صموئيل الأول – الإصحاح ٢٠
محاولة يوناثان الأخيرة في إجراء المصالحة بين شاول وداود
أولًا. داود يأتي من نايوت لمقابلة يوناثان
أ ) الآيات (١-٤): داود يسأل يوناثان حول نيّة شاول تجاهه، ويوناثان يعده بالمساعدة.
١فَهَرَبَ دَاوُدُ مِنْ نَايُوتَ فِي الرَّامَةِ، وَجَاءَ وَقَالَ قُدَّامَ يُونَاثَانَ: «مَاذَا عَمِلْتُ؟ وَمَا هُوَ إِثْمِي؟ وَمَا هِيَ خَطِيَّتِي أَمَامَ أَبِيكَ حَتَّى يَطْلُبَ نَفْسِي؟» ٢فَقَالَ لَهُ: «حَاشَا. لَا تَمُوتُ! هُوَذَا أَبِي لَا يَعْمَلُ أَمْرًا كَبِيرًا وَلَا أَمْرًا صَغِيرًا إِلَّا وَيُخْبِرُنِي بِهِ. وَلِمَاذَا يُخْفِي عَنِّي أَبِي هَذَا الْأَمْرَ؟ لَيْسَ كَذَا». ٣فَحَلَفَ أَيْضًا دَاوُدُ وَقَالَ: «إِنَّ أَبَاكَ قَدْ عَلِمَ أَنِّي قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، فَقَالَ: لَا يَعْلَمْ يُونَاثَانُ هَذَا لِئَلَّا يَغْتَمَّ. وَلَكِنْ حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، وَحَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ، إِنَّهُ كَخَطْوَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَوْتِ». ٤فَقَالَ يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: «مَهْمَا تَقُلْ نَفْسُكَ أَفْعَلْهُ لَكَ».
- فَهَرَبَ دَاوُدُ مِنْ نَايُوتَ: حمى روح الرب داود في نايوت بطريقة قوية. وكان بإمكانه أن يبقى هناك مهما طال الوقت الذي يمكن أن يستغرقه شاول للاستسلام أو للموت. غير أن داود غادر المكان لسبب وجيه. إذ أراد أن يعرف إن كان قلب شاول قد تغيّر، وإن كانت هنالك فرصة للتصالح معه.
- مَاذَا عَمِلْتُ؟: هنا يفحص داود علاقته بيوناثان. أراد أن يعرف ما يفكر فيه شاول. لكن ما هو أهم من ذلك هو أن يعرف ما يفكر فيه يوناثان. ففي سؤاله ’مَاذَا عَمِلْتُ؟‘ أراد داود أن يعرف إن كان قد توصّل إلى اتفاق مع أبيه شاول.
- فَقَالَ لَهُ: “حَاشَا!”: أكّد هذا لداود أن يوناثان ما زال صديقه المخلص، وأنه لم يقتنع بأكاذيب شاول عنه. كما أكد يوناثان لداود حمايته عن طريق تحذيره من نيّة شاول.
- وَلِمَاذَا يُخْفِي عَنِّي أَبِي هَذَا الْأَمْرَ؟ لَيْسَ كَذَا: من الواضح أن داود تساءل لماذا لم يخبره يوناثان عن محاولة القبض عليه في نايوت. فعبّر يوناثان عن دهشته لعدم إخبار أبيه شاول بهذا. لكنه طمأن داود بشأن محبته له.
- إِنَّهُ كَخَطْوَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَوْتِ: يشير هذا إلى إحباط داود. عرف أن شاول حاول أن يقتله مرات كثيرة. وبدا أنه لن يتوقف عن المحاولة إلى أن يموت داود. أحس داود بأن موته أمر لا مفر منه، وأنه كمن يسير على لوح خشبي زلق فوق وادٍ سحيق.
- مَهْمَا تَقُلْ نَفْسُكَ أَفْعَلْهُ لَكَ: واصل يوناثان طمأنة داود مقدِّمًا التشجيع وعارضًا العون على هذا الرجل المحبط. ومن المعقول أن يكون يوناثان قد قال لداود: “أين إيمانك، يا أخي؟ لماذا لا تثق بالرب؟” وبدلًا من ذلك، علم يوناثان أن قلب داود موجّه في الاتجاه الصحيح، فعرض عليه المساعدة.
ب) الآيات (٥-١١): يقترح داود امتحانًا لمعرفة موقف شاول.
٥فَقَالَ دَاوُدُ لِيُونَاثَانَ: «هُوَذَا الشَّهْرُ غَدًا حِينَمَا أَجْلِسُ مَعَ الْمَلِكِ لِلْأَكْلِ. وَلَكِنْ أَرْسِلْنِي فَأَخْتَبِئَ فِي الْحَقْلِ إِلَى مَسَاءِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ. ٦وَإِذَا افْتَقَدَنِي أَبُوكَ، فَقُلْ: قَدْ طَلَبَ دَاوُدُ مِنِّي طِلْبَةً أَنْ يَرْكُضَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ مَدِينَتِهِ، لِأَنَّ هُنَاكَ ذَبِيحَةً سَنَوِيَّةً لِكُلِّ الْعَشِيرَةِ. ٧فَإِنْ قَالَ هَكَذاَ: حَسَنًا. كَانَ سَلَامٌ لِعَبْدِكَ. وَلَكِنْ إِنِ اغْتَاظَ غَيْظًا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أُعِدَّ الشَّرُّ عِنْدَهُ. ٨فَتَعْمَلُ مَعْرُوفًا مَعَ عَبْدِكَ، لِأَنَّكَ بِعَهْدِ الرَّبِّ أَدْخَلْتَ عَبْدَكَ مَعَكَ. وَإِنْ كَانَ فِيَّ إِثْمٌ فَاقْتُلْنِي أَنْتَ، وَلِمَاذَا تَأْتِي بِي إِلَى أَبِيكَ؟». ٩فَقَالَ يُونَاثَانُ: «حَاشَا لَكَ! لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ الشَّرَّ قَدْ أُعِدَّ عِنْدَ أَبِي لِيَأْتِيَ عَلَيْكَ، أَفَمَا كُنْتُ أُخْبِرُكَ بِهِ؟». ١٠فَقَالَ دَاوُدُ لِيُونَاثَانَ: «مَنْ يُخْبِرُنِي إِنْ جَاوَبَكَ أَبُوكَ شَيْئًا قَاسِيًا؟». ١١فَقَالَ يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: «تَعَالَ نَخْرُجُ إِلَى الْحَقْلِ». فَخَرَجَا كِلَاهُمَا إِلَى الْحَقْلِ.
- وَإِذَا افْتَقَدَنِي أَبُوكَ: طلب داود من يوناثان أن يلاحظ رد فعل شاول لغياب داود في عيد مهم يقام شهريًّا من أجل كبار رجال الدولة. وتساءل إن كان شاول سينتهز الفرصة للمصالحة أو أنه سيستغلها في محاولة قتله.
- هُوَذَا الشَّهْرُ غَدًا حِينَمَا أَجْلِسُ مَعَ الْمَلِكِ لِلْأَكْلِ: كانت تقدم ذبائح خاصة عند الشهر الجديد (القمر الجديد – عدد ٢٨: ١١-١٥).
- وَإِنْ كَانَ فِيَّ إِثْمٌ: ومرة أخرى، يبدو أن داود تأثر إلى حد ما بعدم إخبار يوناثان له عن محاولة القبض عليه في نايوت، ولهذا يسأل داود يوناثان هنا: ’أأنا مخطئ هنا؟ أما زلتَ معي؟‘ يقول داود هنا ما مفاده: “إن كنت تعمل حقًّا من أجل والدك، وإن كنتَ توافقه على أني مستحق للقتل، فاقتلني أنت الآن.”
- ينبغي أن نرى هذا كله من منظور داود. تَذَكَّر أن دعم يوناثان له ووُجِه بتحدي عداوة شاول له. وتذكَّر أيضًا دعم يوناثان له ووُجه بتحدي بكون يوناثان التالي في ترتيب العرش، ولهذا يمكن أن يقف ضده.
- إن استجابة يوناثان هنا هي نفسها في ١ صموئيل ٢٠: ٢. لم يكن يعلم أن شاول انطلق للقبض على داود في نايوت رغم أنه كان يخبره كل شيء في الماضي.
- حَاشَا لَكَ: بهذا التشجيع، يطلب يوناثان من داود ألاّ يشك في ولائه بعد. فقد أحس يوناثان بأن داود في وضع ضعيف مكشوف، وأنه محتاج إلى تقديم تشجيع في وسط هذه المحنة.
- مَنْ يُخْبِرُنِي: إن كان شاول قد عقد العزم على فعل الشر تجاه داود، فإن داود أراد من يوناثان أن يحذّره. فكيف سيفعل هذا؟ لكن كيف يمكن أن يوصل يوناثان الرسالة إلى داود؟
ثانيًا. موافقة يوناثان
أ ) الآيات (١٢-١٣): يوناثان يكتشف حالة قلب أبيه
١٢وَقَالَ يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: “يَا رَبُّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ، مَتَى اخْتَبَرْتُ أَبِي مِثْلَ الْآنَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَإِنْ كَانَ خَيْرٌ لِدَاوُدَ وَلَمْ أُرْسِلْ حِينَئِذٍ فَأُخْبِرَهُ، ١٣فَهَكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ لِيُونَاثَانَ وَهَكَذَا يَزِيدُ. وَإِنِ اسْتَحْسَنَ أَبِي الشَّرَّ نَحْوَكَ، فَإِنِّي أُخْبِرُكَ وَأُطْلِقُكَ فَتَذْهَبُ بِسَلَامٍ. وَلْيَكُنِ الرَّبُّ مَعَكَ كَمَا كَانَ مَعَ أَبِي.”
- مَتَى اخْتَبَرْتُ أَبِي: سيكتشف يوناثان قلب أبيه، وسيبلغ داود بهذا، سواء أكان هذا أمرًا جيدًا لداود أم سيئًا بالنسبة له.
- فَإِنِّي أُخْبِرُكَ وَأُطْلِقُكَ فَتَذْهَبُ بِسَلَامٍ: يعرف يوناثان أنه إذا نوى أبوه شاول شرًّا لداود سيعني أنه يتوجب على داود أن يذهب. فلن يكون موضع ترحيب في القصر، ولن يكون آمنًا في بيته. ومن شأن إعطاء يوناثان تحذيرًا مبكرًا لداود أن يساعده في أن يذهب بسلام.
- وَلْيَكُنِ الرَّبُّ مَعَكَ كَمَا كَانَ مَعَ أَبِي: يريد يوناثان أن يعطي داود أكثر من تحذير. فهو يعطيه تشجيعًا. “فحتى لو اضطررت إلى ترك القصر وبيتك لتهرب وتحيا طريدًا، سيكون الرب معك. ويمكنك التأكد من ذلك.”
- يُظهر يوناثان نضجًا روحيًّا عندما يقول: ’كَمَا كَانَ مَعَ أَبِي.‘ إذ قد يظن المرء أن الرب كان ضد شاول حقًّا بدلًا من أن يعمل لخيره. إذ عرف يوناثان أن الرب كان صالحًا مع شاول، لأنه قدّم له فرصًا كثيرة للتوبة.
ب) الآيات (١٤-١٧): واستجابة لهذا، يطلب يوناثان من داود أن يلتزم هو نفسه بالعهد بينهما.
١٤وَلَا وَأَنَا حَيٌّ بَعْدُ تَصْنَعُ مَعِي إِحْسَانَ الرَّبِّ حَتَّى لَا أَمُوتَ، ١٥بَلْ لَا تَقْطَعُ مَعْرُوفَكَ عَنْ بَيْتِي إِلَى الْأَبَدِ، وَلَا حِينَ يَقْطَعُ الرَّبُّ أَعْدَاءَ دَاوُدَ جَمِيعًا عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ. ١٦فَعَاهَدَ يُونَاثَانُ بَيْتَ دَاوُدَ وَقَالَ: «لِيَطْلُبِ الرَّبُّ مِنْ يَدِ أَعْدَاءِ دَاوُدَ». ١٧ثُمَّ عَادَ يُونَاثَانُ وَاسْتَحْلَفَ دَاوُدَ بِمَحَبَّتِهِ لَهُ لِأَنَّهُ أَحَبَّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ.
- بَلْ لَا تَقْطَعُ مَعْرُوفَكَ عَنْ بَيْتِي إِلَى الْأَبَد: كان يوناثان للديناميكية السياسية بين عائلة داود وعائلة شاول. ففي تلك الأيام، عندما يحل بيت ملكيٌّ محل بيت ملكيّ آخر، كان من الشائع أن يقتل البيت الملكي الجديد جميع الحكام المحتملين من البيت الملكي القديم. وعرف يوناثان أن داود ونسله سيملكون ذات يوم على إسرائيل. فأراد وعدًا بأن داود ونسله لن يقتلوا أو يسيئوا معاملة نسل يوناثان.
- فَعَاهَدَ يُونَاثَانُ بَيْتَ دَاوُدَ: اتفق داود ويوناثان على أن يعتني أحدهما بالآخر. فوافق يوناثان على أن يعتني بداود في وجه تهديد شاول. ووافق داود على الاعتناء بيوناثان وعائلته في المستقبل. ووفى داود بوعده ليوناثان (٢ صموئيل ٩: ١-٨ و٢١: ٧).
ج) الآيات (١٨-٢٣): يقترح يوناثان إشارة لإعلام داود برد فعل شاول.
١٨وَقَالَ لَهُ يُونَاثَانُ: «غَدًا الشَّهْرُ، فَتُفْتَقَدُ لِأَنَّ مَوْضِعَكَ يَكُونُ خَالِيًا. ١٩وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ تَنْزِلُ سَرِيعًا وَتَأْتِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اخْتَبَأْتَ فِيهِ يَوْمَ الْعَمَلِ، وَتَجْلِسُ بِجَانِبِ حَجَرِ الِافْتِرَاقِ. ٢٠وَأَنَا أَرْمِي ثَلَاثَةَ سِهَامٍ إِلَى جَانِبِهِ كَأَنِّي أَرْمِي غَرَضًا. ٢١وَحِينَئِذٍ أُرْسِلُ الْغُلَامَ قَائِلًا: اذْهَبِ الْتَقِطِ السِّهَامَ. فَإِنْ قُلْتُ لِلْغُلَامِ: هُوَذَا السِّهَامُ دُونَكَ فَجَائِيًا، خُذْهَا. فَتَعَالَ، لِأَنَّ لَكَ سَلَامًا. لَا يُوجَدُ شَيْءٌ، حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ. ٢٢وَلَكِنْ إِنْ قُلْتُ هَكَذَا لِلْغُلَامِ: هُوَذَا السِّهَامُ دُونَكَ فَصَاعِدًا. فَاذْهَبْ، لِأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَطْلَقَكَ. ٢٣وَأَمَّا الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمْنَا بِهِ أَنَا وَأَنْتَ، فَهُوَذَا الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ إِلَى الْأَبَدِ.
- وَأَنَا أَرْمِي ثَلَاثَةَ سِهَامٍ: بعد أن يعرف يوناثان قلب أبيه ونيّته تجاه داود، سيوصل هذه المعلومة إلى داود من خلال إشارة. سيقوم يوناثان بالتدرُّب على رمي السهام. وسيشير المكان الذي تقع عليه السهام إلى الجواب الذي ينتظره داود.
- ثَلَاثَةَ سِهَامٍ: ستقوم هذه السهام الثلاثة بتوصيل إحدى رسالتين: إما أن يكون قلب شاول قد تغيَّر تجاه داود، وعندئذٍ سيكون له أمان (لِأَنَّ لَكَ سَلَامًا)، وإما أن يكون ما زال مصممًا على قتل داود، وعندئذ ينبغي له أن يهرب (فَاذْهَبْ، لِأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَطْلَقَكَ).
- كانت هذه فترة حاسمة في حياة داود. فإما أن يعود إلى القصر وإلى بيته، أو أن يكون طريدًا إلى أن يتخلى شاول عن مطاردته. إذ يعتمد الكثير على الرسالة التي ستجلبها السهام.
ثالثًا. كراهية شاول الراسخة تجاه داود
أ ) الآيات (٢٤-٣٤): يستشيط شاول غضبًا لغياب داود.
٢٤فَاخْتَبَأَ دَاوُدُ فِي الْحَقْلِ. وَكَانَ الشَّهْرُ، فَجَلَسَ الْمَلِكُ عَلَى الطَّعَامِ لِيَأْكُلَ. ٢٥فَجَلَسَ الْمَلِكُ فِي مَوْضِعِهِ حَسَبَ كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى مَجْلِسٍ عِنْدَ الْحَائِطِ. وَقَامَ يُونَاثَانُ وَجَلَسَ أَبْنَيْرُ إِلَى جَانِبِ شَاوُلَ، وَخَلَا مَوْضِعُ دَاوُدَ. ٢٦وَلَمْ يَقُلْ شَاوُلُ شَيْئًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِأَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّهُ عَارِضٌ. غَيْرُ طَاهِرٍ هُوَ. إِنَّهُ لَيْسَ طَاهِرًا». ٢٧وَكَانَ فِي الْغَدِ الثَّانِي مِنَ الشَّهْرِ أَنَّ مَوْضِعَ دَاوُدَ خَلَا، فَقَالَ شَاوُلُ لِيُونَاثَانَ ابْنِهِ: «لِمَاذَا لَمْ يَأْتِ ابْنُ يَسَّى إِلَى الطَّعَامِ لَا أَمْسِ وَلَا الْيَوْمَ؟» ٢٨فَأَجَابَ يُونَاثَانُ شَاوُلَ: «إِنَّ دَاوُدَ طَلَبَ مِنِّي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، ٢٩وَقَالَ: أَطْلِقْنِي لِأَنَّ عِنْدَنَا ذَبِيحَةَ عَشِيرَةٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَوْصَانِي أَخِي بِذَلِكَ. وَالْآنَ إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَدَعْنِي أُفْلِتُ وَأَرَى إِخْوَتِي. لِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ إِلَى مَائِدَةِ الْمَلِكِ». ٣٠فَحَمِيَ غَضَبُ شَاوُلَ عَلَى يُونَاثَانَ وَقَالَ لَهُ: «يَا ابْنَ الْمُتَعَوِّجَةِ الْمُتَمَرِّدَةِ، أَمَا عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدِ اخْتَرْتَ ابْنَ يَسَّى لِخِزْيِكَ وَخِزْيِ عَوْرَةِ أُمِّكَ؟ ٣١لِأَنَّهُ مَا دَامَ ابْنُ يَسَّى حَيًّا عَلَى الْأَرْضِ لَا تُثْبَتُ أَنْتَ وَلَا مَمْلَكَتُكَ. وَالْآنَ أَرْسِلْ وَأْتِ بِهِ إِلَيَّ لِأَنَّهُ ابْنُ الْمَوْتِ هُوَ». ٣٢فَأَجَابَ يُونَاثَانُ شَاوُلَ أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا يُقْتَلُ؟ مَاذَا عَمِلَ؟». ٣٣فَصَابَى شَاوُلُ الرُّمْحَ نَحْوَهُ لِيَطْعَنَهُ، فَعَلِمَ يُونَاثَانُ أَنَّ أَبَاهُ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِ دَاوُدَ. ٣٤فَقَامَ يُونَاثَانُ عَنِ الْمَائِدَةِ بِحُمُوِّ غَضَبٍ وَلَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنَ الشَّهْرِ، لِأَنَّهُ اغْتَمَّ عَلَى دَاوُدَ، لِأَنَّ أَبَاهُ قَدْ أَخْزَاهُ.
- أَنَّ مَوْضِعَ دَاوُدَ خَلَا: كان من المتوقع أن يكون داود في الاحتفال الخاص بالقمر الجديد، ولهذا كان غيابه ملحوظًا بوضوح. وفي البداية، لم يزعج الأمر شاول كثيرًا، لِأَنَّهُ قَالَ: ’لَعَلَّهُ عَارِضٌ. غَيْرُ طَاهِرٍ هُوَ. إِنَّهُ لَيْسَ طَاهِرًا.‘ فقد تسبّب النجاسة الاحتفالية في غياب شخص عن عيد كهذا. لكن النجاسة الاحتفالية لا تدوم إلا يومًا واحدًا فقط (لاويين ٢٢: ٣-٧). وعندما تكرر غيابه في اليوم التالي (وَكَانَ فِي الْغَدِ الثَّانِي مِنَ الشَّهْرِ أَنَّ مَوْضِعَ دَاوُدَ خَلَا)، طالب شاول بتفسير.
- علّق ماير (Meyer) على تعبير ’ابْنُ يَسَّى‘ قائلًا: “يتحدث شاول عنه بازدراء بصفته ’ابن يسّى‘ مشدِّدًا على أصله الوضيع، متجاهلًا العلاقة التي ربطته بالعائلة المالكة.”
- فَأَجَابَ يُونَاثَانُ شَاوُلَ: إِنَّ دَاوُدَ طَلَبَ مِنِّي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ: قام يوناثان بالتغطية على داود، محاولًا إعطاء شاول تفسيرًا معقولًا (وصادقًا) لغياب داود.
- “يبدو أنه ذهب أولًا إلى بيت لحم كما طلب من يوناثان أن يخبر أباه (الآية ٦)، ومن ثَمَّ إلى الحقل عندما اقتضى الأمر، وإلا فإنه يتوجب علينا أن نتهمه بالكذب الصريح، وهو أمر لا نتخيّله (من دون أي سبب واضح) في ما يخص بإنسان صالح.” بوله (Poole)
- فَحَمِيَ غَضَبُ شَاوُلَ عَلَى يُونَاثَانَ وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْمُتَعَوِّجَةِ الْمُتَمَرِّدَةِ: علِم يوناثان من هذا الجواب أن قلب شاول كان مصمّمًا على الشر تجاه داود. فلو كان قلبه مختلفًا عن هذا، لما أحس بهذه الخيبة أو بهذا الغضب الشديد.
- ابْنُ الْمَوْتِ هُوَ: يعني هذا التعبير أنه لا بد أن يموت لا محالة. ومن المؤكد أن هذه كانت نيّة داود رغم قسَمه السابق: ’حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ لَا يُقْتَلُ‘ (١ صموئيل ١٩: ٦). ورغم مقاصد شاول، إلا أن داود لن يموت على يد شاول، أو على يد أي عدو آخر. فالإنسان يسعى، لكن الكلمة العليا هي للرب.
- لِمَاذَا يُقْتَلُ؟ مَاذَا عَمِلَ؟: ردّ يوناثان لا بالدفاع عن داود فحسب، بل أيضًا عن الحق في هذه القضية. فلم يكن دعمه لداود دعمًا أعمى. بل ارتكز على ما هو صواب أمام الرب. فأثار رد يوناثان غضب شاول، فألقى رمحًا عليه ليقتله. ويبيّن هذا عمق كراهية شاول لداود. فهو مستعد لأن يقتل ابنه بسبب وقوفه إلى جانب داود.
- “قام يوناثان بمحاولة عبثية للتفاهم مع العاهل الغاضب، وكأنه حاول أن يوقف فيضان نهر الأردن في وقت الفيضان.” ماير (Meyer)
ب) الآيات (٣٥-٤٠): يوناثان يبلغ داود الجواب من خلال علامة السهام.
٣٥وَكَانَ فِي الصَّبَاحِ أَنَّ يُونَاثَانَ خَرَجَ إِلَى الْحَقْلِ إِلَى مِيعَادِ دَاوُدَ، وَغُلَامٌ صَغِيرٌ مَعَهُ. ٣٦وَقَالَ لِغُلَامِهِ: «ارْكُضِ الْتَقِطِ السِّهَامَ الَّتِي أَنَا رَامِيهَا». وَبَيْنَمَا الْغُلَامُ رَاكِضٌ رَمَى السَّهْمَ حَتَّى جَاوَزَهُ. ٣٧وَلَمَّا جَاءَ الْغُلَامُ إِلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ الَّذِي رَمَاهُ يُونَاثَانُ، ٣٨نَادَى يُونَاثَانُ وَرَاءَ الْغُلَامِ وَقَالَ: «أَلَيْسَ السَّهْمُ دُونَكَ فَصَاعِدًا؟». وَنَادَى يُونَاثَانُ وَرَاءَ الْغُلَامِ قَائِلًا: «اعْجَلْ. أَسْرِعْ. لَا تَقِفْ». فَالْتَقَطَ غُلَامُ يُونَاثَانَ السَّهْمَ وَجَاءَ إِلَى سَيِّدِهِ. ٣٩وَالْغُلَامُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ شَيْئًا، وَأَمَّا يُونَاثَانُ وَدَاوُدُ فَكَانَا يَعْلَمَانِ الْأَمْرَ. ٤٠فَأَعْطَى يُونَاثَانُ سِلَاحَهُ لِلْغُلَامِ الَّذِي لَهُ وَقَالَ لَهُ: “اذْهَبِ. ادْخُلْ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.”
- أَلَيْسَ السَّهْمُ دُونَكَ فَصَاعِدًا: تطلَّب الأمر شجاعة كبيرة من يوناثان ليتواصل مع داود، حتى سرًّا. فقد عرف أنه إذا علم أبوه بالأمر، فسيركز غضبه القاتل عليه نفسه. فكان ليوناثان التزام نبيل نحو داود كصديق.
- “لكن لا يوجد ما هو أكثر نُبلًا – عندما يجرؤ المرء وسط أية صُحبة على النذر بالولاء للرب يسوع. فهو، شأنه شأن داود، مغمور وسيّئ السمعة. فاسمه لا يحظى بشعبية كبيرة، ويساء تقديم رسالة إنجيله. ويتعرض أتباعه للتوبيخ والسخرية. فهذه هي الأيام التي ينبغي الدفاع عنه أكثر من الدفاع عن الدين التقليدي. وهذا أكثر نُبلًا، لأنه يكلّف شيئًا. ولهذا لا ينبغي أن نتوانى.” ماير (Meyer)
- وَأَمَّا يُونَاثَانُ وَدَاوُدُ فَكَانَا يَعْلَمَانِ الْأَمْرَ: أخبرت إشارة بسيطة بسهم واحد داود أن حياته كلها قد تغيرت. فلن يكون موضع ترحيب في القصر أو في الجيش. ولن يتمكن من الذهاب إلى بيته. إذ صار الآن طريدًا من ملِك غاضب حسود عازم على إهلاكه.
- ربما تتحول حياتنا كلها بسبب شيء صغير. فليلةٌ طائشة يمكن أن تغير حياة فتاة إلى الأبد. وقد ينتج عن ليلة مع الحشد الخطأ تسجيل اسم صبي في سجل الاعتقال. وغالبًا ما لا يبدو أن يكون من المنصف أن قدرًا كبيرًا من الحياة يعتمد على لحظات صغيرة. لكن العمر لا يتألف إلا من لحظات صغيرة كثيرة.
ج) الآيات (٤١-٤٢): وداع باكٍ ليوناثان وداود.
٤١اَلْغُلَامُ ذَهَبَ وَدَاوُدُ قَامَ مِنْ جَانِبِ الْجَنُوبِ وَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَبَّلَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَبَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ حَتَّى زَادَ دَاوُدُ. ٤٢فَقَالَ يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: «اذْهَبْ بِسَلَامٍ لِأَنَّنَا كِلَيْنَا قَدْ حَلَفْنَا بِاسْمِ الرَّبِّ قَائِلَيْنِ: الرَّبُّ يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِي وَنَسْلِكَ إِلَى الْأَبَدِ». فَقَامَ وَذَهَبَ، وَأَمَّا يُونَاثَانُ فَجَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
- وَبَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا: أحبّ يوناثان وداود أحدهما الآخر كثيرًا، وكانت صداقتهما متينة. ومن المرجح أنهما تصورا العمل معًا كشريكين وصديقين قبل أن يصبح داود ملكًا وبعد ذلك. لكن فات الأوان على هذا، لأنه لم يكن بمقدور داود أن يبقى، ولا بمقدور يوناثان أن يذهب معه. ولهذا بكيا معًا.
- زَادَ دَاوُدُ: كانت لدى يوناثان أسباب للبكاء، لكن كانت لدى داود أسباب أكثر. كان ألم الفراق سيئًا بما يكفي، لكنه كان أسوأ بالنسبة لداود. فهو مقطوع عن كل شيء، وكان مقدَّرًا له أن يعيش حياة الطريد لسنوات كثيرة.
- “خلفك صباح مشمس، وأمامك أفق مكفهر. خلفك التمتع المبارك بالصداقة، والزوجة، والبيت، والرضا الملكي، وإعجاب الشعب. وأمامك حياة شخص منبوذ” ماير (Meyer)
- اذْهَبْ بِسَلَامٍ لِأَنَّنَا كِلَيْنَا قَدْ حَلَفْنَا بِاسْمِ الرَّبِّ قَائِلَيْنِ: عرف يوناثان أنه ربما لن يرى داود ثانية. وفي واقع الأمر، سيلتقيان قبل وقت قصير من موت يوناثان. لكن عندما غادر داود ليمضي حياة اختباء وخطر، كان بمقدور يوناثان أن يودعه في سلام، لأنهما اتفقا على أن يكرم أحدهما الآخر، لا أثناء حياتهما فحسب، بل أن يكرم أحدهما عائلة الآخر بعد موت أحدهما.
- فَقَامَ وَذَهَبَ: لن يعود داود إلى ’الحياة العادية‘ إلى أن يموت شاول ويصبح ملكًا بعده. فكان هذا طريقًا كئيبًا بالنسبة لداود، لكن هذا هو الطريق الذي اختاره الله له.
- هل كان داود في إرادة الله؟ كيف يمكن أن يسير في مثل هذا الطريق القاتم ويكون في إرادة الله؟ لأن الله يجعل أبناءه يمضون وقتًا معه على هذا الطريق القاتم. وهو يعيّن بعض الأشخاص المفضّلين له ليمضوا وقتًا على هذا الطريق. ونحن نجد أمثلة لهذا في أيوب، ويوسف، وبولس، وحتى يسوع.
- كان هذا الطريق القاتم مهمًّا في حياة داود، لأنه إذا وضعه الله في مكان يتوجب عليه فيه أن يعتمد على الله، فسيعلّمه الله كيف يعتمد عليه وحده، لا على نفسه، أو على شاول، أو على يوناثان، أو أي شخص آخر غير الله.
- كان هذا الطريق القاتم مهمًّا في حياة داود، لأنه إذا كان له أن يكون آمِنًا الآن ويُرَقَّى إلى ملك لاحقًا، يتوجب عليه أن يجعل الله حاميه ومُرَقِّيه.
- كان هذا الطريق القاتم مهمًّا في حياة داود، لأنه إذا كان له أن يوضع في منصب ذي سلطة عظيمة، يتوجب عليه أن يخضع لسلطة الله، حتى ولو كان هذا من خلال رجل مثل شاول.
- “دع الله يُفرغك حتى يخلّصك من أن تصبح باليًا روحيًّا، ويقودك إلى الأمام. وهو يدعونا دائمًا إلى تجاوز ما لا نعلمه إلى ما هو مجهول. والعرش هو قصد الله لك، والصليب هو الطريق لك، والإيمان هو خطة الله لك.” ريدباث (Redpath)
