سفر أيوب – الإصحاح ١٩
جواب أيوب لبِلْدَد: “أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ”
أولًا. يرثي أيوب آلامه غير المريحة
أ ) الآيات (١-٦): يشكو أيوب من أن أصدقاءه لم يفهموه على الإطلاق.
١فَأَجَابَ أَيُّوبُ وَقَالَ: ٢«حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي وَتَسْحَقُونَنِي بِالْكَلاَمِ؟ ٣هذِهِ عَشَرَ مَرَّاتٍ أَخْزَيْتُمُونِي. لَمْ تَخْجَلُوا مِنْ أَنْ تَحْكِرُونِي. ٤وَهَبْنِي ضَلَلْتُ حَقًّا. عَلَيَّ تَسْتَقِرُّ ضَلاَلَتِي! ٥إِنْ كُنْتُمْ بِالْحَقِّ تَسْتَكْبِرُونَ عَلَيَّ، فَثَبِّتُوا عَلَيَّ عَارِي. ٦فَاعْلَمُوا إِذًا أَنَّ اللهَ قَدْ عَوَّجَنِي، وَلَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ.
١. حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي: أجاب أيوب بِلْدَد بشكوى مألوفة، في أن أصدقاءه كانوا غير متعاطفين ويعذبون نفسه.
• “ضربوه بكلماتهم القاسية، كما لو كانوا يكسرون الحجارة على جانب الطريق. يجب أن نكون حذرين للغاية فيما نقوله لأولئك الذين يعانون من الضيق والتجربة، لأن كلمة واحدة، رغم أنها تبدو شيئًا صغيرًا جدًا، غالبًا ما تقطع بعمق أكبر وتجرح بشكل أكثر فظاعة مما تفعله شفرة الحلاقة.” سبيرجن (Spurgeon)
• يمكننا القول أن الكثيرين في الكنيسة اليوم غير محبين مثل أصدقاء أيوب. “لقد أصبحت الكنيسة غيورة جدًا من الناس غير الأسوياء في الإيمان. فإن كان لأحد إيمان غير سليم، فهم يسحبون سيوفهم الكنسية ويقطعونه. ولكن إن كانت محبته غير سليمة، فهم لا يقولون أي شيء.” دي إل مودي (D.L. Moody)
• “كان أصدقاء أيوب، بموافقة الأجيال القادمة عامة، مُودَعين في عار لا نهاية له. وليت كل أولئك الذين يتبعون خطواتهم يُسجلون معهم بالتساوي في سجلات السمعة السيئة! كلارك (Clarke)
٢. وَهَبْنِي ضَلَلْتُ حَقًّا. عَلَيَّ تَسْتَقِرُّ ضَلاَلَتِي: كان أيوب متمسكًا في رفضه مجاراة أصدقائه على أنه تسبب في أزمته بسبب بعض الخطايا المميزة ورفضه التوبة.
٣. فَاعْلَمُوا إِذًا أَنَّ اللهَ قَدْ عَوَّجَنِي، وَلَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ: أصر أيوب على أنه لم يكن ضحية مذنبة أمام إله بار. إذا كان الله قد أرسل هذه الكارثة أو سمح بها في حياة أيوب، فيمكن القول إن الله قد عَوَّجَ أيوب لأن الكارثة لم تكن جزاء عادلًا لخطية ما ارتكبها أيوب.
• وبالطبع، أن سمحنا بالجانب العاطفي لهذا الألم بالتدفق، سنفهم لماذا قال أيوب: “اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ اللهَ قَدْ عَوَّجَنِي.” كان لديه سببًا للتفكير بهذه الطريقة، وأن يسكب مشاعره الصادقة أمام الله وأمام أصدقائه.
• “بمعنى أن المشتكي كان يعمل وكأنه يد الله، لأنه قال لله: “وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ ” (٢: ٥). فأجاب الله: “حسنًا هَا هُوَ فِي يَدِكَ” (٦:٢). لذلك لم يكن أيوب مخطئًا تمامًا عندما قال: “لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ مَسَّتْنِي.” (١٩ :٢١). سميك (Smick)
ب) الآيات (٧-١٢): أيوب يصف كيف هاجمه الله.
٧هَا إِنِّي أَصْرُخُ ظُلْمًا فَلاَ أُسْتَجَابُ. أَدْعُو وَلَيْسَ حُكْمٌ. ٨قَدْ حَوَّطَ طَرِيقِي فَلاَ أَعْبُرُ، وَعَلَى سُبُلِي جَعَلَ ظَلاَمًا. ٩أَزَالَ عَنِّي كَرَامَتِي وَنَزَعَ تَاجَ رَأْسِي. ١٠هَدَمَنِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَذَهَبْتُ، وَقَلَعَ مِثْلَ شَجَرَةٍ رَجَائِي، ١١وَأَضْرَمَ عَلَيَّ غَضَبَهُ، وَحَسِبَنِي كَأَعْدَائِهِ. ١٢مَعًا جَاءَتْ غُزَاتُهُ، وَأَعَدُّوا عَلَيَّ طَرِيقَهُمْ، وَحَلُّوا حَوْلَ خَيْمَتِي.
١. هَا إِنِّي أَصْرُخُ ظُلْمًا فَلاَ أُسْتَجَابُ: اشتكى أيوب هنا مما كان نواة لأزمته. لقد اعتاد أيوب أن يجد التعزية ويشعر بإجابة ما من الله في تجاربه السابقة. ولكن الآن عندما صرخ إلى السموات، لم يسمع أي رد.
• “ليس هناك ما هو أكثر من الطبيعي والعادي من أن يصرخ الإنسان خلال البؤس طلبًا للمساعدة. كان حزن أيوب العظيم هو أنه لا الله ولا الإنسان سينظران إلى أنينه أو يخرجانه من الشبكة.” تراب (Trapp)
٢. قَدْ حَوَّطَ طَرِيقِي فَلاَ أَعْبُرُ: هذا يُذكرنا بشكوى أيوب في أيوب ٣: ٢٣، حيث قال بحزن أنه كان الشخص الذي َقَدْ سَيَّجَ اللهُ حَوْلَه.
٣. أَزَالَ عَنِّي كَرَامَتِي: بأسلوب شعري مؤثر بعمق، وصف أيوب كيف شعر أن الله قد جعله بأدنى مستوى. كان مثل ملك نُزِع تاجه، أو كمنزل تهدمت جدرانه، أو شجرة اقتُلعت من جذورها.
٤. وَحَسِبَنِي كَأَعْدَائِهِ: على الرغم من أن أيوب لم يستطع أن يفهم ذلك (ولم يُتوقع منه ذلك)، إلا أن الله لا يزال يحفظ أيوب في حظوة ورعاية خاصة. وضعه الله في مكان كان يتوقع منه أن يؤمن رغم الظروف والمشاعر التي لا يمكن انكارها.
٥. وَحَلُّوا حَوْلَ خَيْمَتِي: في أيوب ١٩: ٨-١٢، يروي أيوب التقدم العكسي لحصار قديم وقهر مدينة. لكن المفارقة كانت أن أيوب لم يكن مثل مدينة عظيمة، بل كخَيْمَة بسيطة.
• بدأ التقدم العكسي من أيوب ١٩: ٨
الأسر (فَلاَ أَعْبُرُ، وَعَلَى سُبُلِي جَعَلَ ظَلاَمًا)
خلْع العرش (نَزَعَ تَاجَ رَأْسِي)
كان مثل جدار منهدم (هَدَمَنِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ)
كان مثل شجرة اقتلعت من جذورها (وَقَلَعَ مِثْلَ شَجَرَةٍ رَجَائِي)
فُرض عليه حصار (وَأَعَدُّوا عَلَيَّ طَرِيقَهُمْ)
كان محاطا (حَلُّوا حَوْلَ خَيْمَتِي)
• “اعكس هذا الترتيب سيكون لديك وصفًا خطوة بخطوة لما يحدث في حرب الحصار… فقد حاصرته قوات الله كما لو كان أيوب مدينة محصنة، مع أنه كان مجرد خيمة.” سميك (Smick)
ج) الآيات (١٣-٢٠): أيوب يصف النتائج المريرة لهجوم الله عليه.
١٣قَدْ أَبْعَدَ عَنِّي إِخْوَتِي، وَمَعَارِفِي زَاغُوا عَنِّي. ١٤أَقَارِبِي قَدْ خَذَلُونِي، وَالَّذِينَ عَرَفُونِي نَسُونِي. ١٥نُزَلاَءُ بَيْتِي وَإِمَائِي يَحْسِبُونَنِي أَجْنَبِيًّا. صِرْتُ فِي أَعْيُنِهِمْ غَرِيبًا. ١٦عَبْدِي دَعَوْتُ فَلَمْ يُجِبْ. بِفَمِي تَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ. ١٧نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ امْرَأَتِي، وَخَمَمْتُ عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي. ١٨اَلأَوْلاَدُ أَيْضًا قَدْ رَذَلُونِي. إِذَا قُمْتُ يَتَكَلَّمُونَ عَلَيَّ. ١٩كَرِهَنِي كُلُّ رِجَالِي، وَالَّذِينَ أَحْبَبْتُهُمُ انْقَلَبُوا عَلَيَّ. ٢٠عَظْمِي قَدْ لَصِقَ بِجِلْدِي وَلَحْمِي، وَنَجَوْتُ بِجِلْدِ أَسْنَانِي.
١. قَدْ أَبْعَدَ عَنِّي إِخْوَتِي: ربما كان أيوب يعني هنا أصدقائه الثلاثة (أَلِيفَاز وبِلْدَد وصُوفَر). لقد اعتبرهم ذات مرة إخوة مقربين، لكنه شعر الآن أنهم تخلوا عنه وانقلبوا عليه.
٢. عَبْدِي دَعَوْتُ فَلَمْ يُجِبْ: قبل أزمته، كان أيوب رجلًا ثريًا ومؤثرًا. ولكن الآن حتى عبيده لا يطيعوه أو لا يحترموه.
٣. نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ امْرَأَتِي، وَخَمَمْتُ عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي: كان أيوب في حالة بائسة، جسديًا وروحيًا، لدرجة أن زوجته رفضته ولا تريد التعامل معه (كما في أيوب ٢: ٩). وأَبْنَاءِ أَحْشَائِي الذين يشير إليهم أيوب هنا قد يكونوا إما أحفادًا أو أولئك الذين كانوا رمزيًا أبناءه؛ يبدو أن جميع أبناء أيوب العشرة قُتلوا في حادث مأساوي (أيوب ١: ٢؛ ١: ١٨-١٩).
• ولكن، كان لدى آدم كلارك (Adam Clarke) اقتراح آخر: “فذِكر أبنائه في هذا المكان قد يوضح أنه لا يزال لديه بعض المتبقين. ربما كان هناك صغار، لم يكونوا في سن مناسبة لحضور الاحتفالات مع إخوانهم وأخواتهم الأكبر سنًا، فنجوا من تلك الكارثة المحزنة.”
• ومن الممكن أيضًا أن أيوب كان يفكر في أن أولاده لعنوه أو رفضوه من العالم الآخر. شعر أنهم اعتبروه مَرْذولًا (قد خَمَمَ) رغم أنهم في الحياة الآخرة.
• “في أي مجتمع لا شيء يؤلم أكثر من رفض الأسرة والأصدقاء، ولكن ما الذي يمكن أن يكون أسوأ في مجتمع الآباء من أن يسخر الأبناء من الأب؟” سميك (Smick)
• “إن فساد داخله (إلى جانب سوء قرحه الخارجية) جعل أنفاسه قوية ومزعجة.” تراب (Trapp)
٤. عَظْمِي قَدْ لَصِقَ بِجِلْدِي وَلَحْمِي، وَنَجَوْتُ بِجِلْدِ أَسْنَانِي: أشار أيوب هنا إلى حالته الهزيلة وغير الصحية، ومدى قربه من الموت الجسدي.
• “يبدو أن عظمه كادت يخترق جلده تقريبًا والتصق بجلده.” بولينجر (Bullinger)
• نَجَوْتُ بِجِلْدِ أَسْنَانِي: “لا يوجد جلد على الأسنان، أو بالكاد يوجد أي جلد، وبهذا، فإن أيوب يعني أنه لم يبق منه شيء تقريبًا، مثل جلد أسنانه.” سبيرجن (Spurgeon)
• “قدمت نسخة الملك جيمس (KJV) ترجمة حرفية لها، وبالتالي خلقت مصطلحًا في اللغة الإنجليزية كمهرب ضيق (من جلد أسناني)” سميك (Smick). يعتقد البعض أن أيوب كان يعني أن لثته فقط لم تتأثر بحالته المريضة. ويقترح آخرون أن أيوب كان معذبًا لدرجة أنه كان يقضم جلده بأسنانه، أو يقضم شفتيه بسبب شدة الألم.
• كان لدى المعلق البروتستانتي جون تراب (John Trapp) فكرة أخرى: “لم يبقى لي سوى جلد أسناني؛ لثتي التي كانت تُحفر فيها أسناني؛ أما بقية جسدي فكان مصابًا بالجرب… وجونيوس (Junius) يعطي هذا الإضاءة، لم يبق لأيوب سوى أداة الكلام. وهذه، كما يقول البعض، لم يتدخل بها الشيطان عمدًا، على أمل أن أيوب سيلعن الله.”
ثانيًا. أيوب يُعلن ثقته في الله فاديًا وديّانًا
أ ) الآيات (٢١-٢٢): أيوب يتوسل الرأفة من أصدقائه.
٢١تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ مَسَّتْنِي. ٢٢لِمَاذَا تُطَارِدُونَنِي كَمَا اللهُ، وَلاَ تَشْبَعُونَ مِنْ لَحْمِي؟
١. تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي: في ضوء بلاغة وحقيقة شكواه السابقة، دعا أيوب أصدقاءه أن يتَرَاءَفُوا عليه. بدل الانضمام ضده في محفل إدانة، كان ينبغي عليهم أن يتَرَاءَفُوا على هذا الشخص الذي ابتُلِيَ بِيَدِ الله.
٢. لِمَاذَا تُطَارِدُونَنِي كَمَا اللهُ: وجه أيوب نداءه إلى الله وشعر أنه لم يكن هناك رد. الآن، يناشد أصدقاءه ويأمل على الأقل أن يُوَجِّهوا قلوبهم نحوه.
ب) الآيات (٢٣-٢٩): إعلان أيوب المنتصر للإيمان.
٢٣«لَيْتَ كَلِمَاتِي الآنَ تُكْتَبُ. يَا لَيْتَهَا رُسِمَتْ فِي سِفْرٍ، ٢٤وَنُقِرَتْ إِلَى الأَبَدِ فِي الصَّخْرِ بِقَلَمِ حَدِيدٍ وَبِرَصَاصٍ. ٢٥أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ، ٢٦وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ. ٢٧الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ. إِلَى ذلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي. ٢٨فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: لِمَاذَا نُطَارِدُهُ؟ وَالْكَلاَمُ الأَصْلِيُّ يُوجَدُ عِنْدِي. ٢٩خَافُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنَ السَّيْفِ، لأَنَّ الْغَيْظَ مِنْ آثَامِ السَّيْفِ. لِكَيْ تَعْلَمُوا مَا هُوَ الْقَضَاءُ».
١. لَيْتَ كَلِمَاتِي الآنَ تُكْتَبُ: يبدو أن أيوب لم يكن لديه أي شعور بأن مأساته الشخصية وهذه الدراما بالفعل سوف تُكْتَبُ وتُرُسِم فِي سِفْرٍ ويكون كذلك لصالح عدد لا يحصى من الأجيال القادمة. لقد كُتبت كلماته وحياته بالفعل وَنُقِرَتْ إِلَى الأَبَدِ فِي الصَّخْرِ بِقَلَمِ حَدِيدٍ وَبِرَصَاصٍ!
٢. أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ: هذه ومضة أخرى من ومضات الإيمان الرائعة في خلفية أزمة ومعاناة أيوب المظلمة والكئيبة. فبالنظر إلى أن الأجيال القادمة ستنظر بالفعل إلى حياته وكلماته، دفعه هذا إلى إعلان إيمان منتصر.
• الكلمة المترجمة وَلِيّ هي goel (مُخَلّص)، وهي أحد المفاهيم الرائعة للعهد القديم. “والشفيع ‘ يوئيل Goel’ يقف إلى جانب شخص آخر للدفاع عن قضيته، والثأر من الظلم الذي ارتكب ضده، وبالتالي تبريره من جميع التهم الموجهة إليه.” مورغان (Morgan)
• “الولي (فادِي/مُخَلّص) هو من يُبرّىء من ظُلم. هو المدافع عن المظلومين. هو بطل المعاناة. محام عن متهم ظلمًا. إذا كنت مظلومًا في أي وقت، فسيأتي الفادي ويقف بجانبك كبطل ويُدافع عنك.” لوسون (Lawson)
• “معنى كلمة ’goel‘ (فادِي/مُخَلّص) أساسي لفهم هذا المقطع. الكلمة مهمة في تشريع العهد القديم. ولها جانب جنائي ومدني. وبصفته ’منتقم للدم‘ كانت مسئولية الولي الانتقام لدم قريب مقتول (سفر العدد ٣٥: ١٢-٢٨). لا يسعى إلى الانتقام، بل إلى العدالة. على الجانب المدني كان مُخلصًا أو مُدافعًا. هنا كان يتحمل مسؤولية ’إعادة الشراء‘ وبالتالي استرداد الميراث المفقود لأحد الأقارب المتوفين… على هذا النحو كان هو المدافع عن المظلومين أو بطل المظلومين.” سميك (Smick)
• “عندما أعلن أيوب، وسط الخراب، أن لديه وليّا حيًا وفاعلًا، كان ينطق بحقيقة عميقة، الحقيقة التي في الله، فللإنسان فادٍ بكل ما تحمله تلك الكلمة العظيمة من معنى. لقد كان هذا إدراكًا روحيًا لحقيقة ثابتة، والتي أصبحت تُضيء بوضوح عندما كان الله ظاهرًا بالجسد.” مورغان (Morgan)
• “علينا أن نتعزى من فكرة قرابة المسيح من شعبه لأنها كانت اختيارية. ربما لدينا بعض الأقرباء الذين نتمنى لو لم يكونوا كذلك. في كثير من الأحيان عندما يكون للإنسان الغني علاقات سيئة، فإنه يكون خجلًا نوعا ما من قرابته معهم، ويتمنى أنها لم تكن موجودة. ومن العار عليه أن يفكر هكذا! لكن علاقة ربنا يسوع المسيح بنا لم تأتِ مصادفة بالولادة، بل اختارها بنفسه.” سبيرجن (Spurgeon)
• “تذكر أيضًا أنه كان يعتبر دائمًا أن من واجب الفادي، ليس فقط الاسترداد بدفع الثمن، بل إن فشل في ذلك، فأنه يفدي بالقوة… هناك نوعان من الفداء: الفداء بالثمن والفداء بالقوة، وكلاهما صنعهما المسيح من أجلنا. كان الثمن، ذبيحته على صليب الجلجثة؛ كانت القوة، روحه القدوس الذي يسكن قلوبنا ويجدد نفوسنا.” سبيرجن (Spurgeon)
٣. أَمَّا أَنَا: نحن معجبون بيقين أيوب. كان هذا شيئًا يعرفه؛ كان أكثر بكثير من مجرد رجاء وأكثر من مجرد تخمين.
٤. أَنَّ وَلِيِّي: عرف أيوب أن لديه وَلِيًّا (فاديًا/مُخلصًا)؛ لديه شخص ينقذه من أزمته ويأسه وكل اتهام موجه إليه.
• “الآيات ٢٥-٢٧ متماسكة بإحكام بحيث لا ينبغي أن يكون هناك شك في أن الفادي (الوليّ) هو الله.” أندرسن (Andersen)
• “لم يستطع أيوب أن يفهم لماذا يتصرف الله الآن بشكل مغاير تمامًا لما كان يؤمن به دائمًا. كان يتحتم عليه الآن وبطريقة ما، أن يستعيد صداقته مع الله بوسائل تحل محل الحسابات اللاهوتية لأصدقائه. إنه يدّعي بجرأة أن الله هو أقرب قريب له.” أندرسن (Andersen)
٥. أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ: عرف أيوب أن وَلِيَّهُ (فاديه) حي، ولأنه حي، يمكنه أيضًا أن يعيد الحياة إلى أيوب.
٦. وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ: هذا يعني أن أيوب عرف أن وَلِيّهُ (فاديه) كان أكثر من مجرد مفهوم روحي. لقد كان كائنًا حيًا سيقف على الأرض للدفاع عنه في النهاية (وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ). عرف أيوب أن وَلِيّهُ (فاديه) سيأتي ليعزيه ويبرره، رغم أنه حتى هذه اللحظة كان واضحًا انه بدون تعزية واضحة من الله.
• “في نهاية الإصحاح ١٦ كان أيوب مهووسًا بفكرة أن شخصًا ما في السموات سيقف معه ويدافع عن قضيته. ولكن هنا في الإصحاح ١٩ توقع أن يشهد لبراءته على الأرض.” سميك (Smick)
٧. بَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا: في هذه المرحلة، لم يعد لدى أيوب رجاء في الحفاظ على جسده. كان يعلم أن جِلْدَهُ سوف يُفْنَى (كان بالفعل في حالة سيئة وفقًا لأيوب ٢: ٧-٨).
٨. وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ: على الرغم من أن أيوب توقع أن يكتمل فناء جلده، إلا أنه في نفس الوقت كان لديه ثقة الإيمان ليعرف أن الله لن يُخفي نفسه إلى الأبد؛ أنه “بِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ.” ستكون هذه هي لحظة راحة أيوب واستعادته وتبريره. وكان يثق بها حتى لو لم تأتِ إلا بعد انتهاء الحياة على هذه الأرض.
• “وراء السماوات، اعتقد أيوب أن هناك شخص ذو قرابة حي، رأى كل معاناته، وشفق عليه، وسيظهر يومًا ما على الأرض لإثبات براءته ويثأر الظلم الذي تعرض له. كان راضيًا أن يُسلم أمره له، ومتأكدًا من أنه لن يفشل، كما فعل أصدقاؤه.” ماير (Meyer)
• “لقد خطر لي أن أيوب نفسه ربما لم يكن يعرف المعنى الكامل لكل ما قاله. أتخيل أنه كان قابعًا في زاوية، يضايقه أصدقاؤه المزعومون، ويتهمونه بكل أنواع الشرور حتى يغلي إلى منتهى السخط، وفي الوقت نفسه، فهو يعاني من أمراض جسدية رهيبة وخسائر مروعة تكبدها. وأخيرًا، انفجر بهذا التعجب، ’سأتبرر يومًا ما. أنا متأكد من أنني سأتبرر. أعلم أن وليّي حي. أنا متأكد من أن هناك من سيبررني. وإن لم يبرئ اسمي وسمعتي ما دمت على قيد الحياة، فسيفعل هذا لاحقًا بعد موتي. لا بد أن يكون هناك إله عادل في السماء، يراني مقوَّما. وعلى الرغم من أن الديدان تلتهم جسدي حتى زوال ما تبقى منه، إلا أنني أصدق حقًا أنه، بطريقة ما، في العصور البعيدة، سيتم تبريري.” سبيرجن (Spurgeon)
• الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ: على الرغم من أن هذه الجملة تُضيء كوميض من الإيمان في خلفية مظلمة من اليأس، إلا أن هذه الثقة الجريئة لأيوب أحبطت تمامًا ثقة الشيطان في أن أيوب يمكن أن ينقلب على الله. إن قناعته وثقته، العمياء في الوقت الحالي، كانت مبنية على حقيقة أنه سَيَرى الله يومًا ما بنفسه، وهي عبارة تكررت شعريًا وبقوة للتأكيد.
• انتظارًا لتحقق كل هذا، فلا عجب أن يقول أيوب، “تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي. “مع هذا الوحي الرائع وإعلان فاديه المنتظر، فهو يراه بوضوح، رغم أنه ربما لا يعرفه، لكنه ينظر قدمًا إلى يسوع المسيح وعمله كفادٍ.
• هذا يتماشى تمامًا مع المقاطع الأخرى التي تشير إلى الله على أنه فادينا. “وإذا تم فحص الأماكن التي يُدعى فيها الله أنه الفادي في العهد القديم، فسنجد أن جميعها أو معظمها قد تكون، والبعض منها يجب أن يكون مفهومًا عن الله الابن، أو عن المسيح، كما في تكوين ٤٨ :١٦، إشعياء ٥٩: ٢٠.” بوله (Poole)
• من المهم أيضًا أن نرى في هذا النص كيف وصف يسوع بشكل رائع كفادي حي ومخلص وقريب من شعبه، وأن نرى أيضًا ظل آلام يسوع. “لغة أيوب في الإصحاح ١٩ مليئة بالنبوات التي تلقي بظلالها على صلب المسيح.” ماسون (Mason)
[اللهَ] لَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ (أيوب ٦:١٩).
[اللهَ] حَوَّطَ طَرِيقِي (أيوب ٨:١٩).
[اللهَ] أَزَالَ عَنِّي كَرَامَتِي (أيوب ٩:١٩).
[اللهَ] هَدَمَنِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَذَهَبْتُ (أيوب ١٠:١٩).
[اللهَ] وَأَضْرَمَ عَلَيَّ غَضَبَهُ، وَحَسِبَنِي كَأَعْدَائِهِ (أيوب ١١:١٩).
[اللهَ] قَدْ أَبْعَدَ عَنِّي إِخْوَتِي (أيوب ١٣:١٩).
الَّذِينَ عَرَفُونِي نَسُونِي (أيوب ١٤:١٩).
الَّذِينَ أَحْبَبْتُهُمُ انْقَلَبُوا عَلَيَّ (أيوب ١٩:١٩).
عَظْمِي قَدْ لَصِقَ بِجِلْدِي وَلَحْمِي (أيوب ٢٠:١٩).
• وصف آدم كلارك (Adam Clarke) كيف شعر أن هذا الإعلان الرائع المعطى لأيوب قد غيَّرَه، وأعطاه موقفًا مختلفًا واضحًا لبقية سفر أيوب: “ليس من المحتمل على الإطلاق أن أيوب امتلك هذه الثقة قبل أن يتفوه بهذه الكلمات: يبدو واضحًا أن هذا كان إعلانًا جديدًا مباشرًا جاء لأيوب، وإلا لما تفوه بكلمات نفاد الصبر والغضب التي نجدها في العديد من خطاباته. ويمكن الاستدلال على ذلك بشكل آمن إن فكرنا، أنه بعد هذا الوقت لم تفلت مثل هذه الكلمات من شفتيه. إنه يتحمل بقية آلامه بصبر وثبات كبيرين؛ ويبدو أنه يتطلع إلى الأمام برجاء ثابت إلى ذلك اليوم الذي ستمسح فيه كل الدموع من على الوجوه، ويثبُت تمامًا أن ديّان كل الأرض قد فعل الصواب.” يمكننا القول إن رؤية يسوع غَيَّرت أيوب وغيرته تمامًا في وسط آلامه.
٩. خَافُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنَ السَّيْفِ: بكامل الثقة الروحية والإيمان، حذر أيوب أصدقاءه من عدم ايمانهم. بدا أنهم يؤمنون بالله كنظام من المعتقدات أكثر من إيمانهم به كشخص، الذي سيراه أيوب ويبرره يوما ما.
• “تبدو كلمات أيوب الختامية، الموجهة إلى الأصدقاء، وكأنها تحذير بأنهم أيضًا يجب أن يواجهوا الدينونة. ومن المؤسف أن هذه الآيات غير مفهومة إلى حد كبير، بما في ذلك الجزء الأخير من الآية ٢٧، التي تقول: ’تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي.‘” أندرسن (Andersen)
• “كم هو مثير للاهتمام أن أيوب، حتى لو كانت ظروفه المأساوية قد أثارت فيه خوفًا جديدًا من الله، فهو لا يُظهِر أبدًا أدنى خوف من دينونة الله، بل في الواقع هو حريص على رؤيته من خلالها.” ماسون (Mason)
• لم يكن أيوب خائفًا من الدينونة، لأنه كان واثقًا من أن التهم الموجهة إليه كانت كاذبة، وأن فاديه (وَلِيِّي) سيبرره. وهكذا، فإن فادينا يطهرنا أيضًا من ذنبنا الحقيقي. “هناك فكرة أخرى مُعزية للغاية بأن شفيعنا الخاص بنا سيخلصنا من التهم الحقيقية وكذلك الكاذبة. أما بالنسبة للتهم الباطلة، فماذا يهمنا منها؟ التهم الحقيقة هي التي تهمنا حقًا: فهل يستطيع المسيح أن يخلصنا منها؟ نعم، هو يستطيع.” سبيرجن (Spurgeon)
• “لقد أُعْطِيَ الآن تنفيسًا كاملًا عن معاناته. لقد تشبث بإحساسه بالبراءة، وارتفع من يأسه إلى عُلُوٍ يرى منه، ولو للحظة واحدة وجيزة ’الأرض البعيدة جدًا‘ والشاطئ الأفضل الواقع وراء تيار الموت المظلم. وبعد ذلك، صامتًا ومرهقًا، عليه أن يستمع مرة أخرى إلى الصوت الثالث من مشيريه.” برادلي (Bradley)
