‘ مستمدة من كلمة عبرية تعني ’إقامة‘ أو ’مقر.‘ وهي تشير إلى بيت صموئيل (الذي ربما يسمّى نايوت)، أو ربما تشير الكلمة إلى مَعْلَم أو مكان محدد في الرامة. وكلما ذُكرت كلمة نايوت، كانت ترتبط معها كلمة الرامة.
ب) الآيات (١٩-٢١): يرسل شاول رسلًا للقبض على داود، لكن الروح القدس يلمسه، ويتنبّأ في حضور صموئيل والأنبياء الآخرين.
١٩فَأُخْبِرَ شَاوُلُ وَقِيلَ لَهُ: «هُوَذَا دَاوُدُ فِي نَايُوتَ فِي الرَّامَةِ». ٢٠فَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلاً لأَخْذِ دَاوُدَ. وَلَمَّا رَأَوْا جَمَاعَةَ الأَنْبِيَاءِ يَتَنَبَّأُونَ، وَصَمُوئِيلَ وَاقِفًا رَئِيسًا عَلَيْهِمْ، كَانَ رُوحُ اللهِ عَلَى رُسُلِ شَاوُلَ فَتَنَبَّأُوا هُمْ أَيْضًا. ٢١وَأَخْبَرُوا شَاوُلَ، فَأَرْسَلَ رُسُلاً آخَرِينَ، فَتَنَبَّأُوا هُمْ أَيْضًا. ثُمَّ عَادَ شَاوُلُ فَأَرْسَلَ رُسُلاً ثَالِثَةً، فَتَنَبَّأُوا هُمْ أَيْضًا.
- فَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلًا لِأَخْذِ دَاوُدَ: شاول رجل شرير، لكنه مثابر. ونحن لا نُعجب أبدًا بعمل إبليس، لكن يمكننا أن نُعجب بمثابرته التي هي مبدأ عمل إبليس.
- وَلَمَّا رَأَوْا جَمَاعَةَ الْأَنْبِيَاءِ يَتَنَبَّأُونَ، وَصَمُوئِيلَ وَاقِفًا رَئِيسًا عَلَيْهِمْ: عندما جاء رسل شاول للقبض على داود، جاءوا إلى وسط اجتماع عبادة. وكان صموئيل وتلاميذه (جماعة الأنبياء) ينتظرون الرب، ويعبدونه، ويتكلمون إليه، ويستمعون إليه.
- عندما يقول النص إنهم كانوا جميعً يتنبّأون، لا يعني هذا أنهم كانوا يتوقعون أحداثًا في المستقبل. فالكلمة العبرية تحمل فكرة التكلم تحت تأثير الروح القدس. وربما كانوا جميعًا يقدمون تسبيحًا عفويًّا ملهمًا للرب.
- كَانَ رُوحُ اللهِ عَلَى رُسُلِ شَاوُلَ فَتَنَبَّأُوا هُمْ أَيْضًا: لقد أُسروا بجو العبادة والتكريس للرب. وحل روح الرب عليهم.
- كان هذا عملًا غير عادي للروح القدس أن يأتي ويحل على أشخاص لم يطلبوا الله ولم يتوقوا إلى الملء بروحه. وقد فعل الله هذا ليحمي داود. وكانت هذه طريقته في نزع سلاح الذين جاءوا للقبض عليه.
- كان هذا أيضًا تحذيرًا لهؤلاء الرجال ولشاول. فكأن الروح القدس يقول: لا أريد أن يُلقى القبض على داود. وسأعيد هؤلاء الرجال خالي الوفاض. وبدلًا من السعي إلى قتل داود، ينبغي أن تسعوا إلى الامتلاء بروح الرب.
- فَأَرْسَلَ رُسُلًا آخَرِينَ: لم يفهم شاول الرسالة. ولهذا أَرْسَلَ رُسُلًا آخَرِينَ. لكن نفس الشيء حدث. إذ تنبّأوا أيضًا. ومرة أخرى، لم يفهم شاول الرسالة، فَأَرْسَلَ ثانية وثالثة. ورجعت مجموعات الرسل الثلاث. وقال الله نفس الشيء في كل مرة من خلالهم.
ج) الآيات (٢٢-٢٤): شاول يلاحق داود بنفسه، لكنه يتنبّأ أيضًا في حضور صموئيل والأنبياء.
٢٢فَذَهَبَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الرَّامَةِ وَجَاءَ إِلَى الْبِئْرِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي عِنْدَ سِيخُو وَسَأَلَ وَقَالَ: «أَيْنَ صَمُوئِيلُ وَدَاوُدُ؟» فَقِيلَ: «هَا هُمَا فِي نَايُوتَ فِي الرَّامَةِ». ٢٣فَذَهَبَ إِلَى هُنَاكَ إِلَى نَايُوتَ فِي الرَّامَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا رُوحُ اللهِ، فَكَانَ يَذْهَبُ وَيَتَنَبَّأُ حَتَّى جَاءَ إِلَى نَايُوتَ فِي الرَّامَةِ. ٢٤فَخَلَعَ هُوَ أَيْضًا ثِيَابَهُ وَتَنَبَّأَ هُوَ أَيْضًا أَمَامَ صَمُوئِيلَ، وَانْطَرَحَ عُرْيَانًا ذلِكَ النَّهَارَ كُلَّهُ وَكُلَّ اللَّيْلِ. لِذلِكَ يَقُولُونَ: «أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟».
- فَذَهَبَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الرَّامَةِ: قال الروح القدس ثلاث مرات لشاول: “اترك داود وشأنه. فروحي أقوى منك. ولن تفوز بهذه المعركة ضدي وضد داود.” وبدلًا من ذلك، تولّى شاول زمام الأمور بنفسه بدرجة أكبر. فقد ذهب إلى الرامة بنفسه.
- فَكَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا رُوحُ اللهِ: عمِل الروح القدس هنا، كما من قبل، على الحيلولة دون إلقاء القبض على داود. وقال الله أيضًا: “ارفع يدك عن عبدي داود. فأنا المسؤول هنا.”
- ربما كانت هنالك رسالة إضافية إلى شاول هنا: “يا شاول، أنت الآن تتنبّأ، وتتكلم بكلمات تسبيح وتمجيد جملية لي. هذه هي الطريقة التي يمكن أن أعمل بها فيك طوال الوقت إذا كنت متواضعًا وراغبًا.”
- فَخَلَعَ هُوَ أَيْضًا ثِيَابَهُ وَتَنَبَّأَ: دفع الروح القدس شاول على فعل هذا كتعبير عن التواضع العميق. ولن يقبل شاول أن يتواضع أمام الرب، لكن الرب سيجد طريقة لإذلاله.
- من غير المحتمل – رغم أنه أمر ممكن – أن شاول خلع ثيابه كلها ليكون عاريًا تمامًا. فالكلمة العبرية المستخدمة يمكن أن تدل على خلع الملابس إلى الثياب الداخلية. فمن المرجح أن شاول خلع ملايسه الملكية التي تدل على الأبّهة والهيبة الملكية، ووضع نفسه أمام الرب في ملابسه الداخلية الكتانية. فكانت هذه طريقة ليقول بها الله: “لم تعد ملكي المختار، يا شاول. لقد نزعت مجدك الملكي!”
- يمكن أن يتأثر المرء بقوة الله فينتج عن ذلك خبرات مذهلة من دون أن يستسلم لقوة الله التي تنتج تغييرًا في الحياة.
- أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ؟: ذُكرت هذه العبارة لأول مرة في ١ صموئيل ١٠: ١٠-١٢. وهي تعبر عن الاندهاش عندما يصبح شخص متحمسًا للدين. فلم يكن شاول رجلًا روحيًّا فصار روحيًّا جدًّا في لحظة حلول روح الرب عليه.
