سفر التثنية – الإصحاح ٢٩
تَجدِيد العَهد
أولًا. أعمال الله القديرة التي صنعها لإسرائيل
أ ) الآية (١): العهد في أَرْضِ مُوآبَ.
١هذِهِ هِيَ كَلِمَاتُ الْعَهْدِ الَّذِي أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى أَنْ يَقْطَعَهُ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مُوآبَ، فَضْلًا عَنِ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَهُمْ فِي حُورِيبَ.
- هذِهِ هِيَ كَلِمَاتُ الْعَهْد: قبل نحو أربعين سنة، في حُورِيب (جبل سيناء)، قطع إسرائيل عهدًا مع الله (خروج ٢٤: ٧-٨). وهذه الكلمات هي إعادة صياغة وإعادة تأكيد لهذا العهد.
- جاء مصطلح ’قطع‘ العهد من ممارسة قديمة. سفر التكوين ١٥: ٩-١١ هو مثال لعهد قديم، حيث كانت الذبيحة تقطع إلى نصفين (عادة بطول العمود الفقري) وكان طرفي العهد يقفون أو يمشون بينها أثناء تلاوة شروط العهد. استمر هذا الفعل الرمزي حتى زمن موسى كتعبير عن مفهوم ’قطع‘ العهد.
- “يتم فصل الذبيحة إلى قسمن متساويين، بحيث يكون الفصل في اتجاه العمود الفقري، ويوضع هذان الجزءان مقابل بعضهما البعض، بحيث يكون هناك مساحة كافية لمرور المتعاقدين بينهما.” كلارك (Clarke)
- فَضْلًا عَنِ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَهُمْ فِي حُورِيب: لقد مات أغلب الشعب الذي رُشّ عليهم دم العهد في البرية. لقد مات جيل عدم الإيمان، ويجب أن يتجدد العهد مع الجيل الذي سيدخل ويغزو كنعان.
ب) الآيات (٢-٤): رأى إسرائيل عجائب، ولكنهم لم يفهمُوا.
٢وَدَعَا مُوسَى جَمِيعَ إِسْرَائِيلَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ شَاهَدْتُمْ مَا فَعَلَ الرَّبُّ أَمَامَ أَعْيُنِكُمْ فِي أَرْضِ مِصْرَ بِفِرْعَوْنَ وَبِجَمِيعِ عَبِيدِهِ وَبِكُلِّ أَرْضِهِ، ٣التَّجَارِبُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي أَبْصَرَتْهَا عَيْنَاكَ، وَتِلْكَ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبَ الْعَظِيمَةُ. ٤وَلكِنْ لَمْ يُعْطِكُمُ الرَّبُّ قَلْبًا لِتَفْهَمُوا، وَأَعْيُنًا لِتُبْصِرُوا، وَآذَانًا لِتَسْمَعُوا إِلَى هذَا الْيَوْمِ.
- أَنْتُمْ شَاهَدْتُمْ مَا فَعَلَ الرَّبُّ أَمَامَ أَعْيُنِكُمْ: رأى إسرائيل التَّجَارِبُ (العَجائِب) الْعَظِيمَةُ بيد الله منذ خروجهم من مصر. لقد رأوا الضربات، ورأوا موت الأبكار، ورأوا البحر الأحمر وهو ينفلق، ورأوا الجيوش المصرية مدمرة، ورأوا انتصارات تم تحقيقها بالصلاة، وأكلوا المن، وشربوا الماء المقدم بطريقة عجائبية، ورأوا معجزة بعد معجزة.
- وَلكِنْ لَمْ يُعْطِكُمُ الرَّبُّ قَلْبًا لِتَفْهَمُوا: لم تكن المعجزات في حد ذاتها قادرة على أن تصنع شيئًا في قلب إسرائيل. فإذا لم يرسل الله روحه ليغير قلوبهم، فإن أعظم معجزة يمكن تخيلها لن تُحدث أي فرق.
- يعتقد بعض الناس اليوم أن أعظم مساعدة للكرازة هي رؤية المزيد من المعجزات، فأمام هذه الاستعراضات للقوة الروحية من لا يستطيع أن يؤمن؟ لكن رؤية التَّجَارِبُ الْعَظِيمَةُ لا تحقق شيئًا بدون عمل الله الخارق في قلب الإنسان.
- “كانوا بحاجة إلى الاستنارة التي كان بإمكان الرب أن يمنحها لهم، لكنه لم يمنحها لهم بسبب عصيانهم. إن هذا النوع من العمى الروحي لدى الذين يرفضون إعلان الله ليس أمرًا نادرًا. فقد يسمع الناس ولا يفهمون بسبب قسوة قلوبهم.” تومسون (Thompson)
- “لم يكن هناك حمل يُذبح، ولا سراج يُشعَل، ولا حفنة بخور تُحرق على المذبح، ولا حجاب يُفتح، ولا قاعدة فضية في مكانها بغير معنى أخلاقي وروحي عميق. ولو أرادوا أن يتعلموا ذلك لكانوا اكتشفوا في المسكن في البرية مخزونًا عظيمًا من التعاليم التي تقود لسلام الناس وخلاصهم. ولكن لم يكن لهم قلوب تفهم، ولا عيون تبصر، ولا آذان تسمع، ولهذا ضاعت عليهم كل وسائل التعليم.” سبيرجن (Spurgeon)
- اقترح سبيرجن ثلاثة أسباب تجعل شعب إسرائيل – والأجيال اللاحقة من بعدهم – عميانًا عن حقيقة الله.
- لم يعترفوا أبدًا بعماهم، معتقدين أنهم يبصرون.
- لم يطلبوا من الله أبدًا أن يعطيهم قلبًا يفهم.
- قاوموا النور الضعيف الذي كان بداخلهم.
- “اقتبس بولس هذا النص تحديدًا ليشير إلى قساوة أقرانه اليهود وعماهم الروحي. (رومية ١١: ٨).” كالاند (Kalland)
ج) الآيات (٥-٩): أعمال الله العظيمة لإسرائيل في البرية.
٥فَقَدْ سِرْتُ بِكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْبَرِّيَّةِ، لَمْ تَبْلَ ثِيَابُكُمْ عَلَيْكُمْ، وَنَعْلُكَ لَمْ تَبْلَ عَلَى رِجْلِكَ. ٦لَمْ تَأْكُلُوا خُبْزًا وَلَمْ تَشْرَبُوا خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. ٧وَلَمَّا جِئْتُمْ إِلَى هذَا الْمَكَانِ خَرَجَ سِيحُونُ مَلِكُ حَشْبُونَ وَعُوجُ مَلِكُ بَاشَانَ لِلِقَائِنَا لِلْحَرْبِ فَكَسَّرْنَاهُمَا، ٨وَأَخَذْنَا أَرْضَهُمَا وَأَعْطَيْنَاهَا نَصِيبًا لِرَأُوبَيْنَ وَجَادَ وَنِصْفِ سِبْطِ مَنَسَّى. ٩فَاحْفَظُوا كَلِمَاتِ هذَا الْعَهْدِ وَاعْمَلُوا بِهَا لِكَيْ تَفْلِحُوا فِي كُلِّ مَا تَفْعَلُونَ.
- فَقَدْ سِرْتُ بِكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْبَرِّيَّةِ: في الأربعين سنة التي قضوها فِي الْبَرِّيَّةِ، لم تبل ثِيَابُهمْ، ولم تبل نَعْالهمَ، وعلى الرغم من أنه لم يكن لهم خُبْزًا ليأكلوا ولا خَمْرًا ليشربوا، إلا أن احتياجاتهم قد سُددت. وانتصر إسرائيل على أعدائهم، وَأَخَذْوا أَرْضَهُمَ.
- “كان أفضل وضع للشعب هو التزامهم بعلاقتهم مع الرب إلههم. ولم يكن هناك وضع أعظم أو أكثر إشباعًا يمكن تصوره من حالة إسرائيل الذي يعيش في طاعة في ظل علاقة العهد مع الرب.” ميريل (Merrill)
- “من الواضح أن هذه كانت معجزات غير عادية. ففي ظل الظروف العادية، لا تتحمل الملابس والصنادل أربعين عامًا من السفر الشاق عبر البرية دون تدخل إلهي (تثنية ٨: ٤). ولم يكن من الممكن أن تلبي البرية القاحلة احتياجات حوالي مليوني شخص من الطعام والماء بشكل طبيعي دون إمداد معجزي. وعلى نحو مماثل، لم يكن من الممكن لأمة من العبيد السابقين، المضطهدين لمدة ٤٠٠ عام، أن تطيح بالممالك القائمة وتطالب بأرضها دون معجزة.
- كل واحدة من هذه المعجزات العظيمة كانت دليلًا في حد ذاتها على قوة الله ومحبته لإسرائيل. ولكل منها نظير روحي في حياة المؤمن.
- الله يدبر لشعبه ثِيَابًا بالمعنى الروحي (رؤيا يوحنا ٣: ١٨)
- الله يعطي شعبه أحذية (أفسس ٦: ١٥)
- الله يعطي شعبه خُبْزًا وخمرًا ليشربوا (١ كورنثوس ١١: ٢٣-٢٦)
- الله يهيئ شعبه لهزيمة أعدائهم بقوة يسوع المسيح (رومية ٨: ٣٧)
- الله يُمكّن شعبه من امتلاك أرض أعدائهم الروحيين (٢ كورنثوس ١٠: ٤-٥)
- لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ: من خلال كل المعجزات التي صنعها الرب مع إسرائيل، قدم لهم دليلًا لا يمكن إنكاره على أنه هو الإله الحقيقي وحده وليس آخر.
- “لم يكن بوسع إسرائيل أن يحقق هذا بمفرده؛ بل كان ذلك بفضل الرب المحارب الذي قاد شعبه لامتلاك الأرض. فمن البداية حتى النهاية، كان تاريخ عهد إسرائيل هو سجلًّا للمعجزات.” ميريل (Merrill)
- فَاحْفَظُوا كَلِمَاتِ هذَا الْعَهْدِ: عند رؤية أعمال الله العظيمة هذه، هناك تجاوب وحيد منطقي. فمعرفة عظمة محبة الله وقوته يجب أن تجعل إسرائيل أكثر التزامًا بعهده من أي وقت مضى.
ثانيًا. تجديد العهد
أ ) الآيات (١٠-١٥): أطراف العهد.
١٠أَنْتُمْ وَاقِفُونَ الْيَوْمَ جَمِيعُكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ: رُؤَسَاؤُكُمْ، أَسْبَاطُكُمْ، شُيُوخُكُمْ وَعُرَفَاؤُكُمْ وَكُلُّ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ، ١١وَأَطْفَالُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، وَغَرِيبُكُمُ الَّذِي فِي وَسَطِ مَحَلَّتِكُمْ مِمَّنْ يَحْتَطِبُ حَطَبَكُمْ إِلَى مَنْ يَسْتَقِي مَاءَكُمْ، ١٢لِكَيْ تَدْخُلَ فِي عَهْدِ الرَّبِّ إِلهِكَ وَقَسَمِهِ الَّذِي يَقْطَعُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ مَعَكَ الْيَوْمَ، ١٣لِكَيْ يُقِيمَكَ الْيَوْمَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا، وَهُوَ يَكُونُ لَكَ إِلهًا كَمَا قَالَ لَكَ، وَكَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. ١٤وَلَيْسَ مَعَكُمْ وَحْدَكُمْ أَقْطَعُ أَنَا هذَا الْعَهْدَ وَهذَا الْقَسَمَ، ١٥بَلْ مَعَ الَّذِي هُوَ هُنَا مَعَنَا وَاقِفًا الْيَوْمَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِنَا، وَمَعَ الَّذِي لَيْسَ هُنَا مَعَنَا الْيَوْمَ.
- أَنْتُمْ وَاقِفُونَ الْيَوْمَ جَمِيعُكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ: وهذا يعني أن العهد كان مع كُل بني إسرائيل. وشمل ذلك القادة والرجال والنساء والأطفال والعبيد وحتى الغريب المُقيم في وسط إسرائيل.
- لقد كان هذا عهدًا وطنيًا قطعته أمة إسرائيل مع الله. وفي حين كانت أمة إسرائيل مُحدّدة إلى حد كبير بالإنتماء العرقي، لكونهم نسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، إلا أنها لم تكن مُحدّدة بشكل حصري بالانتماء العرقي فقط. فقد سُمح أيضًا للغرباء الذين تخلّوا عن كل آلهتهم الوثنية وخضعوا لعهد وشريعة إسرائيل بالانضمام، لكن الهوّية الأساسية ظلّت مرتبطة أساسًا بالعرق.
- “كان نداء الله موجهًا إلى كل طبقات المجتمع – للرؤساء والشعب والرجال والنساء والأطفال، وأيضًا العبيد. لم يكن هناك مجال للهروب أو للأعذار.” مورجان (Morgan)
- “لم يكن هذا العهد يبرِّر الأفراد أمام الله. ذلك البرُّ كان – ولا يزال – بالإيمان (تكوين ١٥:٦). فالأفراد من بني إسرائيل الذين أدركوا احتياجهم، ورأوا تدبير الله في الذبائح والطقوس والكهنوت، ووثقوا في هذا التدبير، حُسِبوا أبرارًا. إنَّ العهد الموسوي (أو العهد القديم) لم يكن عهدًا يمنح الخلاص، بل كان وسيلة يعمل من خلالها الله في إسرائيل وبواسطتهم، مُحقِّقًا خطته العظيمة عبر العصور.
- إن عبارة ’لِكَيْ تَدْخُلَ فِي عَهْدِ‘ هي مثال آخر على فكرة أن العهد قد أُبرم بالفعل في وقت سابق، من خلال السير أو الوقوف بين أجزاء الذبيحة المقطوعة. ويوضح كلارك (Clarke) “إن عبارة ’تَدْخُلَ فِي‘ هنا تشير إلى ’المرور‘ عبر الأجزاء المفصولة من ذبيحة العهد.”
- وَقَسَمِهِ: يقول النص حرفيًا: “دخولك فِي عَهْدِ الرَّبِّ إِلهِكَ وفي لعنته المرتبطة به.‘ يشير الاسم ’لَعْنَة‘ إلى اللعنات التي تشكّل جزءًا من العهد. عندما يدخل شخص ما في عهد، فهو يوافق ضمنيًا على اللعنات المرتبطة بالعهد في حال انتهاكه للشروط.” تومسون (Thompson)
- لِكَيْ يُقِيمَكَ الْيَوْمَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا: كانت رغبة الرب أن تدخل كل الأمة فِي عَهْدِ الرَّبِّ، وأن يكونوا لِنَفْسِهِ شَعْبًا. فهو لم يكن يبحث فقط عن عدد قليل من الأشخاص البارزين والموهوبين، أو عن سبط روحي واحد مثل اللاويين. لقد أراد الله أن تكون الأمة كلها لِنَفْسِهِ شَعْبًا.
- وَمَعَ الَّذِي لَيْسَ هُنَا مَعَنَا الْيَوْمَ: امتد العهد إلى أبعد من أولئك الذين وقفوا أمام الرب وموسى في ذلك اليوم. لقد ضم الَّذِي لَيْسَ هُنَا مَعَهم في ذلك الْيَوْمَ أيضًا. لقد كان نسل هذه الأمة التي اجتمعت أمام الرب وموسى أيضًا مشمولًا في العهد.
- “إن العهد هنا يمتد ليغطي أولئك الذين لم يولدوا بعد. لقد كانت الأجيال القادمة متحدة مع إسرائيل الأولى التي أقسمت للرب في سيناء.” تومسون (Thompson)
ب) الآيات (١٦-٢٠): الوعد بالدينونة على من ينقض العهد.
١٦لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ كَيْفَ أَقَمْنَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَكَيْفَ اجْتَزْنَا فِي وَسَطِ الأُمَمِ الَّذِينَ مَرَرْتُمْ بِهِمْ، ١٧وَرَأَيْتُمْ أَرْجَاسَهُمْ وَأَصْنَامَهُمُ الَّتِي عِنْدَهُمْ مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ وَفِضَّةٍ وَذَهَبٍ، ١٨لِئَلاَّ يَكُونَ فِيكُمْ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ عَشِيرَةٌ أَوْ سِبْطٌ قَلْبُهُ الْيَوْمَ مُنْصَرِفٌ عَنِ الرَّبِّ إِلهِنَا لِكَيْ يَذْهَبَ لِيَعْبُدَ آلِهَةَ تِلْكَ الأُمَمِ. لِئَلاَّ يَكُونَ فِيكُمْ أَصْلٌ يُثْمِرُ عَلْقَمًا وَأَفْسَنْتِينًا. ١٩فَيَكُونُ مَتَى سَمِعَ كَلاَمَ هذِهِ اللَّعْنَةِ، يَتَبَرَّكَ فِي قَلْبِهِ قَائِلًا: يَكُونُ لِي سَلاَمٌ، إِنِّي بِإِصْرَارِ قَلْبِي أَسْلُكُ لإفْنَاءِ الرَّيَّانِ مَعَ الْعَطْشَانِ. ٢٠لاَ يَشَاءُ الرَّبُّ أَنْ يَرْفَقَ بِهِ، بَلْ يُدَخِّنُ حِينَئِذٍ غَضَبُ الرَّبِّ وَغَيْرَتُهُ عَلَى ذلِكَ الرَّجُلِ، فَتَحِلُّ عَلَيْهِ كُلُّ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا الْكِتَابِ، وَيَمْحُو الرَّبُّ اسْمَهُ مِنْ تَحْتِ السَمَاءِ.
- وَرَأَيْتُمْ أَرْجَاسَهُمْ وَأَصْنَامَهُمُ الَّتِي عِنْدَهُمْ: رأى إسرائيل أَرْجَاسَ جيرانهم الوثنيين وَأَصْنَامَهُمُ. ووعد الله أن كل مُنْصَرِفٌ عَنِ الرَّبِّ إِلهِنَا لِكَيْ يَذْهَبَ لِيَعْبُدَ آلِهَةَ تِلْكَ الأُمَمِ، لا يُفترض له أن يشعر بالسلام في قلبه.
- إن الأَصْلٌ الذي يُثْمِرُ عَلْقَمًا وَأَفْسَنْتِينًا (أو مرارة) في هذا السياق مرتبط بالمساومات والزنا الروحي ورفض حقيقة أن الله هو إله غيور يطالب بعبادته هو وحده. تدفع هذه المرارة الناس إلى رفض الله، إلا أنهم يظلوا واثقين بأنه سيَكُونُ لهم سَلاَمٌ.
- ”تُوصَف عبادة الأصنام هنا (أو الزنا الروحي) على أنها نبات يتأصل ويُنتج محصولًا من الأعشاب السامة والأفسنتين.” تومسون (Thompson)
- يَتَبَرَّكَ فِي قَلْبِهِ قَائِلًا: يَكُونُ لِي سَلاَمٌ: ربما يسمع الشخص الذي ترك الرب وذهب وراء الأوثان اللعنات على كاسر العهد، فيظن أنه أفلت من العقاب. لذلك يَتَبَرَّكَ (أي يبارك نفسه) فِي قَلْبِهِ قَائِلًا: يَكُونُ لِي سَلاَمٌ. قد يكون لديه إحساس فوري بالسلام في هذه اللحظة، لكنه سلام الأعمى، سلام الجاهل، الذي لا يستطيع أن يرى خطر الدينونة القادمة.
- قد يشعر المُساوم أو عابد الأوثان بالثقة في قلبه، ويمتلك إحساسًا رائعًا بـ “السلام.” لكن هذا السلام مجرد وهم. إنه سلام العميان والجهلاء. إذا كانت هناك قنبلة على متن طائرة، فإن معظم من على متن الطائرة يكونون في سلام في اللحظة التي تسبق انفجار القنبلة. لكن سلامهم مبني على جهلهم. وبنفس الطريقة قد لا يكون قلب الخاطئ مضطربًا على الإطلاق. ولكن هذا فقط لأنه أعمى.
- “هكذا يفكّر الإنسان ذو القلب الأحمق. فهو يسمع اللعنة الصريحة على الخطية؛ ويعلم أن من يرفض الله سيعاني من العلقم والأفسنتين، ومع ذلك يستمر في طرقه الشريرة، مُطمئِنًا نفسه في الخفاء، ومُقنِعًا قلبه بخداعٍ أنه على الأقل سينجو دون أي عواقب.” ماير (Meyer)
- لإفْنَاءِ الرَّيَّانِ مَعَ الْعَطْشَانِ: قد يكون الرَّيَّانِ (أي السَّكِّير) سعيدًا وهو سكران، لكن سعادته مبنية على الوهم. ويحذر الله من مساواة سلام الأبرار مع السلام الذي قد يبدو للأشرار.
- لاَ يَشَاءُ الرَّبُّ أَنْ يَرْفَقَ بِهِ: قال الله ببساطة: «لاَ سَلاَمَ لِلأَشْرَارِ» (إشعياء ٤٨: ٢٢). قد تتحقق العدالة على أي من جانبي الأبدية، لكنها حتمًا ستتحقق. لا يمكن لأحد أن يتخلى عن الرب ويهرب من العواقب.
- “إن كانت الخطية في نهاية المطاف ممتعة ومفيدة حقًا للبشرية، فسيكون ذلك وضعًا غريبًا في التدبير الإلهي. يجب أن يكون ديّان الأرض عادلًا، فهل من العدل أن تُكافأ الخطية بالبركة؟” سبيرجن (Spurgeon)
- بالنسبة للذين هُم في المسيح وبموجب العهد الجديد، فإن يسوع المسيح هو بديلهم ولم يَشَاءُ الرَّبُّ أَنْ يَرْفَقَ بِهِ. لقد أصبح الذبيحة البديلة، ومات بدلًا عن الخطاة المذنبين (٢ كورنثوس ٥: ٢١).
ج) الآيات (٢١-٢٨): الغرض من دينونة ناقض العهد.
٢١وَيُفْرِزُهُ الرَّبُّ لِلشَّرِّ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ جَمِيعِ لَعَنَاتِ الْعَهْدِ الْمَكْتُوبَةِ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ هذَا. ٢٢فَيَقُولُ الْجِيلُ الأَخِيرُ، بَنُوكُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بَعْدَكُمْ، وَالأَجْنَبِيُّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، حِينَ يَرَوْنَ ضَرَبَاتِ تِلْكَ الأَرْضِ وَأَمْرَاضَهَا الَّتِي يُمْرِضُهَا بِهَا الرَّبُّ. ٢٣كِبْرِيتٌ وَمِلْحٌ، كُلُّ أَرْضِهَا حَرِيقٌ، لاَ تُزْرَعُ وَلاَ تُنْبِتُ وَلاَ يَطْلُعُ فِيهَا عُشْبٌ مَا، كَانْقِلاَبِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ، الَّتِي قَلَبَهَا الرَّبُّ بِغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ. ٢٤وَيَقُولُ جَمِيعُ الأُمَمِ: لِمَاذَا فَعَلَ الرَّبُّ هكَذَا بِهذِهِ الأَرْضِ؟ لِمَاذَا حُمُوُّ هذَا الْغَضَبِ الْعَظِيمِ؟ ٢٥فَيَقُولُونَ: لأَنَّهُمْ تَرَكُوا عَهْدَ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِهِمِ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، ٢٦وَذَهَبُوا وَعَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى وَسَجَدُوا لَهَا. آلِهَةً لَمْ يَعْرِفُوهَا وَلاَ قُسِمَتْ لَهُمْ. ٢٧فَاشْتَعَلَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ حَتَّى جَلَبَ عَلَيْهَا كُلَّ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ. ٢٨وَاسْتَأْصَلَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَرْضِهِمْ بِغَضَبٍ وَسَخَطٍ وَغَيْظٍ عَظِيمٍ، وَأَلْقَاهُمْ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ.
- وَيُفْرِزُهُ الرَّبُّ لِلشَّرِّ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ: هناك سبب واضح لمعاقبة ناقض العهد من أجل مصلحته الشخصية. ولكن غرض الله يمتد إلى ما هو أبعد من الفرد – فتعاملاته مع كاسر العهد تخدم كدرس لكل إسرائيل.
- فَيَقُولُ الْجِيلُ الأَخِيرُ، بَنُوكُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بَعْدَكُمْ، وَالأَجْنَبِيُّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ: قصد الله من إدانة إسرائيل الذي نقض العهد كان أيضًا من أجل الْجِيلُ الأَخِيرُ، بَنُوكُمُ…، وَالأَجْنَبِيُّ. فعندما يرون الدمار الذي يأتي من كسر عهد الله، وعندما يرون ما يحدث للأرض الَّتِي قَلَبَهَا الرَّبُّ بِغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ، سيكون قد تم تحذيرهم وتوجيههم للطاعة.
- إن أحد الأمثلة على دينونة الله التي يمكن أن نتعلم منها درسًا هو ما فعله في سَدُومَ وَعَمُورَة. فكما جلب الله الدمار على تلك المدن الشريرة، فإن أرض إسرائيل العاصي الذي نقض العهد سوف تواجه أيضًا الدمار.
- يمكن للناس اليوم أيضًا أن يتعظوا من الكارثة التي تأتي على حياة الآخرين عندما ينقضون عهد الله. فثمن المعصية لا يستحق العناء. ووصايا الله صالحة وهي حماية ووقاية لنا في حياتنا.
- وَيَقُولُ جَمِيعُ الأُمَمِ: إن قصد الله من إدانة إسرائيل الذي خرق العهد كان أيضًا من أجل جَمِيعُ الأُمَمِ. عندما يرون ما يحدث للأمة التي حصلت على الكثير من البركات من يد الله، ومع ذلك تركت الرب، سيتم تحذيرهم وتوجيههم إلى الطاعة.
- “لا يوجد شيء أكثر غرابة من أن تتحول أرض كنعان ـ التي وُصِفت بأنها ’تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا‘ ـ إلى أرض قاحلة ومقفرة، خالية من أي علامة للخصوبة والإنتاج. وأمام هذا التحوّل المذهل من البركة إلى اللعنة، ستتساءل الشعوب في يوم الغضب بدهشة: لماذا فعل الرب مثل هذه الأمور؟” ميريل (Merrill)
د ) الآية (٢٩): إعلان الله لإسرائيل.
٢٩السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا، وَالْمُعْلَنَاتُ لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ، لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ.
- السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا: في خضم هذا التشجيع على الطاعة، توقف موسى ليقدم مبدأً يتعلق بالطريقة التي يتحدث بها الله إلينا. أولًا، الله لا يعلن كل شيء للإنسان أبدًا. وهناك أسرار يحتفظ بها الله لنفسه (السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا).
- الله أعظم وأحكم من الإنسان وسيظل كذلك دائمًا، ويجب علينا ببساطة أن نقبل هذا. “لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ.” (إشعياء ٥٥: ٨-٩)
- “في التجربة الإنسانية، هناك دائمًا أسرار – أشياء خفية وغامضة لا يمكن تفسيرها. ومع ذلك، فإن هذه الأشياء ليست مخفية عن الله. فهو يعلمها جميعًا.” مورجان (Morgan)
- وَالْمُعْلَنَاتُ: ثانيًا، الله يعلن بعض الأشياء للبشر. وبما أن الله موجود، وهو ليس صامتًا، فيجب علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لننتبه إليه جيدًا.
- وَالْمُعْلَنَاتُ لَنَا: ثالثًا، إن إعلان الله يهدف لأن يقول لنا شيئًا ما. لم يتكلم الله فقط ليذهل عقول الإنسان أو ليسليه؛ فهناك رسالة تخص الإنسان. وفي حين أننا لا يمكننا فهم وحي الله بشكل كامل، إلا أنه يمكن فهمه واستيعابه بشكل عام.
- وَلِبَنِينَا: رابعًا، وحي الله أو إعلانه هو عبر الأجيال. نعم، كان لدى الله رسالة محددة لجيل موسى، لكن الرسالة تتجاوز جمهورها الأصلي لتتحدث إلى كل الأجيال التالية.
- لَنَا وَلِبَنِينَا: وفقًا لكلارك (Clarke)، اعتبر اليهود هذه الكلمات ذات أهمية كبرى، لدرجة أنهم كانوا يميّزونها بعلامات خاصة في كثير من المخطوطات اليهودية.
- لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ: خامسًا، وحي الله أبدي. وكلمته لا تدوم إِلَى الأَبَدِ فحسب، بل إنها ذات صلة بالأَبَدِ. إن كلمة الله أكثر أهمية من أي بدعة أو اهتمام جديد قد يجتاح العالم أو الكنيسة.
- لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ: أخيرًا، يجب أن يكون إعلان الله أمر يَهُمّ البشرية. فهو لم يتحدث لمجرد إشباع فضول الإنسان بشأن الأمور الروحية، بل ليؤثر على الطريقة التي يحيا بها. فالذين يسمع الكلمة ولا يعمل بها، لم يقبل كلمة الله حقًا.
